وأما قول السائل: "هل لها كيفية تعلم؟ " فهذا سؤال مُجْمَلٌ، إن أراد أنه يعلم ما يُعلم من صفاتها وأحوالها فهذا مما يُعلم، وإن أراد أنها هل لها مثل من جنس ما يَشهده من الأجسام، أو هل لها من جنس شيء من ذلك؟ فإن أراد ذلك فليس كذلك، فإنها ليست من جنس العناصر: الماء والهواء والنار والتراب، ولا من جنس أبدان الحيوان والنبات والمعدن، ولا من جنس الأفلاك والكواكب، فليس لها نظير مشهود ولا جنس معهود، ولهذا يقال: إنه لا يُعلم كيفيتها، ويقال: إنه مَن عَرَف نفسه عَرَف ربه، من جهة الاعتبار، ومن جهة المقابلة، ومن جهة الامتناع.
فأما الاعتبار، فإنه يَعلَم الإنسان أنه حيّ عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه، من أنه حيّ عليم قدير سميع بصير، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه، لم يمكن أن يَفْهَم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لِمَا في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب، لَمَا أمكنه أن يتصور ما أُخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس - ﵄ -: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.
فإن هذه الحقائق التي أُخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا، بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع عليها ما يمتنع عليها، وتكون مادّتها مادّتها، وتستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يَفسد وَيأْسَنُ، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يُصَدَّع شاربها ولا يُنْزَف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلًا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا، وأمثال ذلك، فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه عُلِم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وَصَفَ نفسه بأنه حيّ عليم سميع بصير قدير، لم يَلْزَم أن يكون مماثلًا لخلقه؛ إذ كان بُعْدُه عن مماثلة خلقه أعظم من بُعْد مماثلة كل مخلوق
[ ٢ / ٥٧٢ ]
لكل مخلوق، وكلُّ واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة وعمل، وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين!.
والله - ﷾ - سَمَّى نفسه وصفاته بأسماء، وسَمّى بها بعض المخلوقات، فسمى نفسه حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا عزيزًا جبارًا متكبرًا ملكًا رؤوفًا رحيمًا وسَمّى بعض عباده عليمًا، وبعضهم حليمًا رؤوفًا رحيمًا، وبعضهم سميعًا بصيرًا، وبعضهم مَلِكًا، وبعضهم عزيزًا، وبعضهم جبارًا متكبرًا، ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، وهكذا في سائر الأسماء، قال - ﷾ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]، وكذلك سائر ما ذُكر، لكن الإنسان يعتبر بما عَرَفه ما لم يَعْرِف، ولولا ذلك لانسدت عليه طُرُق المعارف للأمور الغائبة.
وأما من جهة المقابلة، فيقال: من عَرَف نفسه بالعبودية عَرَف ربه بالربوبية، ومن عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى، ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم، ومن عرف نفسه بالذلّ عرف ربه بالعزّ، وهكذا أمثال ذلك، لأن العبد ليس له من نفسه إلا العدم، وصفات النقص كلها ترجع إلى العدم، وأما الرب تعالى فله صفات الكمال، وهي من لوازم ذاته يمتنع انفكاكه عن صفات الكمال أزلًا وأبدًا، ويمتنع عدمها؛ لأنه واجب الوجود أزلًا وأبدًا، وصفات كماله من لوازم ذاته، ويمتنع ارتفاع اللازم إلا بارتفاع الملزوم، فلا يُعْدَم شيء من صفات كماله إلا بعدم ذاته، وذاته يمتنع عليها العدم، فيمتنع على شيء من صفات كماله العدم.
وأما من جهة العجز والامتناع، فإنه يقال: إذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه، بل هي هويته، وهو لا يَعْرِف كيفيتها ولا يُحيط علمًا بحقيقتها، فالخالق ﷻ أولى أن لا يَعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته، ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم بربه - ﷺ -: "اللهم إني أعوذ برضاك من
[ ٢ / ٥٧٣ ]
سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وثبت في "صحيح مسلم" وغيره أنه - ﷺ - كان يقول هذا في سجوده، وقد رَوَى الترمذيّ وغيره أنه كان يقوله في قنوت الوتر، وإن كان في هذا الحديث نظر، فالأول صحيح ثابت.