وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٠١] (٨) (^١) - (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ.
(ح) … وَحَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثنا أَبِي، حَدَّثنا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيٌّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْن، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَر، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِه، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بَالْقَدَر، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْر، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَر، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْه، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْه، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَام، فَقَالَ
_________________
(١) قد سبق أن الرقم الذي صورته هكذا [١] هو رقمي الذي التزمته من أول المقدمة، وأما الرقم الذي صورته هكذا (١) فهو رقم محمد عبد الباقي - ﵀ -. فتنبّه.
[ ١ / ٥٩ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَان، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكتُبِه، وَرُسُلِه، وَالْيَوْمِ الْآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَان، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَة، قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: "فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاء، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ"، قَالَ: ثمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن (٧٤) سنة (خ م د س ق) ١/ ٣.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ، رجّح ابن معين أخاه المثنّى عليه [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٤/ ٦.
٣ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة، متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) ٣/ ٦.
٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ، عابدٌ، من كبار ٩١، (ت ١٩٦) (ع) ١/ ١.
٥ - (كَهْمَسٌ) - بفتح الكاف، وإسكان الهاء، وفتح الميم، وبالسين المهملة - وهو كهمس بن الحسن، أبو الحسن التميميّ البصريّ، ثقة [٥].
رَوَى عن أبي الطفيل، وعبد الله بن بُريدة، وعبد الله بن شقيق، وأبي السَّلِيل، ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، وسَيّار بن منظور، وأبي نَضْرة العبديّ، وغيرهم.
_________________
(١) بفتح المعجمة، وإسكان المثناة تحتُ، وبعدها مثلثة.
[ ١ / ٦٠ ]
وروى عنه ابنه عَوْن، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، ومعتمر بن سليمان، وسفيان بن حبيب، ويوسف بن يعقوب السَّدُوسيّ، ومعاذ بن معاذ، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وزيادة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، وأبو داود (^١): ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِمُ، ونَقَلَ أن ابن معين ضَعَّفه، وتبِعه الأزديّ في نقل ذلك. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٩) و(٨٦٠) و(١٠٦٩) و(١١٧٣) و(١٢٠٩) و(١٣٨٤) و(١٩٥٤) و(٣٣٨٥) و(٣٦١٢).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميُّ أبو سهل المروزيّ، قاضي مَرْوَ، أخو سليمان، وكانا توأمين، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعائشة، ويحيى بن يعمر وجماعة.
وروى عنه بشير بن المهاجر، وسهل بن بشير، وحسين بن واقد المروزيّ، وداود بن أبي الفُرَات، وسعيد الْجُرَيريّ، وكهمس بن الحسن، ومالك بن مغول، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان أَحْمَدَ منهم لعبد الله، وقال في رواية أخرى عن وكيع: كان سليمان أصحهما حديثًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: عبد الله بن بُريدة الذي رَوَى عنه حسين بن واقد ما أنكرهما! وأبو المنيب أيضًا. وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو تُمَيلة، عن رُمَيح الطائي، عن عبد الله بن بريدة: وُلدتُ لثلاث خَلَوْن من
_________________
(١) بالرفع عطف على: ابنُ أبي خيثمة.
[ ١ / ٦١ ]
خلافة عمر - ﵁ -. وقال أحمد بن سَيّار المروزي: مات بقرية من قرى مَرْوَ، وكان بينه وبين موت أخيه سليمان عشر سنين، وتُوُفِّي عبدُ الله في ولاية أسد بن عبد الله على القضاء. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قال أبو زرعة: لم يَسمع من عُمَر. وقال الدارقطنيّ في "كتاب النِّكَاح" من "السنن": لم يسمع من عائشة. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، كوفيّ، نزل البصرة. وقال أبو القاسم البغويّ: حدثني محمد بن علي الْجُوزجانيّ قال: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يُرْوَى عن بُريدة عنه، وضعَّف حديثه. وقال إبراهيم العربي: عبد الله أَتَمُّ من سليمان، ولم يسمعا من أبيهما، وفيما رَوَى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة، وسليمان أصحُّ حديثًا، ويُتَعَجَّب من الحاكم مع هذا القول في ابن بريدة، كيف يزعُم أن سند حديثه من رواية حسين بن واقد عنه، عن أبيه، أصح الأسانيد لأهل مَرْوَ.
وقال ابن حبان: وُلد عبد الله سنة (١٥)، وهو وأخوه سليمان تَوْأَم، ومات سليمان، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ووَلي أخوه بعده القضاء إلى أن مات سنة خمس وعشرة ومائة، فعلى هذا يكون عُمْرُ عبد الله مائة سنة، وقد قيل: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٧ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، والميم، بينهما مهملة ساكنة - أبو سليمان، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عَديّ الْقَيْسِيُّ الْجَدَليّ البصريّ، ثم المروزيّ قاضيها، ثقة، فصيحٌ، يرسل [٣].
رَوَى عن عثمان، وعلي، وعمار، وأبي ذر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد، وعائشة، وسليمان بن صُرَد، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي الأسود الديليّ، وجماعة.
وروى عنه يحيى بن عَقِيل، وسليمان التيمي، وعبد الله بن بُريدة، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخرساني، والرُّكَين بن الرَّبِيع، وعُمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار، وعبد الله بن كليب السدوسيّ، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سُويد، وغيرهم.
[ ١ / ٦٢ ]
قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من عائشة؟ قال: لا. وقال الحسين بن الوليد، عن هارون بن موسى: أَوَّلُ من نَقَّطَ المصاحف يحيى بن يعمر. وقال قيس بن الربيع، عن عبد الملك بن عُمير: فصحاء الناس ثلاثة: موسى بن طلحة، ويحيى بن يعمر، وقبيصة بن جابر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من فصحاء أهل زمانه، وأكثرهم علمًا باللغة، مع الورع الشديد، وكان على قضاء مرو، ولّاه قتيبة بن مسلم. وقال الدارقطني: لم يَلْقَ عَمّارًا، إلَّا أنه صحيح الحديث عمن لقيه. وقال أبو داود: بينه وبين عمار رجل. وقال ابن سعد: كان نحويًّا، صاحب علم بالعربية والقرآن، وَليَ القضاء بمرو، وكان يقضي باليمين والشاهد، وكان ثقة. وقال الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور": يحيى بن يعمر فقيهٌ أديبٌ نحويٌّ مُبَرِّزٌ، تابعيٌّ، وأكثر روايته عن التابعين، وأخذ النحو عن أبي الأسود الدِّيليّ، نفاه الحجاج إلى مرو، فقبله قُتيبة بن مسلم، وقد قضى في أكبر مُدُن خراسان، وكان إذا انتقل من بلد استَخْلَف على القضاء بها. وقال أبو الحسن علي بن الأثير الجزريّ في "الكامل": مات سنة تسع وعشرين ومائة، كذا قال، وفيه نظر، وقال غيره: مات في حدود العشرين، وقال أبو الفرج بن الجوزي: مات سنة تسع وثمانين، وقيل: إن قتيبة عزله لَمّا بلغه أنه يشرب الْمُنَصَّف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٩) و(٩٣) و(١٣٨) و(٨٥٩) و(١١٨١) و(١٦٧٤) و(٤٧٩٠) و(٤٨٩٤).
٨ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد الْعُزّى بن رِيَاح بن قُرْط بن رَزَاح بن عديّ بن كعب بن لُؤيّ بن غالب القرشيّ الْعَدَويّ، أبو عبد الرَّحمن المكيّ، ثم المدنيّ الإمام القدوة، شيخ الإسلام، أسلم قديمًا، وهو صغير، وهاجر مع أبيه، واستُصغِر في أُحُد، ثم شَهِد الخندق، وبيعة الرضوان والمشاهد بعدها.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبيه، وعمه زيد، وأخته حفصة، وأبي بكر، وعثمان، وعلي، وسعيد، وبلال، وزيد بن ثابت، وصُهَيب، وابن مسعود، وعائشة، ورافع بن خَدِيج - ﵃ -، وغيرهم.
[ ١ / ٦٣ ]
ورَوَى عنه أولاده: بلال، وحمزة، وزيد، وسالم، وعبد الله، وعبيد الله، وعمر، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله، وابن ابنه الآخر محمد بن زيد، وابن ابنه الآخر عبد الله بن واقد، وابن أخيه حفص بن عاصم بن عمر، وابن أخيه الآخر عبد الله بن عبيد الله بن عمر، ومولاه نافع، وأسلم، مولى عمر، وزيد، وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وعامر بن سعد، وحميد بن عبد الرَّحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومصعب بن سعد، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وأنس بن سيرين، وبُسْر بن سعيد، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وجَبَلَة بن سُحَيم، وحرملة مولى أسامة بن زيد، والحكم بن ميناء، وحكيم بن أبي حُرّة، وحميد بن عبد الرَّحمن الْحِمَيريّ، وأبو صالح السمان، وزاذان أبو عمر، وخلق كثير.
قالت حفصة - ﵄ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن عبد الله رجلٌ صالحٌ". وقال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا لَعَبدَ الله بن عمر. وقال جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلَّا مالت به، ومال بها إلَّا ابن عمر. وقال ابن المسيب: مات يوم مات، وما في الأرض أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منه، وقال الزهريّ: لا نَعْدِل برأيه أحدًا. وقال مالك: أفتى الناس ستين سنة. وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر. وقال أبو نعيم الحافظ: أُعطي ابن عمر القوة في الجهاد، والعبادة، والْبِضَاع، والمعرفة بالآخرة، والإيثار لها، وكان من التمسك بآثار النبي - ﷺ - بالسبيل المتين، وما مات حتى أَعْتَق ألف إنسان أو أزيد، وتُوُفّي بعد الحج. وعن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرّسنا، فانحدر علينا راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم، قال: بعني شاةً من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله - ﷿ -؟ قال ابن عمر: فأين الله؟ ثم بكي، ثم اشتراه بعدُ، فأعتقه، وفي رواية: فأعتقه، واشترى له الغنم. وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر بن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفيّة امرأته فحدّثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلّا ما هو
[ ١ / ٦٤ ]
خير من ذلك، هو حرّ لوجه الله، فكان يُخيَّل إليَّ أنه كان ينوي قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وعن عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه أن ابن عمر كاتب غُلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أبي خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تُعذّب نفسك، وابت عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يُعتقهم، ارجع إليه، فقل: عجزتُ، فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرَّحمن قد عجزتُ وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت، فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حرّ، قال: أصلحك الله أحسن إلى ابنيّ، قال: هما حرّان، قال: أصلحك الله أحسن إلى أُمَّي ولَدَيَّ، قال: هما حرّتان (^١).
وعن نافع قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتَّبع رسول الله - ﷺ - لقلت: هذا مجنون. وعن مالك عمن حدَّثه أن ابن عمر كان لتبع أمر رسول الله - ﷺ - وآثاره وحاله، ويهتمَّ به حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك. وعن عبد الله بن عمر، عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله - ﷺ - كلّ مكان صلى فيه، حتى إن النبيّ - ﷺ - نزل تحت شجرة، فإن ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصبّ، في أصلها الماء لكيلا تيبس (^٢). وعن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد (^٣). وعن مجاهد قال: قال ابن عمر: لقد أعطيت من الجماع شيئًا ما أعلم أحدًا أعطيه إلَّا أن يكون وسول الله - ﷺ -. وعن سالم عن ابن عمر قال: إني لأظن قُسم لي منه ما لم يُقسم لأحد إلَّا للنبيّ - ﷺ -، وقيل: كان ابن عمر يُفطر أول شيء على الوطء.
ورُوِي عن ابن المسيب أنه شَهِدَ بدرًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا خطأ وغلطٌ؛ لأنه ثبت في "صحيح البخاري"، أنه قال: عُرِضت على رسول الله - ﷺ - يوم أُحد، وأنا ابن
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٢١٦ - ٢١٨.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٢١٣.
(٣) إسناده صحيح. "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٢١٨ - ٢١٩ ـ
[ ١ / ٦٥ ]
أربع عشرة سنة، فلم يُجِزني، وعُرضتُ يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنةً، فأجازني. وقال ابن منده: شَهِدها، وشَهِد أحدًا من غير إجازة. وذَكَر الزبير أن عبد الملك لَمّا أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شَقّ عليه ذلك، فأَمَر رجلًا معه حَرْبةٌ، يقال: إنها كانت مسمومةً، فلما دفع الناسُ من عرفة لَصِقَ ذلك الرجل به، فأمَرّ الحربة على قدمه، فمَرِضَ منها أيامًا، ثم مات - ﵁ -.
وقال الزبير: هاجر وهو ابن عشر سنين، ومات سنة ثلاث وسبعين، وكذا أرّخه غير واحد. وقال ابن سعد: مات سنة (٧٤)، قال ابن زَبْر: وهو أثبت. وقال رجاء بن حَيْوة: أتانا نَعْيُ ابن عمر، ونحن في مجلس ابن مُحَيريز، فقال ابن محيريز: والله إن كنت أَعُدُّ بقاء ابن عمر أمانًا لأهل الأرض. ومناقبه وفضائله كثيرةٌ جدًّا.
أخرج له الجماعة، وله في "مسند بَقِيّ بن مَخْلَد" من الأحاديث (٢٦٣٠) حديثًا بالمكرّر، اتفق الشيخان على (١٦٨) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٨١) ومسلم بـ (٣١) حديثًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الحافظ الذهبيّ في "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٢٣٨، وهذا مخالف لما ثبت في برنامج الحديث، فقد أثبت للبخاريّ (٧٩) حديثًا، وللمصنّف (٥٦٦) حديثًا، فبينهما بون عظيم، والذي يظهر أن ما في البرنامج أقرب إلى الصواب، فليُحرّر، والله أعلم.
٩ - (عمر بن الخطاب) بن نُفَيْلٍ القرشيّ العدويّ، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، استُشْهِد - ﵁ - في ذي الحجة سنة (٢٣ هـ) (ع) تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٢/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، غير شيخه زُهير، في أخرج به الترمذيّ، وعبيدِ الله بنِ معاذ، في أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المراوزة.
[ ١ / ٦٦ ]
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتّصال، على الراجح في "عن" من غير المدلّس بالشرط الذي سبق بيانه في شرح المقدّمة، وهو أن يكون الْمُعَنْعِنُ لقي المعنعن عنه، وسمع منه على القول الذي رجحته هناك، أو عاصره مع إمكان اللقيّ على ما هو مذهب المصنّف، وقد استوفيت تحقيق ذلك في محلّه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: كهمس، عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر.
٦ - (ومنها): أن جملةَ من اسمه كَهْمَس في الكتب الستّة اثنان فقط، هذا عند الجماعة، وكهمس بن المنهال السدوسيّ البصريّ اللؤلؤيّ صدوقٌ رُمي بالقدر من الطبقة التاسعة، عند البخاريّ فقط.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيٍّ، والابن عن أبيه: عبد بن عمر عن أبيه له.
٨ - (ومنها): أن كهمسًا، وابن بُريدة، ويحيى بن يعمر هذا أول محلّ ذكرهم من هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لكهمس تسعة أحاديث فقط، ولابن بُريدة (١٨) حديثًا، وليحيى ثمانية أحاديث فقط، وقد ذكرتها آنفًا.
٩ - (ومنها): أن الإمام مسلمًا - ﵀ - سلك في هذا الكتاب طريقةً في الإتقان، والاحتياط، والتدقيق، والتحقيق، مع الاختصار البليغ، والإيجاز التامّ، في نهايةٍ من الحسن، مُصَرِّحةٍ بغزارة علومه، ودقة نظره وحذقه، وذلك يظهر في الإسناد تارةً، وفي المتن تارةً، وفيهما تارةً، فينبغي للناظر في كتابه أن ينتبه لهذا، فإنه يجد عجائب من النفائس والدقائق، تَقَرُّ بآحاد أفرادها عينه، وينشرح لها صدره، وتُنَشِّطه للاشتغال بهذا العلم.
قال النوويّ - ﵀ - بعد ذكره ما سبق: ولا يُعْرَف أحدٌ شارك مسلمًا في هذه النفائس التي يشير إليها، من دقائق علم الإسناد، وكتاب البخاريّ وإن كان أصحّ وأجلّ، وأكثر فوائدَ في الإحكام والمعاني، فكتاب مسلم يَمتاز بزوائدَ من صَنْعَة الإسناد، وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما يَنشرح له صدرك، ويزداد به
[ ١ / ٦٧ ]
الكتاب، ومصنِّفُهُ في قلبك جلالةً - إن شاء الله تعالى -، انتهى (^١).
قال: فإذا تقرر ما قلته، ففي هذه الأحرف التي ذكرها من الإسناد أنواع مما ذكرته.
فمن ذلك أنه قال أوّلًا: "حدثني أبو خيثمة"، ثم قال في الطريق الآخر: "وحدثنا عبيد الله بن معاذ"، ففرّق بين "حدثني"، و"حدثنا"، وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصَّنْعَة، وهي أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: "حدثني"، وفيما سمعه مع كيره من لفظ الشيخ: "حدثنا"، وفيما قرأه وحده على الشيخ: "أخبرني"، وفيما قرئ بحضرته في جماعة على الشيخ: "أخبرنا"، وهذا اصطلاح معروف عندهم، وهو مستحب عندهم، ولو تركه، وأبدل حرفًا من ذلك بآخر صَحّ السماع، ولكن ترك الأَولى. والله أعلم.
وإلى هذا أشار السيوطيّ - ﵀ - في "ألفيّة المصطلح" بقوله:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
وَحَيْثُ شكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ … أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدْ
١٠ - (ومنها): قوله: في الطريق الأول: "حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر"، ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية "عن كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى"، فقد يقال: هذا تطويل لا يليق بإتقان مسلم، واختصاره، فكان ينبغي له أن يَقِفَ بالطريق الأول على وكيع، ويجتمعُ معاذ ووكيعٌ في الرواية عن كهمس، عن ابن بريدة.
قال النوويّ - ﵀ -: وهذا الاعتراض فاسد، لا يَصْدُر إلَّا من شديد الجهالة بهذا الفن، فإن مسلمًا - ﵀ - يسلك الاختصار، لكن بحيث لا يَحصُل فيه خلل، ولا يفوت به مقصود، وهذا الموضع يحصل في الاختصار فيه خلل، ويفوت به مقصود.
وذلك لأن وكيعًا قال: "عن كهمس"، ومعاذًا قال: "حدثنا كهمس"، وقد عُلِم بما قدمناه في "باب المعنعن" أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن،
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٥١.
[ ١ / ٦٨ ]
ولم يختلفوا في المتصل بـ "حدثنا"، فأتى مسلم - ﵀ - بالروايتين كما سُمِعَتَا؛ لِيُعْرَف المتفق عليه من المختلف فيه، وليكون راويًا باللفظ الذي سمعه، ولهذا نظائر في مسلم ستراها مع التنبيه عليها - إن شاء الله تعالى - وإن كان هذا ظاهرًا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن، إلَّا أني أُنَبِّه عليه لغيرهم، ولبعضهم ممن قد يَغْفُلُ، وكلهم من جهة أخرى، وهو أن يُسقِطُ عنهم النظرَ، وتحريرَ العبارة عن المقصود.
وهنا أيضًا مقصود آخر، وهو أن في رواية وكيع قال: "عن عبد الله بن بريدة"، وفي رواية معاذ قال: "عن ابن بريدة"، فلو أتى بأحد اللفظين حَصَل خللٌ، فإنه إن قال: "ابن بريدة" لم نَدْرِ ما اسمه؟ وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة"؟ وإن قال: "عبد الله بن بريدة" كان كاذبًا على معاذ، فإنه ليس في روايته "عبد الله"، والله أعلم.
وأما قوله في الرواية الأولى: "عن يحيى بن يعمر" فلا يظهر لذكره أوّلًا فائدة، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا "يحيى بن يعمر"؛ لأن الطريقين اجتمعتا في "ابن بريدة"، ولفظهما عنه بصيغة واحدة.
قال النووي: إلَّا أني رأيت في بعض النسخ في الطريق الأولى: "عن يحيى"، فحسبُ، وليس فيها "ابن يعمر"، فإن صحّ هذا فهو مزيل للإنكار الذي ذكرناه، فإنه يكون فيه فائدةٌ، كما قرّرناه في "ابن بريدة". انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): قوله: "حدثنا عبيدُ الله بن معاذ، وهذا حديثه"، فهذه عادة لمسلم - ﵀ -، قد أكثر منها، وقد استعملها غيره قليلًا، وهي مُصَرِّحةٌ بما سبق من بيان شدَّة تحرِّي مسلم - ﵀ -، وورعه، واحتياطه، ومقصودُهُ أن الراويين اتفقا في المعنى، واختلفا في بعض الألفاظ، وهذا الذي أورده هنا هو لفظ عبيد الله عن أبيه، وأما أبو خيثمة عن وكيع، فقد رواه بمعناه. والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): كتابة: (ح) بعد يحيى بن يعمر في الرواية الأولي، فهي حاء التحويل، من إسناد إلى إسناد آخر، فيقرؤها القارئ إذا انتهى إليها كما كُتبت، فيقول: " (ح) قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ .. " إلخ، وهذا هو
[ ١ / ٦٩ ]
المختار كما أسلفنا بحثه في مقدّمة شرح "المقدّمة"، وإلى هذا أشار السيوطيّ - ﵀ - في "ألفيّة الحديث" حديث قال:
وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ … فَقِيلَ مَنْ "صَحَّ" وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ
مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ … أَوْ حَائِلٍ وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدّ
[تنبيه]: نختم به اللطائف الإسناديّة؛ اعتذارًا عن التطويل في بيان هذه الفوائد الإسناديّة، وكذا ما سيأتي في فوائد الحديث، ومذاهب العلماء، ونحو ذلك، مما ستراه مطوّلًا - إن شاء الله تعالى - بما ختم به الإمام النوويّ - ﵀ - بعد ذكره الفوائد الإسناديّة هنا، قال رحمه الله تعالى: ما نصّه:
فهذا ما حضرني في الحال في التنبيه على دقائق هذا الإسناد، وهو تنبيه على ما سواه، وأرجو أن يُتَفَطَّن به لما عداه، ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح أن يَسْأَم من شيء من ذلك، يجده مبسوطًا واضحًا، فإني إنما أقصد بذلك - إن شاء الله الكريم - الإيضاح، والتيسير، والنصيحة لمطالعه، وإعانته، وإغنائه من مراجعة غيره في بيانه، وهذا مقصود الشروح، فمن استطال شيئًا من هذا، وشبهه فهو بعيد من الإتقان، مباعد للفلاح في هذا الشأن، فَلْيُعَزِّ نفسَهُ؛ لسوء حاله، وليرجع عما ارتكبه من قبيح فِعاله، ولا ينبغي لطالب التحقيق، والتنقيح، والإتقان، والتدقيق، أن يلتفت إلى كراهة، أو سآمة ذوي البطالة، وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة، بل يَفْرَح بما يَجده من العلم مبسوطًا، وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحًا مضبوطًا، ويحمد الله الكريم على تيسيره، ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه هايضاحه وتقريره، وفّقنا الله الكريم لمعالي الأمور، وجَنَّبَنَا بفضله جميع أنواع الشرور، وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار الْحُبُور والسرور. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (^١).
فيا أيها الأخ الحبيب، والطالب اللبيب عليك أن تجعل نصيحة هذا الإمام المحقّق نُصب عينيك، كلما استشعرت بشيء من التكرار والتطويل في هذا الشرح؛ لتظفر بكنوز المعلوم الحديثيّة، من الفوائد الإسناديّة،
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٥٢ - ١٥٣.
[ ١ / ٧٠ ]
والمتنيّة، وغيرها، فإن ذلك هو المقصود الأعظم من قراءة كتب الحديث، زادني الله تعالى وإياك الحرص على التحقيق، والغوص في علم الحديث، فإنه البحر الْخِضَمّ العميق، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيهٌ آخر]: حديث عمر - ﵁ - هذا لم يخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فذكر في "الفتح" سبب ذلك، فقال: إنما لم يخرجه؛ للاختلاف فيه على بعض رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ، وتابعه مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمو، وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قال: عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرَّحمن معًا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حميدًا وحميدٌ له في الرواية المشهورة ذكرٌ، لا رواية، وأخرج مسلم هذه الطرق، ولم يسق منها إلَّا متن الطريق الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير، سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر، فأخرجها أبو عوانة في "صحيحه" وغيره، وأما رواية سليمان التيمي، فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث، فأخرجها أحمد في "مسنده"، وقد خالفهم سليمان بن بريدة، أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن عند النبي - ﷺ -، فجعله من مسند ابن عمر، لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضًا، وكذا رواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، وكذا رُوِي من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني.
وفي الباب: عن أنس، أخرجه البزار، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، وإسناده حسن، وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، وفي إسناده خالد بن يزيد، وهو العمري، ولا يصلح للصحيح، وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد، وإسنادهما حسن، وفي كلّ من هذه الطرق فوائد، سنذكرها - إن شاء الله تعالى - في أثناء الكلام على حديث الباب - يعني حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي - قال: وإنما جمعت طرقها هنا،
[ ١ / ٧١ ]
وعزوتها إلى مخرِّجيها؛ لتسهيل الحوالة عليها، فرارًا من التكرار، المباين لطريق الاختصار" .. انتهى كلام صاحب "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا - بعون الله تعالى - سألخّص ما ذكره صاحب "الفتح" وغيره من اختلاف هذه الطُرق، وما احتوت عليه من الفوائد في شرح هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى وليُّ التوفيق، ومنه العون والعصمة، وعليه التكلان.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله المذكور في السند الماضي (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) - بفتح الميم، ويقال: بضمها، وهو غير مصروف؛ لوزن الفعل، أنه (قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ) وفي بعض النسخ: "بالقدر" بالموحدة، والمراد أَوَّلُ من قال بنفي القدر، فابتدع، وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق، و"القدر" - بفتح الدال، وإسكانها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي، وقالهما غيره (^٢).
يقال: قَدَرْتُ الشيءَ مخفّفَ الدال، أَقْدِره، وأَقْدُرُه، من بابيّ ضرب، ونصر، قَدْرًا بسكون الدال، وقَدَرًا بفتحتين: إذا أحطتَ بمقداره، ويقال فيه: قدّرت أُقدّر تقديرًا مشدّد الدال للمبالغة، فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه أنه تعالى عَلِمَ مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه فلا مُحْدَثَ في العالم العلويّ والسفليّ إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلّت عليه البراهين، وقد حكى أرباب المقالات عن طوائف من القدريّة إنكار كون الباري - ﷾ - عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله تعالى محال، وهذا هو الذي
_________________
(١) راجع "الفتح" ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٢) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٥٣ - ١٥٤.
[ ١ / ٧٢ ]
أنكرهُ عليهم ابن عمر - ﵄ - وتبرّأ منهم، وسيأتي تمام البحث فيه في "المسألة الخامسة" - إن شاء الله تعالى -.
(بِالْبَصْرَةِ) - بفتح الباء الموحّدة، وضمها، وكسرها ثلاث لغات، حكاها الأزهري، والمشهور الفتح، ويقال لها: الْبُصَيرة بالتصغير، قال صاحب "المطالع": ويقال لها: تَدْمُر، ويقال لها: المؤتفكة؛ لأنَّها ائْتُفِكَت بأهلها في أَوّل الدهر، والنسب إليها بَصْريّ - بفتح الباء، وكسرها، وجهان مشهوران، قال السمعانيّ: يقال: البصرة قُبَّةُ الإسلام، وخزانة العرب، بناها عُتْبة بن غَزْوَان في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - بناها سنة سبع عشرة من الهجرة، وسَكَنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يُعْبَد الصنم قط على أرضها، هكذا كان يقول لي أبو الفضل، عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة، قال أصحابنا: والبصرة داخلة في أرض سواد العراق، وليس لها حكمه (^١). انتهى كلام السمعانيّ.
(مَعْبَدٌ) - بفتح الميم -، وسكون العين المهملة، وفتح الموحّدة - (الْجُهَنِيُّ) - بضمّ الجيم: نسبة إلى جُهَينة؛ لأن القاعدة أنه إذا نُسب إلى فُعَيْلَة مصغّرًا، وإلى فَعِيلَة مكبِّرًا تُحذف ياؤه، وتفتح اللام، كما قال في "الخلاصة":
وَفَعَلِيٌّ فِي فَعِيلَةَ الْتُزِمْ … وَفَعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
قال السَّمْعاني في "كتاب الأنساب": "الْجُهَنِيُّ" - بضم الجيم، وفتح الهاء -: نسبة إلى جُهَينة، وهي قبيلةٌ من قُضَاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضَاعة، نزلت الكوفة، وبها محلة تنسب إليهم، وبعضهم نزل البصرة، قال: وممن نزل جهينة، فنُسب إليهم مَعبْدَ بن خالد الْجُهَنيّ، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة يعده مسلكه، لَمّا رأوا عَمْرو بن عُبَيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف صَبْرًا" وقيل: إنه معبد بن عبد الله بن عُويمر. انتهى كلام السمعانيّ (^٢).
وفي "تهذيب التهذيب": "معبد" الْجُهَنِيّ البصريّ، يقال: إنه ابن عبد الله بن
_________________
(١) "الأنساب" ١/ ٣٧٩.
(٢) "الأنساب" ٢/ ١٦٦ - ١٦٧.
[ ١ / ٧٣ ]
عُكَيم، ويقال: ابن عبد الله بن عُوَيمِر، ويقال: ابن خالد، رَوَى مرسلًا عن حذيفة بن اليمان، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وروى عنه الحسن، وقتادة، ومالك بن دينار، ومعاوية بن قرة، وعوف الأعرابي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث، وكان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسًا في القدر، قَدِمَ المدينة فأفسد بها أُناسًا. وذكره أبو زرعة الرازي في أسامي الضعفاء، ومن تُكُلِّم فيهم. وقال الدارقطني: حديثه صالح، ومذهبه رديء. وقال محمد بن شعيب بن شابور عن الأوزاعي: أول من نَطَقَ في القدر رجل من أهل العراق، يقال له: سُوسن، كان نصرانيًّا، فأسلم، ثم تنصّر، فأخذ عنه معبد الجهنيّ، وأخذ غَيْلان عن معبد. وقال مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبيه، وعمه: كان الحسن يقول: إياكم ومعبدًا فإنه ضالٌّ مُضلّ، وجاء مثل ذلك عن الحسن من وجوه. وقال أبو سعيد مولى بني هاشم: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر عن أبيه قال: قال أصحاب مسلم بن يسار: كان مسلم يقعُد إلى هذه السارية، فقال: إن معبدًا يقول بقول النصارى. وقال ابن عيينة: قال عمرو بن دينار: قال لنا طاوس: احذروا معبدًا. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن جعفر - يعني ابن سليمان - حدثنا مالك بن دينار قال: لقيت معبدًا الجهني بمكة بعد ابن الأشعث، وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها، فقال: لقيت الفقهاء والناسَ، لم أر مثل الحسن، يا ليتنا أطعناه. وقال ضمرة بن ربيعة، عن صدقة بن يزيد: قتله الحجاج. وقال خليفة بن خياط: مات بعد الثمانين وقبل التسعين. وقال إبراهيم بن هشام الغساني: حدثني أبي عن أبيه قال: كان معبدٌ أولَ من تكلم في القدر، فقتله عبد الملك، وأَرَّخ سعيد بن عُفير قتله في سنة ثمانين، رَوى له ابن ماجة حديث معاوية: "إياكم والتمادح". وقال العجلي: تابعي ثقةٌ كان لا يُتَّهَم بالكذب. وقال الجوزجاني: كان رأس القدرية. انتهى (^١).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ١١٦ - ١١٧.
[ ١ / ٧٤ ]
وفي رواية ابن منده في "الإيمان": من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يَتَوَثَّب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفَرّض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زَعَم أن الْعِلْم أُنُفٌ، من شاء عَمِل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلَّا يُثْبِت القدر، ثم إنِّي حججت أنا وحميد بن عبد الرَّحمن الحميري … الحديث.
(فَانْطَلَقْتُ) أي ذهبتُ (أَنَا) ضمير منفصلٌ أتى به ليعطف على الضمير المتّصل ما بعده، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفًا على الضمير المتّصل، وحميد هذا تابعيّ بصريّ، ثقة، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" عند قوله: "وأسند حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أحاديث … " إلخ (الْحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى حِمْيَر، من أصول القبائل باليمن (^١) (حَاجَّيْنِ) منصوب على الحال (أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ) الظاهر أن "أو" للشكّ من الراوي، ووقع في بعض النسخ بالواو التي للجمع، فيكونان قارنين (^٢).
(فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب رَضِي، "ولو" هنا بمعنى "ليت"، نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر: ٢]، ونحو قول امرئ القيس [من الطويل]:
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَرًا … عَلَيَّ حِرَاصًا لَوْ يُشِرُّونَ (^٣) مَقْتَلِي
(أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْنَاهُ) أي ذلك الأحد (عَمَّا يَقُولُ
_________________
(١) "لبّ اللباب" ١/ ٢٥٩.
(٢) "شرح الأبيّ" ١/ ٥٢.
(٣) من أشرّ الشيءَ: إذا أظهره، ويروى: "لَوْ يُسِرُّون" بالسين المهملة، وهو أجود. أفاده في "اللسان" ٤/ ٤٠٢.
[ ١ / ٧٥ ]
هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ) إشارة إلى معبد وأصحابه، أي عما يتكلَّمون به من نفي القدر (فَوُفِّقَ لَنَا) - بضم الواو، وكسر الفاء المشددة - قال صاحب"التحرير": معناه: جُعِل وَفْقًا لنا، وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال: أتانا لِتَيْفَاق الهلال، ومِيفَاقه: أي حين أَهَلَّ، لا قبله، ولا بعده، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام، وفي "مسند أبي يعلى الموصلي": "فوافق لنا، بزيادة ألف والموافقة: المصادفة. قاله النوويّ (^١).
(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) - ﵄ -، فـ "عَبد الله" بالرفع على أنه تائب فاعل "وُفِّقَ" (دَاخِلًا الْمَسْجِدَ) منصوب على الحال من "عبد الله"، والمراد بالمسجد المسجد النبويّ، فقد بيّنته رواية ابن منده في "كتاب الإيمان"، ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، وفيه: "فلما قضينا حجنا قلنا: نأتي المدينة، فنلقى أصحاب رسول الله - ﷺ -، فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة … " الحديث.
(فَاكتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاجبِي) أي صِرْنا في كنفيه، يعني بجانبيه ناحيتيه؛ لأن كنفا الطائر: جناحاه، وأراد بصاحبه حميد بن عبد الرَّحمن، ثم فسر الاكتناف بقوله: (أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ) فيه تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه، وَيحُفُّون به. قاله النوويّ.
وقال القرطبيُّ - ﵀ -: وإنما جاءاه كذلك تأدّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانب واحد لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئة أحسن ما أمكنهما. انتهى (^٢).
ويحتمل - كما قال بعضهم - أنه لكراهة السلف المشي خلف الرجل؛ لما فيه من الشهرة، أو لكونه أمكن للسؤال. والله تعالى أعلم.
(فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي) أي حميد بن عبد الرَّحمن (سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ) معناه: أنه يسكت، ويُفَوِّضه إليَّ لإقدامي، وجرأتي، وبَسْطَةِ لساني، فقد صرَّح في رواية ابن منده بذلك، ولفظه: قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل
_________________
(١) "شرح النووي" ١/ ١٥٥.
(٢) "المفهم" ١/ ١٣٤.
[ ١ / ٧٦ ]
تسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه، وفي رواية: "فقدّمني حميد للمنطق، وكنت أجرأ على المنطق منه".
قال القرطبيّ - ﵀ -: وإنما قال هذا منه اعتذارًا عن توهَّم اعتراض يُنسب إليه فيه قلَّة المبالاة بصاحبه، واستئثاره عليه بالمسابقة إلى الكلام، فبيّن وجه اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه عَلِم من صاحبه أنه يَكِلُ الكلام إليه، فإما لكونه أحسن منه سؤالًا، وأبلغ بيانًا، وإما لحياء يَلحَق صاحبه يمنعه من السؤال، وإما إيثارًا له (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ لكونه صرّح به في كلامه السابق عند ابن منده، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر - ﵄ - (إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ) أَي فشا مذهبهم وانتشر، وهو من الظهور الذي يضادّ الخفاء (يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) هو بتقديم القاف على الفاء، ومعناه: يطلبونه، ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغارية من طريق ابن ماهان: "يتَفَقَّرُونَ"، بتقديم الفاء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه يبحثون عن غامضه، ويستخرجون خَفِيَّه، ورُويَ في غير مسلم: "يَتَقَفَّوْن" بتقديم القاف، وحذف الراء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه أيضًا: يتتبعون، قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه: "يَتَقَعَّرُون" بالعين، وفَسَّره بأنهم يطلبون قعره، أي غامضه، وخَفِيَّه، ومنه تَقَعَّرَ في كلامه: إذا جاء بالغريب مثه، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: "يَتَفَقَّهُون" بالهاء بدل الراء، وهو ظاهرٌ. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وهذه اللفظة - يعني "يَتَقَفَّرُونَ" - بتقديم القاف، وتأخير الفاء، أي يتَّبعون، ويجمعون، يقال: اقتفر أثَرَهُ: أي تتبّعه، ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء، وتأخيرِ القاف (^٣)، أي إنهم يُخرجون غامضه،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٣٤.
(٢) "شرح المسلم" ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٣) قيل: رواية ابن ماهان أشبه بسياق الحديث؛ لأن تفقَّر بتقديم الفاء بمعنى بحث، وبحث أخصّ من طلب، وهذه الطائفة كانت من الذكاء، وصحَّة القريحة بمنزلةٍ؛ =
[ ١ / ٧٧ ]
ويبحثون عن أسراره، ومنه قول عمر بن الخطاب - وذكر امرأ القيس - فقال: افتقر عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ، بَصَرًا، أي فتح عن معانٍ غامضةٍ مُبصرًا (^١)، ورُوي في غير كتاب مسلم "يتقفّون" بواو مكان الراء، من قفوتُ أثره، أي تتبعته، وهو من القفاء، وكلّها واضح. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: وفي حديث الْقَدَر "قبلنا ناسٌ يتفقّرون العلم"، هكذا جاء في رواية بتقديم الفاء على القاف، والمشهور العكس، قال بعض المتأخّرين: هي عندي أصحّ الروايات، وأليقها بالمعني، يعني أنهم يستخرجون غامضه، ويَفتحون مُغْلَقَه، وأصله من فَقَرْتُ البئرَ: إذا حفرتها لاستخراج مائها، فلما كان القدريّة بهذه الصفة من البحث والتتبّع لاستخراج المعاني الغامضة بدقائق التأويلات وَصَفَهم بذلك. انتهى كلامه (^٣).
ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج": "ويتفقّدون العلم" بالدال المهملة بدل الراء (^٤).
_________________
(١) = لأن معنى "وذكر من شأنهم" وعظّم أمرهم في العلم، بحيث يُكترث بقولهم، وإذا كانوا كذلك فالأشبه أن يُعبّر عنهم بما معناه يبحثون، لا يطلبون. اهـ "شرح الأبي" ١/ ٥٤.
(٢) أثر عمر - ﵁ - هذا ذكره ابن الأثير هكذا في "النهاية" ٣/ ٤٦٤ ولم يَعْزُهُ إلى من أخرجه، فالله تعالى أعلم. وقال في "شرح الأبي" ١/ ٥٤: وقول عمر ذلك قاله للعباس حين سأله عن الشعراء، فقال: امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عن عين الشعر، فافتقر عن معان عُور أصحّ بصر، فخسف من الخسيف، وهي البئر تُحفر في الحجارة، فيخرج منها الماء الكثير، قال ابن رشيق: ومعنى عُور بضم العين يريد أنه يمانيّ النسب، نزاريّ الولد، واليمن ليس لها فصاحة نزار، ومع ذلك فقد ابتكر معاني عُورًا فتح عنها أصحّ بصر، قيل: ولم يسبق الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء استحسنها الشعراء، فتبعوه فيها، فلهذا كان أول من لطف المعاني، فاستوقف على الطلول، وشبّه النساء بالظباء، والمهار البيض، وشبّه الخيل بالعقبان، وفرق في القصيد الواحد بين السب والمدح، وغير ذلك من محاسنه. انتهى.
(٣) "المفهم" ١/ ١٣٥.
(٤) "النهاية" ٣/ ٤٦٤.
(٥) "المستخرج" ١/ ٩٩.
[ ١ / ٧٨ ]
(وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) أي عظّم أمرهم في الذكاء، والجدّ في طلب العلم، وإنما ذكر له ذلك من أوصافهم تنبيهًا له على الاعتناء بمقالتهم، والبحث عنها ليوضح أمرها، فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلَّا إيضاحٌ بالغ، وبرهانٌ واضح، ولَمّا فَهِمَ ابنُ عمر - ﵄ - ذلك أفتى بإبطال مذهبهم وفساده، وحكم بكفرهم، وتبرّأ منهم، واستدلّ على ذلك بالدليل القاطع عنده. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وحكم بكفرهم"، سيأتي تحقيق القول في كفرهم في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "وذكر من شأنهم" هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بُرَيدة الراوي عن يحيى بن يعمر، يعني وذكرَ ابنُ يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم، والاجتهاد في تحصيله، والاعتناء به. انتهى.
وقال السنوسيّ - ﵀ -: فيكون من حذف المفعول تعظيمًا له بالإبهام، أي ذكر من شأنهم في البحث عن العلم، واستخراج غوامضه شيئًا عظيمًا، أو بالتعميم؛ لتذهب النفس فيه كلّ مذهب ممكنٍ.
ويحتمل أن يكون الغرض في حذفه ضدّ ما أشير إليه، وذلك صون اللسان عن ذكره، ويكون المعنى: وذكر من شأنهم في نفي القدر والابتداع في العقائد ما يجب صون اللسان عن ذكره، وعلى كلّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد في العلم، والتوسّع فيه الموجب لهم القدوة، وتقليد الغير المبالغةُ في استدعاء ابن عمر - ﵄ - الاستفراغ الوسع في النظر فيما يزعمون؛ لأن أقوال الأغبياء قد يَهْتَبِلُ العلماءُ بشأنها، ويكتفون في ردّها بأدنى نظر، فجواب ابن عمر - ﵄ - بعد تلك الأوصاف من أثبت شيء، وأحقه. وقد يكون الغرض في ذكر ما وصفهم به من العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون إظهارَ التشكِّي، والتلهّف بما نال المسلمين من مصيبتهم، إلَّا أن هذا إنما يحسُن إذا كان ابن عمر قد أحسّ ببدعتهم، وسوء نظرهم، وإنما سأل ابن عمر - ﵄ - ليتحقّق العلم من معدنه،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٣٥.
[ ١ / ٧٩ ]
ويرسخ ما كان في رويّته، وهذا هو الظاهر؛ إذ يبعُد أن يخفى أمر أقوالهم على مثل يحيى بن يعمر، ويدلّ عليه قوله: "ويزعمون" على ما يأتي في معنى الزعم، ومن هنا يصحّ أن يكون الغرض من ذكر أوصافهم مجموعَ الأمرين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنوسيّ رحمه الله تعالى (^١).
(وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ) بضم العين من باب نصر، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس، ويُطلق بمعنى القول، ومنه زعمت الحنفية كذا، وزعم سيبويه كذا، أي قال، وعليه قوله - ﷿ -: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢] أي كّما أخبرت، ويُطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وأكئر ما يُطلق على الباطل، أو على ما فيه ارتياب، وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زعمًا، قال خبرًا لا يُدرى أحقّ هو أو باطلٌ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير ابن القُوطية هو المناسب هنا، وقد سبق البحث عن معنى الزعم في شرح المقدمة مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(أَنْ) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي أنه (لَا قَدَرَ) بفتح
_________________
(١) "شرح السنوسيّ" ١/ ٥٤ - ٥٥.
(٢) راجع "المصباح المنير" ٢/ ٢٥٣. وقال الأبيّ في "شرحه" ١/ ٥٥: الزعم بالضم اسم، ويالفتح مصدر زعم: إذا قال قولًا حقّا، أو كذبًا، أو قولًا غير موثوق به، فمن الأول حديث "زَعَمَ جبريل"، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التغابن: ٧]، ومن الثالث بيت الأعشى: وَنُبِّئْتُ قَيْسًا وَلَمْ أَبْلُهُ … كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أَهْلِ الْيَمَنْ فقال الممدوح: وما هو إلَّا الزعم، وَأَبَى أن يُثيبه، والحديث من الثاني، وأما حديث الترمذيّ: "بئس مطيَّة الرجل زعموا"، فجعله ابن عطية من الثاني، واختُلف في قول سيبويه: زعم الخليل، فجعله النووي من الأول وجعله ابن عطيّة من الثالث. انتهى. قال الجامع: جعل ابن عطية قول سيبويه من الثالث فيه نظر لا يخفي، فالصواب قول النوويّ. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٨٠ ]
الدال، وسكونها، كما تقدَّم بيانه (وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ) بضم الهمزة، والنون: أي مستّأنفٌ"، لم يَسبِق به قَدَرٌ، ولا علمٌ من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، كما قدَّمنا حكايته عن مذهبهم الباطل، وهذا القولُ قولُ غُلَائِهِمْ، وليس قول جميع القدريّة، وكذّبَ قائله، وضَلَّ، وافترى - عافانا الله، وسائر المسلمين - قاله النووىّ (^١).
وقال القرطبيّ: أي مستأنفٌ، ومعناه عندهم أنه لم تسبق به سابقةُ علم الله، ولا مشيئته، وإنما أفعال الإنسان موجودة بعلم الإنسان، واختياره كما تقدَّم من مذهبهم، وأُنُفُ كلّ شيء: أوّله، ومنه أنف الوجه؛ لأنه أوّل الأعضاء في الشخوص، وأنفُ السيل: أوله، كما قال امرؤ القيس:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ … لَاحِقُ الأَيْطَلِ مَحْبُوكٌ مُمَرّ
ورَوْضٌ أُنُفٌ: لم يُرْعَ قبلُ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ: لم يُشرَب قبلُ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، أي هذه الساعة المستأنفة. انتهى (^٢).
(قَالَ) ابن عمر - ﵄ - (فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ) أي الذين ذكرت أوصافهم (فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ) أي من عقيدتهم الخبيثة، وعند أبي عوانة في "المستخرج": (فقال عبد الله: أبلغوهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء" (وأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي) قاله تبرؤًا من أهل البدع والمعاصي، كما أمر الله - ﷾ - نبيّه - ﷺ - بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١]، (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) كناية عن الحلف باسم الله تعالى، فإنه هو الذي كان يحلف به حيث أمر به في قوله - ﷺ -: "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمُت"، متفق عليه، وإنما لم يتلفّظ به إجلالًا لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذ عُرْضَةً لكثرة الإيمان بها. والله تعالى أعلم.
(لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ) منصوب على أنه اسم (أنَّ) مؤخَّرًا، والجار والمجرور خيرها (ذَهَبًا) منصوب على التمييز، أي من ذهب، قال نفطويه:
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٥٦.
(٢) "المفهم" ١/ ١٣٥ - ١٣٦.
[ ١ / ٨١ ]
سُمّي الذهب ذهبًا؛ لأنه يذهب، ولا يبقى (^١) (فَأَنْفَقَهُ) أي في سبيل الله تعالى، أي طاعته، كما جاء في رواية أخرى (مَا) نافية (قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا صريحٌ في أنه كفّرهم بذلك القول المحكيّ عنهم؛ لأنه حَكَمَ عليهم بما حكم الله به على الكفّار في الآية المتقدّمة، وقد قلنا: إن تكفير هذه الطائفة مقطوعٌ به؛ لأنهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: هذا الذي قاله ابن عمر - ﵄ - ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض - ﵀ -: هذا في القدرية الأُوَلِ الذين نَفَوا تَقَدُّمَ علمِ الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين يُنكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة.
وقال غيره: ويجوز أنه لَمْ يُرِد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة، فيكون من قبيل كفران النعم، إلَّا أن قوله: "ما قبل الله منه" ظاهرٌ في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلَّا أنه يجوز أن يقال في مسلم: لا يُقْبَل عمله؛ لمعصيته، وإن كان صحيحًا، كما أن الصلاة في الدار المغصوية صحيحة، غير مُحْوِجة إلى القضاء عند جماهير العلماء، بل بإجماع السلف، وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا - انتهى كلام النوويّ (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه إجماع العلماء في صحة الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة، فإن الإمام أحمد - ﵀ - يقول بعدم صحَّتها، وهو الصواب، كما حقّقته في نظمي في أصول الفقه، وشرحه، فراجعه تستفد علومًا جمّة، والله تعالى ولي التوفيق.
ثم إن الخلاف في تكفير القدريّة سيأتي تفصيله، وترجيح الراجح منه في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ قَالَ) ابن عمر - ﵄ - (حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، فـ "عمر" بالرفع بدل من "أبي"، وقوله: (قَالَ) تفسير لـ "حدّثني" (بَيْنَمَا) هي "بين" الظرفيّة
_________________
(١) "شرح مسلم للنووي" ١/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) "المفهم" ١/ ١٣٦.
(٣) "شرح مسلم" ١/ ١٥٦.
[ ١ / ٨٢ ]
زيدت عليها "ما"، لتكفّها عن عملها الخفضَ لِمَا دخلت عليه، ومثلها "بينا" زيدت عليها الألف، في بعدهما مرفوع بالابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من يخفضه، كقول الشاعر:
بَيْنَا تَعَانِقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
رُوي بخفض "تعانقه" ورفعه، وعلى هذا فـ "ما"، والألف ليستا للكفّ.
ويكثر اقتران جوابهما بـ "إذ"، و"إذا" الفجائِيَّتَيْن، كما في هذا الحديث، حيث قال: "إذ طلع"، وتقول: بينما زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو، ومنه قوله [من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
وقد يجيء بدونهما، فتقول: بينا زيد جالسٌ، دخل عليه عمرو (^١).
وقال صاحب "النهاية": "بينا" هي "بين" فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، يقال: "بينا"، و"بينما" وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ومُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، كما يستدعي "إذا"، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه "إذ"، و"إذا"، وقد جاء في الجواب كثيرًا، وفي "اللباب": قال الأصمعيّ: لا يُستفصح إلَّا طرحهما في جواب "بينا"، و"بينما"، وأنشد:
فَبَيْنَا نَرْقُبُهُ أَتَانَا … مُعَلَّقَ وَفْضَةٍ وَزِنَادَ رَاعِ
لأن الظاهر أن العامل في "بينا" هو الجواب، كما في "إذا" الزمانيّة على الصحيح، ويلزم تقدّم ما في حلة المضاف إليه على المضاف، قال شارحه: "بينا"، و"بينما" ظرفان متضمّنان لمعنى الشرط، فلذلك اقتضيا جوابًا، والقياس أن لا يكون "إذا" في جوابه، فعلى هذا يكون "أتانا" عاملًا في "بينا"، مع أنه مضاف إليه، لا يتقدّم على المضاف، وفيه نظر، انتهى كلامه.
قال الطيبيّ: فيقال: لا ريب أن عمر وأبا هريرة - ﵄ - كانا أفصح من الشاعر، وقد أتيا بـ "إذ" في الحديث، فحينئذ يكون العامل معنى المفاجأة في "إذ"، كما قرّر صاحب "الكشّاف" في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
_________________
(١) راجع "لسان العرب" ١٣/ ٦٦.
[ ١ / ٨٣ ]
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أن العاملَ في "إذا" المفاجأة، تقديره: وقتَ ذكر الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار، فمعنى الحديث: وقتَ حضورنا في مجلس رسول الله - ﷺ - فاجأنا وقع طلوع ذلك الرجل، فحينئذ "بينا" ظرف لهذا المقدَّر، و"إذا" مفعول به بمعنى الوقت، فلا يلزم إذًا تقدَّم معمول المضاف إليه على المضاف، وقد ساعد هذا القول صاحب "اللباب" بعد ذلك بقوله: والعامل فيهما الجواب إذا كان مجرَّدًا من كلمتي المفاجأة، وإلا فمعنى المفاجأة المتضمّنة هما إياه، وقوله: "هما": أي "إِذْ"، و"إِذا"، و"إياه" أي ذلك المعنى، ويدلُّ على تضمّنهما معنى الشرط التصريح بالفاء في الجواب في قوله - ﷺ -: "بينا يضحكهم، فطعنه النبيّ - ﷺ - … " الحديث، رواه أبو داود عن أُسيد بن حُضير (^١). انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
(ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيام، فـ "ذات" مقحمة، وقيل: هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يُجيز ذلك.
وقال السنوسيّ رحمه الله تعالى: "ذات" صلة للتوكيد، ترفع احتمال أن يراد باليوم مطلق الزمان، فهي مع اليوم بمنزلة رأيت عين زيد، وهو ظرف، والعامل فيه معنى الاستقرار الذي في الخبر. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: "ذات يوم" ظرف لمعنى الاستقرار في الخبر، و"ذات" يجوز أن تكون صلة، قال صاحب "النهاية": في الحديث: "يَطلُع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك"، كذا أورده عمر الزاهد، وقال: "ذي" هنا صلةٌ، وأن تكون غيرَ صلةٍ، وفي "المغرب": "ذو" بمعنى الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مُجرى
_________________
(١) هو ما أخرجه أبو داود في "سننه" (٥٢٢٤) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن أُسيد بن حُضير رجل من الأنصار قال: بينما هو يحدث القوم، وكان فيه مِزاح، بينا يُضْحِكهم، فطعنه النبي - ﷺ - في خاصرته بعود، فقال: أصبرني، فقال: "اصطبر"، قال: إن عليك قميصًا، وليس عليّ قميصٌ، فرفع النبي - ﷺ - عن قميصه، فاحتضنه، وجعل يُقَبِّل كشْحَهُ، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٢١.
(٣) "شرح الأبيّ" ١/ ٥٩.
[ ١ / ٨٤ ]
الأسماء التامَّة المستقلّة بأنفسها، فقالوا: ذات قديمة أو مُحدثةٌ، ثم استعملوها استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله: إ ذات يوم" يفيد من التوكيد ما لا يفيده لو لَمْ يُذكَر؛ لئلا يُتوفم التجوّز إلى مطلق الزمان، نحو قولك: رأيت نفس زيد، وقولك: رأيت زيدًا. انتهى (^١).
(إِذْ طَلَعَ) قال الأبيّ: لَمْ يقل: دخل؛ إشعارًا بعظم الرجل؛ لأنه استعارة من طلعت الشمس، وفي ضمن كلامه أنهم تعجّبوا من سورة إتيانه الموهمة أنه جنيّ، أو ملكٌ؛ لأنه لو كان بشرًا لكان إما من المدينة، أو قربها، والأول منتفٍ؛ إذ لَمْ يعرفه منهم أحدٌ، والثاني كذلك؛ إذ ليس عليه أثر سَفَرٍ ونحوه. انتهى (^٢) (عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي ملك، في صورة رجل، و"إذ": هي الفجائيّة: أي فاجأنا طلوع رجل، و"طلع علينا" من باب منع، ونصر: أي أتانا، ومثله "اطّلع"، أفاده في "القاموس". (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) بفتح العين المهملة، وسكونها، زاد في رواية ابن حبّان: "سواد اللحية" (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي "مستخرج أبي نعيم": "لا نَرَى عليه أثرَ سفر، ولا يعرفه منا أحد".
قال النوويّ - ﵀ - في "شرحه" لهذا الكتاب: ضبطناه بالياء المثنَّاة، من تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه في "الجمع بين الصحيحين"، وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العُذْريّ بالنون المفتوحة، وكذا هو في "مسند أبي يعلى الموصلى"، وكلاهما صحيح. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هكذا مشهور رواية هذا اللفظ "يُرى" مبنيًّا لما لَمْ يُسمّ فاعله بالياء باثنتين من تحتها، "ولا يعرفه" بالياء أيضًا، وقد رواه أيو حازم العذريّ: "لا نَرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه" بالنون فيهما، مبنيًّا للفاعل، ونون الجماعة، وكلاهما واضحُ المعنى. انتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ في "التفسير": "إذ أتاه رجل يمشي"، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذز عند النسائيّ: "وإنا لجلوس، ورسول الله - ﷺ - في مجلسه، إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٢٢.
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٨٥ ]
ريحًا، كأن ثيابه لَمْ يمسها دنس، حتى سلّم في طرَف البساط، فقال: السلام عليكم يا محمد".
(وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) يعني أنهم تعجّبوا من كيفيّة إتيانه، ووقع في خاطرهم أنه إما ملكٌ، أو جنّيّ؛ لأنه لو كان بشرًا إما أن يكون من المدينة، أو غريبًا، ولم يكن من المدينة؛ لأنهم لَمْ يعرفوه، ولم يكن إتيانه من بعيد؛ لأنه لَمْ يكن عليه أثر السفر، من الغبار وغيره.
(حَتَّى جَلَسَ) غاية لمحذوف، أي دنا حتى جلس .. إلخ، وقال الطيبيّ: متعلّق بمحذوف، تقديره: استأذن، وأتى حتى جلس .. إلخ.
(إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ـ) قيل: إنما لَمْ يقل: بين يديه؛ لأن له دالّةَ الشيخ (^١)؛ إذ لَمْ يأت متعلِّمًا، وإنما أتى معلّمًا (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) يقال: أسند: إذا اتّكأ على شيء، وأوصل، وإنما جلس هكذا؛ ليتعلّم الحاضرون جلوس السائل عند المسئول؛ لأن الجلوس على المركبة أقرب إلى التواضع والأدب، واتّصال ركبة السائل بركبة المسئول يكون أبلغ في استماع كلّ واحد من السائل والمسئول كلام صاحبه، وأبلغ في حضور القلب، والزم للجواب؛ لأن الجلوس على هذه الهيئة دليل على شدّة حاجة السائل إلى السؤال، وتعلّق قلبه، واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا عَرَف المسئول هذا الحرص والاحتياج من السائل يُلزم نفسه جوابه، ويبالغ في تفهيمه الجواب أكثر وأتمّ مما سأل السائل (^٢).
(إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي إلى ركبتي النبيّ - ﷺ -، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه"، وابن منده في "الإيمان": "بينا نحن جلوس عند رسول الله - ﷺ - في أناس، إذ جاء رجل ليس عليه سَحْنَاءُ السفر (^٣)، وليس من أهل البلد، فتَخَطّى حتى وَرَكَ (^٤) بين
_________________
(١) قال في "اللسان" ١١/ ٢٤٨: الذالّة: المِنة، يقال: دَلّ يَدِلُّ - من باب ضرب -: إذا منّ بعطائه، قال: وفلانٌ يُدل بصحبته إدلالًا ودَلالًا ودالّةً: أي يجترئ عليك، كما تُدلّ الشابّة على الشيخ الكبير بجمالها. انتهى.
(٢) راجع "الكاشف" ٢/ ٤٢٢.
(٣) أي: هيئة السفر، وأثره.
(٤) يقال: وَرَكَ يَرِكُ وَرَكًا، من باب وَعَد، وتورَّك، وتوارك: إذا اعتمد على وَرَكِه. أفاده في "القاموس" ص ٨٦٠.
[ ١ / ٨٦ ]
يدي رسول الله - ﷺ - كما يجلس الرجل في الصلاة، ثم وَضَع يده على ركبتي رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد … "الحديث.
(وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) قال النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلّم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفيه على فخذي النبيّ - ﷺ -؛ لما وقع من التصريح به في رواية ابن حبان وابن منده المذكورة، وكذا وقع التصريح به في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهما عند النسائيّ: قالا: كان رسول الله - ﷺ - يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يَدرِي أيهم هو؟ حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله - ﷺ - أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دُكّانًا من طين، كان يجلس عليه، وإنا لجلوس، ورسول الله - ﷺ - في مجلسه، إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لَمْ يَمَسَّها دَنَسٌ، حتى سلم في طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇، قال: أَدْنُو يا محمد؟ قال: ادْنُهْ، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا ويقول له: ادن، حتى وضع يده على ركبتي رسول الله - ﷺ -.
وكذا في حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري - ﵃ -: "ثم وضع يده على ركبتي النبي - ﷺ -. قال في "الفتح": فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "على فخذيه" يعود على النبي - ﷺ -، وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؟ لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثًا؛ لأنه نَسَقُ الكلام، خلافًا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ النبي - ﷺ - منَبِّه للإصغاء إليه. انتهى.
وعبارة الطيبي: قال الشيخ التوربشتيّ: الضمير في الكلمتين راجع إلى جبريل - ﵇ -، فلو ذهب مؤوّل إلى أن الثاني يعود إلى رسول الله - ﷺ - لَمْ يُنكَر عليه؛ لما يدلّ عليه نَسق الكلام من قوله: "وأسند ركبتيه إلى ركبتيه"، غير أنا نذهب إلى الوجه الأول؛ لأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت ذوي الأدب، وذهب محيي السنة إلى الوجه الثاني في كتابه المُسَمَّى
[ ١ / ٨٧ ]
بـ "الكفاية"، وكذا إسماعيل بن الفضل التيميّ في كتابه المسمَّى بـ "الترغيب والترهيب".
قال الطيبيّ: وأقول: لعل هذا الوجه أرجح؛ لأن الأصل في إسناد الركبة إلى الركبة أن يكون الاعتماد والاتّكاء عليه، فإذا لا يبعُدُ وضع جبريل - ﵇ - يديه على فخذي رسول الله - ﷺ - على تلك الحالة، فأشعرت تلك الهيئة بأنها ليست كهيئة التلميذ، وكذا نداؤه لرسول الله - ﷺ - باسمه، بل هما من هيئة الشيخ إذا اهتمّ بشأن التعليم، وأراد مزيد إصغاء المتعلّم وإفهامه، فكيف لا؟ وقد شَهِد الله تعالى به في قوله - ﷿ -: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]، وكفى يه شاهدًا، وينصره أيضًا أمران:
[أحدهما]: قوله: "جلس إلى النبيّ - ﷺ -"، فلو كان جلوسه جلوس المتعلّم لقيل: بين يديه، فضلًا أن يقال: عنده، فكيف بقوله: "جلس إليه"؛ لأنه متضمّن معنى الميل والإسناد، كأنه قيل: مال إليه حالة جلوسه، وأسند إليه، فيكون عطف قوله: "وأسند ركبتيه" على قوله: "جلس إليه" للبيان والتفسير، كعطف قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]؛ لما يُعلم من المعطوف كون قلوبهم أقسى من الحجارة.
[وثانيهما]: قوله: "صدَقتَ"، وإنما يقال هذا إذا طابق قول المسئول عنه قول السائل؛ لأنه إذا عرف أن المسئول عنه أصاب المخبر، وطبَّق المفصل صوّبه، ولهذا السرّ قالوا: "فَعَجِبْنَا من قوله: صدقت".
وأيضًا في إيثار "إذ طلع علينا" على "إذ دخل" إشارة إلى عظمته وعلوّه، قال الراغب الأصبهانيّ: طلع علينا فلان مستعار من طلعت الشمس (^١)، وقال في "الكشّاف": في قوله - ﷿ -: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]: ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب (^٢)، فحينئذ يتعلّق قوله: "حتى" بمحذوف يدلّ عليه "طلع"، أي دنا منه حتى جلس إليه.
_________________
(١) راجع: "المفردات" للراغب، مادة "طلع".
(٢) راجع: "الكشاف" تفسير سورة مريم ص ٧٨.
[ ١ / ٨٨ ]
وإذا تقرَّر هذا فصورة هذه الحالة كصورة المعيد (^١) إذا امتحنه الشيخ عند حضور الطلبة، والمستفيدين منه؛ ليزيدوا طمأنينةً وثقةً في أنه يُعيد الدرس، ويُلقي إليهم المسألة كما سمعه من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان، وفيه مسحة من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥]، وهذا معنى قوله - ﷺ - في آخر الحديث: "ذاك جبريل أتاكم يُعلِّمكم دينكم".
وأما سرّ إسناد ركبتيه إلى ركبتيه، ففيه إشارة إلى سابقة بينهما، وشدَّة إخلاص واتِّحاد كما بين المتحابّين، ولله دَرُّ القائل [من الطويل]:
أَخٌ طَاهِرُ الأَخلَاقِ حُلْوٌ كَأَنَّهُ … جَنَا النَّحْلِ مَمْزُوجٌ بِمَاءِ غَمَامِ
يَزِيدُ عَلَى الأَيَّامِ صَفْوَ مَوَدَّةٍ … وَشِدَّةَ إِخْلَاصٍ وَرَعْيَ ذِمَامِ
انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع: والمحاصل أن كون الضمير للنبيّ - ﷺ - متعيّن؛ لتصريح الرواية المذكورة، فلا مجال لتفسيره بفخذ جبريل - ﵇ -، وأما الذين رجحوا كونه لجبريل - ﵇ - فلعدم اطلاعهم على الرواية المصرّحة بالأول، فتنبَّه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": فيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصَّفْح عما يبدو من جفاء المسائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغه في تعمية أمره؛ ليقوي الظن بأنه من جُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس، حتى انتهى إلى النبي - ﷺ - كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد وجاء ماشيًا، ليس عليه أثر سفر.
[فإن قيل]: كيف عَرَف عمر - ﵁ - أنه لَمْ يعرفه أحد منهم.
[أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين. وهذا الثاني - كما قال الحافظ - أولي، فقد جاء ذلك في رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا".
_________________
(١) وهو الذي يتولَّى إعادة الدرس نيابةً عن الشيخ للطلبة.
[ ١ / ٨٩ ]
وأفاد مسلم، في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي من رواية عمارة بن القعقاع، سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: "قال رسول الله - ﷺ -: سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل … "، ووقع في رواية ابن منده، من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول الله - ﷺ - يخطب، إذ جاءه رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالسًا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى "فتح" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت في رواية حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ المتقدّم عند النسائيّ قوله: "حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇ … "، قال في "الفتح": ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: "السلام عليك يا رسول الله"، وفي رواية مطر الوراق: "فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ادن"، ولم يذكر السلام.
فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو يا رسول الله، وهل سلم، أو لا؟ فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه.
وقال القرطبي. بناء على أنه لَمْ يسلم، وقال: يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولًا بندائه باسمه، لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب أن يحمل على تصرّف الرواة، فيقال: إنه قال: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول الله؛ لأن هذا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم.
ووقع عند القرطبي: أنه قال: "السلام عليكم يا محمد"، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.
[ ١ / ٩٠ ]
قال الحافظ: والذي وقفت عليه من الروايات، إنما فيه الإفراد، وهو قوله: "السلام عليك يا محمد". انتهى.
(أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ) قال الطيبيّ - ﵀ -: الإسلام: الانقياد، والطاعة عن الطوع والرغبة من غير اعتراض، يقال: سلّم، وأسلم، واستسلم: إذا خضع، وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: الإسلام في اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو في الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قال - ﷺ - فيما رواه أنس - ﵁ - عنه: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب"، ذكره ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ١١/ ١١ (^٢). انتهى (^٣).
وإنما بدأ بالإسلام؛ لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثَنّى بالإيمان؛ لأنه يتعلّق بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا: "فقال: يا رسول الله، ما الإيمان"، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مِصْدَاقَ الدعوى، وثَلّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما.
ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه من الترقّي، ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله تعالى أعلم. قاله الحافظ - ﵀ -، وهو حسن.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْإِسْلَامُ) أعاده، ووضعه موضع ضميره؛ لإرادة
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٤٢٤.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وزاد: "ثم يشير إلى صدره، ويقول: التقوى ههنا، التقوى ههنا". وفي سنده علي بن مسعدة، ضعفه البخاريّ وغيره، ووثقه آخرون، وضعف بعضهم هذا الحديث بسببه، وعندي أنه حسن الحديث. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٩٢ .. والله تعالى أعلم.
(٣) "المفهم" ١/ ١٣٩.
[ ١ / ٩١ ]
الإيضاح (أَنْ) هي المصدريّة الناصبة للمضارع، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو شهادة أن لا إله إلَّا الله (تَشْهَدَ أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، يدلّ عليه عطف قوله: "وأن محمدًا"، والتقدير: أنه، والضمير للشأن (لَا إِلَهَ) "لا" هي النافية للجنس على سبيل التنصحص على نفي كلّ فرد من أفراده، وقوله: (إِلَّا اللهُ) قيل: خبر "لا"، وقيل: الأحسن أن الخبر محذوف، أي لا معبود بحقّ إلَّا الله (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا". قال النووي في "شرحه": يحتمل أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛ لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها، من عطف الخاص على العام.
قال الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبّر في حديث عمر - ﵁ - هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله"، فدل على أن المراد بالعبادة في حديث أبي هريرة - ﵁ -، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولَمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك.
[فإن قيل]: السؤال عامّ؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاصّ؟ لقوله: "أن تشهد"، وكذا قال في الإيمان: "أن تؤمن"، وفي الإحسان "أن تعبد".
[والجواب]: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر، وبين "أن" والفعل؛ لأن "أن تفعل" تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدلُّ على زمان، على أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: "شهادة أن لا إله إلَّا الله"، وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم، وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: "يعلم الناس دينهم".
(وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد في حديث أبي هريرة الآتي: "المكتوبة": أي
[ ١ / ٩٢ ]
المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع، وقال الأعشى [من البسيط]:
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وقيل: إنها مأخوذة من الصَّلَا، والصلا: عِرْقٌ عند أصل الذَّنْب، ومنه قيل للفرس الثاني في الْحَلْبَة: مصَلٍّ؛ لأن رأسه عند صَلا السابق، قال الشاعر [من المتقارب]:
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقُ … بِأَنْ قِيلَ فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا (^١)
والأول أولى وأشهر، وهي في الشرع: أفعال مخصوصةٌ، بشروط مخصوصة، الدعاء جزء منها. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: إقامة الصلاة: تعديل أركانها وإدامتها، والصلاة فَعَلَةٌ، من صَلّى: بمعنى دعا، أو حرّك الصّلَوين (^٢)؛ لأن المصلّي يُحرّكهما في ركوعه وسجوده، كالزكاة من زَكَى: بمعنى نما، أو طهر، فإن المال يزيد بأداء الزكاة، ويطهر به، وكالصوم، من صام: إذا أمسك، والحجّ، من حجّ: إذا قصد البيت. انتهى (^٣).
(وَتُؤْتِي) أي تعطي (الزَّكَاةَ) وعبّر بالإيتاء إشارةً إلى أنه لا بدّ من التمليك، زاد في رواية أبي هريرة - ﵁ - الآتية: "المفروضة". قال القرطبيّ: الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء من مال المسلم الحر زكاةً؛ لأنَّها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنَّها قد نمت، وبلغت النصاب، أو لأنَّها تنمي المال بالبركة، وحسنات مؤديها بالتكثير. انتهى.
_________________
(١) "العذار": هو ما سال على خدّ الفرس من اللجام.
(٢) الصلوين: مثنى صَلا، وهما ما يكون عن يمين الذّنَب وشماله.
(٣) "الكاشف" ٢/ ٤٢٤.
[ ١ / ٩٣ ]
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ) الصوم: هو الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكًا عن الكلام، وقال الشاعر [من البسيط]:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. قاله القرطبيّ.
وقوله: "رمضان" أي الشهر المسمّى بهذا الاسم، وهو من رَمِضَ: إذا احترق من الرمضاء، وسمّي به لارتماضهم من حرّ الجوع، أو من حرارة الزمان الذي وقع فيه، أو لأنه تحترق به الذنوب، وتمحى به العيوب، أو لأنه تزول معه حرارة الشهوات.
وفيه جواز ذكره من غير إضافة اسم "شهر" إليه، وهو الصحيح، وما ورد من ذلك؛ لا يصحّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى -.
(وَتَحُجَّ الْبَيْتَ) أي الحرام، فـ "أل" للعهد، أو هو اسم جنس، غَلَب على الكعبة، وصار علمًا لها، فاللام فيه جزء، كـ "النجم"، قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَـ "الْعَقَبَهْ"
والحجّ: لغة القصد، أو القصد المتكرّر مطلقًا، أو إلى معظّم، قال الشاعر [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
وهو في الشرع: القصد إلى بيت الله المعظّم في وقت مخصوص؛ لفعل عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرئ بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] أآل عمران: ٩٧]. وسيأتي بيان كلّ ذلك مستوفى في مَحَلِّهِ من هذا الشرح - إن شاء الله تعالى -.
وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه" من طريق سليمان التيميّ، عن يحيى بن يعمر: "وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء … " الحديث.
(إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ) أي إلى البيت، أو إلى الحج، أي إن أمكن لك
[ ١ / ٩٤ ]
الموصول إليه، والاستطاعة: هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧]. قاله القرطبيّ.
[فإن قلت]: كيف خَصّ الأخير بقيد الاستطاعة، دون سائرها، مع أن الاستطاعة التي يتمكن بها المكلّف من فعل الطاعة مشروطة في الكلّ؟
[أجيب]: بأن الْمَعْنِيّ بالاستطاعة هنا الزادُ والراحلةُ، وكانت طائفة من الناس لا يُعِدُّونَهُمَا له، فيكونون كَلًّا على الناس، فنهوا عن ذلك، فقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان أهل اليمن يَحُجّون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِمُوا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وعند ابن أبي حاتم بلفظ، "يقولون: نحجّ بيت الله، أفلا يُطعمنا".
وقال بعضهم: لعل الحكمة في هذا أن يكون حُجَّةً على الأغنياء التاركين للحج، وقد أعطاهم الله تعالى مالًا وقدرةً.
وإيراد الأفعال المضارعيّة؛ لإفادة الاستمرار التجدّديّ لكل من الأركان المخمسة، ففي التوحيد المطلوب الاستمرار الدائم مدة الحياة، وفي الصلاة دون ذلك، وفي الصوم والزكاة دونها، وقدّم الصوم لتعلّقه بجميع المكلّفين، وأخّر الحجّ؛ لأنه لا يجب في العمر إلَّا مرّة واحدة.
(سَبِيِلًا") تمييز عن نسبة الاستطاعة، فأخر عن الجارّ؛ ليكون أوقع، وهي الطريق الذي فيه سهولة، وتُستعمل في كلّ ما يُتوصّل به إلى شيء، وتنكيره لإفادة العموم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] (^١).
[تنبيه]: قد اختلف الرواة في ذكر الحجِّ هنا، فمنهم من ذكره، كرواية كهمس هذه، ومنهم من أسقطه، إما غفلة، أو نسيانًا.
قال في "الفتح": [فإن قيل]: لِمَ لَمْ يذكر الحج؟ - يعني عند بعض الرواة - أجاب بعضهم باحتمال أنه لَمْ يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن
_________________
(١) راجع: "المرقاة" ١/ ١١٤.
[ ١ / ٩٥ ]
منده في "كتاب الإيمان" بإسناده الذي على شرط مسلم، من طريق سليمان التيمي، في حديث عمر - ﵁ - أوله - أن رجلًا في آخر عمر النبي - ﷺ -، جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره - ﷺ - يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فإنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الإحكام، لتقرير أمور الدين التي بَلَّغها متفوقة، في مجلس واحد؛ لتنضيط. ويُستنبط منه جواز سؤال العالم، ما لا يجهله السائل؛ ليعلمه السامع.
وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لَمْ يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكَر الصلاة، والزكاة فحسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدًا على الشهادتين، وذَكَر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله: "وتحج": "وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتَمِّم الوضوء"، وقال مطر الوراق في روايته: "وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة"، قال: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى ما في "الفتح" (^١).
(قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ) زاد في رواية ابن حبان قبله: "قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم؟ " قال: "نعم"، وكذا في بقيّة الأسئلة (قَالَ) أي عمر - ﵁ -، ففي رواية أبي عوانة في "المستخرج": فقال عمر … " (فَعَجِبْنَا لَهُ) وفي رواية النسائي بلفظ "إليه" بدل "له" (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائي: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه"، وفي رواية مطر الوراق: "انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه"، وفي حديث أنس: "انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه"، وفي رواية سليمان بن بريدة قال القوم: "ما رأينا رجلًا مثل هذا، كأنه يُعَلِّم رسول الله - ﷺ -، يقول له: صدقت صدقت".
_________________
(١) ١/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ١ / ٩٦ ]
قال القرطبي: إنما عَجِبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي - ﷺ -، لا يُعرَف إلَّا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي - ﷺ -، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف، محقّق مصدّق؛ فتعجبوا من ذلك، تعجب المستبعد لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسئول عنها من غير جهة النبيّ - ﷺ -. انتهى (^١).
[فإن قلت]: قدّم في هذه الرواية السؤال والجواب عن الإسلام، على السؤال والجواب عن الإيمان، وإن كان هو مقدّمًا في الاعتبار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] إذ عليه يؤسّس قاعدة الإسلام.
[أجيب]: بأن المقام يقتضي تقديم الإسلام؛ لأنه رأس الأمر، وعموده، وبه تظهر شعائر الدين، وهو دليل على التصديق، وأَمَارة عليه، وما جاء جبريل - ﵇ - إلَّا ليُعلّم الناس الشريعة، فينبغي أن يبدأ بما هو الأهمّ، فالأهمّ، ويترقّى من الأدنى إلى الأعلى، فإن الإسلام مقدّم على الإيمان، وهو على الإخلاص الذي هو معنى الإحسان (^٢). والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الايمَانِ) قال الطيبيّ: الإيمان: إفعالٌ من الأمن، وهو طمأنينة النفس عن إزالة خوف وشكّ، يقال: آمنه: إذا صدّقه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة. انتهى (^٣).
(قَالَ) - ﷺ - (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبّة، وغيرها، وأنه منزّه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام، والمتحيّزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء من التصرّفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥١.
(٢) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٢٥.
(٣) "الكاشف" ٢/ ٤٢٤.
[ ١ / ٩٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة" حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله - ﷺ - من غير تحريف، ولا تعطيل ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله - ﷾ -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون في أسمائه، وآياته، ولا يكيّفون، ولا يمثّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه - ﷾ - لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه - ﷾ -، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فسبّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنّة والجماعة عمّا جاء به المرسلون، فإنّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصرًا.
وقال في "الفتح": قوله: "قال: الإيمان: أن تؤمن بالله … " إلخ: دل الجواب أنه عَلِم أنه ساله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق. وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله"، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عدَّاه بالباء: أي أن تصدق، معترفًا بكذا.
قال الحافظ: والتصديق أيضًا يُعَدَّى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: "أن تؤمن" ينحل
[ ١ / ٩٨ ]
منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزَّهٌ عن صفات النقص. انتهى كلامه، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
(وَمَلَائِكَتِهِ) قال ابن الأثير: جمع مَلأَكٍ في الأصل، ثم حُذفت همزته؛ لكثرة الاستعمال، فقيل: مَلَكٌ، وقد تحذف الهاء، فيقال: ملائك، وقيل: أصله مَأْلَكٌ بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قدّمت الهمزة، وجُمع. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: أَلَكَ بين القوم أَلْكًا، من باب ضَرَبَ، وأُلُوكًا أيضًا: تَرَسَّل، واسم الرسالة مَأْلُكٌ بضم اللام، ومَأْلُكةٌ أيضًا بالهاء، ولامها تُضمّ وتُفتح، والملائكة مشتقّة من لفظ الأُلُوكة، وقيل: من الْمَأْلَك، الواحد مَلَكٌ، وأصله مَلأَكٌ، ووزنه مَفْعَلٌ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسَقَطت، فوزنه مَعَلٌ، فإن الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأَكَ: إذا أرسل، فملأَكٌ مَفْعَل، فنُقلت الحركة، وسَقَطت الهمزة، وهي عينٌ، فوزنه مَفَلٌ، وقيل فيه غيرُ ذلك. انتهى (^٢).
ومعنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، و﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه.
وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل، نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه - ﷾ - أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على الرسول. قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة تفضيل الملك على البشر، أو العكس طويلة الذيل، قليلة النيل، قد استوفيت بحثها في "شرح النسائي"، وسيأتي هنا أيضًا في المحل المناسب له - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٣٥٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٨ - ١٩.
[ ١ / ٩٩ ]
(وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق.
[تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد قوله: "وكتابه": قولَهُ: "ولقائه": قال في "الفتح": كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث، والحقّ أنَّها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس وابن عباس - ﵃ -، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقبه النووي بأنّ أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بمَ يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟
وأجيب: بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إِذْ جُعِلت من قواعد الإيمان. انتهى (^١).
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائيّ "وملائكته، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير "بالنبيين" يشمل "الرسل"، من غير عكس.
ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.
وقال في "الفتح": ودَلّ الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلَّا من ثبت تسميته، فيجب الإيمان به على التعيين، وهذا الترتيب مطابق للآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٦١.
[ ١ / ١٠٠ ]
مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا تُرَتِّب، بل المراد من التقديم، أن الخير، والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته، أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقِّي لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. انتهى.
(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يوم القيامة، سُمِّي به؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد الإيمان به، وبما فيه من البعث والحساب، ودخول أهل الجنّة الجنّةَ، وأهل النار النارَ إلى غير ذلك، مما ورد النصّ القاطع به. قاله الطيبيّ (^١).
وقال القرطبيّ: معنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. انتهى (^٢).
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "وتؤمن بالبعث"، زاد عند البخاريّ في "التفسير": "الآخر".
قال في "الفتح": فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر "الآخر" تأكيدًا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور، إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. انتهى.
(وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) - بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: القضاء، والحكم، ومعنى الإيمان بالقدر أنه تعالى علم مقادير الأشياء، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَث في العالم العلويّ والسفليّ إلَّا وهو صادرٌ عن علمه تعالى، وقدرته وإرادته، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٤٢٦.
(٢) "المفهم" ١/ ١٤٥.
[ ١ / ١٠١ ]
السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة - ﵃ -، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسائل - إن شاء الله تعالى -.
ولما كثر من ينكر القدر من الكفّار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وتنويهًا بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه أكّده بقوله (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) بالجرّ بدلٌ من "القدر"، وفي رواية: "بالقدر كُلِّهِ خيره وشره"، وزاد في رواية: "حُلْوه، ومرّه"، وزاد في أخرى "من الله".
[تنبيه]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان، لا يُطلق إلَّا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى، ورسوله - ﷺ -، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله - ﷺ - المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم (^١).
(قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل أيضًا (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) قال في "الفتح": هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ولتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين:
[أحدهما]: متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيءُ.
[وثانيهما]: متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٦٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
ومراقبته، واستحضار عظمته، وجلاله حالةَ الشروع، وحالة الاستمرار فيها.
وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين:
[أحدهما]: غالب عليه مشاهدة الحقّ، فكأنه يراه، ولعلّ النبيّ - ﷺ - أشار إلى هذه الحالة بقوله: "وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة" (^١)، رواه أحمد، والنسائيّ.
[وثانيهما]: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقّ ﷾ مطّلع عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وهاتان الحالتان ثمرة معرفة الله تعالى وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان في حديث أبي هريرة - ﵁ - بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، فعبّر عن المسبب باسم السبب توسّعًا، والألف واللام اللذان في "الإحسان" المسئول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ولَمّا تكرّر الإحسان في القرآن، وترتّب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ - ﷺ -، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظيم. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
وقال الخطّابيّ: إنما أراد بالإحسان ها هنا الإخلاص، وهو شرط في صحّة الإيمان والإسلام معًا، وذلك أن من تلفّظ بالكلمة، وجاء بالعمل من غير نيّة الإخلاص لم يكن مُحسنًا، ولا كان إيمانه صحيحًا، قال - ﷺ -: "أن تعبُد الله كأنك تراه"، أي في إخلاص العبادة لوجه الله الكريم، ومجانبة الشرك الخفيّ،
_________________
(١) كان في نسخة القرطبيّ: "وجعلت قرة عيني في عبادة ربي"، والذي في مسند أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥، و"سنن النسائي" ٧/ ٦٢ بلفظ: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، فليُتنبّه.
(٢) "المفهم" ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ١ / ١٠٣ ]
والعبادة لله الذي لا تنبغي العبادة إلا له على نعت الهيبة والتعظيم، حتى كأنه ينظر إلى الله تعالى خوفًا منه، وحياءً، وخُضُوعًا له.
وقال الراغب الأصبهانيّ: الإحسان يقال: على وجهين:
[أحدهما]: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
[والثاني]: إحسان في فعله، وذلك إذا عَلِمَ علمًا حسنًا، أو عَمِلَ عملًا حسنًا، وعلى هذا قوله ﷿: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، والإحسان أعم من الإنعام، قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فالإحسان فوق العدل، وذاك أن العدل هو أن يُعطي ما عليه، ويأخذ أقلّ مما له (^١)، والإحسان أن يُعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلّ مما له، فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل واجبٌ، وتحرّي الإحسان ندبٌ وتطوّع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله ﷿: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولذلك عظّم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠]. انتهى (^٢).
قال الطيبيّ: يجوز أن يُحمل الإحسان - يعني في هذا الحديث - على الإنعام، وذلك أن العامل المرائي يُبطل عمله، ويُحبطه، فيظلم نفسه، فقيل له: أحسِن إلى نفسك، ولا تشرك بالله، واعبُد الله كأنك تراه، وإلا فتهلك، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ١٠]، فإنها واردة في المرائي.
ويجوز أن يحمل على المعنى الثاني - يعني الإحسان في الفعل - وعليه قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعله "ويأخذ ما له"، فليتأمّل، والله تعالى أعلم.
(٢) "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ١ / ١٠٤ ]
إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]، أي المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا، كأنه سأل جبريلَ ﵇ عما يُنبئ عن الإخلاص، كما قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]. انتهى (^١). وسنعود لتكميل بحث الإحسان في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) - ﷺ - (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) "أن" مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة الله تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، قال في "الفتح": أشار في الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى كأنه يراه بعينه، وهو قوله: "كأنك تراه": أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطّلِع عليه، يَرَى كل ما يعمل، وفو قوله: "فإنه يراك"، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وقد عبر في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، وكذا في حديث أنس - ﵁ -.
وقال النووي: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائمًا يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه، فاستمر على إحسان العبادة، فإنه يراك، قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم، من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها - ﷺ -، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من التلبس بشيء من النقائص؛ احترامًا واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعًا عليه، في سره وعلانيته، انتهى. وقد سبق إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره. انتهى.
وقال الطيبيّ: وأما تقدير الشرط والجزاء، فهو أن يقال: إن لم تعبد الله كأنك تراه، فاعبده كأنه يراك، وتحرير المعنى إن لم تكن تراه كذلك، أي مثل تلك الرؤية المعنويّة، فكن بحيث إنه يراك، وهو من جوامع الكلم، أي كن متيقّظًا، لا ساهيًا غافلًا، مجدًّا في مواقف العبوديّة، مخلصًا في نيّتك، آخذًا
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٤٣٠.
[ ١ / ١٠٥ ]
أُهبة الْحَذَر، فإن من عَلِم أن له حافظًا رقيبًا، شاهدًا بحركاته وسكناته، لا سيّما ربّه، ومالك أمره، فلا يُسيء الأدب طرفة عين، ولا فَلْتة خاطر، هذا هو معنى الإجادة في الإيمان والإسلام، وقيل: التقدير: فإن لم تكن تراه، فلا تغفل، فإنه يراك. انتهى المقصود منه (^١).
(قَالَ) الرجل السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي متى تقوم الساعة؟ وقد صرّح به في حديث أبي هريرة - ﵁ -، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة. قاله في "الفتح" ١/ ١٦٥.
وقال القرطبيّ: الساعة: هي في أصل الوضع: مقدارٌ من الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين (^٢): جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار. قاله في "المفهم" ١/ ١٤٧.
وقال الطيبيّ: سميت ساعة لوقوعها بغتةً، أو لسرعة حسابها، أو على العكس؛ لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق، وعَنَى بالعكس أنها سُمّيت بها بناءً على عكس ما هي عليه من الطول تلميحًا، كما سُمّيت المهلكة مفازة. انتهى (^٣).
(قَالَ) - ﷺ - "مَا الْمسئول عَنْهَا" قال المظهر: "ما" نافيةٌ، يعني لست أنا أعلم منك يا جبريل بعلم القيامة، الضمير راجع إلى "الساعة"، فلا بُدّ من تقدير مضاف في السؤال والجواب، كـ"وقتٍ" ونحوه؛ إذ وجود الساعة ومجيؤها مقطوع به، وإنما يُسأل عن وقتها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣]، أي: في أيّ شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم؟ يعني ما أنت من ذكراها لهم وبتبيين وقتها في شيء.
وزاد في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ - ﵄ - عند النسائيّ: "قال: فنكّس،
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٤٣٠.
(٢) "المعدّلون": هم المشتغلون بالحساب، وتقدير الزمن. انتهى من هامش "المفهم" ١/ ١٤٧.
(٣) "الكاشف" ٢/ ٤٣١.
[ ١ / ١٠٦ ]
فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسئول … " (بِأَعْلَمَ) هذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: "في خمس لا يعلمها إلا الله"، ونظير هذا قوله عند النسائيّ في حقّ جبريل ﵇: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم"، فإن المراد أيضًا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال: "سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية".
وقال الطيبيّ: [فإن قلت]: لفظة "أعلم" مشعرةٌ بوقوع الاشتراك في العلم، وأحدهما أزيد من الآخر، وهما متساويان في انتفاء العلم منهما.
[فالجواب]: أنه - ﷺ - نفى أن يكون صالحًا لأن يُسأل عنه على سبيل الكناية؛ لما عُرف أن المسئول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل، فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
ويقال: إنه - ﷺ - نفى عن نفسه العلم بالمسئول عنه بوجه خاصّ.
تلخيصه أنّا متساويان في أنّا نعلم أن للساعة مجيئًا في وقت ما من الأوقات، وذلك هو العلم المشترك بيننا، ولا مزيد للمسئول على هذا العلم حتى يتعيّن عنده المسئول عنه، وهو الوقت المتعيّن الذي يتحقّق فيه مجيء الساعة. انتهى (^١).
(مِنَ السَّائِلِ) إنما عدل عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضًا للسامعين: أي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك.
والحاصل أن أصل الكلام أن يقال: لست بأعلم بها منك، لكن عُدِل عنه إلى ما عليه؛ لإفادة التعميم، وذلك أن الأجوبة الثلاثة على خطاب جبريل ﵇ كانت تعريضًا للسامعين على طريقة الخطاب العامّ، نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ولو أُجري على ذلك الأسلوب لقيل: لستُ بأعلم منك، ولم يُفد فائدة العموم؛ لأن المعنى كلُّ مسئول عنه وسائلٍ أيًّا ما كان فهو داخلٌ في هذا العموم.
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢.
[ ١ / ١٠٧ ]
وزاد في رواية أبي نعيم في "المستخرج": "فقال له: صدقت".
[فائدة]: هذا السؤال والجواب، وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم الصلاة والسلام، لكن كان عيسى سائلًا، وجبريل مسؤولًا، قال الحميدي، في "نوادره": حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مِغْول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي، قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل، عن الساعة؟ قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول أعنها بأعلم من السائل". ذكره في "الفتح" (^١).
(قَالَ) الرجل السائل ("فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا) وفي نسخة "عن أماراتها" بالجمع، ولأبي نعيم: "ثم قال: يا محمد، فأخبرني عن أمارتها"، و"الْأَمارَةُ"، و"الأَمَارُ" بفتح الهمزة، وبالهاء، وحذفها: هي العلامة وزنًا ومعنى.
وفي حديث أبي هريرة: "عن أشراطها"، وهو - بفتح الهمزة - جمع شَرَطَ - بفتحتين - كقَلَم وأَقْلام: هي الأمارات، والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وبها سُمّي الشُّرَط؛ لأنهم يُعلّمون أنفسهم بعلامات يُعرفون بها.
وقال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد، أو غيره، والمذكور هنا الأول، وأما الغير: مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقارنة لها، أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك (^٢).
[تنبيه]: هكذا في حديث عمر - ﵁ - أن السائل قال له - ﷺ -: "فأخبرني عن أمارتها"، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "وسأحدّثك عن أشراطها"، وعند البخاري في "التفسير": "ولكن سأحدثك"، وفي بعض الروايات: "ولكن لها علامات، تعرف بها".
ويجمع بين هذه الاختلافات بأنه - ﷺ - ابتدأ بقوله: "وسأخبرك"، فقال له السائل: "فأخبرني"، ويدل على ذلك روايةٌ عند البخاري بلفظ: "ولكن إن شئت، نبأتك عن أشراطها، قال: أجل"، ونحوه في حديث ابن عباس، وزاد: "فحدثني".
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٦٦.
(٢) "الفتح" ١/ ١٦٦.
[ ١ / ١٠٨ ]
ويُستفاد من اختلاف الروايات: أن التحديث، والإخبار، والإنباء، بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحًا (^١).
(قَالَ) - ﷺ - (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) هو في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي هي: أي الأمارات ولادة الأمة ربتها.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأمة هنا: هي الجارية المستولدة، وربّها سيّدها، وقد سُمّي بعلًا في الرواية الأخرى، كما سمّاه الله تعالى بعلًا في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصّافّات: ١٢٥]، في قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وحُكي عنه أنه قال: لم أَدْرِ ما البعل؟ حتى قلت لأعرابيّ: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها، وقد سُمي الزوج بعلًا، ويُجمع على بُعُولة، كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. و"ربّتها": تأنيث ربّ. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الربّ" يُطلق في اللغة على المالك، والسيّد، والمدبّر، والمربّي، والقيّم، والمنعم، ولا يُطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أُطلق على غيره أُضيف، فيقال: ربُّ كذا، وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير، وأراد به في هذا الحديث المولى، والسيّد، يعني أن الأمةَ تَلِد لسيّدها ولدًا فيكون لها كالمولى؛ لأنه في الحسب كأبيه، أراد أن السبي يكثر، والنعمة تظهر في الناس، فتكثُر السراري. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أن تلد الأمة ربتها": "الربّ" مشترك بين المالك، والمربّي، قال صاحب "الأساس": ربُّ الدار، وربّ العبد، وربّى ولده تربيةً، وقال الجوهريّ: ربّ كلّ شيء: مالكه، وقال في "الكشّاف": الربّ المالك، ومنه قول صفوان لأبي سفيان: "لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحبّ إليّ من أن يَرُبّني رجل من هوازن" هذا هو المعنى في الحديث.
[فإن قيل]: كيف أُطلق الربّ على غير الله تعالى، وقد نَهَى النبيّ - ﷺ - عن
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٦٦.
(٢) "المفهم" ١/ ١٤٨.
(٣) "النهاية" ٢/ ١٧٩.
[ ١ / ١٠٩ ]
ذلك في قوله: "لا يَقُلْ أحدكم أطعم ربّك، وضّئ ربّك، واسق ربّك، ولا يقُل أحدكم: ربّي، وليقُل: سيّدي ومولاي" (^١).
[والجواب]: أن هذا من باب التشديد والمبالغة، قال في "الفتح": يُجمَع بينهما بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول - ﷺ -. انتهى (^٢).
وقال التوربشتيّ: فسَّرَ هذا القول كثير من العلماء على أن السبي يكثر بعد اتّساع رُقعة الإسلام، فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيّد لأمه؛ لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد، وذَكَره بلفظ التأنيث، وأراد به النسمة؛ ليشمل الذكور والإناث، أو كَرِه أن يقول: ربّها؛ تعظيمًا لجلال ربّ العباد، أو أراد البنت، وإذا كانت هكذا، فالابن أولى.
وقال القاضي ناصر الدين: وتأنيث "ربتها"، وإضافتها إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه وَلَد ربّها، أو مولاها بعد الأب، وذلك إشارة إلى قوّة الإسلام؛ لأن كثرة السبي والتسرّي دليل على استعلاء الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لأن قوّته، وبلوغ أمره غايته منذر بالترجع، والانحطاط المؤذن بأن القيامة ستقوم.
وقال الطيبيّ: وأقول - والعلم عند الله -: الكلام فيه صعب، بل هو مقام دحضٌ، قلما تثبت فيه الأقدام الراسية في البيان، وكان قلما يلتفت الخاطر إلى معرفته، وما تكلّم فيه العلماء لم يكن يشفي العليل إلى أن تصدّيتُ لأمر هذا
_________________
(١) رواه الشيخان في "صحيحيهما"، ولفظ البخاريّ: من طريق معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يحدث عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئ ربك، اسْقِ ربك، وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل: أحدكم عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي". ولفظ مسلم: "لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، فتاتي، غلامي".
(٢) راجع "الفتح" ١/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ١ / ١١٠ ]
الخطب الجليل، فالواجب أوّلًا تعيين المقام؛ لأن بيده زمام حكم الكلام، ولا ارتياب أن أمارات الساعة وأشراطها من عظائم الشؤون، وجلائل الخطوب، فيجب حينئذ تأويل القرينتين، أعني قوله: "أن تلد الأمة ربتها"، وقوله: "وأن ترى الْحُفاة الْعُراةَ - إلى قوله -: يتطاولون في البنيان" بما ينبئ عن ذلك النبإ العظيم من تغيير الزمان، وانقلاب أحوال الناس، بحيث لم يُشاهَد قبله، ولم يُرَ مثلُهُ، وكيف ولفظة "تَرَى" تنبئ عن ذلك؛ لأنها من الخطاب العامّ على الاستغراق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، يعني بلغ الخطب في العظم والفخامة بحيث لا يختصّ برؤية راءٍ واحدٍ، بل كلّ من يتأتّى منه الرؤية فهو مخاطبٌ به.
فإذا تقرّر بيان اقتضاء المقام، فنَثْنِي العِنَانَ إلى بيان الأساليب التي يُستعان بها على تطبيق القرينتين على ما يقتضيه المقام، من المطابقة المعنويّة، والكناية الزبديّة، والإدماج المسمّى بإشارة النصّ.
فنقول: القرينة الثانية دلّت بالكناية الزبديّة التي لا يُنظر فيها إلى مفردات التركيب، لا حقيقةً، ولا مجازًا، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على أن الأذلّة من الناس ينقلبون أعزّةً، ملوك الأرض، فينبغي أن تُؤَوَّل القرينة السابقة بما يقابلها؛ ليطابقا في أن يصير الأعزّة أذلّةً، ومعلوم أن الأمّ مربّيةٌ للولد، ومدبّرةُ أمره، فإذا صار الولد ربًّا، ومالكًا لها، لا سيّما إذا كانت بنتًا ينقلب الأمر، هذا هو الْمَعْنِيّ بالتشديد والمبالغة الموعود بهما، ثم وضع الأمة، ووصفها بالولادة موضع الأمّ إشعارٌ بمعنى الاسترقاق والاستيلاء، وأن أولئك الضَّعَفَةَ الأذلّةَ الذين فُهِموا من القرينة الثانية هم الذين يتعدّون، ويتسلّطون، ويفتحون البلاد، ويسترقّون كرائم النساء، وَشَرَائِفَهُنَّ، وَيسْتَوْلدوهنَّ، فتلد الأمة ربّتها.
فالحاصل أن قوله: "أن تَلِدَ الأمة ربتها" دلَّ بعبارته على المقصود، وبإشارته على معنى آخر، وهو كثرة المستولدات، وإنما وصف النساء بالشرف والكرامة؛ ليفيد المعنى المقصود، وكان الواقع كذلك، ألا ترى إلى الملكة حُرَقة بنت النعمان حين سُبيت، وأُحضرت بين يدي سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - كيف أنشدت [من الطويل]:
[ ١ / ١١١ ]
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
وإلى قول أبي الطيّب [من الطويل]:
تَبَكَّى عَلَيْهِنَّ الْبَطَارِيقُ فِي الدُّجَى … وَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتٌ كَوَاسِدُ
وفي معناه أنشد [من الطويل]:
إِذَا ذَلَّ فِي الدُّنْيَا الأَعَزُّ وَاكْتَسَى (^١) … أَعِزَّتُهَا ذُلًّا وَسَادَ مَسُودُهَا
هُنَاكَ فَلَا جَادَتْ سَمَاءٌ بِضَوْئِهَا … وَلَا أَشْرَقَتْ أَرْضٌ وَلَا اخْضَرَّ عُودُهَا
قال: وفي القرينتين إيذان بنصرة المؤمنين، وفتحهم البلاد مشارقها ومغاربها، كما ورد: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها"، رواه مسلم من حديث ثوبان - ﵁ -. انتهى كلام الطيبيّ (^٢).
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بلفظ: "إذا ولدت الأمة ربها"، بالتذكير، قال في "الفتح": وزاد في رواية محمد بن بشر: "يعني السراري"، وفي رواية عمارة بن القعقاع: "إذا رأيت المرأة تلد ربها"، ونحوه لأبي فَرْوَة، وفي رواية عثمان بن غياث: "الإماء أربابهن" بلفظ الجمع، والمراد بالرب: المالك، أو السيد.
وقال أيضًا: "التعبير بـ"إذا" للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانًا للأشراط، نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاوُلُ الرُّعَاة.
[فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة على الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو في النكرات، لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ "الشرط".
قيل: وفي جميع هذه الأجوبة نظر لا يخفى، ولو أُجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لَمَا بَعُدَ عن الصواب، والجواب
_________________
(١) فيه انكسار في الوزن، ولعل الصواب "الْأَعِزَّة"، فليحرّر.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ١ / ١١٢ ]
المرضيّ أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه في حديث عمر هنا، وفي حديث أبي هريرة الآتي ذكر الولادة، والتطاول، وفي رواية محمد بن بشر عن أبي حيان التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة في "صحيحه"، ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج" لفظها، ذكر الثلاثة، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي"، من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عُمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر - ﵁ -، في رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت في حديث ابن عباس، وأبي عامر - ﵃ - (^١).
وسيأتي اختلاف العلماء في معنى "أن تلد الأمة ربتها" في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(تنبيهٌ): قال النوويّ رحمه الله تعالى: ليس في هذا الحديث دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهنّ، وقد استدَلَّ إمامان من كبار العلماء به على ذلك، فاستدل أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع، وذلك عجب منهما، وقد أُنكِر عليهما، فإنه ليس كلُّ ما أخبر - ﷺ - بكونه من علامات الساعة يكون مُحَرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرِّعاء في البنيان، وفُشُوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهن قَيِّمٌ واحد ليس بحرام بلا شكّ، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يُشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشرّ، والمباح والمحرم، والواجب غيره. انتهى (^٢).
وعبارة القاضي عياض ﵀: قال الخطابيّ: قد يَحتجّ بهذا الحديث من يرى بيع أمهات الأولاد، ويحتجّ بأنهنّ لم يُبعنَ بعد موت السيّد؛ لأنهنّ يصرن في التقدير ملكًا لأولادهنّ، فيُعتقن.
قال القاضي: ولا حجّة له في هذا؛ إذ ليس في الحديث شيء يدلّ عليه، بل قد نُوزع في استدلاله.
وقال أبو زيد المروزيّ: وهو ردّ على من يرى بيعهنّ لإنكار النبي - ﷺ - أن
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" ١/ ١٥٩.
[ ١ / ١١٣ ]
تلد الأمة من يملكها، وجعله ذلك من أشراط الساعة، ومعناه عنده أن يبيع أمه آخر الزمان.
وليس ما قال بشيء؛ لأن كلّ ما أُخبر عنه أنه من أشراط الساعة لا تُحَرِّمه الشريعة، ألا ترى أن تطاول الرِّعاء في البنيان ليس بحرام، ولا أن يكون اللُّكَع أسعد الناس بالدنيا ليس مما يُحرّمها عليه، ولا فشُوّ المال جملة مما يُحرّمه، ولا أن يكون لجماعة النساء القيّم الواحد مما يُحرّم ذلك.
وليس في الكلام دليل على إنكار النبيّ - ﷺ -، كما زَعَم، ولا فيه غيرُ إخبارٍ عن حال تكون. وأما قوله: إن معناه أن يبيع الولد أمه آخر الزمان، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها قبل ملك ابنها؛ إذ من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يوافق الجماعة في أنها لا تباع ما دامت حاملًا، ولا إذا تصير ملكًا لابنها بميراث، أو غيره. انتهى (^١).
(وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بالضمّ: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجله نعلًا أو غيرها (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا جمع عار: وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والْعَيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و"الشاء": جمع شاة، وهو من الجمع الذي يفرّق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله القرطبيّ (^٢).
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "إذا رأيت الرِّعَاء البهم"، وعند البخاريّ: "وإذا تطاول رعاة الإبل البهم".
وزاد في رواية ابن حبّان: "قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: الْعُرَيب".
(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ") أي يتفاخرون في طول بيوتهم، ورفعتها، من تَطَاوَلَ الرجل إذا تكبّر، يعني من علامات القيامة أن ترى أهل البادية ممن ليس لهم لباسٌ، ولا نعلٌ، بل كانوا رعاء الإبل والشاء يتوطّنون البلاد، ويتّخذون العقار، ويبنون الدور والقصور المرتفعة. قاله المظهر.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ١٠٧ - ١٠٩.
(٢) "المفهم" ١/ ١٥٠.
[ ١ / ١١٤ ]
وقال في "المرقاة": أي يتفاضلون في ارتفاعه، وكثرته، ويتفاخرون في حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جَعَلْتَ الرؤيةَ فعلَ البصيرة، أو حال إن جَعَلْتَها فعلَ الباصرة، ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا مِلْكًا أو مُلْكًا، فيتوطنون البلاد، ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها، فهو إشارة إلى تغلب الأراذل، وتذلّل الأشراف، وتولي الرئاسة من لا يستحقّها، وتعاطي السياسة من لا يُحْسِنُهَا، كما أن قوله: "أن تلد الأمة ربتها" إشارة إلى عكس ذلك.
وقيل: كلاهما إشارة إلى اتساع دين الإسلام، فيتناسب المتعاطفان في الكلام، ولعلّ تخصيصهما لجلالة خطبهما، ونباهة شأنهما، وقرب وقوعهما.
ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم، والفسق، والجهل، وبلوغها مبلغ العليا، والثانية إلى غلبة محبة الدنيا، ونسيان منازل العقبى، ويقال: تطاول الرجل: إذا تكبّر، فلا يرد ما ذكره ابن حجر (^١) من قوله: التفاعل فيه بين أفراد الْعُراة الموصوفين بما ذُكر، لا بينهم وبين غيرهم مما كان عزيزًا فَذَلَّ، خلافًا لمن وَهِمَ فيه، وقال: المعنى أن أهل البادية العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد، ويتّخذون القصور الرفيعة، ويتكبّرون على العباد والزُّهّاد.
وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام يؤذن بأن لا يتناسب فيها المقام، فلا عيش إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام، كما أنشدت الملكة الْحُرَقَة بنت النعمان بن المنذر لَمّا سُبيت، وأُحضرت عند سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -[من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
فهنيئًا لمن جَعَل الدنيا كساعة، واشتغل فيها بالطاعة، قيامًا بأمر الحبيب، فإن كلّ ما هو آتٍ قَريب، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
_________________
(١) يعني ابن حجر الهيتميّ الفقيه الشافعيّ، شارح المشكاة، لا الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، فتنبّه.
[ ١ / ١١٥ ]
مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [الأنبياء: ١ - ٢]. انتهى (^١).
(قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (ثُمَّ انْطَلَقَ) أي الرجل السائل (فَلَبِثْتُ) بكسر الباء الموحّدة: أي مكثتُ، يقال: لبِث بالمكان لَبَثًا، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة، والنوع، والاسم: اللُّبْث بالضمّ، واللَّبَاث. قاله في "المصباح".
وقال النوويّ في "شرحه": قوله: "فَلَبثَ مليًّا" هكذا ضبطناه "لَبِثَ" آخرُهُ ثاءٌ مثلّثةٌ، من غير تاء، وفي كثير من الأَصول المحقّقة "لَبِثْتُ" بزيادة تاء المتكلّم، وكلاهما صحيح. انتهى (^٢).
(مليًّا) بتشديد الياء: أي وقتًا طويلًا، وفي رواية النسائيّ: "فلبِثتُ ثلاثًا"، وفي رواية أبي داود، والترمذيّ أنه قال ذلك بعد ثلاث، وفي "شرح السنّة" للبغويّ: "بعد ثالثة"، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ - بعد هذا: "ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: رُدُّوا عليّ الرجلَ، فأخذوا ليردّوه، فلم يروا شيئًا، فقال النبيّ - ﷺ -: هذا جبريل" … الحديث.
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر - ﵁ - لم يحضر قولَ النبيّ - ﷺ - لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبيّ - ﷺ - الحاضرين في الحال، وأخبر عمرَ - ﵁ - بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين. والله تعالى أعلم (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع هو الأحسن، وسيأتي وجه آخر في الجمع في "عبارة الفتح" قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِي) أي أتعلم (مَنِ السَّائِلُ؟ ")، ولأبي نعيم في "المستخرج": "ثم ذهب، فقال عمر: ولَبِثَ مليًّا، ثم لقيتُ رسول الله - ﷺ - قال: يا عمر هل تُخبروني عن السائل؟ "، (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ
_________________
(١) "المرقاة" ١/ ١٣٠.
(٢) "شرح النووي" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٣) "شرح مسلم" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ١١٦ ]
جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، قَالَ) - ﷺ -: (فَإِنَّهُ) أي السائل (جِبْرِيلُ) ولأبي نعيم: "ذلك جبريل ﵇" (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "ليعلّمكم أمر دينكم": أي قواعد دينكم، أو كلّيّات دينكم. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "هذا جبريل جاء ليعلّم الناس دينهم".
وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا"، وفي رواية للنسائيّ: "والذي بعث محمدًا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل"، وفي حديث أبي عامر: "ثم وَلَّى، فلما لم نرَ طريقه، قال النبي - ﷺ -: سبحان الله، هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التيمي: "ثم نَهَض، فوَلَّى، فقال رسول الله - ﷺ -: عليَّ بالرجل، فطلبناه كُلَّ مَطْلَبٍ، فلم نَقْدِر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده، ما شُبِّه عليّ منذ أتاني، قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى"، قال ابن حبان تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه".
قال الحافظ: وهو من الثقات الأثبات، وفي قوله: "جاء ليعلم الناس دينهم": إشارة إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح.
وإسناد التعليم إلى جبريل مجازيّ؛ لأنه كان السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: واتفقت هذه الروايات - يعني روايات أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ - على أن النبي - ﷺ -، أخبر الصحابة - ﵃ - بشأنه، بعد أن التمسوه، فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم، وغيره، من حديث عُمَر - ﵁ - في رواية كهمس - يعني هذا الرواية -: "قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل إلخ".
فقد جَمَع بين الروايتين بعضُ الشراح بأن قوله: "فلبثت مليًّا": أي زمانًا بعد انصرافه، فكأن النبي - ﷺ - أعلمهم بذلك، بعد مضيّ وقت، ولكنه في ذلك المجلس، لكن يَعْكُرُ على هذا الجمع قوله في رواية النسائي، والترمذي:
[ ١ / ١١٧ ]
"فلبثت ثلاثًا"، لكن ادَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأن "مليًّا" صُغّرت ميمها، فأشبهت "ثلاثًا"، لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله - ﷺ -، بعد ثلاث"، ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام".
وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر - ﵁ -، لم يحضر قول النبي - ﷺ -، في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عَرَض له، فأخبر النبي - ﷺ - الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر، إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن (^١).
[تنبيه]: دلت الروايات التي تقدّم ذكرها، على أن النبي - ﷺ -، ما عَرَف أنه جبريل، إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل، حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي، من طريق أبي فروة، في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي"، فإن قوله: "نزل في صورة دحية الكلبي"، وَهَمٌ؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر - ﵁ -: ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في "كتاب الإيمان" له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: "فإنه جبريل، جاء ليعلمكم دينكم"، فَحَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات. قاله في "الفتح" (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - هذا من أفراد مسلم، وقد تقدّم سبب عدم إخراج البخاريّ له، فلا تغفل.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٧٠.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ١٧٠ - ١٧١.
[ ١ / ١١٨ ]
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في "الإيمان" (١/ ١٠١) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن وكيع - (ح) وعن عبيد الله بن معاذ العنبريّ، عن أبيه - كلاهما عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، حدثني أبي عمر بن الخطاب، فذكره.
و(١/ ١٠٢) عن محمد بن عُبيد الْغُبَريّ، وأبي كامل الْجَحْدريّ، وأحمد بن عبدة - ثلاثتهم عن حماد بن زيد، عن مطر الورّاق، عبد الله بن بُريدة به، و(١/ ١٠٣) عن حجاج بن الشاعر، عن يونس بن محمد، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر به.
و(١/ ١٠٤) عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد القطّان، عن عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، وحُميد بن عبد الرحمن كلاهما عن ابن عمر به.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧) عن وكيع - وفي (١/ ٥١) (٣٦٧) عن محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون - و(١/ ٥٢) (٣٦٨) عن عبد الله بن يزيد - و(أبو داود) في "سننه" (٤٦٩٥) عن عُبيد الله بن معاذ، عن أبيه - و(ابن ماجه) (٦٣) عن عليّ بن محمد، عن وكيع - و(الترمذيّ) في "جامعه" (٢٦١٠) عن أبي عمّار الحسين بن حُريث الْخُزاعيّ، عن وكيع - (ح) وعن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك - (ح) وعن محمد بن المثنّى، عن معاذ بن معاذ - و(النسائيّ) في "سننه" (٨/ ٩٧) عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل - و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٠٤) عن أبي موسى محمد بن المثنّى، عن حسين بن الحسن - ثمانيتهم (وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد، وعبد الله بن يزيد، ومعاذ، وعبد الله بن المبارك، والنضر، وحسين) عن كهمس بن الحسن -.
و(البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (٢٦) عن أبي النعمان، عن حمّاد بن زيد، عن مطر الورّاق - كلاهما (كهمس، ومطر) عن عبد الله بن بريدة به.
و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٤ و٧٥ و٧٦ و٧٧ و٧٨ و٧٩ و٨٠ و٨١ و٨٢ و٨٣ و٨٤).
و(ابن خزيمة) (٣٠٦٥) قال: عن أبي يعقوب يوسف بن واضح الهاشميّ، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر به،
[ ١ / ١١٩ ]
وفيه: … قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحجّ البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تُتمّ الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت … " الحديث.
وأخرجه (أحمد) (١/ ٢٧) (١٨٤) و(المصنّف) (١/ ١٠٣) عن محمد بن حاتم - و(أبو داود) (٤٦٩٦) عن مسدّد، ثلاثهم (أحمد، ومحمد، ومسدّد) عن يحيى بن سعيد القطّان، عن عثمان بن غياث، قال: حدّثني عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، فذكره.
وزاد فيه: "سأل رجلٌ من جهينة، أو مزينة، فقال: يا رسول الله، فيم نعمل، أفي شيء قد خلا أو مضى، أو في شيء يُستأنف الآن؟ قال: في شيء قد خلا، أو مضى، فقال رجل، أو بعض القوم: يا رسول الله، فيم نعمل؟ قال: أهل الجنّة ييسّرون لعمل أهل الجنّة، وأهل النار ييسّرون لعمل أهل النار" (^١). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وأخرجه أبو داود (٤٦٩٧) عن محمود بن خالد، عن الفِرْيابيّ، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بُريد، عن ابن يعمر، بهذا الحديث يزيد وينقص، فذكره بعضهم في مسند عمر - ﵁ -، وليس كذلك فإن رواية سليمان بن بريدة من مسند ابن عمر، لا من مسند عمر - ﵄ -، ودونك نصّه في "مسند الإمام أحمد" رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن ابن يعمر قال: قلت لابن عمر - ﵄ -: إنا نسافر في الآفاق، فنَلْقَى قومًا يقولون: لا قدر، فقال ابن عمر: إذا لقيتموهم فأخبروهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء، وأنهم منه برآء، ثلاثًا، ثم أنشأ يحدث بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - فجاء رجل، فذكر من هيئته، فقال رسول الله - ﷺ -: "ادنه"، فدنا، فقال: "ادنه"، فدنا، فقال: "ادنه"، فدنا حتى كاد ركبتاه تمسان ركبتيه، فقال: يا رسول الله أخبرني ما الإيمان؟ أو عن الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر"، قال سفيان: أراه قال: "خيره وشره"، قال: فما الإسلام؟ قال: "إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، وغسل من الجنابة"، كل ذلك قال: صدقت صدقت، قال القوم: ما رأينا رجلًا أشد توقيرًا =
[ ١ / ١٢٠ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): ما ساقه المصنّف رحمه الله تعالى من أجله، وهو بيان شرح الإسلام، والإيمان، والإحسان، وغير ذلك، ولذا يَصْلُح، أن يقال هذا الحديث أُمُّ السنة؛ لما تضمنه من جُمَل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم الكتاب؛ لِمَا تضمّنته من جُمل معاني القرآن. قاله القرطبيّ، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي، كتابيه "المصابيح"، و"شرح السنة"؛ اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا.
وقال القاضي عياض: قد اشتمل هذا الحديث، على جميع وظائف
_________________
(١) = لرسول الله - ﷺ - من هذا، كأنه يعلم رسول الله - ﷺ -، ثم قال: يا رسول الله أخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله، أو تعبده كأنك تراه، فإن لا تراه فإنه يراك"، كل ذلك نقول: ما رأينا رجلًا أشد توقيرًا لرسول الله من هذا، فيقول: صدقت صدقت، قال: أخبرني عن الساعة، قال: "ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل"، قال: فقال: صدقت، قال ذلك مرارًا، ما رأينا رجلًا أشد توقيرًا لرسول الله - ﷺ - من هذا، ثم ولَّى، قال سفيان: فبلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: "التمسوه"، فلم يجدوه، قال: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم، ما أتاني في صورة إلا عرفته، غير هذه الصورة". حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن ابن يعمر قال: سألت ابن عمر، أو سأله رجل، إنا نسير في هذه الأرض، فنلقى قومًا يقولون: لا قدر، فقال ابن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء، وهم منه برآء، قالها ثلاث مرات، ثم أنشأ يحدثنا، قال: بينا نحن عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله أدنو؟ فقال: "ادنه"، فدنا رَتْوَةً، ثم قال: يا رسول الله أدنو؟ فقال: "ادنه"، فدنا رَتْوَة، ثم قال: يا رسول الله أدنو؟ فقال: "ادنه"، فدنا رتوة، حتى كادت أن تمس ركبتاه ركبة رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ …، فذكر معناه. انتهى. فهذا صريح، بأن رواية سفيان من مسند ابن عمر، لا من مسند عمر - ﵄ -، هذا هو الصواب في هذه الرواية. لكن الذي يظهر لي أن كونه من مسند عمر - ﵁ -، هو الأرجح؛ لأَنَّ رواته أوثق، وأكثر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ١٢١ ]
العبادات، الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، ابتداءً، وحالًا، ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قال: وعلى هذا الحديث، وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه بـ"المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان"، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: في جملة هذا الحديث إنكار صدر هذه الأمة مقالة أهل القدر، وأنها محدثةٌ وبدعة، كما جاء في الحديث: أول من تكلم به معبد بالبصرة.
٣ - (ومنها): أن فيه فَزَعَ السلف في الأمور الطارئة عليهم في الدين إلى ما عند أصحاب النبيّ - ﷺ -؛ إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولمَا عندهم عنه - ﷺ - في ذلك من علم وأثر، ولهذا نَقَل مالك ﵀ في "جامعه" من قول الصحابة - ﵃ - في هذا ما نَقَل.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك، فإن جبريل ﵇ أتى معلّمًا للناس، كما أخبر به النبيّ - ﷺ -، فيكون تعليمه بحاله ومقاله.
٥ - (ومنها): ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه، وإقباله على رأس القوم، فإنه قال: السلام عليكم، فعمّ، ثم قال: يا محمد، فخصّ (^١).
٦ - (ومنها): أن فيه أن المَلَكَ يجوز أن يتمثل لغير النبي - ﷺ -، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أنه كان يسمع كلام الملائكة.
٧ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الله تعالى مكّن الملائكة من أن يتمثّلوا فيما شاؤوا من صُور بني آدم، كما نصّ الله ﷿ على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقد كان جبريل ﵇ يتمثّل للنبيّ - ﷺ - في
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ١ / ١٢٢ ]
صورة دحية بن خليفة الكلبيّ - ﵁ -، وقد كان لجبريل صورة خاصّة، خُلق عليها، لم يره النبيّ - ﷺ - عليها غير مرّتين، كما صحّ الحديث بذلك (^١).
٨ - (ومنها): جواز الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا، وإن كان الإمام في موضع مأذون في دخوله.
٩ - (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين على جهة التعظيم، والاحترام.
١٠ - (ومنها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما يأتي في حديث الباب التالي: "فبنينا له دكّانًا من طين، كان يجلس عليه".
١١ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجةً إلى مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع.
١٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن من سؤاله، غير هائب، ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله.
١٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على مزيد ورعه. قاله النوويّ رحمه الله تعالى.
١٤ - (ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات، والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا، حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته، مما لا يمكن.
١٥ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: في قوله: "يعلمكم دينكم"، دلالة على أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علمًا وتعليمًا؛ لأن جبريل ﵇
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥٢.
[ ١ / ١٢٣ ]
لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ - ﷺ - معلمًا، وقد اشتهر قولهم: "حُسنُ السؤال نصف العلم"، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انْبَنَتْ على السؤال والجواب معًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان.
قال في "الفتح": دل سياق الحديث، على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي - ﷺ -، فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته، من حديث أبي أُمامة - ﵁ - بقوله - ﷺ -: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رؤية النبيّ - ﷺ - لربه يَقَظَةً ببصره مسألة اختُلف فيها، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في محلّه، مع ترجيح القول بعدمها؛ لقوة أدلته. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاريّ": وأما الإحسان ففسّره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان، ومراتبه، ولتفاوت المؤمنون، والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتًا كثيرًا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد أشار النبيّ - ﷺ - إلى ذلك ههنا بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قيل: المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربّه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه، وشقّ عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه، ويطلع على سرّه وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وقد وصّى النبيّ - ﷺ - طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ - ﵃ -، ووصّى معاذًا - ﵁ - أن يستحيي من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من أهله.
قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:
[أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه، واطّلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعالى، فيراقبه في حركاته،
[ ١ / ١٢٤ ]
وسكناته، وسرّه، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
[والثاني]: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله، ويُشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين، وحديث حارثة - ﵁ - هو من هذا المعنى (^١)، فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال النبيّ - ﷺ -: "عرفت، فالزم، عبدٌ نوّر الله الإيمانَ في قلبه". وهو حديث مرسلٌ، وقد روي مسندًا بإسناد ضعيف.
وكذلك قول ابن عمر لعروة لَمّا خطب إليه ابنته في الطواف، فلم يَرُدّ عليه، ثم لقيه، فاعتذر إليه، وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله: ما أنا مطّلع على أحبابي إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومَثَلتُ نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلّموني على حضوري.
وبهذا فُسّر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
قال أبيّ بن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربّه، وأَنِس به في خلوته، وتنعّم بذكره ومناجاته ودعائه، حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أَنَسَتْ بسواك؟ بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟ وقيل
_________________
(١) لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا.
[ ١ / ١٢٥ ]
لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقول: من لم تقرّ عينه بك، فلا قرّت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أَنِس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال معروف لرجل: توكّل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك، وموضع شكواك. وقال ذو النون: علامة المحبّين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلبَ حبُّ الله أنس بالله؛ لأن الله أجلّ في صدور العارفين أن يُحبّوا غيره.
وقوله - ﷺ -: "اعبد الله كأنك تراه" إشارةٌ إلى أن العابد يتخيّل ذلك في عبادته، لا أنه يراه حقيقة ببصره، ولا بقلبه.
وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانًا، كما تراه الأبصار في الآخرة، كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفيّة، فهو زعم باطلٌ، فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة، كأبي ذرّ، وابن عباس، وغيرهما، ورُوي عن عائشة أيضًا أنه حصل للنبيّ - ﷺ - مرّتين.
وروي في ذلك أحاديث مرفوعة أيضًا، وكذا قال جماعة من التابعين: إنه رآه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيميّ، فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم، لم يكن في تخصيص النبيّ - ﷺ - بذلك مزيّة، له، لا سيما وإنما قالوا: إنها حصلت له مرّتين؛ فإن هؤلاء الصوفيّة يزعمون أن رؤية القلب تصير حالًا، ومقامًا دائمًا، أو غالبًا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء، ويتفرّع على ذلك أنواع من الضلالات، والمحالات، والجهالات، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه المقامات الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، يشملها اسم الدين، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار، وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام على الإحسان إلى الموت، وصل إلى الله ﷿، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد فسّر النبيّ - ﷺ - الزيادة بالنظر إلى وجه الله، أخرجه مسلم من حديث صهيب - ﵁ -. انتهى كلام
[ ١ / ١٢٦ ]
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وهو بحث نفيس (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: "أن تلد الأمة ربتها".
قال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا، في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه: فذكرها، لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة أقوال:
[الأول]: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاد أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. قال النووي، وغيره: إنه قول الأكثرين.
قال الحافظ: لكن في كونه المرادَ نظرٌ؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودًا، حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ، وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع، مما سيقع قرب قيام الساعة، وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه، بأخصّ من الأول، قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ بأن الرؤساء في الصدر الأول، كانوا يستنكفون غالِبًا من وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية: "ربتها" بتاء التأنيث، قد لا تساعد على ذلك، ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببًا في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولًا، وهو صغير، ثم يُعتَق، ويكبر، ويصير رئيسًا، بل ملكًا، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشتريها عارفًا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: "أن تلد الأمة بَعْلها"، وهي عند مسلم، فتُحمل على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات.
_________________
(١) "شرح البخاري" ١/ ٢١١ - ٢١٥.
[ ١ / ١٢٧ ]
[الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الْمُلّاك المستولدة، حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
[فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل، ولا استهانة عند القائل بالجواز.
[قلنا]: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع.
[الثالث]: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يُتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حُرًّا من غير سيدها، بوطء شمبهة، أو رقيقًا بنكاح، أو زنًا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يُعَكِّرُ على هذا تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري، لأنه تخصيص بغير دليل.
[الرابع]: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد أمته، من الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأُطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة.
قال الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربةً.
ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير الْمُرَبَّى مُرَبّيًا، والسافل عالِيًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: "أن تصير الْحُفَاة ملوكَ الأرض". انتهى "فتح" ١/ ١٦٧ - ١٦٨ وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في تكميل ما سبق من مباحث القدر.
قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": (واعلم): أن مذهب أهل الحقّ إثباتَ القدر، ومعناه أن الله ﵎ قَدّرَ الأشياء في القِدَم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قَدَّرَها ﷾، وأنكرت القدرية هذا،
[ ١ / ١٢٨ ]
وزعمت أنه ﷾ لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمه ﷾ بها، وأنها مُسْتَأنفَةُ العلم، أي إنما يعلمها ﷾ بعد وقوعها، وكَذَبُوا على الله نسبحانه وتعالى وجلّ عن أقوالهم الباطلة عُلُوًّا كبيرًا، وسُمِّيت هذه الفرقة قدرية، لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يَبْقَ أحدٌ من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر من غيره، تعالى الله عن قولهم.
وقد حَكَى أبو محمد بن قتيبة في كتابه "غريب الحديث"، وأبو المعالي، إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" في أصول الدين أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية؛ لاعتقادكم إثبات القدر، قال ابن قتيبة، والإمام: هذا تمويهٌ من هؤلاء الجهلة، ومباهتة، وتواقُحٌ، فإن أهل الحق يُفَوِّضون أمورهم إلى الله ﷾، ويُضِيفون القدر والأفعال إلى الله ﷾، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعِي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن يُنسَب إليه، ممن يعتقده لغيره وينفه عن نفسه.
قال الإمام: وقد قال رسول الله - ﷺ -: "القدرية مجوس هذه الأمة"، شَبَّهَهم بهم؛ لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة، كما قَسَّمَت المجوس، فصرفت الخير إلى "يزدان"، والشر إلى "أهرمن"، ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية، هذا كلام الإمام، وابن قتيبة.
وحديث: "القدريةُ مجوسُ هذه الأمة"، رواه أبو حازم، عن ابن عمر - ﵄ -، عن رسول الله - ﷺ -، أخرجه أبو داود في "سننه"، والحاكم، أبو عبد الله في "المستدرك على الصحيحين"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، إن صحّ سماع أبي حازم، من ابن عمر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أبو حازم لم يسمع من ابن عمر - ﵄ -، قال ولده ليحيى بن صالح: من حدّثك أن أبي سمع من أحد الصحابة، غير سهل بن سعد - ﵁ - فقد كذب، قاله في "التهذيب" (^١).
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٢/ ٧١.
[ ١ / ١٢٩ ]
وعليه فالحديث منقطع، لكن أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق حميد الطويل، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صنفان من أمتي لا يردان الحوض، ولا يدخلون الجنة: القدريّة، والمرجئة"، وفي لفظ: "القدريّة، والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
وقد حسّنه الشيخ الألباني ﵀، وأحسن في ذلك، راجع: "السلسلة الصحيحة" ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٤ رقم (٢٧٤٨).
والحاصل أن الحديث صحيح لغيره، والله تعالى أعلم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إنما جعلهم - ﷺ - مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين: النورِ والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشرّ من فعل الظلمة، فصاروا ثُنَوِيّةً، وكذلك القدرية يُضيفون الخير إلى الله تعالى، والشرّ إلى غيره، والله ﷾ خالق الخير والشر جميعًا، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه ﷾ خلقًا وإيجادًا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلًا واكتسابًا. والله أعلم.
وقال الخطابيّ ﵀ أيضًا: وقد يَحسبَ كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله ﷾ العبدَ وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدّم علم الله ﷾ بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها، خيرِها وشرّها، قال: والقدر اسم لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عن فعل القادر، يقال: قَدَرتُ الشيءَ، وقَدَّرته بالتخفيف والتثقيل، بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]: أي خلقهنّ.
قال النوويّ ﵀: وقد تظاهرت الأدلة القطعيات، من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأهل الْحَلِّ والْعَقْد، من السلف والخلف على إثبات قدر الله ﷾، وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه، ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد، كتابُ الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى، وقد قَرَّر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير، بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية، والله أعلم. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" للنوويّ ١/ ١٥٤ - ١٥٥.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقد روي عن مالك ﵀ أنه فسّر مذهب القدريّة بنحو ذلك (^١)، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر - ﵄ -، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جَحْدُ معلوم من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تُقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤].
وهذا مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكبيّة (^٢)، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين.
والقدريّة اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، ومعنى القدر عند القائلين به اليوم أن أفعال العباد مقدورةٌ لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أَخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّم القدريُّ العلمَ خُصِم - يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم -، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل لِلَّه، تعالى الله عن ذلك. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافّات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله:
_________________
(١) يعني ما سبق من أنه تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَثَ في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته.
(٢) هذه الفرقة هكذا ذكرها القرطبيّ بهذا الاسم في "المفهم" ١/ ١٣٢، ولكن لم يذكرها أصحاب كتب النحل والملل بهذا الاسم، ولا يُدرى من هي؟ والله تعالى أعلم. راجع: هامش "المفهم" ١/ ١٣٢.
(٣) راجع: "المفهم" ١/ ١٣٢ - ١٣٣ مع "الفتح" ١/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ١ / ١٣١ ]
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله - ﷺ -: "كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس". رواه مسلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة": وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشرّه، والإيمان بالقدر على درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين:
فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه ﷾ يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ﷾، لا يكون في ملكه ما لا يُريد، وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ﷾، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو ﷾ يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا
[ ١ / ١٣٢ ]
وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر، والمصلّي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وقدرَتهم، وإرادَتَهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
وهذه الدرجة من القدَر يُكَذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ - ﷺ - مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته، واختياره، ويخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة):
(اعلم): أن هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ، ودليلٌ عميمٌ، يقطع دابر أهل الأهواء المضلّة، وأرباب السَّفَه والذِّلّة من المعتزلة، والمتكلّمين الذين هم أذناب الفلاسفة الْجَهَلَة، أرباب الغواية السَّفَلَة، الذين لا يرون المؤمن مؤمنًا إلا الذي آمن بالقواعد التي أسّسوها، ودسّوها بين أهل الإسلام، وأوهموا أنها المعنيّة بنصوص الكتاب والسنّة، وأن من لم يسلك سبيلها فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وهذا زور وبهتان، وكذب وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله - ﷺ -، وقد قام المحقّقون من المتقدّمين والمتأخرين من أهل السنة بتفنيد آرائهم الزائفة، ودحض حُجَجِهِمْ الكاسفة، وألقموهم الحجر الْجُلْمُود، ونَبَزُوهم بأنهم أهل الضلال والجحود، وأنا أذكر - بعون الله تعالى - خلاصة أقوالهم، ولباب أَفْهَامِهِمْ التي دلّ عليها الكتاب وصحاح السنّة، وعرفها وحققها العقلاء، وإن جحدها ونبذها الجهلاء - اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، آمين -.
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف، أن من صدّق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا، لا ريب فيه ولا تردّد، ولا توقّف، كان مؤمنًا حقيقة، وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن
[ ١ / ١٣٣ ]
اعتقادات جازمة، على هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرّحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصحّ الإيمان الشرعيّ إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقليّة والسَّمْعِيَة، وحصول العلم بنتائجها ومطالبها، ومن لم يحصُل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من متكلّمي أصحابنا، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلّفين ما يقال عليه: إيمان، كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ١٣]، والإيمان هو التصديق لغةً وشرعًا، فمن صدّق بذلك كلّه، ولم يجوّز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله تعالى به على نحو ما أمره الله تعالى، ومن كان كذلك، فقد تَفَصَّى عن عهدة الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السنّة والكتاب؛ ولأن رسول الله - ﷺ - وأصحابه بعده حكموا بصحّة إيمان كلّ من آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يفرّقوا بين من آمن عن برهان، أو غيره؛ ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة تصديقهم، ولا أرجأوا إيمانهم حتى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل سمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حرّرها المتكلّمون، ورتّبها الجدليّون، إنما أحدثها المتأخّرون، ولم يَخُض في شيء تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والْهَذَيَان أن يُشترط في صحّة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان؟ وهم من هم؟ فهمًا عن الله تعالى، وأخذًا عن رسول الله - ﷺ -، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنّته وطريقته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ جدًّا (^١).
وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" عند شرح حديث بَعْثِ معاذ - ﵁ - إلى اليمن، فقال عند قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك … " الحديث، ما نصّه: وقد تمسك به من قال: أول واجبٍ المعرفةُ، كإمام الحرمين، واستَدَلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٤٥ - ١٤٦.
[ ١ / ١٣٤ ]
المأمورات على قصد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار، إلا بعد معرفة الآمر والناهي.
واعتُرِض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال، وهو مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجبٍ النظرُ، وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك.
وتُعُقّب بأن النظر ذو أجزاء، يترتب بعضًا على بعض، فيكون أول واجب جزأ من النظر، وهو محكيّ عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ: أول واجب القصد إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، بأن من قال: أول واجب المعرفة، أراد طلبًا وتكليفًا، ومن قال: النظر، أو القصد أراد امتثالًا؛ لأنه يُسَلّم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة، فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة.
قال: وقد ذكرتُ في "كتاب الإيمان" من أعرض عن هذا من أصله، وتَمَسَّكَ بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وحديث: "كلُّ مولود يولد على الفطرة … "، فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص؛ لقوله - ﷺ -: "فأبواه يُهَوّدانه، وينصرانه".
وقد وافق أبو جعفر السمناني، وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا، وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري، من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك. انتهى.
قال: وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه: إن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومتوسط:
فالطرف الأول: قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى، ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري، وجماعة من الحنابلة، والظاهرية، ومنهم من بالغ، فَحَرَّم النظر في الأدلة، واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار، من ذم الكلام كما سيأتي بيانه.
[ ١ / ١٣٥ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب هو الحقّ الذي كان عليه السلف الصالح، كما سبق في كلام القرطبيّ، ويأتي أيضًا، فليس فيه تفريط، كما يدلّ عليه كلام العلائيّ هذا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قال: والطرف الثاني: قول من وقَفَ صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة، من علم الكلام، ونُسب ذلك لأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وقال الغزالي: أسرفت طائفة، فكَفَّروا عوامّ المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية، بالأدلة التي حرّروها، فهو كافر، فضيّقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر ابن السمعانيّ، وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوامّ اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك من المشقة أشدّ من المشقة في تعلم الفروع الفقهية.
قال: وأما المذهب المتوسط، فذكره، وسأذكره مُلَخَّصًا بعد هذا.
وقال القرطبي في "المفهم" في شرح حديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، وهو في أوائل "كتاب العلم" من "صحيح مسلم": هذا الشخص الذي يبغضه الله، هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَهٌ، ربما يَعجِز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة، لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها، لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ ولا الأطفال، لَمَّا بحثوا عن تَحَيُّز الجواهر، والأكوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي
[ ١ / ١٣٦ ]
الذات أو غيرها؟ وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟ وعلى الثاني، هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثًا؟ ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا، هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة - ﵃ - ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين، ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا تُمَكِّنْ زائغَ القلب من أُذُنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن
[ ١ / ١٣٧ ]
عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة - ﵃ - ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبيّ - ﷺ - قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خَرَّجَهُ الترمذيّ: "ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه إلا أوتوا الْجَدَل"، وقال: إنه صحيح (^١).
قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، فقد حَكَى عنه الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ.
وفي رواية عنه أنه قال عند موته: لقد خُضتُ البحر الخِضَمّ، وخلّيتُ أهل الإسلام وعلومهم، ودخلتُ فيما نَهَوْني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالوليل لابن الجوينيّ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: عقيدة عجائز نيسابور.
وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به (^٢).
وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا:
_________________
(١) وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: حسن. انظر: "صحيح الجامع الصغير" ٢/ ٩٨٤.
(٢) راجع: "مجموع الفتاوى" ٤/ ٧٣.
[ ١ / ١٣٨ ]
لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم.
وقال أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب.
وهذا الشهرستاني، صاحب "نهاية الإقدام في علم الكلام" وَصَفَ حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله [من الطويل]:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ … عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ
ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
ولقد أجاد الإمام الصنعانيّ محمد بن إسماعيل صاحب "سبل السلام" ﵀ حيث ردّ عليه فقال [من الطويل]:
لَعَلَّكَ أَهْمَلْتَ الطَّوَافَ بِمَعْهَدِ الرْ … رَسُولِ وَمَنْ وَالَاهُ مِنْ كُلِّ عَالِم
فَمَا حَارَ مَنْ يَهْدِي بِهَدْيِ مُحَمَّدِ … وَلَسْتَ تَرَاهُ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (^١)
قال الجامع عفا الله عنه: لو قال: وَوَاللهِ أَهْمَلْتَ إلخ، لكان أولى من "لعلّك" كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
وهذا أبو حامد الغزاليّ مع فَرْط ذكائه وتألّهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسُلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوّف، ينتهي في هذه المسائل إلى الوَقْف والْحَيْرة، ويُحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنّف "إلجام العوامّ عن علم الكلام" (^٢).
وقال الفخر الرازيّ في كتابه الذي صنّفه في أقسام اللَّذَّات، وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذّة العلم والمعرفة، وأشرف العلوم العلم الإلهي لشرف معلومه، وشدّة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: العلم بالذات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الوجود هل هو الماهيّة، أو زائد عليها، والعلم بالصفات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الصفات هل هي أمور وجوديّة زائدة على ذات
_________________
(١) "ديوان الصنعاني" ص ٣٤٥.
(٢) راجع: "مجموع الفتاوى" ٤/ ٧٢.
[ ١ / ١٣٩ ]
الموصوف، أم ليست بزائدة على الذات؟ والعلم بالأفعال، وعليه عُقْدَةٌ، وهي هل الفعل مقارن للفاعل، أو متراخٍ عنه؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد [من الطويل]:
نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ … وَأَكْثَرُ سَعْي الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا … رِجَالٌ فَمَاتُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
لقد تأملتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتها تَشْفِي عَلِيلًا، ولا ترْوي غَليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات قوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، واقرأ في النفي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، و﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ثم قال: ومَنْ جرّب مثل تجربتي عَرَف مثل معرفتي.
قال الإمام ابن القيّم ﵀ بعد نقل كلام الرازيّ هذا ما نصّه: فليتأمّل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من الْعِبَر، فإنه لم يأت في المتأخّرين من حصّل من العلوم العقليّة ما حصّله، ووقف على نهاية أقدام العقلاء، وغايات مباحث الفضلاء، وضرب بعضها ببعض، ومَخَضَها أشدّ الْمَخْض، فما رآها تشفي علّة داء الجهالة، ولا تروي غُلّة ظمإ الشوق والطلب، وأنها لم تَحُلّ عنه عُقْدة واحدة من هذه العُقَد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب، فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله، فإنه شاكّ في ذات ربّ العالمين هل له ماهيّة غير الوجود المطلق يختصّ بها أم ماهيّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في صفاته، هل هي أمور وجوديّة، أم نِسَبٌ إضافيّة عدميّة؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في أفعاله، هل هي مقارنة له أزلًا وأبدًا لم تزل معه أم الفعل متأخّر عنه تأخّرًا لا نهاية لأمده، فصار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، فننظر في كتبه الكلاميّة قول المتكلّمين، وفي كتبه الفلسفيّة قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء،
[ ١ / ١٤٠ ]
وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهم حائرًا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد (^١)، فإنه مع بحثه ونظره وتصدّيه للردّ على الرازيّ حتى يقول في قصيدة له [من الطويل]:
وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلْـ … لَذِينَ بِهَا قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ أُحِبُّهُ
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي فُنُونٍ دَقِيقَةٍ … وَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهُ
أَمَا قُلْتُمُ مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًا … سَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شُرْبُهُ
أَمَا رَدَّ شَكَّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْفَهُ … وَتَمْوِيهَهُ فِي الدِّينِ إِذْ حَلَّ خَطْبُهُ
يعترف بأن المعقولات لم تُعطه إلا حَيْرةً، وأنه لم يَصِل منها إلى يقين، ولا علم حيث يقول [من المديد]:
فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ … ضَاعَ دَهْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي
سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا … رَبحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَرِ
قَاتَلَ اللهُ الأُولَى زَعَمُوا … أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ
كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا … خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَرِ
وقال بعض الطالبين من المتأخّرين، وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم يزدد إلا حيرةً وبُعْدًا من مطلبه حتى قيّض الله له من أخذ بيده، وسلك به على الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم، فجعل يَهْتِف بصوته لأصحابه هلمّوا فهذه والله الطريق، وهذه أعلام مكة والمدينة، وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح، ولم تُزلها الأهوية، ثم قال [من الطويل]:
وَكُنْتُ وَصَحْبِي فِي ظَلَامِ مِنَ الدُّجَى … نَسِيرُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلَا نَدْرِي
وَكُنَّا حَيَارَى فِي الْقِفَارِ وَلَمْ يَكُنْ … دَلِيلٌ لَنَا نَرْجُوا الْخَلَاصَ مِنَ القَفْرِ
ظِمَاءُ إِلَى وِرْدٍ يَبُلُّ غَلِيلَنَا … وَقَدْ قَطَعَ الأعْنَاقَ مِنَّا لَظَى الْحَرِّ
_________________
(١) هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائنيّ، أبو حامد المعروف بابن أبي الحديد، وُلد سنة (٥٨٦ هـ) في المدائن، وهو من غلاة الشيعة، وأعيان المعتزلة، كاتب شاعر، له كتب، منها: "شرح نهج البلاغة"، و"السبع العلويات"، و"شرح الآيات البينات" للفخر الرازيّ، توفي ببغداد سنة (٦٥٦ هـ). راجع "البداية والنهاية" ١٣/ ١٩٠، و"فوات الوفيات" ١/ ٢٤٨ - ٢٥٠، و"الأعلام" ٣/ ٢٨٩.
[ ١ / ١٤١ ]
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَبَدَّى لِنَاظِرِي … سَنَا بَارِقٍ يَبْدُو كَخَيْطٍ مِنَ الْفَجْرِ
فَقُلْتُ لِصحْبِي هَلْ تَرَوْنَ الَّذِي أَرَى … فَقَالُوا اتَّئِدْ ذَاكَ السَّرَابُ الَّذِي يَجْرِي
فَخَلَّفْتُهُمْ خَلْفِي وَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ … فَأَوْرَدَنِي عَيْنَ الْحَيَاةِ لَدَى الْبَحْرِ
فَنَادَيْتُ أَصْحَابِي فَمَا سَمِعُوا النِّدَا … وَلَوْ سَمِعُوهُ مَا اسْتَجَابُوا إِلَى الْحَشْرِ
فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلّة العقليّة من ضدّ اليقين، ومن الحيرة والشّكّ، فمن الذي شكا من القرآن والسنّة، والأدلّة اللفظيّة هذه الشكاية؟ ومن الذي ذكر أنها حيّرته ولم تهده؟ أو ليس بها هَدَى الله أنبياءه ورسله وخِيرةَ خلقه؟ قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلًا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ الآية [سبأ: ٥٠].
فهذا أكمل الخلق عقلًا صلوات الله وسلامه عليه يُخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظيّة التي أوحاها الله إليه، وهؤلاء المتهوّكون المتحيّرون يقولون: إنها لا تفيد يقينًا ولا علمًا، ولا هدى، وهذا موضع المثَل المشهور: "رمتني بدائها وانسلّت". انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (^١)، وهو شافٍ كافٍ لمن أراد الهدى والرشاد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال القرطبي ﵀: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذمّ، وجديرًا بالذكر:
[إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
[والثانية]: قول جماعة منهم إنّ من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أبيه وأسلافه، حتى لقد أُورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع علي بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلّمين على من قال بهما، بطريق من النظر
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" ١/ ١٦٥ - ١٧٠.
[ ١ / ١٤٢ ]
والاستدلال؛ بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطِّئون: الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير من قال: إن الشكّ في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة والمسلمين كفّار، فهو كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين.
وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس لما قد شاعَ من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ (^١).
وقال الآمدي في "أبكار الأفكار": ذهب أبو هاشم من المعتزلة، إلى أن من لا يعرف الله بالدليل، فهو كافر؛ لأن ضد المعرفة النكرةُ، والنكرة كفرٌ، قال: وأصحابنا مجمعون على خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقًا، لكن عن غير دليل، فمنهم من قال: إن صاحبه مؤمن عاصٍ بترك النظر الواجب، ومنهم من اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق، وإن لم يكن عن دليل، وسماه علمًا، وعلى هذا فلا يلزم من حصول المعرفة بهذا الطريق، وجوب النظر، وقال غيره: من منع التقليد، وأوجب الاستدلال، لم يرد التعمق في طرق المتكلمين، بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين، من الاستدلال بالمصنوع على الصانع، وغايته أنه يحصل في الذهن، مقدمات ضرورية، تتألف تألفًا صحيحًا، وتنتج العلم، لكنه لو سُئل كيف حصل له ذلك: ما اهتدى للتعبير به، وقيل: الأصل في هذا كله المنع من التقليد، في أصول الدين، وقد انفصل بعض الأئمة عن ذلك، بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة، ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة، حتى حصل له القطع
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤، ببعض تغيير من "الفتح".
[ ١ / ١٤٣ ]
بها، فمهما سمعه من النبي - ﷺ -، كان مقطوعًا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدًا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة، وهذا مستند السلف قاطبة، في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن، وأحاديث النبي - ﷺ -، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم من ذلك، وفوّضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم، وإنما قال من قال: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة، فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن فيسلم، أو يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا فطريق السلف أسهل من هذا، كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص، حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن، فاختلط الأمر على من اشترط ذلك، والله المستعان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رَدّ من لم يُثبِتِ النبوّة لا يكون بما سلكه المتكلّمون من النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله - ﷺ -، واقتدى به في ذلك أصحابه - ﵃ - ومن تبعهم بإحسان، من إقامة الحجة على من لم يُثبت نبوته - ﷺ -، فليس هذا النفي جديدًا في الأمة، وإنما هو من أول ما جاء الإسلام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية [الرعد: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ الآية [الفرقان: ٤١]، إلى غير ذلك من الآيات، فالطريق الذي سلكه - ﷺ - في إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو الطريق الصحيح، وأما طريق المتكلمين، فضلالٌ مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم.
واحتج بعض من أوجب الاستدلال، باتفاقهم على ذم التقليد، وذكروا الآيات، والأحاديث الواردة في ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين هو الهدى؟ وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يُعْمَل بها، وبأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه، من ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علمًا فهو جهل، ومن لم يكن عالمًا فهو ضالّ.
والجواب عن الأول أن المذموم من التقليد أخذ قول الغير بغير حجة،
[ ١ / ١٤٤ ]
وهذا ليس منه حكم رسول الله - ﷺ -، فإن الله أوجب اتباعه في كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به، أو نهى عنه داخلًا تحت التقليد المذموم اتفاقًا، وأما من دونه، ممن اتبعه في قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلّد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فإنه يكون ممدوحًا.
وأما احتجاجهم بأن أحدًا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس بمسلم، بل من الناس من تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة، ومنهم من يتوقف على الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب على كل من استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هذا مضى السلف الصالح، من عهد النبي - ﷺ - وبعده.
وأما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقًا من الله وتيسيرًا، فهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم، لأنهم لو كَفَر آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت في حق الكفار، الذين اتبعوا من نُهُوا عن اتباعه، وتركوا اتباع من أُمِروا باتباعه، وإنما كلفهم الله الإتيان ببرهان على دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان، وكل من خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلًا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتًا وتعجيزًا، وأما من اتبع الرسول - ﷺ - فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين على صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا.
وقول من قال منهم: إن الله ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن مندوب لكل من أطاقه، وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم تقريره. وبالله التوفيق.
وقال غيره: قول من قال: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم،
[ ١ / ١٤٥ ]
ليس بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم في العلم، فزادوا في التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله: "عليه"، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: "عن تيسير الله له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد في قلبه"، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق.
وقال أبو المظفر بن السمعاني ﵀: تعقب بعض أهل الكلام قول من قال: إن السلف من الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في أحكام الحوادث، وقد قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه في كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الردّ على الملحدين، وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وقد علم الكل أن الكتاب لم تعلم حقيته، والنبي - ﷺ - لم يثبت صدقه، إلا بأدلة العقل.
وأجاب: أما أوّلًا، فإن الشارع والسلف الصالح نَهَوا عن الابتداع، وأَمَرُوا بالاتباع، وصح عن السلف أنهم نَهَوْا عن علم الكلام، وعدُّوه ذريعة للشك والارتياب، وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا من ترك النص الصحيح، وقدم عليه القياس، وأما من اتبع النص، وقاس عليه، فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك؛ لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي، وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم، فمن ثَمَّ تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك، بخلاف علم الكلام.
وأما ثانيًا: فإن الدين كمل؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كان أكمله وأتمه، وتلقاه الصحابة عن النبي - ﷺ -، واعتقده من تلقى عنهم، واطمأنت به نفوسهم، فأيُّ حاجة بهم إلى تحكيم العقول،
[ ١ / ١٤٦ ]
والرجوع إلى قضاياها، وجعلها أصلًا، والنصوص الصحيحة الصريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعْمَلُ بمضمونها، وتارة تحرف عن مواضعها؛ لتوافق العقول، وإذا كان الدين قد كَمُل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك.
وقد توسط بعض المتكلمين، فقال: لا يكفي التقليد، بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر، وتحصل به الطمأنينة العلمية، ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية، بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه. انتهى.
والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص، كافٍ في هذا القدر.
وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزميّ، الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى، والإيمان برسله، وبما جاؤوا به، كيفما حصل، وبأي طريق إليه يوصل، ولو كان عن تقليد محض، إذا سلم من التزلزل.
وقال القرطبي ﵀: هذا الذي عليه أئمة الفتوى، ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي - ﷺ -، ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب، ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام، من غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل مّا، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعًا من غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب، بأن نبيًّا سيبعث، وينتصر على من خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد - ﷺ -، بادروا إلى الإسلام، وصدّقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه، من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه، من رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم، فلا يزالون يزدادون إيمانًا ويقينًا.
وقال أبو المظفر ابن السمعاني أيضًا ما مُلَخَّصه: إن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحرم شيئًا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب على أحد شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسول الله - ﷺ -، إنما
[ ١ / ١٤٧ ]
كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالًا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك، حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب، والأحاديث الصحيحة، التي تواترت، ولو بالطريق المعنويّ، ولو كان كما يقول أولئك، لبطلت السمعيات، التي لا مجال للعقل فيها، أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته، على وفق مراد الله ﷾. انتهى.
ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس، أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: أَنْشُدُك الله، آلله أرسلك أنّ نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ندع اللَّات والعزَّى، قال: نعم، فأسلم، وأصله في "الصحيحين" في قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: ما أنت؟ قال: "نبي الله"، قلت: آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قلت: بأي شيء؟ قال: "أوحد الله لا أشرك به شيئًا … " الحديث، وفي حديث أسامة بن زيد، في قصة قتله الذي قال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي - ﷺ -، وحديث المقداد في معناه، وكلاهما في "الصحيح"، وفي كتب النبي - ﷺ - إلى هرقل وكسرى، وغيرهما من الملوك، يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي، الدال على أنه - ﷺ - لم يزد في دعائه المشركين، على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قَبِلَ منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر، أم لا، ومن توقف منهم، نَبَّهَه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يُذعِن أو يستمرّ على عناده.
وقال البيهقي في "كتاب الاعتقاد": سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع، وحدوث العالم طريق الاستدلال، بمعجزات الرسالة، فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي - ﷺ -، وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي، وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث الله إلينا رسولًا، نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا علينا تنزيلًا من الله، لا يشبهه
[ ١ / ١٤٨ ]
شيء، فصدقناه، وعرفنا أن الذي جاء به الحق … الحديث بطوله، وقد أخرجه ابن خزيمة في "كتاب الزكاة" من "صحيحه" من رواية ابن إسحاق، وحاله معروفة، وحديثه في درجة الحسن.
قال البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي، فآمنوا بما جاء به، من إثبات الصانع، ووحدانيته، وحدوث العالم، وغير ذلك، مما جاء به الرسول - ﷺ - في القرآن وغيره، واكتفاء غالب من أسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار، فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدًا، بل هو اتباع. والله أعلم.
وقد استدل من اشترط النظر بالآيات، والأحاديث الواردة في ذلك، ولا حجة فيها؛ لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر، بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر، جعله شرطًا.
واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا، لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين، وهذا إنما يتأتى في تقليد غير النبي - ﷺ -، وأما تقليده - ﷺ -، فيما أخبر به عن ربه، فلا يتناقض أصلًا.
واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي - ﷺ -، والصحابة بإسلام من أسلم من الأعراب، من غير نظر، بأن ذلك كان لضرورة المبادئ، وأما بعد تقرر الإسلام، وشهرته، فيجب العمل بالأدلة، ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار.
والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام، ينكرون التقليد، وهم أول داعٍ إليه، حتى استقر في الأذهان، أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها، فهو مبتدع، ولو لم يفهمها، ولم يعرف مأحذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول ﵊، في معرفة الله تعالى، والقولِ بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالًا، وما مَثَلهم إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سَفرًا، فوقعوا في فلاة، ليس فيها ما يقوم به البدن، من المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقًا شتى، فانقسموا قسمين: فقسم وجدوا من قال لهم: أنا عارف بهذه الطرق، وطريق النجاة منها
[ ١ / ١٤٩ ]
واحدة، فاتبعوني فيها، تنجوا، فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة، فأقاموا، إلى أن وقفوا على أمارة ظهر لهم أن في العمل بها النجاة، فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا، فليس نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالأمارة، إن لم تكن أولى منها.
قال الحافظ: ونَقَلْتُ من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يُفَصَّل، فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة، لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفي الأدلة المجملة، التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه، قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع لا حاجة لنا إليه أصلًا؛ لأن إيجاب النظر على أيّ أحد قولٌ بلا دليلٌ، فتنبّه.
قال: وأما من غلا، فقال: لا يكفي إيمان المقلد، فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضًا، فقال: لا يجوز النظر في الأدلة؛ لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر. انتهى ملخصًا (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لما يلزم منه من أن أكابر السلف إلخ": هذا هو الواقع، فلم يُنقل من الصحابة، فمن بعدهم أنهم استعملوا شيئًا من أدلة المتكلّمين، فمن ادّعى ذلك فقد افترى عليهم، بل السلف الذين حدث في عصرهم علم الكلام، كالشافعيّ، وأحمد، وغيرهما قد أنكروه، وحرّموه، ونفّروا الناس عنه، فأين السلف الذين تعلّموا علم الكلام، فكانوا من أهل النظر، حاشا وكلّا، ثم حاشا وكلّا.
والحاصل أن الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا يجوز لأحد أن يخالفه، أن الإيمان هو معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله - ﷺ - عن طريق النقل، لا عن طريق
_________________
(١) راجع: "فتح" ١٤/ ٢٩٦ - ٣٠٣.
[ ١ / ١٥٠ ]
علم الكلام، فمن أبي هذا فهو ضالٌّ مضلّ، اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
هذا ما أردت نقله من كلام المحققين، وإنما أطلت في النقول؛ لما رأيت من انهماك كثير ممن ينتسب إلى العلم بتصويب آراء الخلف المخالفة لهدي رسول الله - ﷺ - الذي أتى ليهدي الناس إلى ربهم بأقوم طريق وأحسنه، وأبينه وأسهله وأيسره، وما ذاك إلا لبعدهم عما كان عليه السلف من التحذير عن بدع المتكلمين، وحثّهم الناس بالتمسّك بهدي الكتاب والسنة الذي بهما الكفاية في هداية الخلق أجمعين، رزقنا الله تعالى التمسّك بهما، والاكتفاء بهديهما، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم القدريّة، ونحوهم من أهل الأهواء.
قد حقّق شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا أحببت إيراده هنا لكونه مستوعبًا شرح مذاهبهم، وحكم أهل العلم في كلّ طائفة منهم:
سئل ﵀ عن قوله - ﷺ -: "تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة" ما الفِرَق؟ وما معتقد كلّ فرقة من هذه الصنوف؟
فأجاب رحمه الله تعالى:
الحمد لله، الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، ولفظه: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدةً، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة"، وفي لفظ: "على ثلاث وسبعين ملّةً"، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وفي رواية قال: "هي الجماعة، يد الله على الجماعة".
[ ١ / ١٥١ ]
ولهذا وَصَفَ الفرقةَ الناجيةَ بأنها أهل السنّة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم.
وأما الفِرَقُ الباقية، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرّق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلّة، وشعار هذه الفِرَق مفارقة الكتاب والسنّة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.
وأما تعيين هذه الفِرَق، فقد صنّف الناس فيهم مصنّفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة (^١) هي إحدى الثنتين والسبعين لا بدّ له من دليل، فإن الله حرّم القول بلا علم عمومًا، وحرّم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأيضًا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظنّ والهوى، فيجعل طائفته، والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنّة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحقّ والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله - ﷺ -، فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله - ﷺ - من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين، وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرّق.
وبهذا يتبيّن أن أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث
_________________
(١) كتب في الهامش: ما نصّه: كلمة لم تظهر.
[ ١ / ١٥٢ ]
والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله - ﷺ -، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعها، تصديقًا، وعملًا، وحبًّا، وموالاة لمن والاها، ومعاداةً لمن عاداها، الذين يروون (^١) المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجُمَلِ كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول - ﷺ -، بل يجعلون ما بُعث به الرسول - ﷺ - من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه، ويعتمدون عليه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردّونه إلى الله ورسوله - ﷺ -، ويُفسّرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل الفرق والاختلاف، فما كان معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظنّ، وما تَهوَى الأنفس، فإن اتّباع الظنّ جهل، واتّباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم، وجماعُ الشرّ الجهل والظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخر السورة، وذكر التوبة لعلمه ﷾ أنه لا بدّ لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبتن له من الحقّ ما كان جاهلًا به، ويرجع عن عمل كان ظالمًا فيه، وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١].
ومما ينبغي أيضًا أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.
ومن يكون قد ردّ على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه فيكون محمودًا فيما ردّه من الباطل، وقاله من الحقّ، لكن يكون قد جاوز
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعله "يردّون" بالدال، فليحرر.
[ ١ / ١٥٣ ]
العدل في ردّه بحيث جحد بعض الحقّ، وقال بعض الباطل، فيكون قد ردّ بدعةً كبيرة ببدعة أخفّ منها، وردّ باطلًا بباطل أخفّ منه (^١)، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه، ويعادون عليه كان من نوع الخطأ، والله ﷾ يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنّة، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر، وفسّق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحلّ قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرّق والاختلاف.
ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون، وقد صحّ الحديث في الخوارج عن النبيّ - ﷺ - من عشرة أوجه، خرّجها مسلم في "صحيحه"، وخرّج البخاريّ منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب النبيّ - ﷺ - مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفّين؛ إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال.
فالخوارج لَمّا فأرقوا جماعة المسلمين، وكفّروهم، واستحلّوا قتالهم جاءت السنّة بما جاء فيهم، كقول النبيّ - ﷺ -: "يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة".
وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله - ﷺ -، فلما رأى قسمة النبي - ﷺ - قال: يا محمد اعدِل، فإنك لم تعدل، فقال له النبي - ﷺ -: "لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل"، فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا
_________________
(١) كان في النسخة: "وردّ بالبالطل باطلًا بباطل أخف منه"، وهو غلط، فتنبّه.
[ ١ / ١٥٤ ]
المنافق، فقال: "إنه يخرُج من ضِئضئ هذا أقوامٌ يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم … " الحديث.
فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظنّ والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه.
وأما تعيين الفِرَق الهالكة، فأقدم من بلغنا أنه تكلّم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدريّة، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهميّة؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهميّة.
وهذا الذي قاله اتّبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهميّة كفّار، فلا يدخلون في الاثنين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يُبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام، وهم الزنادقة.
وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهميّة داخلون في الاثنين والسبعين فرقةً، وجعلوا أصول البدعٍ خمسةً، فعلى قول هؤلاء يكون كلّ طائفة من المبتدعة الخمسة اثنا عشر فرقة، وعلى قول الأولين يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ثمانية عشر فرقة.
وهذا ينبني على أصل آخر، وهو تكفير أهل البدع، فمن أخرج الجهميّة منهم لم يُكفّرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفسّاق والعُصاة، ويجعل قوله: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠].
ومن أدخلهم فيهم، فهم على قولين:
منهم من يكفّرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلّمين، وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضِّلَة، ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفّر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حَكَى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء
[ ١ / ١٥٥ ]
وغيرهم خلافًا عنه، أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة.
ومنهم من لم يكفّر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفّرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفّرون أحدًا ببدعة. والمأثور عن السلف، والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهميّة المحضة الذين يُنكرون الصفات، وحقيقة قولهم: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى، ولا يباين الخلق، ولا له علم، ولا قدرة، ولا سمغ، ولا بصرٌ، ولا حياةٌ، بل القرآن مخلوقٌ، وأهل الجنّة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات.
وأما الخوارج، والروافض، ففي تكفيرهم نزاعٌ وتردّد عن أحمد وغيرهم.
وأما القدريّة الذين يَنفُون الكتابة والعلم، فكفّروهم، ولم يكفّروا من أثبت العلم، ولم يُثبت خلق الأفعال.
وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين:
[أحدهما]: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، فإن الله منذ بعث محمدًا - ﷺ -، وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به، وكافرٌ به مظهر الكفر، ومنافقٌ مستخف بالكفر، ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتين في الكفّار، وبضع عشرة آيةً في المنافقين، وقد ذكر الله الكفّار والمنافقين في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]، وعطفهم على الكفّار ليميّزهم عنهم بإظهار الإسلام، وإلا فهم في الباطن شرّ من الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وكما قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، وكما قال: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤].
[ ١ / ١٥٦ ]
وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر هذا في الروافض والجهميّة، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهّم، فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنيّة المتفلسفة، وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم.
ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين.
[والأصل الثاني]: أن المقالة تكون كفرًا، كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا (^١) لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يُحكم بكفره، بجحد شيء مما أنزل على الرسول - ﷺ - إذا لم يعلم أنه أُنزل على الرسول - ﷺ -.
ومقالات الجهميّة هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الربّ تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتُغلّظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:
[أحدهما]: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنّة والإجماع كثيرة جدًّا مشهورة، وإنما يردّونها بالتحريف.
[الثاني]: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يَعلَم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله، فأصل الكفر الإنكار لله.
[الثالث]: أنهم يخالفون ما اتّفقت عليه الملل كلّها، وأهل الفطر السليمة كلها، لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: "وهذا"، فليحرّر.
[ ١ / ١٥٧ ]
يظنّ أن الحقّ معهم؛ لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا، وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفّارًا قطعًا، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه.
وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهميّة والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبغض، كما قال النبيّ - ﷺ -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان"، وحينئذٍ فتتفاضل ولاية الله، وتتبعّض بحسب ذلك.
وإذا عُرف أصل البدع، فأصل قول الخوارج أنهم يكفّرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتّباع الكتاب دون السنّة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترةً، ويكقرون من خالفهم، ويستحلّون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلّونه من الكافر الأصليّ، كما قال النبيّ - ﷺ - فيهم: "يقتلون أهل الإسلام، ويدَعُون أهل الأوثان"، ولهذا كفّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما، وكفّروا أهل صفّين الطائفتين في نحو ذلك من المقالات الخبيثة.
وأصل قول الرافضة أن النبيّ - ﷺ - نصّ على عليّ نصًّا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا با لإمام المعصوم، واتّبعوا أهواءهم، وبدّلوا الدين، وغيّروا الشريعة، وظلموا، واعتدوا، بل كفروا إلا نفرًا قليلًا، إما بضعه عشر، أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا، ثم كفروا، وأكثرهم يكفّر من خالف قولهم، ويُسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفّارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تُظهَر فيها أقوالهم دار رِدّة أسوأ حالًا من مدائن المشركين والنصارى، ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومعاداتهم ومحاربتهم، كما عُرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين.
ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنة وأمثالهم،
[ ١ / ١٥٨ ]
ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنّة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السنيّ إلا الرافضيّ، فإذا قال أحدهم: أنا سنّيّ، فإنما معناه لست رافضيّا، ولا ريب أنهم شرّ من الخوارج، لكن الخوارج كان لهم في مبدئ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفّار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيليّة ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق، والروافض معروفون بالكذب، والخوارج مَرَقُوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام.
وأما القدريّة المحضة، فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنّة، لكن المعتزلة وغيرهم من القدريّة هم جهميّة أيضًا، وقد يكفّرون من خالفهم، ويستحلّون دماء المسلمين، فيقربون من أولئك.
وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلّظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنّة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلّظة.
ولَمّا كان قد نُسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متَّبَعون تكلّم أئمة السنة المشاهير في ذمّ المرجئة المفضّلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوريّ: مَن قدّم عليًّا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أدري يصعد له إلى الله عمل مع ذلك، ونحو هذا القول، قاله لما نُسب إلى تقديم عليّ بعضُ أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختيانيّ: من قدّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك، وكذلك قول الثوريّ ومالك والشافعيّ وغيرهم في ذمّ المرجئة لما نُسب إلى الإرجاء بعض المشهورين.
وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدّم من أئمة الهدى، ليس له قولٌ ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبيّنها، وذبّ عنها، وبيّن حال مخالفيها، وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لَمّا أُظهرت الأهواء والبدع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]، فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك
[ ١ / ١٥٩ ]
قُرنت باسمه الإمامة في السنة ما شُهر به، وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله.
وإلا فالسنّة هي ما تلقَّاه الصحابة عن رسول الله - ﷺ -، وتلقّاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم، وعليها أصبر. والله ﷾ أعلم وأحكم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام شيخ الإسلام هذا تحقيق نفيس، وبحث أنيس، فتمسّك به، فإنك لا تجده مجموعًا محقّقًا في كلام غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل الذي سبق في أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٢] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاق، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدَر، أنكَرْنَا ذَلِكَ، قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَجَّةً … وَسَاقُوا الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِه، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ).
رجال هذا الاسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) - بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة - هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف السين المهملة - الْبصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) ٢/ ٤.
٢ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن حسين بن طلحة، أبو كامل البصريّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) ٥/ ٥٦.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠].
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ٣/ ٣٤٥ - ٣٥٨.
[ ١ / ١٦٠ ]
رَوَى عن حماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة إلا البخاري، ورَوَى عنه في غير "الجامع"، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة، وابن خزيمة، وأبو القاسم البغوي، وعِدّة. وقال النسائي: ثقة. وفي موضع آخر: لا بأس به. وتكلم فيه ابن خراش، فلم يَلتَفِت إليه أحد للمذهب. وذكر ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة (٢٤٥).
وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٤ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) ٣/ ٢٦.
٥ - (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) هو: مَطَر - بفتحتين - ابن طهمان الورّاق، أبو رجاء الخراسانيّ السُّلَميّ، مولى عليّ، سكن البصرة، صدوقٌ، كثير الخطإ، وحديثه عن عطاء ضعيفٌ [٦].
رَوَى عن أنس، يقال مرسل، وروى عن عكرمة، وعطاء، وحميد بن هلال، وزَهْدَم الجرمي، وبكر بن عبد الله الْمُزَنِيّ، ورجاء بن حيوة، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان، وأبو هلال الراسبي، والحمادان ومعمر، وهشام الدستوائيّ، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وحسين بن واقد، وغيرهم.
قال أبو طالب، عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن مطر الورَّاق؟ فقال: كان يحيى بن سعيد يُشَبِّه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، قال: فسألت أبي؟ فقال: ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة، وقال: مطر في عطاء ضعيف، قال عبد الله: وقلت ليحيى بن معين: مطر؟ فقال ضعيف في حديث عطاء، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح، وقال أبو زرعة: صالح، وروايته عن أنس مرسلة، لم يسمع منه، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: سمع من حفصة؟ فقال: هو أكبر من حفصة، وقال أيضًا: سألت أبي عنه فقال: هو
[ ١ / ١٦١ ]
صالح الحديث، أحب إليّ من سليمان بن موسى، وكان أكبر أصحاب قتادة، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن سعد: كان فيه ضعفٌ في الحديث، وقال العجليّ: بصريّ صدوق، وقال مرةً: لا بأس به، قيل له: تابعيّ؟ قال: لا، وقال أبو بكر البزار، ليس به بأس، رأى أنسًا، وحَدَّث عنه بغير حديث، ولا نعلم سمع منه شيئًا، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه، وقال الآجري عن أبي داود: ليس هو عندي بحجة، ولا يُقطَع به في حديث إذا اخْتُلِفَ، وقال الساجيّ: صدوق يَهِمُ، ولَمّا ذكره ابن حبان، قال: ربما أخطأ، وكان مُعْجَبًا برأيِهِ.
وقال ابن حبان في "الثقات": مات قبل الطاعون سنة خمس وعشرين ومائة، ويقال: إنه مات سنة تسع، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة تسع، وذكره البخاري في "باب التجارة في البحر" من "الجامع"، فقال: وقال خليفة: لا بأس به، قال الحافظ: وقع في روايته اختلافٌ، هل هو مطرٌ، أو مطرِّفٌ؟ لكن ذُكِر في موضع آخر من "التوحيد" في أواخر الكتاب، فقال: وقال مطر الوراق: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، قال: هل من طالب علم، فيعانَ عليه، وقد بينت مَن وَصَلَ الموضعين في "تغليق التعليق"، وذكره الحاكم فيمن أخرج لهم مسلم في المتابعات، دون الأصول.
وقال الحافظ أيضًا: وقرأت في "تذكرة ابن حمدون" أن المنصور قتله، فعلى هذا يكون تأخرت وفاته إلى قرب الأربعين ومائة.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف في المتابعات، والأربعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ) الضمير لشيوخه الثلاثة: محمد بن عبيد، وأبي كامل، وأحمد بن عبدة.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ) يعني أن حديثهم موافق لمعنى حديثه، لا للفظه، فإن فيه مخالفةً، كما يشير إليه قوله: "وفيه بعض زيادة إلخ".
وقوله: (وَإِسْنَادِهِ) أي إسناد كهمس، وهو عن عبد الله بن بُريدة إلخ، وهذا من باب الإيضاح، وإلا فقد كان يكفيه عن هذا سوقه إسنادهم، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٦٢ ]
وقوله: (وَفِيهِ) أي في حديثهم (بَعْضُ زِيادَةٍ) أي على حديث كهمس (وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ) أي إسقاط بعض جُمَل من حديث كهمس، فالأحرف المراد بها هنا الجمل.
[تنبيه]: قد ذكر الإمام ابن منده ﵀ في "كتاب الإيمان" ما قاله المصنّف هنا، ولفظه:
وروى هذا الحديث مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، فزاد فيه وقدّم وأخّر بعض الحديث، ثم أخرجه من طريق سليمان بن حرب، ومسدد عن حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: لَمّا تكلم معبد الجهني بما تكلم فيه بالبصرة من القدر، حججت أنا وحميد بن عبد الرحمن، فلما قضينا حجنا قلت: لو مِلْنا إلى المدينة، فَلَقِينا مَن بقي من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألناهم عما جاء به معبد الجهني، فذهبنا ونحن نؤم عبد الله بن عمر، وأبا سعيد الخدري، فلما دخلنا إذا نحن بابن عمر قاعدٌ، فاكتنفناه، فقدّمني حميد للمنطق، وكنت أجرأ على المنطق منه، فقلت: أبا عبد الرحمن إن قومًا نشؤوا قِبَلنا بالعراق، قرأوا القرآن، وتفقهوا في الإسلام، يقولون: لا قدر، قال: فأبلغهم أن عبد الله بن عمر بريء منهم، وأنهم منه براء، والله لو أن لأحدهم جبالُ الأرض ذهبًا، فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
أخبرني عمر - ﵁ - أن آدم وموسى ﵇ اختصما إلى الله ﷿ في ذلك، فقال له موسى: أنت آدم الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة، فقال له: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليك التوراة، فهل وجدته قدَّره عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، قال فحج آدم موسى ﵇.
قال: وحدثني عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: كنا جلوسًا مع رسول الله - ﷺ - إِذْ دخل عليه رجل، هيأته هيئة مسافر، وثيابه ثياب مقيم، أو ثيابه ثياب مقيم، وهيأته هيئة مسافر، فقال: يا رسول الله، أدنو منك؟ فقال: "نعم"، قال: فأقبل حتى وضع يديه على ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "تُسلم وجهك - يعني لله ﷿ - وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان"، وذكر عُرَى الإسلام، قال: فإذا فعلتُ ذلك فأنا مسلم؟ قال: "نعم"، قال: صدقت،
[ ١ / ١٦٣ ]
قال: قلنا: انظروا كيف يسأله؟ وانظروا كيف يصدقه؟ قال: يا رسول الله فما الإحسان؟ قال: "أن تخشى الله كأنك تراه، فإلا تكن تراه فإنه يراك"، قال: صدقت، قال: قلنا: انظروا كيف يسأله؟ وكيف يصدقه؟ قال: يا رسول الله فما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر كله"، قال: صدقت، قال: قلنا: انظروا كيف يسأله؟ وانظروا كيف يصدقه؟
قال: وحدثني شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، أنه قال: يا رسول الله، فمتى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، قال: صدقت صدقت صدقت، ثم ذهب، فقال رسول الله - ﷺ -: "عليّ بالرجل"، فنُظِرَ، فلم يوجد، فقال رسول الله - ﷺ -: "جبريل جاء يعلم الناس دينهم".
قال ابن منده: أخرجه مسلم بن الحجاج، عن أبي كامل الجحدري، ثنا محمد بن محمد بن يوسف (^١)، ثنا محمد بن نصر (^٢)، ثنا أبو كامل، وقال: نحو حديث كهمس، وألفاظها متقاربة، وهذا خلاف حديث كهمس، واختلف أصحاب حماد عليه في اللفظ، وجعل آخر الحديث، عن شهر بن حوشب، وَتَرْكُهُ أولى، وإن كان مطر محله الصدق. انتهى كلام ابن منده رحمه الله تعالى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار الحافظ ابن منده ﵀ إلى أن رواية مطر هذه غير صحيحة؛ لمخالفته كهمسًا، وهو وإن كان محلّه الصدق، إلا أن كهمسًا أوثق منه، فتقدّم روايته، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام مسلم ﵀، حيث ساق السند متابعة في أصل الرواية، وأشار إلى الخلاف المذكور، وأن الصحيح رواية كهمس.
والحاصل أن مطرًا تابع كهمسًا في أصل الرواية، إلا أنه خالفه بزيادة
_________________
(١) هو الفقيه الطوسيّ، كان زاهدًا ورعًا ثقة، تُوفّي سنة (٣٤٤ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٢١.
(٢) هو الحافظ الحجة الفقيه المروزيّ المتوفى في المحرّم سنة (٢٩٤ هـ).
(٣) "الإيمان" لابن منده ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ١ / ١٦٤ ]
قصّة آدم وموسى ﵉، ونقص آخر الحديث، وهو السؤال عن الساعة، فجعله عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة - ﵁ -، فيكون معنى قول مسلم رحمه الله تعالى: "وفيه بعض زيادة، ونقصان أحرف" أنه غير مصيب في الزيادة والنقص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل الذي سبق في أوائل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٣] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةً، عَنْ يَحْيَىَ بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيه، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، عَنْ عُمَرَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، أبو عبد الله الْقَطِيعيُّ المعروف بالسَّمِين، مَرْوزيُّ الأصل، سكن بغدَاد، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠].
رَوَى عن وكيع، وابن عيينة، وابن علية، وبهز بن أسد، ويحيى القطان، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعمرو بن شَبَّة، وغيرهم.
قال أحمد بن محمد الجعفي: سمعت ابن معين يقول: محمد بن حاتم بن ميمون كذَّاب. وقال عمرو بن عليّ: ليس بشيء. وقال عبد الله بن علي بن المديني: قلت لأبي: شيءٌ رواه ابن حاتم، عن ابن مهدي، عن شعبة، عن سالم، عن قَبِيصة بن هُلْب، عن أبيه، مرفوعًا: "لا يأتي أحدكم بشاة لها يَعار"، قال: هذا كَذِبٌ، إنما رَوَى هذا أبو داود. قال ابن قانع: صدوق. وقال ابن عديّ، والدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: استَخْرَج كتابًا في التفسير، كَتَبَهُ الناس، وكان يَنْزِل قَطِيْعَة الربيع. قال
[ ١ / ١٦٥ ]
موسى بن هارون، وغير واحد: مات في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين. وقال ابن قانع: قيل: إنه مات في أول سنة (٢٣٦)، وقال ابن حبان: مات سنة (٢٣٥)، أو (٢٣٦).
[تنبيه]: ذكر في "تهذيب التهذيب" نقلًا عن "الزهرة" أن مسلمًا رَوَى عنه ثلاثمائة حديث. انتهى.
لكن الذي في برنامج الحديث أنه روى عنه (٢١٤) حديثًا، والظاهر أن ما في البرنامج هو الصواب؛ لأنه أوضح الأحاديث كلها مسلسلة بأرقامها. والله تعالى أعلم.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثقة الثبت الْجِهْبِذ الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٩.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الياء، آخره ثاءٌ مثلّثةٌ - الراسبيّ، ويقال: الزهرانيّ البصريّ، ثقة، رُمي بالإرجاء [٦].
رَوَى عن أبي عثمان النَّهْدي، وأبي الشعثاء، جابر بن زيد، وأبي السَّلِيل ضُرَيب بن نُقَير، وعبد الله بن بريدة، وأبي نَعَامة الحنفي، وأبي نَضْرة العبدي، وغيرهم.
ورَوى عنه شعبة، والقطان، ووكيع، وخالد بن الحارث، وابن المبارك، وغيرهم.
قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال أحمد: ثقة، كان يَرَى الإرجاء. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة وقال أبو حاتم: صدوق. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى - يعني القطان - يقول: عند عثمان بن غِيَاث كُتُبٌ عن عكرمة، فلم يُصَحِّحها لنا. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يُضَعِّف حديثه في التفسير. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره الآجري، عن أبي داود في مُرْجئة أهل البصرة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: وقال البخاري في "الحج" من "صحيحه": قال أبو كامل: ثنا أبو معشر البراء، ثنا عثمان بن غِيَاث، ثنا عكرمة، عن ابن عباس في صفة الحج، وقد رواه الإسماعيلي، عن القاسم بن زكريا، عن أبي كامل، فسماه
[ ١ / ١٦٦ ]
عثمان بن سعيد، وكذا رواه أبو نعيم، عن أبي أحمد الحافظ، عن القاسم، ورواه مسلم بن الحجاج في "الجامع" عن أبي كامل، كما علقه البخاريّ، فالله أعلم (^١).
روى له البخاريُّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٩) و(٤٤١٦) حديث: "افْتَحْ، وبشره بالجنة … "، و(٤٨٧٥) حديث: "ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة … ".
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: "عن يحيى بن يعمر، وحُميد بن عبد الرحمن"، هذه الرواية صريحة في أن عبد الله بن بريدة يروي عن يحيى وحميد كليهما، وقد تابع شيخ المصنّف مسدّد بن مسرهد عند ابن منده ١/ ١٣٨، وتابع يحيى القطان أبو معشر البراء عنده أيضًا ١/ ١٣٩.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": وحميدٌ له في الرواية المشهورة ذكرٌ، لا رواية. انتهى (^٢).
وقوله: (فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ)، أي ذكرت أنا وحميد بن عبد الرحمن لابن عمر القدر، أي سألناه عن حكم الإيمان به (وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ) أي وذكرنا ما يقول القدريّة، معبد وأصحابه من نفي القدر.
وقوله: (فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لشيخه محمد بن حاتم، أي رواه على وجهه (كَنَحْوِ حَدِيثِهمْ) الضمير لمشايخه الخمسة المتقدّمين في الأسانيد السابقة (عَنْ عُمَرَ - ﵁ -) أي عن مسنده، لا عند مسند ابنه عبد الله، كما جعله من مسنده سليمان بن بريدة، كما بيّنّاه سابقًا.
وقوله: (وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا)، أشار به إلى أن رواية محمد بن حاتم، وإن كانت موافقة في المعنى لروايات المشايخ الآخرين، إلا أن فيها مخالفة في اللفظ، حيث يزيد بعض الألفاظ، وينقص بعضًا.
[تنبيه]: رواية عثمان بن غياث التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى ساقها الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان"، من طريق مسدد بن مسرهد، ثنا يحيى بن القطان، ثنا عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، عن
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٣/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) "الفتح" ١/ ١٤٢.
[ ١ / ١٦٧ ]
يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن قال: لقينا عبد الله بن عمر، فذكرنا له شأن القدر، وما يقولون فيه، فقال: إذا رجعتم إليهم، فقولوا لهم: إن ابن عمر منكم بريء، وأنتم منه براء، ثلاث مرات، ثم قال: أخبرني عمر بن الخطاب، أنهم بينما هم جلوس عند النبي - ﷺ - جاء رجل حسن الوجه، حسن الشعر، عليه ثياب بياض فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا، ولا هذا صاحب سفر، ثم قال: يا رسول الله أسألك؟ قال: "نعم"، قال: فوضع ركبتيه عند ركبتيه، ويديه على فخذيه، فقال: ما الإسلام؟ فقال: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: "فما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، والجنة والنار، والبعث بعد الموت، والقدر كله"، قال: فما الإحسان؟ قال: "تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال: فمتى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، قال: فما أشراطها؟ قال: "إذا العُرَاةُ الحُفَاةُ العَالَةُ رِعَاءُ الشاء تطاولوا في البنيان، وولدت الإماء أربابها"، ثم قال: "عليَّ بالرجل"، فطلبوه، فلم يروا شيئًا، فلبث يومًا، أو ثلاثًا ثم قال: "يا ابن الخطاب أتدري من السائل عن كذا وكذا؟ "، قال: الله ورسوله أعلم، قال: "ذاك جبريل ﵇ جاء يعلمكم دينكم".
قال: وسأله رجل من جهينة، أو مزينة، فقال: يا رسول الله فيم العمل؟ في أمر قد خلا، أو مضى، أو شيء مستأنف؟ قال: "في شيء قد خلا، أو مضى"، فقال رجل، أو بعض القوم: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: "إن أهل الجنة ميسَّرون لعمل الجنة، وأهل النار ميسَّرون لعمل أهل النار". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الزيادة في هذه الرواية هي قوله: "وسأله رجل من جهينة إلخ".
وأما النقص فقد ترك من أوله قوله: "كان أول من قال في القدر بالبصرة إلى قوله: "فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ".
[قاعدةٌ مهمّةٌ]: في الفرق بين قولهم عند إحالة المتون: "نحوه"، أو
_________________
(١) "الإيمان" لابن منده ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ١ / ١٦٨ ]
"مثله"، أو "بنحوه"، أو "بمثله"، كما فعله الإمام مسلم رحمه الله تعالى هنا، بل قد أكثر منه في هذا الكتاب.
قال في "التقريب"، مع "شرحه التدريب": ولو روى حديثًا بإسناد له، ثم أتبعه بإسناد آخر، وحذف متنه، وأحاله على المتن الأول، وقال في آخره: "مثله"، فأراد السامع لذلك منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط، فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه سفيان الثوري، وابن معين، إذا كان الراوي مُتَحَفِّظًا ضابطًا مُمَيِّزًا بين الألفاظ، ومَنَعَاه إن لم يكن كذلك، وكان جماعة من العلماء إذا رَوَى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد، ثم قال: مثل حديث قبله، مَتْنُهُ كذا، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قال: "نحوه"، فأجازه الثوري أيضًا كـ "مثله"، ومنعه شعبة، وابن معين.
قال الخطيب: فَرْقُ ابنِ معين بين "مثله"، و"نحوه" يصح على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق.
قال الحاكم: يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يُفَرِّق بين "مثله" و"نحوه"، فلا يحل أن يقول: "مثله" إلا إذا عَلِم أنهما اتّفقا في اللفظ، ويحل أن يقول: "نحوه" إذا كان بمعناه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله لحاكم من أن "مثله" لما اتَّفَقَ في اللفظ محل نظر؛ لأني وجدتُ كثيرًا فيما يقوله فيه مسلم: "مثله" مَرْوِيًّا بالمعنى، بل وجدت حديثًا قال فيه مسلم: "مثله" قال فيه البخاري: "نحوه"، فالظاهر أن هذه القاعدة التي ذكرها الحاكم ليست متفقًا عليها على أنه يحتمل أن يقع الاختلاف بعد مسلم رحمه الله تعالى، فليُتَنَبَّهُ لهذه الدقيقة، فإني لم أر من تكلم عليها، والله تعالى أعلم.
وأما إذا ذكر الإسناد، وبعض المتن، ثم قال: "وذكر الحديث"، ولم يتمه، أو قال: "بطوله"، أو "الحديث"، وأضمر "وذَكَرَ"، فأراد السامع روايته عنه بكماله، فهو أولى بالمنع من مسألة "مثله"، و"نحوه" السابقة؛ لأنه إذا مُنِعَ هناك مع أنه قد ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فَلأَنْ يُمْنَع هنا، ولم يَسُق إلا بعض الحديث من باب أولى، وبذلك جزم قوم، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأجازه الإسماعيلي، إذا عَرَف المحدث والسامع ذلك
[ ١ / ١٦٩ ]
الحديث، قال: والاحتياط أن يَقتصِر على المذكور، ثم يقول: قال: وذكر الحديث، وهو هكذا، أو وتمامُهُ كذا، ويسوقه بكماله، وفَصل ابنُ كثير، فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز، وإلا فلا، وإذا جُوِّز إطلاقُهُ فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية الأكيدة من جهات عَدِيدة فيما لم يذكره الشيخ، فجاز لهذا، مع كونِ أوله سماعًا إدراجُ الباقي عليه، ولا يفتقر إلى إفراده بالإجازة. انتهى (^١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ … جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٌ لَمْ يُعَدْ
بَلْ قَال فِيهِ "نَحْوَهُ" أَوْ "مِثْلَهُ" … لَا تَرْوِ بِالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ
وَقِيلَ جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ … ذَا مَيْزَةٍ وَقِيلَ لَا فِي "نَحْوِه"
الْحَاكِمُ اخْصُصْ "نَحْوَهُ" بِالْمَعْنَى … وَ"مِثْلَهُ" بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا
وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ خَبَرِ … قَبْلُ وَمْتْنُهُ كَذَا فَلْيَذْكُرِ
وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ … "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ" أَوْ "بِطُولِهِ"
فَلَا تُتِمَّهُ وَقِيلَ جَازَا … إِنْ يَعْرِفَا وَقِيلَ إِنْ أَجَازَا
وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ "قَال وَذَكَرْ … حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا" وَائْتِ الْخَبَرْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل الذي سبق في أوائل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيِثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) ٤/ ٤٠.
_________________
(١) "تدريب الراوي" ٢/ ١١٩ - ١٢١.
[ ١ / ١٧٠ ]
٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد الحافظ الْمُؤَدِّبُ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن داود بن أبي الْفُرَات، وسفيان بن عبد الرحمن، ونافع بن عُمَر الْجُمَحيّ، وفُليح والحمادين، وحرب بن ميمون، والليث بن سعد، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وأحمد، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وعبد الله الْمُسْنَديّ، وأبو خيثمة، وحجاج بن الشاعر، ومجاهد بن موسى، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد بن الخليل الْبُرْجُلانيُّ: ثنا يونس بن محمد الصدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في صفر سنة سبع ومائتين، وكذا قال أبو حسان الزياديّ، وقال خليفة، وابن سعد، ومطين، وغيرهما: مات سنة ثمان.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
[تنبيه]: يونس بن محمد هذا هو الْمُؤَدِّب غير يونس الصدوق، فالمؤدّب ثقة ثبت، كما مرّ آنفًا، وأما الصدوق، فكذّاب، وإنما قيل له: الصدوق على سبيل التهكّم، وقد غلِطَ من وحّدهما، وقد نبّه على ذلك في "تهذيب التهذيب" في باب الألقاب آخر الكتاب، فراجعه (^١). والله تعالى أعلم.
٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، قيل: يُلقَّب بالطُّفيل، ثقة، من كبار [٩١].
رَوَى عن أبيه، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر العمريّ، وكهمس بن الحسن، وأيوب، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وغيرهم.
وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وهو من أقرانه، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، وبونس بن محمد الْمُؤَدِّب، وغيرهم.
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٤/ ٦٣٩.
[ ١ / ١٧١ ]
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال عمر بن عليّ، عن معاذ بن معاذ: سمعت قُرَّة بن خالد يقول: ما معتمرٌ عندنا دون سليمان التيميّ. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وعن يحيى بن سعيد القطان: قال: إذا حدّثكم المعتمر بشيء، فاعرِضُوه، فإنه سيء الحفظ. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: ما كان أحفظ مُعَتمر بن سليمان، قَلَّما كُنّا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ يُخطئ من حفظه، وإذا حَدّث من كتابه فهو ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وُلد سنة مائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة ست، أو سبع، ومات سنة سبع، أو ثمان وثمانين ومائة.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
٤ - (أبوه) سليمان بن طَرْخَان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تَيْم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) ٣/ ٩.
والباقون تقدموا قريبًا.
وقوله: "بنحو حديثهم"، أي ذكر حجاج بن الشاعر الحديث كحديث المشايخ الستة الماضين، فالضمير لمشايخه المذكورين في الأسانيد السابقة.
[تنبيه]: هذه الرواية أخرجها ابن منده في "كتاب الإيمان"، ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يتوثب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زَعَم أن العلم أُنُف، من شاء عَمِل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا يُثْبِت القدر، إني حججت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا قال: قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله - ﷺ - فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة لقينا إنسانًا من الأنصار، فلم نسأله، قلنا: حتى نلقى ابن عمر وأبا سعيد الخدري، قال: فلقينا
[ ١ / ١٧٢ ]
ابن عمر كفه عن كفه (^١) قال: فقمت عن يمينه، وقام عن شماله، قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل تسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه، قال: قلنا: يا أبا عبد الرحمن إن ناسًا عندنا بالعراق قد قرؤوا القرآن، وفرضوا الفرائض، وقَصُّوا على الناس يزعمون أن العمل أُنُفٌ، من شاء عمل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فإذا لقيتم أولئك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، ابن عمر منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل مثل أُحد ما تُقُبِّلَ منه حتى يؤمن بالقدر، ولقد حدثني عمر عن رسول الله - ﷺ -: "أن موسى لقي آدم ﵇، فقال: يا آدم أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك الملائكة، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحدٌ من ذريتك النار، قال: فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، تلومني فيما قد كان كُتِب عليّ قبل أن أُخْلَق، فاحتجا إلى الله ﷿، فحج آدم موسى ﵈، فاحتجّا إلى الله ﷿، فحجَّ آدم موسى ﵈، فاحتجّا إلى الله ﷿، فحجَّ آدم موسى ﵈" (^٢).
لقد حدثني عمر أن رجلًا في آخر عمر رسول الله - ﷺ - جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: "نعم" قال: فجاء حتى وضع يده على ركبته، فقال: ما الإسلام؟ قال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: فجعل الناس يتعجبون منه، ويقولون انظروا يسأله ثم يصدقه، قال: فما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك"، قال: فإذا فعلت ذلك، فقد أحسنت؟ قال: "نعم"، قال صدقت، قال: فجعل الناس يتعجبون، ويقولون: انظروا إليه، يسأله ويصدقه، قال: فما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والنبيين، والكتاب، والجنة والنار، والبعث بعد الموت، والقدر كله"، قال: فإذا فعلت ذلك، فقد آمنت؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: فجعل القوم يتعجبون، يقولون: انظروا كيف يسأله؟ ثم يصدقه، قال: فمتى الساعة؟ قال: "ما
_________________
(١) هكذا النسخة، ولا يظهر لها معنى، فليُحرّر.
(٢) هكذا النص مكرر ثلاث مرات، فتنبَّه.
[ ١ / ١٧٣ ]
المسئول أعلم بها من السائل"، قال: فما أعلامها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة الصم البكم ملوكًا، يتطاولون في البنيان"، ثم انصرف، فلقي رسول الله - ﷺ - عمر بعد ذلك، فقال: أتدري من الرجل الذي أتاكم؟ قال: فإنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم". انتهى (^١).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه"، وابن منده أيضًا واللفظ له من طريق آخر عن يونس بن محمد، عن المعتمر، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إنّ قومًا يزعمون أن ليس قدرٌ، قال: هل عندنا منهم أحدٌ؟ قلت: لا، قال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم، أن ابن عمر بريء إلى الله ﷿ منكم، وأنتم منه براء، سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: بينا نحن جلوس عند رسول الله - ﷺ - في أناس، إذا جاء رجل ليس عليه سَحْنَاءُ السفر (^٢)، وليس من أهل البلد، فتَخَطّى حتى وَرَكَ (^٣) بين يدي رسول الله - ﷺ - كما يجلس الرجل في الصلاة، ثم وَضَع يده على ركبتي رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء، وتصوم رمضان"، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالجنة والنار، والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: فإذ فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: يا محمد ما الإحسان؟ قال: "أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك"، قال: فإذا فعلت هذا فأنا محسن؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: فمتى الساعة؟ قال: "سبحان الله ما المسئول بأعلم من السائل"، قال: "إن شئت أنبأتك بأشراطها"، قال: أجل، قال: "إذا رأيت العالة الحفاة العراة يتطاولون في البناء، وكانوا ملوكًا"، قالوا: ما العالة الحفاة
_________________
(١) "كتاب الإيمان" ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٢) أي هيئة السفر، وأثره.
(٣) يقال: وَرَكَ يَرِكُ وَرْكًا، من باب وَعَد، وتورَّك، وتوارك: إذا اعتمد على وَرَكِه. أفاده في "القاموس" ص ٨٦٠.
[ ١ / ١٧٤ ]
العراة؟ قال: الْعُرَيب"، وإذا رأيت الأمة تلد ربتها، فذلك من أشراط الساعة" قال: صدقت.
ثم نَهَضَ فوَلَّى، قال رسول الله - ﷺ -: "عليَّ بالرجل"، فطلبناه، فلم نقدر عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: "هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم، فخذوا عنه"، فوالذي نفسي بيده ما شُبِّهَ عليّ منذ أتاني قبل مَرّتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى".
قال ابن حبّان بعد إخراجه: تفرّد سليمان بقوله: "خذوا عنه"، وبقوله: تعتمر، وتغتسل، وتُتمّ الوضوء" انتهى (^١).
وقال ابن منده: هكذا حدث به يونس بن محمد المؤدب بلفظين مختلفين، وفي كل واحد من الخبرين ألفاظ ليست في الآخر، من الزيادات، وعلى هذا رَوَى عنه حجاج الشاعر، كما رواه ابن المنادي، فأما الخبر الأول فوافقه محمد بن أبي يعقوب الكرماني، وهو أحد الثقات، ممن رَوَى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في "الجامع"، واعتمده، ووثقه، وأما الخبر الثاني فرواه يوسف بن واضح الهاشمي البصري وغيره، عن المعتمر بن سليمان، من نحو رواية يونس بن محمد، وذكر فيه الزيادات التي ذكرها يونس في الخبر الأخير. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل الذي سبق في أوائل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٥] (٩) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاس، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِيمَان؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكِتَابِه، وَلِقَائِه، وَرُسُلِه، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا
_________________
(١) راجع: "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان" ١/ ٣٩٩.
(٢) راجع: "كتاب الإيمان"، لابن منده ١/ ١٤٣ - ١٤٧.
[ ١ / ١٧٥ ]
الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الله وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةَ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأعْلَمَ مِنْ السَّائِل، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسُ النَّاس، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَان، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ"، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ)، هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، الواسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) ١/ ١.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور أول الباب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم المعروف بابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقة حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣.
٤ - (أَبُو حَيَّانَ) - بمهملة، وتحتانيّة - يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ، من تَيْمِ الرَّبَاب، الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعمه يزيد بن حيان، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، والشعبي، والضحاك ابن المنذر، وعباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب السختياني، ومات قبله، والأعمش، وهو من أقرانه، وشعبة، والثوري، ووهيب، وابن علية، وهشيم، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن فضيل، وغيرهم.
[ ١ / ١٧٦ ]
قال الْخُرَييّ: كان أبو حيان عند سفيان الثوري - يعني كان يُعَظِّمه، ويُوَثِّقُه، وقال محمد بن عمران الأخنسي، عن محمد بن فُضيل: ثنا أبو حيان التيميّ، وكان صدوقًا، وقال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: ثقةٌ صالحٌ مُبَرِّزٌ، صاحب سنة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان من المتهجدين، مات سنة خمس وأربعين ومائة.
وقال مسلم: كوفيّ، من خيار الناس. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال الفلاس: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مأمون.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِير) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِمٌ، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، قاله النسائيّ، وقيل: جرير، قاله الواقدي، ثقة [٣].
رَأى عليًّا، وروى عن جده، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثابت بن قيس النخعي، وخَرَشة بن الْحُرّ، وعبد الله بن يحيى الحضرمي، وأرسل عن عمر بن الخطاب، وأبي ذر.
وروى عنه عمه إبراهيم بن جرير، وحفيداه: جرير، ويحيى ابنا أيوب بن أبي زرعة، وابن عمه جرير بن زيد، وإبراهيم النخعي، وأبو حيان التيمي، وأبو التياح، وغيرهم.
قال الواقديّ: كان لجرير ابن يقال له: عَمرو، وبه كان يُكنى، هلك في إمارة عثمان، فوَلَد عمرو ابنًا سماه جريرًا باسم أبيه، وغَلَبَ عليه أبو زرعة، رَأَى عليًّا، وكان انقطاعه إلى أبي هريرة، وسمع من جده أحاديث، وكان من علماء التابعين، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق ثقة. وقال جرير، عن عُمارة بن القعقاع: قال لي إبراهيم: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة، فإني سألته عن حديثٍ، ثم سألته عنه بعد ذلك بسنة، أو سنتين، فما أخرم منه حرفًا. وقال البخاري في "تاريخه": هَرِمٌ أبو زرعة سمع ثابتَ بن قيس، وعنه الحسن بن عبيد الله، وقال في "الأوسط": قال لي علي بن عبد الله: هرم أبو زرعة هذا ليس هو عمرو بن جرير، إنما أبو زرعة آخر، قال بعضهم: إنه غَلابي. وقال ابن عساكر: فرَّق ابن المديني بين أبي
[ ١ / ١٧٧ ]
زرعة بن عمرو بن جرير، وبين هرم أبي زرعة صاحب أبي قيس. وذكر ابن حبان في "الثقات" أبا زرعة بن عمرو بن جرير، فيمن اسمه هَرِم، ثم قال: ويقال: اسمه كنيته.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - ١/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وابن عليّة، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى.
٥ - (ومنها): أن فيه قول المصنّف: "قال زهير: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم"، إشارة إلى الاختلاف الواقع بين شيخيه: أبي بكر، وزهير في روايتهما عن ابن عليّة، فأبو بكر لم يصرّح بالتحديث، ولم يسمّه باسمه، وإنما ذكره بكنيته "ابن عليّة"، وهي أمه، وكان يَكره النسبة إليها، إلا أنه لاشتهاره يذكرونه بها، كما قال في "ألفيّة الحديث":
وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ
وأما شيخه زهير فقد صرّح بالتحديث، وسمّاه باسمه، ونسبه إلى أبيه، وهذا من احتياطات المصنّف ﵀، حيث يراعي اختلاف ألفاظ شيوخه في صيغ الأداء، ونحوها، وهذا هو الذي امتاز به عن غيره، حتى عن البخاريّ رحمه الله تعالى، كما أشار إلى ذلك من قال، وأحسن في المقال [من الطويل]:
تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ … لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ
فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا قَالَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٧٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيد التيميّ، وسيأتي بَعْدُ من رواية جرير بن عبد الحميد، عن عُمَارة بن القعقاع، ورواه بو داود، والنسائي من حديث جرير أيضًا عن أبي فَرْوَة ثلاثتهم عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، زاد أبو فروة: "وعن أبي ذرّ" أيضًا، وساق حديثه عنهما جميعًا، وفيه فوائد زوائد، سنشير إليها - إن شاء الله تعالى - قال الحافظ ﵀: ولم أر هذا الحديث من رواية أبي هريرة إلا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير هذا عنه. انتهى (^١).
(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية البخاريّ: "عن النبيّ - ﷺ - " (يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ) أي: ظاهرًا لهم بالبَرَاز، وهو الفضاء من الأرض، ومنه قوله ﷿: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩١]، وقوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، ومنه المبارزة في القتال، والبروز لصلاة العيد، والاستسقاء.
يعني أنه كان غير محتجب عنهم، ولا ملتبس بغيره، وقد وقع في رواية أبي فَرْوة التي أشرنا إليها بيانُ ذلك، فإن أوله: "كان رسول الله - ﷺ - يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أَيُّهُم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دُكّانًا من طين، كان يجلس عليه". انتهى.
واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعًا إذا احتاج لذلك؛ لضرورة تعليم، ونحوه.
(فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: ملكٌ في صورة رجل، وفي رواية للبخاريّ: "إذ أتاه رجل يمشي"، ولأبي فَرْوة: "فإنا لجلوس عنده، إذ أقبل رجلٌ أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس"، وقد سبق تمام البحث في هذا في شرح الحديث الماضي.
(فَقَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ)، ووقع في رواية أبي فروة المذكورة: "حتى
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٤١.
[ ١ / ١٧٩ ]
سَلَّم من طَرَف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇ … " الحديث، فدلّ على أن هذه الرواية فيها اختصار من الراوي، وليس كما ظنّ بعضهم أنه إنما ترك السلام مبالغة في التعمية، فتنبه.
وأما قوله: "يا رسول الله"، وفي رواية: "يا محمد"، فالظاهر أنه من تصرّفات الرواة، فإنه ناداه باسمه تعميةً، وعبّر الراوي بـ "يا رسول الله" تعظيمًا، وجمع الحافظ بأنه بدأ أوّلًا بندائه باسمه للتعمية، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله، والذي سَبَقَ أشبه، والله تعالى أعلم. (مَما الإِيمَانُ؟)، قيل: قَدَّمَ السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهِر مِصْدَاق الدعوى، وثَلَّث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وفي رواية عمارة بن القعقاع التالية بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثَنَّى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبيّ؛ لما فيه من التَّرَقِّي.
ولا شك أن القصة واحدةٌ، اختَلَف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنّى بالإحسان، وثلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحدٌ، والتقديم والتأخير وقع من الرواة. قاله الحافظ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ) وفي رواية البخاريّ: "قال: الإيمان أن تؤمن بالله"، قال في "الفتح": دلَّ الجواب أنه علم أنه سأله عن متعلِّقاته، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، وقال الطيبيّ: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله" مُضَمَّنٌ معنى أن تَعترف به، ولهذا عداه بالباء، أي: أن تُصَدِّق معترفًا بكذا.
وتعقّبه الحافظ بأن التصديق أيضًا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين، وقال الكرمانيّ: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعيّ، ومن الحدّ الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ "الإيمان"؛ للاعتناء بشأنه؛ تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، يعني أن قوله: "أن تؤمن يَنْحَلّ منه الإيمانُ، فكأنه قال: الإيمان الشرعيّ تصديقٌ مخصوصٌ، وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق.
[ ١ / ١٨٠ ]
والإيمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزّه عن صفات النقص (ومَلَائِكَتِهِ) أي: أن تصدّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقَدَّم الملائكةَ على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه ﷾ أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول (وَكِتَابِهِ) مفرد مضافٌ، فيعمّ، وفي رواية البخاريّ: "وكتبه" بالجمع، أي: تُصدّق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنه حقّ (وَلقَائِهِ) كذا وقع هنا وفي الرواية التالية بين الكتاب والرسل، وكذا هو عند البخاريّ، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنه مكررٌ؛ لأنه داخلٌ في الإيمان بالبعث، والحقّ أنه غير مكرر، فقيل: المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق المتقدّمة، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس - ﵁ - عند البزّار وغيره، وابن عباس وعيهما عند أحمد، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقّبه النووي بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان.
وأجيب بأن المراد بالإيمان بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان.
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أنس وابن عباس - ﵃ -: "والملائكة، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير بـ "النبيين" يشمل الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى.
(وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) إنما أعاد لفظ "وتؤمن" هنا للإشارة إلى أنه نوع آخر مما يُؤُمَن به؛ لأن البعث سيوجد بعدُ وما ذُكر قبله موجود الآن، وللتنويه بذكره؛ لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كَثُر تكراره في القرآن (^١).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٤٥.
[ ١ / ١٨١ ]
وقوله: (الْآخِرِ") بكسر الخاء، قيل: هو تأكيدٌ، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعقلة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه، من الحساب، والميزان، والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي المتقدّمة، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - أيضًا.
زاد في الرواية التالية: "قال: صدقت"، وفي رواية النسائيّ: "قال: فإذا فعلت ذلك، فقد آمنتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ".
[تنبيهٌ]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يُطْلَق إلا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، ولا يخالف هذا ما ثبت عند الفقهاء من اكتفائهم بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى ورسوله - ﷺ -؛ لأن المراد بالإيمان برسول الله - ﷺ - هو الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه ﷿، فيدخل جميع ما ذُكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم (^١).
(قَالَ) الرجل السائل (يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: توحّده بلسانك على وجه يُعتدُّ به، فشَمِل الشهادتين، فيوافق هذا الحديث حديث عمر - ﵁ - السابق، وكذا حديث: "بُني الإسلام على خمس … " الآتي، وجملة (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) للتأكيد (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أي: المفروضة (وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)، زاد في رواية النسائيّ: "وتَحُجّ البيت".
قال النوويّ في "شرحه": أما تقييد الصلاة بالمكتوبة، فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة، كقوله - ﷺ -: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، و"خمس صلوات كتبهن الله".
_________________
(١) راجع المصدر السابق.
[ ١ / ١٨٢ ]
وأما تقييد الزكاة بالمفروضة، وهي المقدَّرة، فقيل: احترازٌ من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة، وقيل: إنما فَرّق بين الصلاة والزكاة في التقييد؛ لكراهة تكرير اللفظ الواحد، ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة، للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية.
وأما معنى إقامة الصلاة، فقيل: فيه قولان:
[أحدهما]: أنه إدامتها، والمحافظة عليها.
[والثاني]: إتمامها على وجهها، قال أبو عليّ الفارسيّ: والأول أشبه.
قال النوويّ: وقد ثبت في "الصحيح": أن رسول الله - ﷺ - قال: "اعتدلوا في الصفوف، فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة"، ومعناه - والله أعلم - من إقامتها المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا يرجح القول الثاني، والله أعلم انتهى (^١).
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ") زاد في الرواية التالية: "قال: صدقت"، وفي رواية النسائيّ: "قال: إذا فعلت ذلك، فقد أسلمتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ، فلما سمعنا قول الرجل: صدقتَ، أنكرناه".
وقوله: "تصوم رمضان"، فيه حجة لمذهب الجماهير، وهو المختار الصواب، أنه لا كراهة في قول "رمضان" من غير تقييد بالشهر، خلافًا لمن كرهه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى - بدلائله، وشواهده.
(قَالَ) الرَّجُلُ (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: "قال: يا محمد" (مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ) - ﷺ -: ("أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ)، هكذا الرواية بإثبات ألف "تراه"، وكان حقّه أن تُحذف للجازم، كما قال في "الخلاصة":
وَأَيُّ فِعْلٍ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ … أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ فَمُعْتَلًّا عُرِفْ
فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ … وَأَبْدِ نَصْبَ مَا كـ "يَدْعُو" "يَرْمِي"
وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ وَاحْذِفْ جَازِمَا … ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لَازِمَا
وقال أبو البقاء الْعُكبريّ في "إملائه": كذا وقع في هذه الرواية "تراه"
_________________
(١) "شرح النووي" ١/ ١٦٣.
[ ١ / ١٨٣ ]
بالألف، والوجه حذفها، لأن "إن" لا تحتمل هنا من وجه "إن" المكسورة إلا الشرطيّة، وهي جازمة، وعلى هذا يمكن تأويل هذه الرواية على أنه أُشبع فتحة الراء، فنشأت الألف، وليست من نفس الكلمة، ويجوز أن يكون جعل الألف في الرفع عليها حركة مقدّرة، فلما دخل الجازم حذف تلك الحركة، فبقيت الألف ساذَجَةً من الحركة، كما يكون الحرف الصحيح ساكنًا في الجزم، وعلى هذين الوجهين حُمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء على قراءة ابن كثير، وكذا قول الشاعر [من الرجز]:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
فأثبت الألف في "ترضاها". انتهى (^١).
وقال السيوطيّ في "العقود" بعد كلام أبي البقاء: وقال ابن هشام في "تذكرته": جاء في باب الجوازم إهمال "إن" حملًا على "إذا"، نحو قراءة طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] حكاه في "المحتسب"، ومن هذا الحديثُ، وقال ابن مالك في "توضيحه" في حديث البخاريّ في قوله أبي جهل - لعنه الله - لصفوان: "متى يراك الناس قد تخلّفت، وأنت سيّد أهل الوادي تخلّفوا معك": تضمّن هذا الكلام ثبوت ألف "يراك" بعد: متى "الشرطيّة، وكان حقّها أن تُحذف، فيقال: متى يَرَكَ"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ﴾ [الكهف: ٣٩].
وفي ثبوتها أربعة أوجه:
[إِحداها]: أن يكون مضارع راء بمعنى رأى، كقول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا رَاءَنِي أَبْدَى بَشاشَةَ وَاصِلٍ … وَيَأْلَفُ شَنْأَنِي إِذَا كُنْتُ غَائِبًا
ومضارعه يراءُ، فجُزم، فصار يَرَأ، ثم أبدلت همزته ألفًا، فثبتت في موضع الجزم، كما ثبتت الهمزة التي هي بدل منها، ومثله (أم ينبا) في وقف حمزة وهشام.
[الثاني]: "أن تكون "متى" شُبّهت بـ "إذا"، فأُهملت، كما شُبّهت "إذا" بـ "متى"، فأُعملت، كقول النبيّ - ﷺ - لعليّ وفاطمة - ﵄ -: "إذا أخذتما
_________________
(١) "إتحاف الحثيث بإعراب ما يُشكل من الحديث" ص ١٩١ - ١٩٢.
[ ١ / ١٨٤ ]
مضاجعكما، تكبّرا أربعًا وثلاثين، وتسبّحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدا ثلاثًا وثلاثين"، رواه البخاريّ.
وهو في النثر نادرٌ، وفي الشعر كثيرٌ، وفي تشبيه "متى" بـ "إذا"، وإهمالها قول عائشة - ﵂ -: "إن أبا بكر رجلٌ أسِيفٌ، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِعُ الناس"، رواه البخاريّ.
ونظير حمل "متى" على "إذا"، وحمل "إذا" على "متى"، حملهم "إن" على "لو" في رفع الفعل بعدها، وحملهم "لو" على "إن" في الجزم بها.
فمن رَفعِ الفعل بعد "إن" حملًا على "لو" قراءة طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] بسكون الياء، وتخفيف النون، فأثبت نون الرفع في فعل الشرط بعد "إن" مؤكّدة بـ "ما"؛ حملًا لها على "لو".
ومن الجزم بـ "لو" حملًا لها على "إن" قول الشاعر [من الخفيف]:
لَوْ تَعِدْ حِيْنَ فَرَّ قَوْمُكَ بِي … كُنْتَ فِي الأَمْنِ فِي أَعَزِّ مَكَانْ
ومثله قوله:
لَوْ يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ … لَاحِقُ الآطَال نَهْدٌ ذُو خُصَلْ
ومثله قول الآخر [من البسيط]:
تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ … إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا
[الوجه الثالث]: أن يكون أُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبتت الألف، واكتُفِي بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويًّا في الرفع، ونظيره قول الشاعر [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
ومثله قول الآخر [من الرجز]:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
ومن هذا على الأظهر قول النبيّ - ﷺ -: "من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا"، وجُعل الكلام خبرًا بمعنى النهي. انتهى كلام ابن مالك رحمه الله تعالى (^١).
_________________
(١) راجع: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" ص ١٧ - ٢٠.
[ ١ / ١٨٥ ]
(فَإِنَّهُ يَرَاكَ) تقدّم تحقيق هذه الجملة في شرح الحديث الماضي (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: "يا محمد" (مَتَى السَّاعَةُ؟)، أي: متى تقوم القيامة؟ زاد عند النسائيّ: "قال: فنَكَسَ، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسئول عنها … " (قَالَ: "مَا الْمسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنْ السَّائِلِ) إنما عَدَل عن قوله: "لست بأعلم بها منك" إلى لفظ يشعر بالتعميم تعريضًا للسامعين، يعني أن كل مسئول وكل سائل عن وقت الساعة سواء، فكلهم غير عالمين بها على الحقيقة، وهذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: "خمسٌ لا يعلمها إلا الله"، وسيأتي نظير هذا التركيب ما وقع عند النسائيّ في أواخر هذا الحديث، من قوله: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم"، فإن المراد أيضًا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - هنا، فقال: "سبحان الله، خمسٌ من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية".
قال النووي ﵀: يُستنبط منه أن العالم إذا سُئل عما لا يَعلَم يُصَرِّح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقصٌ من مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على مزيد وَرَعِه.
وقال القرطبي ﵀: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات والأحاديث، فلما حَصَلَ الجواب بما ذُكِر هنا حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة؛ ليتعلمها السامعون ويعملوا بها، ونَبّه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته مما لا يمكن.
(وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، أي: علاماتها، واحدها شَرَطٌ - بفتح الشين والراء - قال أبو جعفر الطبريّ: ومنه سُمّي الشُّرَاط؛ لجعلهم لأنفسهم علامةً يُعرفون بها، وقيل: أشراطها: مقدّماتها، وأشراط الأشياء أوائلها، ومن ذلك سُمّي الشَّرَطان (^١)؛ لتقدّمهما أول الربيع، وقيل:
_________________
(١) "الشَّرَطان" بالتحريك هما أول نجم من الربيع.
[ ١ / ١٨٦ ]
الأشراط جمع شَرْط، وهو الدُّون من كلّ شيء، فأشراط الساعة، صغار أمورها قبل قيامها، ولهذا سُمّي الشرطُ، وكله متقارب (^١).
وتقدّم في حديث عمر - ﵁ - قوله: "فأخبرني عن أماراتها"، وتقدم الجمع بين قوله: "سأحدثك"، وقوله: "فأخبرني"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) التعبير بـ "إذا"، للإشعار بتحقّق الوقوع، وتقدّم الخلاف في المراد بالربّ في شرح الحديث الماضي.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريبًا من زمانه، وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذُكر هنا، كما دلّ عليه الكتاب، والسنّة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون من نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم، وظهور الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد، فكخروج الدجّال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابّة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي تسوق الناس، وتحشرهم. انتهى (^٢).
(فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) أي: من علاماتها (وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ النَّاس، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإذَا تَطَاوَلَ) أي: تفاخر، وتكاثر (رِعَاءُ الْبَهْمِ) بفتح الباء وإسكان الهاء، وهي الصغار من أولاد الغنم: الضأن والمعز جميعًا، وقيل: أولاد الضأن خاصة، واقتصر عليه الجوهريّ في "صحاحه"، والواحدة بَهْمَة، قال الجوهريّ: وهي تقع على المذكر والمؤنث، والسِّخَال أولاد المعزى، قال: فإذا جَمَعتَ بينهما قلت: بِهَامٌ أيضًا، وقيل: إن الْبَهْم يختص بأولاد المعز، وإليه أشار القاضي عياض بقوله: وقد يختص بالمعز، وأصله كُلُّ ما استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. انتهى (^٣).
_________________
(١) "إكمال المعلم" للقاضي عياض ١/ ١١٨ - ١١٩ وشرح النوويّ " ١/ ١٦٣.
(٢) "المفهم" ١/ ١٥٥.
(٣) شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقال القرطبيّ: ورواية مسلم في رعاء البَهْم من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنها الأنسب لمساق الحديث ولمقصوده، فإن مقصوده أن أضعف أهل البادية، وهم رعاء الشاء سينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكًا، مع ضعفهم وبُعدهم عن أسباب ذلك، وأما أصحاب الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء؛ فإن الإبل عزّ لأهلها، ولأن أهل الإبل ليسوا عالةً، ولا فقراء غالبًا. انتهى (^١).
ووقع في رواية البخاريّ: "رُعَاء الإبل الْبُهْم"، قال في "الفتح": قوله: "رِعَاة الإبل" هو بضم الراء، جمع راع، كقُضَاةٍ وقاضٍ، والْبُهْم بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر الشِّيَاه، أو مع عدم الإضافة، كما في رواية مسلم "رِعَاء الْبَهْم"، وميم "البهم" في رواية البخاري يجوز ضمها، على أنه صفة الرعاة، ويجوز الكسر على أنها صفة الإبل، يعني الإبل السُّود، وقيل: إنها شَرّ الألوان عندهم، وخيرها الْحُمْر التي ضُرِب بها المثل، فقيل: "خير من حُمْر النعم"، ووصف الرعاة بـ "البهم" إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أُبْهِم الأمر، فهو مبهم، إذا لم تُعرَف حقيقته. وقال القرطبي: الأَولى أن يُحمَل على أنهم سُود الألوان؛ لأن الأُدْمة غالب ألوانهم، وقيل: معناه أنهم لا شيء لهم، كقوله - ﷺ -: "يُحْشَر الناس حُفاةً عُرَاةً بُهْمًا"، قال: وفيه نظر؛ لأنه قد نُسِب له الإبل، فكيف يقال: لا شيء لهم؟
قال الحافظ: يُحمَل على أنها إضافة اختصاص، لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يَرعَى لغيره بالأجرة، وأما المالك فقَلَّ أن يباشر الرَّعْي بنفسه (^٢). وقد تقدّم البحث في هذا في الباب الماضي بأتمَّ مما هنا، فراجعه تستفد.
(فِي الْبُنْيَانِ) أي: في تطويله (فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ) أي: عِلْمُ وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحَذْفُ مُتَعَلَّق الجارّ سائغ، كما في قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، أي: اذْهَبْ إلى فرعون بهذه الآية، في جملة تسع آيات.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ١٥٠.
[ ١ / ١٨٨ ]
وفي رواية عطاء الخراساني: "قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب، لا يعلمها إلا الله".
وقال القرطبيّ: قوله: "في خمس إلخ": فيه حذف، وتوسّعٌ: أي: هي من الخمس التي قد انفرد الله بعلمها، أو في عددهنّ، فلا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو﴾ [الأنعام: ٥٩]، فلا طريق لعلم شيء من ذلك، إلا أن يُعْلِم الله تعالى بذلك، أو بشيء منه أحدًا ممن شاءه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فمن ادّعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يُسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعيّ، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنع، وأما ظنّ الغيب، فلم يتعرّض شيء من الشرع لنفيه، ولا لإثباته، فقد يجوز أن يظنّ المنجّم، أو صاحب خطّ الرمل، أو نحو هذا شيئًا مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنّه، فيكون ذلك ظنًّا صادقًا، إذا كان عن موجب عاديّ يقتضي ذلك الظنّ، وليس بعلم، فيُفهم هذا منه، فإنه موضع غَلِطَ بسببه رجالٌ، وأُكلت به أموالٌ.
[ثم اعلم]: أن أخذ الأجرة، والْجُعْل، وإعطائها على ادّعاء علم الغيب، أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، على ما حكاه أبو عمر بن عبد البرّ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وجاء عن ابن مسعود - ﵁ - قال: أُوتي نبيكم - ﷺ - علم كل شيء، سوى هذه الخمس. وعن ابن عمر مرفوعًا نحوه، أخرجهما أحمد. وأخرج حميد بن زنجويه، عن بعض الصحابة، أنه ذُكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب، يعلمه قوم، ويجهله قوم.
[تنبيه]: تضمن الجواب زيادة على السؤال، للاهتمام بذلك، إرشادًا للأمة، لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة.
[فإن قيل]: ليس في الآية أداة حصر، كما في الحديث؟ أجاب الطيبي
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
[ ١ / ١٨٩ ]
بأن الفعل، إذا كان عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهم منه الحصر على سبيل الكناية، ولا سيما إذا لُوحظ ما ذُكر في أسباب النزول، من أن العرب كانوا يَدَّعُون علم نزول الغيث، فيُشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك، واختصاصه بالله ﷾.
[فائدة]: النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكذا التعبير بالدراية، دون العلم؛ للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب على الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس، مع كونه من مختصاتها، ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من باب أولى. انتهى ملخصًا من كلام الطيبي.
(لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا) أي النبيّ - ﷺ -: (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقت قيامها (وَيُنَزِّلُ) قرأ بالتشديد ابن عامر، ونافع، وعاصم من السبعة، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهو عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل، تقديره: إن الله يَثْبُتُ عنده علم الساعة، وينزل (الْغَيْثَ) أي: المطر في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام) أذكرٌ أو أنثى، تامّ أو ناقص (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ) برّة كانت أو فاجرةً (مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) من خير أو شرّ، فربّما كانت عازمةً على فعل خير، فعملت شَرًّا، أو بالعكس (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: أين تموت، فربّما أقامت بأرض، وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحها، فترمي بها مرامي الأقدار حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بالغيوب (خَبِيرٌ) بما كان ويكون.
قال النسفيّ ﵀: جَعَلَ العلم لله، والدراية للعبيد؛ لما في الدراية من معنى الْخَتْل والحيلة، والمعنى أنها لا تَعْرِفُ، وإن أعمَلَت حِيَلَها ما يختصّ بها، ولا شيءَ أخصّ بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان معرفة ما عداهما أبعدَ، وأما المنجّم الذي يُخبر بوقت الغيث والموت، فإنه يقول بالقياس، والنظر في الطالع، وما يُدرَك بالدليل لا يكون غيبًا، على أنه مجرّد الظنّ، والظنّ غير العلم. انتهى كلام النسفيّ (^١).
_________________
(١) راجع: "تفسير النسفيّ" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ١ / ١٩٠ ]
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ (^١): هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعِلمُ وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أَمَرَ به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذلك لا يَعْلَم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أَمَر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها وما تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أو غيره، من أيّ بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شَبِيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.
قال: وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح، قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان [من البسيط]:
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ … سِوَى حَنْوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَعْ خِرَقِ
وَغَيْرِ نَفْحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ (^٢) … وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
لَا تَأْسَيَنَّ عَلَى شَيْءٍ فَكُلُّ فَتًى … إِلَى مَنِيَّتِه سَيَّارٌ فِي عَنَقِ
وَكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَوْتَ يُخْطِئُهُ … مُعَلَّلٌ بِأَعَالِيلٍ مِنَ الْحُمُقِ
بِأَيِّمَا بَلْدَةٍ تُقْدَرْ مَنِيَّتُهُ … إِنْ لَا يَسِيرُ (^٣) إِلَيْهَا طَائِعًا يُسَقِ
أورده الحافظ ابن عساكر ﵀ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى هَمْدَان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مُزَوَّج بأخت الشعبي أيضًا، وقد كان ممن طَلَب العلم وتَفَقَّهَ، ثم عدل إلى صناعة الشعر، فعُرِف به (^٤).
وأخرج ابن عساكر عن المبرّد قال: كان عمر بن عبد العزيز كثيرًا ما يتمثّل:
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٥٤.
(٢) وعند ابن عساكر: "تسير له".
(٣) وفي "تاريخ دمشق". أي "يُسَبَّح".
(٤) راجع ترجمته في: "تاريخ دمشق" ٣٤/ ٤٧٨ - ٤٨٢.
[ ١ / ١٩١ ]
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ … سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ في خِرَقِ
وَغَيْرِ نَفْجَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ … وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
بِأَيِّ مَا بَلَدٍ كَانَتْ مَنِيَّتُهُ … إِلَّا يَسْرِ طَائِعًا فِي قَصْدِهَا يُسَقِ (^١)
وقد روى ابن ماجه في "سننه" (٤٢٦٣) بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا كان أجل أحدكم بأرض، أوثبته إليها الحاجة، فإذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله سبحانه، فتقول الأرض يوم القيامة: رَبِّ هذا ما استودعتني" (^٢).
وأخرج الطبرانّي في "الكبير" بإسناده صحيح أيضًا عن أسامة بن زيد - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما جَعَلَ الله مَنِيَّة عبد بأرض، إلا جعل له إليها حاجة" (^٣).
(قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي: ذهب (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ") أي: ائتوني به (فَأَخَذُوا) أي: فشرعوا (لِيَرُدُّوهُ) وفي رواية عمارة التالية: "فالْتُمِسَ، فلم يجدوه" (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) فيه أن المَلَك يجوز أن يتمثل لغير النبيّ - ﷺ - فيراه، ويتكلم بحضرته وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين - ﵄ - أنه كان يسمع كلام الملائكة.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ")، وفي رواية عمارة التالية: "هذا جبريل أراد أن تَعَلَّموا؛ إذ لم تسألوا"، وفي رواية أبي فَرْوة عند النسائيّ: "والذي بعث محمدًا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل"، وفي حديث أبي عامر الأشعريّ عند أحمد بسند حسن - كما قال الحافظ -: "ثم وَلّى، فلما لم نَرَ طريقه، قال النبي - ﷺ -: "سبحان الله، هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون هذه المرة"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في حديث عمر - ﵁ - الماضي، وكذا البحث عن المسائل المتعلّقة به، قد استوفيته هناك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) راجع: "تاريخ دمشق" ٤٥/ ٢٤٠.
(٢) راجع: "سنن ابن ماجه" ٢/ ١٤٢٤.
(٣) "المعجم الكبير" ١/ ١٧٨ رقم (٤٦١).
[ ١ / ١٩٢ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في "الإيمان" (١/ ١٠٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حرب جميعًا، عن ابن عُليّة - (ح) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر - كلاهما عن أبي حيان التيميّ - و(١/ ١٠٧) عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة بن القعقاع - كلاهما عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وأخرجه (البخاريّ) (١/ ١٩) عن مسدّدٌ، عن إسماعيل بن إبراهيم، و(٦/ ١٤٤) عن إسحاق، عن جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيّان به.
و(أحمد) (٢/ ٤٢٦) عن إسماعيل بن علية، عن أبي حيّان به.
و(ابن ماجه) (٦٤) و(٤٠٤٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عليّة به و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٥ و٨٦).
و(ابن خزيمة) (٢٢٤٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن ابن عليّة به، (ح) وعن يوسف بن موسى، عن جرير به، (ح) وعن موسى عبد الرحمن المسروقيّ عن أبي أسامة، عن أبي حيّان به، (ح) وعن عبدة بن عبد الله الْخُزَاعيّ، عن محمد بن بشر، عن أبي حيّان التيميّ به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في "الإكمال" عن الإمام المازريّ ﵀ أنه قال في "شرحه": خرّجه - يعني هذا الحديث - مسلم عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - … الحديث، ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو عمرو، وأبو زرعة اسمه عُبيد الله، وأبو زرعة هذا روى عنه الحسن بن عُبيد الله، وأبو زرعة كوفّي من أشجع.
قال بعضهم (^١): وقع هذا الكلام لمسلم في رواية ابن ماهان خاصّةً،
_________________
(١) هو أبو عليّ الْجَيّانيّ.
[ ١ / ١٩٣ ]
وليس في رواية الجلوديّ، ولا الكسائيّ منه شيء، قال: وبين أهل العلم خلافٌ في هذه الجملة.
أما قوله: أبو زرعة اسمه عُبيد الله، فقد قاله أيضًا في "كتاب الطبقات"، قال: وقال البخاريّ في "تاريخه"، ومسلم في "كتاب الكنى": أبو زرعة اسمه هَرِم، وخالفهما يحيى بن معين، فقال: أبو زرعة بن عمرو، واسمه عَمرو بن عمرو، وكذا ذكره النسائيّ في الأسماء والكنى من تأليفه.
وأما قوله: أبو زرعة روى عن الحسن، فقد قاله البخاريّ أيضًا (^١)، وقد خولفا في ذلك، فقيل: الذي يروي عنه الحسن رجلٌ آخر يروي عن ثابت بن قيس، اسمه هَرِم، قاله ابن المدينّي، وإليه ذهب ابن الجارود في "كتاب الكنى"، قال: ثم ذكر ابن الجارود ترجمة أخرى، فقال: أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة - ﵁ - روى عنه عمارة بن القعقاع، والحارث الْعُكْليّ، وأبو حيّان التيميّ، وكذا ذكر النسائيّ ترجمتين، كما فَعَل ابن الجارود سواءً.
وأما قوله في رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفِيّ من أشجع، فقال بعضهم: لا أعلم ما يقول، كيف يكون من أشجع؟ وأبو زرعة الذي في الإسناد هو ابن عَمْرو بن جرير بن عبد الله الْبَجليّ، وأين يجتمع أشجع وبَجِيلة، إلا أن يريد رجلًا آخر. انتهى كلامه (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن أبا زرعة بجليّ، لا أشجعيّ، وقد تقدّم نحو هذا الكلام في ترجمة أبي زرعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: "إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ بَعْلَهَا" - يَعْني السَّرَارِيَّ).
_________________
(١) راجع: "التاريخ الكبير" ٨/ ٢٤٣.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٢٣ - ١٢٦.
[ ١ / ١٩٤ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانّي، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) ١/ ٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بن الْفُرَافِصَة بن المختار الحافظ العبديّ، أبو عبد الله الكوفِيّ، ثقة حافظ [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عُمر العمريّ، ويزيد بن زيادة بن أبي الجعد، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، والثوري، وشعبة، وغيرهم.
ورَوى عنه علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وموسى بن حِزَام الترمذي، وهارون بن عبد الله الْحَمّال، وموسى بن عبد الرحمن المسروقي، وعبدة بن عبد الله الصفار، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي عن أبي نعيم: لَمّا خرجنا في جنازة مِسْعَر جعلت أتطاول، فقلت: يجيئوني فيسألوني عن حديث مِسْعَر، فذاكرني محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر، فأغرب علي سبعين حديثًا لم يكن عندي منها إلا حديث واحد. وفي "المراسيل" قال ابن معين: والله ما سمع محمد بن بشر من مجاهد بن رُومي شيئًا، ولكنه مرسل. وقال النسائي، وابن قانع: ثقة. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: لم يكن به بأس. وقيل له: هو أحب إليك، أو أبو أسامة؟ فقال: أبو أسامة. وقال ابن شاهين في: "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبتٌ إذا حَدّث من كتابه.
قال البخاريّ، وابن حبان: مات سنة ثلاث ومائتين، وفيها أَرَّخه يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزاد: في جمادى، وكان ثقةً كثير الحديث.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
٣ - (أبو حيّان التيميّ) يحيى بن سعيد بن حيّان المذكور قريبًا.
وقوله: "بهذا الإسناد" الإشارة إلى إسناد أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير
[ ١ / ١٩٥ ]
عن ابن عليّة، عن أبي حيّان، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة - ﵁ -.
وقوله: "مثله"، أي: مثل المتن السابق، وقد تقدَّم أنه لا يطلق لفظ "مثل" إلا إذا اتفقا لفظًا (^١)، ولذا استثنى ما اختلفا فيه، وهو "إذا ولدت الأمة بعلها".
ولفظ رواية محمد بن بشر ساقه ابن خزيمة في "صحيحه"، فقال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيّ، حدثنا ابن علية حدثنا أبو حيان (ح) وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي (ح) وحدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا أبو أسامة، حدثني أبو حيان التيمي (ح) وحدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، أخبرنا محمد بن بشر، حدثني أبو حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: بينما رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر"، قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تعبد الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، وقال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائلَ، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها - يعني السراري - فقال: فذلك من أشراطها، وإذا تطاول رِعَاء الْبَهْم في البنيان، فذلك أشراطها، وإذا صار الْعُرَاة الْحُفَاة رؤوس الناس، فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا لله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السورة [لقمان: ٣٤]، ثم أدبر الرجل، فقال النبي - ﷺ - هذا جبريل، يعلم الناس دينهم"، هذا حديمث محمد بن بشر (^٢).
_________________
(١) هكذا ذكر الحاكم أبو عبد الله هذه القاعدة كما سبق بيانه في شرح المقدمة، لكن بتتبعي لصنيع المصنف ﵀ في هذا الكتاب ظهر لي أنه لا يفرق بين "مثله" و"نحوه"، فقد يستعمل كلًّا منهما فيما اتَّفَقَ لفظًا، أو معنى فقط، فمن أراد تحقيق ذلك، فليتابع صنيعه يتضح له تمام الاتضاح، على أنه يمكن أن يكون الاختلاف واقعًا بعد المصنف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) "صحيح ابن خزيمة" ٤/ ٥.
[ ١ / ١٩٦ ]
وقوله: "غير أن في روايته إلخ"، يعني: أن رواية محمد بن عبد الله بن نمير قوله: "إذا ولدت الأمة بعلها" بدل رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بلفظ: "إذا وَلَدت الأمة ربّها"، لكن وقع عند ابن خزيمة كما أسلفته آنفًا بلفظ "ربّها"، فليُنظر.
وقوله: "يعني السَّرَارِيّ" هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟.
و"السَّرَاريّ": بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان، الواحدة سُرِّيّة بالتشديد، قال ابن السِّكِّيت في "إصلاح المنطق": كل ما كان واحده مشدّدًا من هذا النوع جاز في جمعه التشديد والتخفيف، والسُّرِّية الجارية الْمُتَّخَذَة للوطء، مأخوذة من السِّرّ، وهو النكاح، قال الأزهريّ: السُّرّيّة فُعْلِيَّةٌ من السِّرّ، وهو النكاح، قال: وكان أبو الهيثم يقول: السّرّ، والسُّرُور، فقيل لها: سرية؛ لأنها سُرُور مالكها، قال الأزهريّ، وهذا القول أحسن، والأول أكثر. ذكره النوويّ (^١).
وقال ابن منظور: واختَلَف أهلُ اللغة في الجارية التي يتسرّاها مالكها لِمَ سُمّيت سُرِّيّةً، فقال بعضهم: نُسبت إلى السِّرّ، وهو الجماع، وضُمّت السين للفرق بين الحرّة والأمة توطأ، فيقال للحرّة إذا نُكحت سرًّا، أو كانت فاجرةً: سِرِّيّةٌ - بالكسر - وللمملوكة يتسرّاها صاحبها: سُرّيّةٌ؛ مخافةَ اللَّبْس، وقال أبو الْهَيثم: السِّرّ: السرور، فسميّت الجارية سُرّيّةً؛ لأنها موضع سُرُور الرجل، قال: وهذا أحسن ما قيل فيها، وقال الليث: السُّرّيّةُ فُعْلِيّةٌ، من قولك: تسرّرتُ، ومن قال: تسرّيت، فإنه غَلط، وتعقّبه الأزهريّ، فقال: هو الصواب، والأصلُ تسرّرت، ولكن لَمّا توالت ثلاث راءات أبدلوا إحداهنّ ياء، كما قالوا: تظنّيتُ من الظنّ، وقصّيتُ أظفاري، والأصل قَصَصتُ، ومنه قول العجاج [من الرجز]:
تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ
انتهى كلام ابن منظور بتصرّف يسير (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٦٤.
(٢) "لسان العرب" ٤/ ٣٥٨.
[ ١ / ١٩٧ ]
وقال ابن الأثير: المراد بالبعل ها هنا المالك، يعني كثرة السبي، والتسرّي، فإذا استولد المسلم جاريةً كان ولدها بمنزلة ربّها. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٧] (١٠) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "سَلُونِي، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الإِسلَامُ؟ قَالَ: "لَا تُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكِتَابِه، وَلِقَائِه، وَرُسُلِه، وَتُوْمِنَ بِالْبَعْث، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَخْشَى اللهَ كَانكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِل، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ، مُلُوكَ الْأَرْض، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْم، يَتَطَاوَلُونَ، فِي الْبُنْيَان، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنْ الْغَيْب، لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "رُدُّوهُ عَلَيَّ، فَالْتُمِسَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هَذَا جِبْرِيلُ، أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا، إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفّي، نزيل الرَّيّ،
_________________
(١) "النهاية" ١/ ١٤١.
[ ١ / ١٩٨ ]
وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِمُ من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) ٥/ ٤٩.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) (^١) بن شُبْرُمة - بضم المعجمة والراء، بينهما موحّدة ساكنة - الضبي - بالمعجمة، والموحّدة - الكوفي، ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة، وكان أكبر من عمه، ثقة [٦].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ البجلي، والحارث الْعُكْليّ، والأخنس بن خليفة الضبي.
وروى عنه الحارث العكليُّ شيخه، وابنه القعقاع بن عُمارة، والأعمش، وفضيل بن غَزْوان، وابنه محمد بن فضيل، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، وشريك، وغيرهم. قال البخاريّ عن علي: له نحو ثلاثين حديثًا. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. ووثقه ابنُ سعد، ويعقوب بن سفيان. وذكره ابن حبان في الثقات"، وقال ابن عُيينة: عُمارة بن القعقاع ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة، وعبدُ الله بن عيسى ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كانوا يقولون: هما أفضل مِن عَمَّيهما. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل" عن أبيه: عُمَارة بن القعقاع عن ابن مسعود، ليس بمتصل، بينهما رجل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: "وهو ابن القعقاع"، زاد المصنّف قوله: "وهو"، ولم يقل: عمار بن القعقاع؛ لأن شيخه زهيرًا لم ينسبه إلى أبيه، وإنما قال: "حدّثنا جريرٌ عن عمارة، عن أبي زرعة، فأراد المصنّف أن يبيّنه بذكر أبيه، فزاد "وهو"؛ لئلا يكون كاذبًا على شيخه، وقد تقدّم بيان هذا غير مرّة، فلا تغفل.
وقوله: "سلوني إلخ"، هذا ليس بمخالف للنهي عن سؤاله في قوله ﷿: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، فإن هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه، فهو
_________________
(١) "عُمارة - بضم العين المهملة، وتخفيف الميم -، و"القعقاع" بفتح القاف الأولى.
[ ١ / ١٩٩ ]
موافقٌ لقوله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣] (^١).
وفيه أمر العالم الناس بسؤاله عما يحتاجون إليه؛ ليبيّنه لهم، وأنهم إن لم يُحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قِبَل نفسه، كما فعل جبريل ﵇، أو يَجعل من يسأل، فيُجيبُ بما يلزمهم علمه (^٢).
وقوله: "وتؤمن بالقدر"، قيل: لعلّ الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن كأنها إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة "تؤمن"، ثم أكّده بقوله: "كلّه"، بل في الرواية الأخرى بالإبدال بقوله: "خيره وشرِّه، وحُلْوِه ومُرِّه"، ثم زاده تأكيدًا بقوله في الرواية الأخرى أيضًا: "من الله".
وقوله: "وإذا رأيت الْحُفَاة الْعُرَاة الصُّمَّ الْبُكْم": المراد بهم الْجَهَلَة السَّفَلَة الرِّعاع، وقيل لهم: ذلك مبالغةً في وصفهم بالجهل، كما قال ﷾: "صمّ بكم عُميٌ"، أي لَمّا لم ينتفعوا بجوارحهم هذه، فكأنهم عَدِموها، يعني أنهم لم يستعملوا أسماعهم، ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حَوَاسُّهم سَلِيمة.
وقوله: "ملوك الأرض"، وفي رواية: "رؤوس الناس"، وأراد بهم أهلَ البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال: "ما الحفاة العراة"؟ قال: "الْعُرَيب" وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني من طريق أبي حمزة، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: "مِن انقلاب الدين تَفصُّح النَّبَط، واتخاذهم القُصُور في الأمصار".
قال القرطبيّ ﵀: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهلُ البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان، والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان، ومنه الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعدُ الناس بالدنيا لُكَعَ ابن لُكَع"، ومنه: "إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله، فانتظروا الساعة"، وكلاهما في "الصحيح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) راجع: "شرح النووي" ١/ ١٦٥.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٢٦.
[ ١ / ٢٠٠ ]