- قوله: "ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه" [٣]: أي يقترعوا، والهاء في "عليه" عائدةٌ على الصف الأول، لا على النداء؛ وهو حق الكلام أن يرد الضمير منه إلى أقرب مذكورٍ، ولا يرد إلى غير ذلك إلا بدليلٍ، وقد قيل: إنه ينصرف إلى النداء أيضًا، والوجه فيه: أن يكون مما اكتفى فيه بأحد الضميرين اختصارًا، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾.
- و"التهجير": البدار إلى الصلاة في أول وقتها، ولا يكون ذلك إلا في
[ ١ / ٩٥ ]
[صلاة] الظهر؛ لأن معنى التهجير: السير في الهاجرة، وهي القائلة.
- وقوله: "ولو حبوًا" يقال: حبا الصبي حبوًا: إذا زحف على الأرض، وحبت الناقة تحبو؛ إذا عرقبت فتحاملت على قوائمها الثلاث.
- وأما اللفظ بـ"التثويب" [٤]. فمأخوذٌ من ثاب الشيء يثوب: إذا رجع، كأن المقيم إلى الصلاة عاد إلى معنى الأذان فأثابه، يقال: ثوب الداعي؛ إذا كرر دعاءه إلى الحرب، قال حسان بن ثابتٍ:
في فتيةٍ كسيوف الهند أوجههم لا ينكلون إذا ما ثوب الداعي
وقال آخر:
[ ١ / ٩٦ ]
فخيرٌ نحن عند الناس منكم إذا الداعي المثوب قال يالا
ويقال: ثاب إلى الرجل عقله، وثاب إلى المريض جسمه، أي: عاد إلى حاله، قال عبد المطلب بن هاشمٍ، وهو بالمدينة عند أخواله بني النجار:
فحنت ناقتي فعرفت أني غريبٌ حين ثاب إلى عقلي
وقال الشاعر:
لو رأينا التأكيد خطة عجزٍ ما شفعنا الأذان بالتثويب
- وقوله: "حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى" [٦]. يروى: "يظل" بالظاء، مشالةً، وبالضاد بفتحها وكسرها. ويروى - أيضًا- بفتح "أن" وكسرها، من "أن يدري" فمن روى "يظل" بالظاء، فمعناه: حتى يصير الرجل لا يدري كم صلى؟ وقيل: "يظل هاهنا: بمعنى: يبقى لا يدري كم صلى، وأنشدوا:
ظللت ردائي فوق رأسي قاعدًا أعد الحصا ما تنقضي عبراتي
ولا تقول العرب "ظل" إلا لكل عملٍ يكون بالنهار، كما لا يقولون "بات" إلا
[ ١ / ٩٧ ]
بالليل، وربما جاء "ظل" في الليل في أشعارهم، قال عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنار به كريم المأكل
ومن روى: "يضل" بالضاد، فيقال: ضللت يا رجل، وضللت بفتح اللام الأولى وكسرها، والفتح أفصح، تَضِلُّ وَتَضَلُّ - بكسر الضاد وفتحها، والفتح أفصح- ضلالًا؛ إذا جار عن دينٍ أو طريقٍ، وفي القرآن: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وضللت الشيء وضللته: نسيته، وضللته وضللته: لم أهتد له، وضل الشي يَضِلُّ ويضلُّ؛ إذا خفا وغاب. وقريء: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ بفتح اللام، وكسرها، وفسر: إذا غبنا فيها وخفينا. وفي الحديث: "أن رجلًا قال لبنيه: إذا مت فأحرقوني، فإذا صرت حممًا، فذروني في اليم لعلي أضل الله" أي: لعلي أخفى عليه، وأغيب عنه. ورواية "أن" بالفتح من "أن يدري" عند أكثرهم، فتكون حينئذٍ بمعنى لا يدري، هذا قول أبي عمر بن عبد البر، ووهم فيه لأن
[ ١ / ٩٨ ]
المفتوحة لا تكون نفيًا، قال: وكذلك رواه جماعةٌ من الرواة عن مالكٍ بهذا اللفظ "حتى لا يدري كم صلى".
وحكى أبو إسحاق ١٠/ب/ الزجاج في "المعاني" عن بعض النحويين في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ معنى "أن" هنا "لا"؛ وإنما المعنى: ألا يؤتى أحدٌ. قال: لأن "لا" تحذف"؛ لأن في الكلام دليلًا عليها؛ قال الله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: ألا تضلوا. ومن رواها: أن يدري كم صلى؟ " فمعناه: ما يدري ما صلى؟ و"أن" بمعنى "ما" كثيرٌ.
قال الشيخ: والذي يقتضيه النظر أن من رواها بالظاء مشالةً كسر الألف من "أن" وهي بمعنى الجحد؛ أي: يظل لا يدري كم صلى؟ وأن من رواها بالضاد فتح الألف من "أن"، وكانت مع الفعل بتأويل المصدر، أي: حتى يجهل الرجل دراية ما صلى؛ وكذلك رويناه: "يظل" بالظاء، بمعنى: يقيم ويصير، و"الرجل" مرفوعٌ به، و"إن" مكسورة الهمزة، وهي حرف نفي بمعنى "ما" والجملة في موضع نصبٍ. وتقدم غلط أبي عمر في تقديره "أن" بمعنى "ما"، وأن أكثرهم يفتحها، والوجه في هذه الرواية: أن تفتح الياء الثانية من الضلال الذي يراد به الحيرة. كما يقال: ضل عن الطريق، فتكون "أن" في
[ ١ / ٩٩ ]
موضع نصبٍ بسقوط الجار. ويجوز أن يكون من الضلال الذي يراد به الخطأ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، فتكون الضاد مكسورةً، وتكون "أن" في موضع نصبٍ على المفعول الصحيح؛ لأن "ضل" [التي] بمعنى أخطأ لا يحتاج في تعديها إلى حرف جر، ويدل عليه قول طرفة:
وكيف يضل القصد والحق واضحٌ وللحق بين الصالحين سبيل
- وقوله: "ساعتان يفتح لهما أبواب السماء" [٧]. يحتمل أن يريد تفتح فيهما، ويحتمل أن تفتح أبواب السماء من أجل فضلهما.
- وقول مالكٍ: "ذلك مجزئٌ عنهم" كذا الرواية، والمشهور: أن يقال: أجزأني الشيء يجزئني بالهمز؛ أي: كفاني، وجزى عني يجزي - بغير همزٍ - أي: قضى عني، فيعدى الأول بغير حرف جرٍّ، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا
[ ١ / ١٠٠ ]
تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، واسم الفاعل منه جازٍ، قال تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾، وكان القياس أن يقال: ذلك جازٍ عنهم غير مهموزٍ، والذي روي عن مالكٍ لغةٌ، ولكنها غير مشهورةٍ.
- وقوله: "قبل أن يحل الوقت" الوجه فيه: كسر الحاء، وكذا رويناه؛ لأن معناه: يجب ويحضر، قال تعالى: ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وهكذا مستقبل حل ضد حرم، وحل من إحرامه؛ فإذا كان من الحلول بالمكان قيل: يحل - بضم الحاء-.
و"البقيع" [٩]: موضعٌ فيه أروم شجرٍ من ضروبٍ شتى؛ وأصله من البقع تخالف اللون، وكذلك كان موضع بقيع الغرقد بالمدينة، والغرقد: شجر العوسج، كانت تنبت هناك، فبقي الاسم لازمًا للموضع، وذهب الشجر.