[تأتي] الصلاة في كلام العرب لمعان كما تقدم.
والصلاة التي أمر بها- ههنا-: هي الدعاء. إنما سألوه ﷺ عن صفة الصلاة، ولم يسألوه عن جنس الصلاة عليه؛ لأنهم لا يؤمرون بالرحمة، وإنما يؤمرون بالدعاء، والدعاء بألفاظ كثيرة، فسألوه: هل لذلك صفة تختص به؟ فأعلمهم بالصفة المشروعة المخصوصة به؛ أن يدعو الله تعالى أن يصلي عليه.
وقيل: في قوله ﵇: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" صلاة الله، وملائكته عليه مما تضمنته الآية. والأظهر أنها الصلاة المعهودة.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: الصلاة من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك، وقد ذكر مرة واحدة، وأريد به المعنيان جميعًا؟ وكذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ وسجود الناس غير سجود الشجر، والدواب، بل هو في السجود مجاز؟.
قلنا: اللفظ المشترك لا يمكن دعوى الاشتراك فيه؛ لأنه لم يوضع
[ ١ / ١٩٢ ]
للجمع، مثل القرء: للطهر والحيض، والجارية: للسفينة والأمة، والمشتري: للكوكب، وقابل البيع، والعرب ما وضعت هذه الألفاظ، لتستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا، نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابه، لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاده، وتشابه نسبة كل واحد من آحاد العموم على الجمع، وتشابه نسبة المفهوم في السكوت عن الجميع، لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في أماكن وقوعه على كل وجه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، وهو غفلة عن تفصيل التشابه.
قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: ونرجع إلى الانفصال عن الآية، ونقول: نتسلق إلى فتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخر؛ فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، لكن الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين؛ وهو العناية بأمر النبي [ﷺ]، لشرفه، وخدمته. والعناية من الله: المغفرة، ومن الملائكة: استغفار ودعاء؛ ومن الأمة: دعاء وصلوات، وكذلك العذر عن السجود.
وقوله: "اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته" [٦٦]. الأزواج معروفات. والذرية: من كانت للنبي ﵇، ولادة من ولده، وولد ولده، ممن تبعه وأطاعه. وأصل الذرية: النسل، مأخوذ من ذرأهم الله؛ أي: خلقهم قال ابن دريد: ذر الله الخلق: ذرأهم، كان أصله الهمز، فتركت
[ ١ / ١٩٣ ]
العرب همزه، /١٩/ب وكذلك الذرية. وقال الزبيدي: أصله: النشر، من ذر، قال غيره: أصله من الذر، فعلية منه؛ لأن الله تعالى خلقهم أولًا أمثال الذر، فلا أصل له في الهمز.
و"الآل" يقع على ذات الشيء، كما قيل: "مزامير آل داود" يريد: مزامير داود. فإن كان يبعد هنا، تأويله في آل محمد للتكرار، ويقع على ما يضاف إليه. وقيل: الوجه في آل محمد: أنهم أمته. وقيل: هو نفسه في حديث الصلاة عليه. وقيل: آله: قرابته. وقيل: إنه هو المراد في تحريم الصدقة عليه وعليهم، وهم قرابته الأدنون إليه، أو عشيرته، أو بنو هاشم فحسب، أو بنو هاشم وبنو المطلب فحسب؛ على ما وقع في ذلك من الخلاف بين الفقهاء. ومنه الحديث: "من آل محمد؟ قال: عباس، وعقيل، وجعفر، وعلي" ويكون الآل: أتباع الرجل على ما هو عليه. فيحتمل أن يريد: أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه من كل من اتبعه. وإلى هذا ذهب مالك، واحتج بقوله تعالى:
[ ١ / ١٩٤ ]
﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ والأظهر أن "الآل" الأتباع من الرهط والعشيرة.
وقوله: "وبارك على محمد" البركة- في كلام العرب-: النماء والزيادة، والتكثير من الله تعالى للخير، فيحتمل أن يريد به تكثير الثواب لهم، ورفع درجاتهم قال: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ويحتمل أن يريد به تكثير عددهم، مع توفيقهم، وقد قال ابن الأنباري: إن معنى تبارك اسمه: تقدس؛ أي: تطهر. فعلى هذا يحتمل أن يكون معنى: "بارك عليهم" طهرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: ويقال- أيضًا-: في قوله: "تبارك اسمه" إنه من البقاء والدوام، وقيل: من الجلال والعظمة، ونفى المحققون أن يتأول في وصفه معنى الزيادة؛ لأنه ينبئ عن النقصان. وقيل: باسمه وذكره تنال الزيادة والبركة.
وقوله: "فيصلي على النبي، وعلى أبي بكر وعمر" [٦٨]. معناه: عند من خصص الصلاة بالنبي ﷺ ويدعو لأبي بكر وعمر. كما رواه بعضهم، ولكنه ألحق الثاني بالأول لفظًا، كما قال الشاعر:
[ ١ / ١٩٥ ]
علفتها تبنًا وماء باردًا
وكما قال الآخر:
ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحًا