قوله: "إذا لم تستحي فافعل ما شئت" [٤٦]. يقتضي التهديد والذم على قلة الحياء، وهو أمر بمعنى الخبر، أي: من لم يكن له حياء يحجره عن محارم الله، فسواء عليه فعل الكبائر منها والصغائر، ومن هذا المعنى حديث المغيرة بن شعبة عنه ﵇ أنه قال: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" فليس بإباحة، لكنه تقريع وتوبيخ، ومنه قول عمر: "من استطاع إلى الحج سبيلًا، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا". ومعنى: "ولم يحج" أي: ولم ير الحج واجبًا، ومن ذلك حديث أبي هريرة: "من وجد سعة ولم يضح فلا يشهد مصلانا" يقول: من ترك السنة في الضحية مع السعة، فلا يرغب
[ ١ / ١٨٤ ]
في الصلاة معنا. ومنه قول الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فافعل ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
وقال أبو دلف العجلي:
إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا وتستحيي مخلوقًا فما شئت فاصنع
ونحو منه قوله ﵇: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" أي: من كذب علي تبوأ. وكما أن الأمر قد يرد بلفظ الخبر؛ من نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾، وكذلك قد يرد الخبر بلفظ الأمر: في نحو
[ ١ / ١٨٥ ]
قولهم: أحسن، يريد: في التعجب. وقد قيل معنى حديث الباب: افعل ما شئت مما لا تستحي من فعله، أي: ما حل لك، وأبيح فافعله،/ ١٨/ب ولا تستحي منه. قال أبو عبيد: ذهب إليه جرير بن عبد الحميد، وهو معنى صحيح. ومعناه: أن يريد الرجل أن يعمل الخير، فيدعه حياء من الناس، كأنه يخاف، مذهب الرياء. وقال: وهو شبيه بالحديث الآخر: "إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي، فقال: إنك ترائي، فزدها طولًا" وقال أبو عمر- في هذا القول الثاني-: إنه تأويل ضعيف، قال: والأول أولى عند العلماء بالسنة، واللسان العربي.
قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: مال إليه أبو عمر؛ لظهوره عند أكثر الناس، وإلا فالثاني تأويل حسن متوجه.
[ ١ / ١٨٦ ]
وقوله: "والاستيناء بالسحور" يعني تأخيره إلى آخر الوقت الذي يحمد فيه الأكل.
وقوله: "لا أعلم إلا أنه ينمى" [٤٧] أي: يرفع إلى النبي ﷺ. يقال: نميت الحديث؛ إذا حدثت به على جهة الخير والصلاح ونميته- بالتشديد- إذا حدثت به على جهة الشر والفساد.