وأما سؤال السائل: "هل هو جوهرٌ أو عرضٌ؟ "، فلفظ "الجوهر" فيه إجمال، ومعلوم أنه لم يُرِد بالسؤال الجوهر في اللغة، مع أنه قد قيل: إن لفظ الجوهر ليس من لغة العرب وإنه مُعَرَّب، وإنما أراد السائل الجوهر في الاصطلاح من تقسيم الموجودات إلى جوهر وعَرَض، وهؤلاء منهم من يُريد بالجوهر الْمُتَحَيِّز، فيكون الجسم المتحيز عندهم جوهرًا، وقد يريدون به الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ، والعقلاء متنازعون في إثبات هذا، وهو أن الأجسام هل هي مركبة من الجواهر المفردة أم من المادّة والصورة، أم ليست مركبة من هذا ولا من هذا؟ على ثلاثة أقوال:
أصحها الثالث أنها ليست مركبةً لا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام، كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية، وهو قول جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء، كما قد بُسِط في موضعه.
والقائلون بأن لفظ الجوهر يقال على المتحيِّز، متنازعون هل يمكن وجود جوهر ليس بمتحيز؟ ثم هؤلاء منهم من يقول: كل موجود فإما جوهر وإما عَرَضٌ، وُيدخل الموجود الواجب في مسمى الجوهر، ومن هؤلاء من يقول: كل موجود فإما جسم أو عرض، ويُدخل الموجود الواجب في مسمى الجسم، وقد قال بهذا وبهذا طائفة من نظّار المسلمين وغيرهم، ومن المتفلسفة والنصارى مَن يسميه جوهرًا ولا يسميه جسمًا، وحَكَى عن بعض نظّار المسلمين أنه يسميه جسمًا ولا يسميه جوهرًا إلا أن الجسم عنده هو المشار إليه أو القائم بنفسه، والجوهر عنده هو الجوهر الفرد.
ولفظ "العرض" في اللغة له معنى وهو ما يَعْرِض ويزول، كما قال
[ ٢ / ٥٧٤ ]
تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وعند أهل الاصطلاح الكلامي قد يراد بالعَرَض ما يقوم بغيره مطلقًا، وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات، ويراد به في غير هذا الاصطلاح أمور أخرى.
ومعلوم أن مذهب السلف والأئمة وعامة أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله، وأن له علمًا وقدرةً وحياةً وكلامًا، ويسمون هذه الصفات، ثم منهم من يقول: هي صفات وليست أعراضًا؛ لأن العرض لا يبقى زمانين وهذه باقية، ومنهم من يقول: بل تسمى أعراضًا؛ لأن العرض قد يبقى، وقول من قال: إن كل عرض لا يبقى زمانين قول ضعيف، وإذا كانت الصفات الباقية تُسمى أعراضًا جاز أن تسمى هذه أعراضًا، ومنهم من يقول: أنا لا أُطلق ذلك بناءً على إن الإطلاق مستنده الشرع.
والناس متنازعون هل يُسَمَّى الله بما صَحّ معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يَرِد بإطلاقه نصّ ولا إجماع، أم لا يُطلَق إلا ما أطلَقَه نصّ أو إجماع؟ على قولين مشهورين.
وعامة النظّار يُطلقون ما لا نَصَّ في إطلاقه ولا إجماع، كلفظ القديم والذات (^١) ونحو ذلك.
ومن الناس مَن يُفَصِّل بين الأسماء التي يُدْعَى بها، وبين ما يُخْبَر به عنه للحاجة، فهو سبحانه إنما يُدعَى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
_________________
(١) في هذا نظر لا يخفى، فقد ورد إطلاق الذات، والقديم في بعض الأحاديث الصحيحة، فلا مانع من إطلاقهما، فأما الذات ففيما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من الحديث الطويل في قصّة خبيب - ﵁ -، وقوله: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِ وذَلِكَ فِي ذَاتِ الإلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ وأما "القديم" ففيما أَخرجه أبو داود بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ - ﷺ - أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم … " الحديث. والحاصل أن إطلاق الذات، والقديم على الله جائزٌ؛ لأنه وارد في النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: هو سبحانه قديم موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء، فقيل: بل هو شيء، فهذا سائغ، وإن كان لا يُدْعَى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يَدُلُّ على المدح، كقول القائل: يا شيء، إذا كان هذا لفظًا يعم كل موجود، وكذلك لفظ ذات وموجود ونحو ذلك، إلا إذا سُمِّي بالموجود الذي يجده من طلبه، كقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩]، فهذا أخصّ من الموجود الذي يعم الخالق والمخلوق.
إذا تبيّن هذا فالنفس وهي - الروح المدبرة لبدن الإنسان - هي من باب ما يقوم بنفسه التي تُسَمَّى جوهرًا وعينًا قائمة بنفسها، ليست من باب الأعراض التي هي صفات قائمة بغيرها.
وأما التعبير عنها بلفظ الجوهر والجسم، ففيه نزاع، بعضه اصطلاحي وبعضه معنويّ، فمَن عَنَى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر، ومن عَنَى بالجسم ما يشار إليه، وقال: إنه يشار إليها فهي عنده جسم، ومن عَنَى بالجسم المركب من الجواهر المفردة أو المادّة والصورة، فبعض هؤلاء قال: إنها جسم أيضًا، ومَن عَنَى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة، فمنهم من يقول: إنها جوهر، والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها، فإنه يشار إليها، وتَصْعَد وتنزل، وتخرج من البدن، وتُسَلُّ منه كما جاءت بذلك النصوص، ودلت عليه الشواهد العقلية.