قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (اعلم): أنه جرى للمصنفين في ابتداء مصنّفاتهم به اختيارات، ولكلٍّ وِجهة هو مولّيها، وأنسب ما يُوَجّهُ به بداية الإمام مسلم ﵀ بـ"كتاب الإيمان" أن يقال: رأى الإيمانَ شرطًا في الأعمال؛ لأنها بدونه هَبَاءً مَنْثُورًا كما قال ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، فرأى تقديمه أحقّ من غيره.
[فإن قلت]: كيف يصدق أنه ابتدأ بـ "كتاب الإيمان"، وقد كتب مقدمَةً ضمّنها مسائل عديدةً، من مباحث علم الجرح والتعديل، وغير ذلك من العرائس النفاس؟
[أجيب]: بأن المعتبر في البداية إنما هو المقصود بالوضع أولًا لذات، والمقصود بالذات إنما هو "كتاب الإيمان" فما بعده، وأما ما قدّمه من المسائل، فإنها مقصودة بالعرض؛ لأنها من الوسائل إلى المقصود. والله تعالى أعلم.
وقال الأبيّ رحمه الله تعالى: الفصل بين أنواع المسائل بالترجمة بالكتاب الغرضُ منه التسهيل على الناظر، وتنشيط الطالب، أما التسهيل فلأن من أراد مسألةً قصدها في كتابها، وأما التنشيط فلأن المتعلّم إذا ختم كتابًا ربّما اعتقد أنه كافٍ في ذلك النوع، فينشط إلى قراءة غيره، بخلاف ما لو كان التصنيف كلّه جملة واحدةً، وقد فصلوا بها بين مسائل النوع الواحد، وهو أيضًا للتنشيط، قال: ثُمَّ لتعرف أن الأَوْلى بالقارئ أن يُصرّح بقراءة الترجمة، فيقول: "كتاب كذا"، أما أوّلًا فلأنها جزء من التصنيف الذي أخذ في قراءته، ويتأكّد ذلك في مُريد الرواية، وأما ثانيًا فلأنها تفتقر إلى البيان، كغيرها من مسائل ذلك التصنيف. على أني لم أر من تعرَّض لبيان كلّ الترجمة، وإنما نجدهم
[ ١ / ١٧ ]
يتكلّمون على الجزء الثاني فقط، فيقولون في "كتاب الطهارة" مثلًا: الطهارة لغةً كذا، واشتقاقها من كذا، وهي في العرف كذا، وقد رأيت أن أتكلّم على كلّها تكميلًا للفائدة، فتكلّم بما سيأتي قريبًا (^١).
قال الجامع: قوله: "ثم لتعرف أن الأولى بالقارئ أن يصرّح بقراءة الترجمة .. " إلخ، ثم علّله بقوله: "فلأنها جزء من التصنيف .. " إلخ، فيه أن هذا إنما يتأتّى في مثل "صحيح البخاريّ"، وليس في "صحيح مسلم" إلا في أسماء الكتب، كـ"كتاب الإيمان"، و"كتاب الصلاة"، و"كتاب الزكاة"، ونحو ذلك؛ لأنها التي من وضع المصنّف ﵀، وأما بقيّة الأبواب فإنها من وضع من بعده من الشرّاح وغيرهم، كما سبق بيان ذلك وتحقيقه في شرح المقدّمة، فليست تلك الأبواب جزءًا من تصنيف مسلم ﵀، فليُتنبه لذلك، والله تعالى أعلم.
ثم الكلام على هذه الترجمة يأتي في مسائل:
(المسألة الأولى): في قوله: "كتابُ"
وفيه بحثان:
(البحث الأول): في تصريفه، ومعناه لغةً واصطلاحًا.
فأما لغة: فهو مصدرٌ، قال الفيّوميّ ﵀: كَتَبَ كَتْبًا من باب قتل، وكِتْبَةً بالكسر، وكِتَابًا والاسم الكِتَابَةُ؛ لأنها صِنَاعةٌ كالنِّجارة، والْعِطَارَة، وكَتَبْتُ السِّقَاءَ كَتْبًا: خَرَزتُهُ، وكَتَبْتُ البغلةَ كَتْبًا: خَرَزتُ حَيَاهَا بِحَلْقَةِ حديد، أو صفر؛ ليمتنع الوُثُوبُ عليها، وتُطْلَقُ الْكِتْبَةُ، والكِتَابُ على المكتوب، ويُطلق الكتاب على الْمُنَزَّل، وعلى ما يكتبه الشخص ويُرسله، قال أبو عَمْرو: سمعتُ أعرابيًّا يمانيًّا يقول فلان لَغُوبٌ جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت: أتقول: جاءته كتابي، فقال: أليس بصحيفة، قلتُ: ما اللَّغُوبُ؟ قال الأحمق، وكَتَبَ: حَكَمَ، وقَضَى، وأوجب، ومنه كتب الله الصيامَ: أي أوجبه، وكتب القاضي بالنفقةِ: قَضى انتهى (^٢).
وقال بعضهم: واعلم أن الكتاب لغةً معناه الضمّ والجمع، يقال: كتبتُ
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ١/ ٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٤.
[ ١ / ١٨ ]
كَتْبًا وكِتَابةً وكِتَابًا، ومنه قولهم: تكَتّبت بنو فلان: إذا اجتمعوا، وكتب: إذا خطّ بالقلم؛ لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف.
قال أبو حيّان: ولا يصحّ أن يكون مشتقًّا من الْكَتْبِ؛ لأن المصدر لا يُشتقّ من المصدر. وأجيب بأن المزيد يُشتقّ من المجرّد.
وأما اصطلاحًا: فهو اسم لجملة مختصّة من العلم، ويُعبّر عنها بالباب،
وبالفصل أيضًا، فإن جُمِع بين الثلاثة قيل: الكتاب اسم لجملة مختصّة من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبًا (^١)، والباب اسم لجملة مختصّة من الكتاب مشتملة على فصول ومسائل غالبًا، والفصل اسم لجملة مختصة من الباب مشتملة على مسائل غالبًا.
والباب لغةً: ما يُتوصّل منه إلى غيره، والفصل لغة: الحاجز بين الشيئين.
(البحث الثاني): في إعرابه.
_________________
(١) ذكر بعضهم أن التراجم خمسة: الكتاب، والباب، والفصل، والفرع، والمسألة، وكلّ له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحيّ، فالباب فرجة يُتوصّل بها من داخل إلى خارج، وبالعكس، والفصل الحاجز بين الشيئين، والفرع ما بُني على غيره، والأصل عكسه، والمسألة لغة: السؤال، وعرفًا: مطلوب خبريّ يُبرهن عليه في العلم، أي يقام عليه البرهان، أي الدليل، أي شأنها ذلك، وهي تُطلق على مجموع الموضوع والمحمول والحكم، وعلى الحكم فقط، من حيث إنه يُسأل عنه، أما من حيث إنه يُطلب بالدليل فمطلب، ومن حيث إنه يُبحث عنه فمبحثٌ، ومن حيث إنه يُدّعَى فَمُدَّعًى، ومن حيث إنه يُستخرج بالحجة فنتيجة. وقال في "شرح التنقيح": الباب اصطلاحًا اسم لجملة مختصّة من العلم، وقد يُعبّر عنها بالكتاب والفصل، فإن جَمَعْتَ الثلاثةَ قلتَ: الكتاب اسم لجملة مختصّة من العلم مشتملة على أبواب وفصول، والباب اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على فصول، والفصل اسم لجملة مختصّة من أبواب العلم مشتملة على مسائل، فالكتاب كالجنس الجامع لأبواب جامعة لفصول جامعة لمسائل، فالأبواب أنواعه، والفصول أصنافه، والمسائل أشخاصه، انتهى. فالثلاثة كالفقير والمسكين إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. ذكره في "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" على مقدمة أبي شجاع في الفقه الشافعيّ ١/ ٦٥.
[ ١ / ١٩ ]
يحتمل أن يكون "كتاب" خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: "هذا كتاب الإيمان"، أو مبتدأً خبره محذوف، أي "كتاب الإيمان هذا محلّ بحثه"، أو فاعلًا لفعل مقدّر، أي ثبتَ كتابُ، أو نائبَ فاعل لفعل محذوف، أي يُذكر كتاب، أو منصوبًا بفعل مقدّر، أي اقرأ كتابَ، أو مجرورًا بحرف جرّ محذوف - مع بقاء عمله على قلّة، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ … أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصابِعُ
أي إلى كليب، والتقدير هنا انظر في كتاب الإيمان. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الإضافة في "كتاب الإيمان" يحتمل أن تكون بمعنى اللام، أي كتاب موضوع لشرح الإيمان، واللام للاختصاص، أي مختصّ بالإيمان من بقيّة أنواع علوم الحديث، وأن تكون بمعنى "من"، أي كتاب من الإيمان، كقولهم: خاتم فضّة، أي من فضّة، أو بمعنى "في"، أي كتاب موضوع في شرح الإيمان (^١).
وقال الأبيّ ﵀: كتاب الإيمان مركّبٌ إضافيّ، والمركب الإضافيّ قيل: إن حدّه لقبًا متوقّف على معرفة جزأيه؛ لأن العِلْمَ بالمركَّب بعد العلم بجزأيه، وقيل: لا يتوقّف؛ لأن التسمية به سَلَبت كلًّا من جزأيه عن معناه الإفراديّ، وصَيَّرت الجميع اسمًا لشيء آخر، ورُجّح الأول بأنه أتمّ فائدةً، وعليه اختُلف، فقيل: الأولى البداءة ببيان المضاف؛ لأنه الأسبق في الذكر، وقيل: بالمضاف إليه؛ لأنه أسبق في المعنى؛ إذ لا يُعلم المضاف من حيث هو مضاف حتى يُعلم ما أُضيف إليه، وهو أحسن؛ لأن المعاني أقدم من الألفاظ، وعليه فـ "الإيمان" لغة التصديق بأيّ شيء كان، وهو في الشرع التصديق بشيء خاصّ على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
و"كتاب" مصدر في الأصل، جُعل اسمًا لكل مكتوب، كالرهن اسمٌ لكلّ مرهون، ثم يتخضص بالإضافة، فيقال: "كتاب الإيمان"، "كتاب الصلاة"، فالإضافة فيه للبيان، مثلها في "خاتم حديد"، ثم إذا خُصّص بإضافته إلى
_________________
(١) راجع: "حاشية تحفة الحبيب على شرح الخطيب" في الفقه الشافعي، فقد ذكر نحو هذا البحث عند قوله: "كتاب الطهارة".
[ ١ / ٢٠ ]
حقيقة، فالأصل أن لا تختلط بمسائل تلك الحقيقة مسائل غيرها، كمسائل الإيمان لا يُذكر فيها مسائل الصلاة مثلًا، وإلا لم تكن للإضافة فائدة.
وأما حدّه لقبًا فـ "كتاب الإيمان" ترجمة جُعلت اسمًا لجملة الأحاديث المتضمّنة أحكام المضاف إليه منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في تعريف الإيمان لغة، وشرعًا.
قال في "الفتح" ١/ ٦٧ - ٦٨: الإيمان لغة التصديق (^١)، وشرعًا تصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به عن ربّه ﷿، وهذا القدر متّفق عليه، ثم وقع الاختلاف، هل يُشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان المعبِّرِ عما في القلب، إذ التصديق من أفعال القلوب؟ أو من جهة العمل بما صدّق به من ذلك، كفعل المأمورات، وترك المنهيّات، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. والإيمان - فيما قيل - مشتقّ من الأمن، وفيه نظرٌ؛ لتباين مدلولي الأمن والتصديق، إلا إن لوحظ فيه معنى مجازيّ، فيقال: أمنه: إذا صدّقه: أي أمنه التكذيب. انتهى.
وقال في "القاموس": وآمن به إيمانًا: صدّقه، والإيمان: الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة. انتهى. وقال المرتضى في "شرحه": والإيمان: التصديق، وهو الذي جزم به الزمخشريّ في "الأساس"، واتّفق عليه أهل العلم من اللغويين، وغيرهم. وقال السعد: إنه حقيقة، وظاهر كلامه في "الكشاف" أن حقيقة آمن به آمنه التكذيب؛ لأن أمن ثلاثيًّا متعدّ لواحد بنفسه، فإذا نُقل لباب الإفعال تعدّى لاثنين، فالتصديق عليه معنى مجازيّ للإيمان، وهو خلاف كلامه في "الأساس"، ثم إن آمن يتعدّى لواحد بنفسه، وبالحرف، ولاثنين بالهمزة، على ما في "الكشّاف"، و"المصباح"، وغيرهما، وقيل: إنه بالهمزة يتعدّى لواحد، كما نقله عبد الحكيم في "حاشية القاضي"، وقال في "حاشية
_________________
(١) الصواب في تفسير الإيمان لغةً ما سيأتي عن "القاموس" من أنه الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة، وأما تفسيره بالتصديق المجرّد، فإنه مذهب المبتدعة، فتنبه.
[ ١ / ٢١ ]
المطوّل": "أمِنَ" يتعدّى، ولا يتعدّى. وقال بعض المحقّقين: الإيمان يتعدّى بنفسه، كصَدّق، وباللام باعتبار معنى الإذعان، وبالباء باعتبار معنى الاعتراف، إشارةً إلى أن التصديق لا يُعتبر بدون اعتراف. وقد يكون الإيمان بمعنى الثقة، يتعدّى بالباء، بلا تضمين. قاله البيضاويّ. انتهى "تاج العروس" ٩/ ١٢٥.
وقال الراغب الأصفهانيّ رحمه الله تعالى: آمن إنما يقال على وجهين:
[أحدهما]: متعدٍّ بنفسه، يقال: آمنته: أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
[والثاني]: غير متعدّ، ومعناه صار ذا أمن.
والإيمان يُستعمل تارةً اسمًا للشريعة التي جاء بها محمد - ﷺ -، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ …﴾ الآية [المائدة: ٦٩]، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته، مُقرًّا بالله، وبنبوّته، قيل: وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
وتارة يُستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحقّ على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الآية [الحديد: ١٩]. ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد، والقول الصدق، والعلم الصالح: إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم، وجُعل الحياء، وإماطة الأذى من الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] قيل: معناه: بمصدّق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، فذلك مذكور على سبيل الذمّ لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب - ما لم يكن مطبوعًا عليه - أن يطمئنّ إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيّته الضرب، ونحو ذلك. وجعل النبيّ - ﷺ - أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل، حيث سأله، فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف. انتهى "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٩١ - ٩٢.
[ ١ / ٢٢ ]
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: وحَدّ الزَّجّاج الإيمانَ، فقال: الإيمان: إظهار الخضوع، والقبول للشريعة، ولما أتى به النبيّ - ﷺ - (^١)، واعتقاده، وتصديقه بالقلب (^٢)، فمن كان على هذه الصفة، فهو مؤمنٌ مسلمٌ، غير مُرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريبٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]: أي بمصدّق، فالإيمان: التصديق. وقال في "التهذيب": وأما الإيمان، فهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمنٌ، واتّفق أهل العلم من اللغويين، وغيرهم أن الإيمان: معناه التصديق، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، قال: وهذا موضع يحتاج إلى تفهيمه، وأين ينفصل المؤمن من المسلم، وأين يستويان، والإسلام: إظهار الخضوع، والقبول لما أتى به النبيّ - ﷺ -، وبه يُحْقَن الدم، فمان كان مع ذلك الإظهارِ اعتقادٌ، وتصديقٌ بالقلب، فذلك الإيمانُ الذي يقال للموصوف به هو مؤمنٌ مسلمٌ، وهو المؤمن بالله تعالى، ورسوله - ﷺ -، غير مرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجبٌ عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريبٌ، فهو المؤمن، وهو المسلم حقًّا، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، أي: أولئك الذين قالوا إنا مؤمنون، فهم الصادقون، فأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدّق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان لا بدّ من أن يكون صاحبه صِدِّيقًا؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قال قائل: آمنت بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان، فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أي: لم تُصدّقوا، إنما أسلمتم تعوّذًا من القتل، فالمؤمن مُبْطِنٌ من التصديق مثل ما يُظهر، والمسلم التامّ الإسلام،
_________________
(١) هذا هو الحق في تفسير الإيمان لغةً، وأما تفسيره بالتصديق فقط فإنه مذهب المبتدعة، فتنبه.
(٢) أي مع العمل، فتنبه.
[ ١ / ٢٣ ]
مظهر للطاعة، مؤمن بها، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوّذًا غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين، وقال الله تعالى حكايةً عن قول إخوة يوسف ﵇ لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]: لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدّق لنا، والأصل في الإيمان الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه، كما صدّق بلسانه، فقد أذى الأمانة، وهو مؤمنٌ، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه، فهو غير مؤذ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافقٌ، ومن زعم أن الإيمان هو إظهار القول، دون التصديق بالقلب، فإنه لا يخلو من وجهين:
[أحدهما]: أن يكون منافقًا يَنضَح عن المنافقين، تأييدًا لهم، أو يكون جاهلًا، لا يعلم ما يقول، وما يُقال له، أخرجه الجهل، واللَّجَاج إلى عناد الحقّ، وترك قبول الصواب، أعاذنا الله من هذه الصفة، وجعلنا ممن علم، فاستعمل ما علم، أو جهل فتعلَّم ممن علم، وسلّمنا من آفات أهل الزيغ، والبدع بمنّه وكرمه.
وفي قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥] ما يُبيّن لك أن المؤمن هو المتضمّن لهذه الصفة، وأن من لم يتضمّن هذه الصفة، فليس بمؤمن؛ لأن "إنما" في كلام العرب تجيء لتثبيت شيء، ونفي ما خالفه، ولا قوّة إلا بالله. انتهى "لسان العرب" ١٣/ ٢٣ - ٢٤، وهو تحقيق نفيس، بيّن فيه حقيقة الإيمان عند المحققين من أهل اللغة وغيرهم، فلا تغتر بتفسير القاصرين له بأنه مجرد التصديق، فإنه خطر عظيم؛ لأنه يؤدي إلى مذهب المرجئة الضالة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص.
قال في "الفتح": والكلام هنا في مقامين:
[أحدهما]: كونه قولًا وعملًا.
[والثاني]: كونه يزيد وينقص، فأما القول: فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح؛ ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان، ومن نفاه، إنما هو
[ ١ / ٢٤ ]
بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله (^١)، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص، كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد، ونطق فقط، والكرّاميّة قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى.
أما بالنظر إلى ما عندنا، فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقرّ أُجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به فعلٌ يدل على كفره، كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر، كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان، فبالنظر إلى إقراره، ومن نَفَى عنه الإيمان، فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر، فبالنظر إلى أنه فَعَل فعل الكافر، ومن نَفَى عنه، فبالنظر إلى حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن، ولا كافر.
[وأما المقام الثاني]: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا: متى قَبِل ذلك كان شكًّا، قال الشيخ محيي الدين: والأظهر المختار، أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصدِّيق أقوى من إيمان غيره، بحيث لا تعتريه الشبهة، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينًا، وإخلاصًا، وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة، بحسب ظهور البراهين وكثرتها.
وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف، صَرّح به عبد الرزاق في "مصنفه" عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر، وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم، وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السنّة" عن الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وغيرهم من الأئمة، ورَوى بسنده الصحيح عن البخاري،
_________________
(١) الحقّ أن جنس العمل من شروط صحة وحقيقة الإيمان، فليُتَنَبَّهْ.
[ ١ / ٢٥ ]
قال: لقيت أكثر من ألف رجل، من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم، يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد، عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكلّ من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض، ووكيع عن أهل السنّة والجماعة. وقال الحاكم في "مناقب الشافعي": حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، أخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من "الحلية" من وجه آخر" عن الربيع، وزاد: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية [المدثّر: ٣١]. انتهى "فتح" ١/ ٦٨ - ٦٩.
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: قد نقل أبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه" عن المزني، صاحب الشافعي، الجزم بأنهما - أي الإيمان والإسلام - عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما، ولكل من القولين أدلة متعارضة.
وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. انتهى كلامه ملخصًا.
ومقتضاه أن الإسلام لا يُطلق على الاعتقاد والعمل معًا، بخلاف الإيمان، فإنه يطلق عليهما معًا، ويَرُدّ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا؛ لأن العامِل غير المعتقد، ليس بذي دين مرضيّ، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد البغوي، فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي - ﷺ - الإسلام هنا اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملةٍ كُلُّها شيء واحد، وجِمَاعُها الدين، ولهذا قال - ﷺ -: "أتاكم يعلمكم دينكم"، وقال ﷾: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول، إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه.
[ ١ / ٢٦ ]
قال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الأدلة، أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا، إلا إذا اعتقد (^١)، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا، إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام، أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز. ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال، حُمِلا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا، أو لم يكونا في مقام سؤال، أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن، وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنّة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أُفْرِدَ أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يُحمَل ما حكاه محمد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر، أنهم سووا بينهما، على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه اللالكائي، وابن السمعانيّ عن أهل السنّة، أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل. والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى "فتح" ١/ ١٥٧ - ١٥٨ بتصرّف يسير.
وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: في "شرحه" لهذا الكتاب: أهم ما يُذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام، وعمومهما وخصوصهما، وأن الإيمان يزيد وينقص، أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم لا، وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين، القول في كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل أطراف، من متفرقات كلامهم، يحصل منها مقصود ما ذكرته، مع زيادات كثيرة.
قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الفقيه الأديب الشافعي المحقق ﵀ في كتابه "معالم السنن": ما أكثر ما يَغلَط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري، فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية يعني قوله ﷾: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا
_________________
(١) التعبير بـ "كاملًا" فيه شيء؛ لأن من عمل بلا اعتقاد ليس له إيمان أصلًا، فليتُنَبَّه.
[ ١ / ٢٧ ]
غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان، من كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتابًا يبلغ عدد أوراقه المئين.
قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا، ولا يُطلَق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا، استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها.
وأصل الإيمان: التصديق، وأصل الإسلام: الاستسلام، والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر، غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن، غير منقاد في الظاهر.
وقال الخطابي أيضًا في قول النبي - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة": في هذا الحديث، بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنًى ذي شُعَب وأجزاء، له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه، وتستوفي جملة أجزائه، كالصلاة الشرعية، لهذا شُعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها، وتستوفيها، ويدل عليه قوله - ﷺ -: "الحياء شعبة من الإيمان"، وفيه إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته. هذا آخر كلام الخطابيّ.
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀، في حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإيمان والإسلام، وجوابه، قال: جعل النبيّ - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة، هي كلها شيء واحد، وجِمَاعها الدين، ولذلك قال - ﷺ -: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، والتصديق والعمل، يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا، يدل عليه قوله ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فأخبر ﷾، أن الدين
[ ١ / ٢٨ ]
الذي رضيه، ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا، إلا بانضمام التصديق إلى العمل. هذا كلام البغوي.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميميّ الأصبهانيّ الشافعيّ ﵀ في كتابه "التحرير في شرح صحيح مسلم": الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عُنِي به ذلك، فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس شيئًا يتجزًا، حتى يتصور كماله مرة، ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع، هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان، وإذا فُسر بهذا، تطرق إليه الزيادة والنقص، وهو مذهب أهل السنّة، قال: فالخلاف في هذا على التحقيق، إنما هو أن المصدّق بقلبه، إذا لم يَجمَع إلى تصديقه العملَ بموجَب الإيمان، هل يُسمى مؤمنًا مطلقًا، أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمى به، قال رسول - ﷺ -: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"، لأنه لم يعمل بموجب الإيمان، فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب "التحرير".
وقال الإمام أبو الحسن عليّ بن خَلَف بن بطال المالكيّ المغربيّ، في "شرح صحيح البخاري": مذهب جماعة أهل السنة، من سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه، ما أورده البخاريّ من الآيات - يعني قوله ﷿ -: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص، قال: [فإن قيل]: الإيمان في اللغة التصديق، [فالجواب]: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فكلما ازداد المؤَمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر، نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الإيمان، كمالًا، هذا توسط القول في الإيمان، وأما التصديق
[ ١ / ٢٩ ]
بالله تعالى، ورسوله - ﷺ -، فلا ينقص، ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات، عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إذا نقص صار شكًّا، وخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ خشية أن يُتَأَوَّل عليه موافقة الخوارج، الذين يُكَفّرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان، مثل قول جماعة أهل السنّة، قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا، وأصحابنا: سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعيّ، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك.
فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح، والولاية من المؤمنين، هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أنه لو أقرّ وعمل على غير علم منه ومعرفة بربِّه، لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل، وجحد بلسانه وكذب ما عُرف من التوحيد، لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقرّ بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يعمل بالفرائض، لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمنًا بالتصديق، فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى، لقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنقال: ٢ - ٤]، فأخبرنا ﷾: أن المؤمن من كانت هذه صفته.
وقال ابن بطال ﵀ في "باب من قال الإيمان هو العمل": [فإن قيل]: قد قَدّمتم أن الإيمان هو التصديق، [قيل]: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدِّق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنًا مطلقًا، هذا مذهب جماعة أهل السنّة أن الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: وهو قول مالكٍ، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومن بعدهم، من أرباب العلم والسنّة، الذين كانوا مصابيح الهدى، وأئمة الدين، من أهل الحجاز، والعراق، والشام، وغيرهم.
[ ١ / ٣٠ ]
قال ابن بطال: وهذا المعنى أراد البخاري ﵀ في "كتاب الإيمان"، وعليه بوّب أبوابه كلها، فقال: "باب أمور الإيمان"، و"بابٌ الصلاةُ من الإيمان"، و"بابٌ الزكاةُ من الإيمان"، و"بابٌ الجهادُ من الإيمان"، وسائر أبوابه، وإنما أراد الردّ على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وتبيينُ غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنّة، ومذاهب الأئمة. ثم قال ابن بطال في باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحَقيقة هو الإيمان، الذي هو عقد القلب، المصدق لإقرار اللسان، الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره. وقالت الكرامية وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، ومن أقوى ما يُرَدّ به عليهم إجماعُ الأمة على إكفار المنافقين، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٤ - ٨٥]، هذا آخر كلام ابن بطال.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله - ﷺ -: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان أصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان، ومقويات، ومتمِّمات، وحافظات له، ولهذا فسر - ﷺ - الإيمان في حديث وفد عبد القيس، بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس من المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق، على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشيء مطلقًا، يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرًا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله - ﷺ -: "لا يسرق السارق حين
[ ١ / ٣١ ]
يسرق، وهو مؤمن"، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج مما ذكرناه، وحققنا أن الإيمان والإسلام، يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنّة الواردة في الإيمان والإسلام، التي طالما غَلِط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف، وأئمة الخلف، فهي متظاهرة، متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف، والمحدثين، وجماعة من المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكًّا وكفرًا، قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي الأعمال ونقصانها، قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة، وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء، وان كان ظاهرًا حسنًا، فالأظهر (^١) - والله أعلم - أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين، أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُّبَه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نَيِّرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة، ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق - ﵁ - لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في "صحيحه": قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ - ﷺ -، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، والله أعلم.
_________________
(١) هذا هو الحقُّ الأبلج، والصواب الأبهج، وأما قولهم: إن التصديق لا يزيد ولا ينقص، فمما لا يُلْتَفَتُ إليه، فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ٣٢ ]
وأما إطلاق اسم الايمان على الأعمال، فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنّة، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا على أن المراد صلاتكم، وأما الأحاديث، فستمر بك في هذا الكتاب، منها جُمَلٌ مستكثرات، والله أعلم.
واتفق أهل السنّة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، على أن المؤمن الذي يُحكَم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقادًا جازمًا، خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما، لم يكن من أهل القبلة أصلًا، إلا إذا عجز عن النطق؛ لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنًا، أما إذا أتى بالشهادتين، فلا يشترط معهما، أن يقول: وأنا بريء من كل دين، خالف الإسلام، إلا إذا كان من الكفار، الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا - ﷺ - بالعرب، فإنه لا يُحكم بإسلامه، إلا بأن يتبرأ، ومن أصحابنا يعني أصحابَ الشافعي ﵀ مَن شرط أن يتبرأ مطلقًا، وليس بشيء، أما إذا اقتصر على قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا، ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قال: يكون مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتدًا، ويُحتَجُّ لهذا القول بقوله - ﷺ - "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين، واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى، لارتباطهما، وشهرتهما. والله أعلم.
أما إذا أقر بوجوب الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما من أركان الإسلام، وهو على خلاف ملته التي كان عليها، فهل يجعل بذلك مسلمًا، فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلمًا، قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا أما إذا أقرّ بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية، فهل يُجعل بذلك مسلمًا فيه وجهان لأصحابنا، الصحيح منهما أنه يصير مسلمًا؛ لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه، وقد بينت ذلك مستقصى في "شرح المهذب"، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ١/ ١٤٤ - ١٤٩. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٣ ]
(المسألة الرابعة):
قد حقّق هذا الموضوع شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى تحقيقًا بالغًا، أحببت إيراده؛ تأكيدًا، وتفصيلًا لما سبق من كلام الأئمة الذين نقلنا نصوصهم في المسائل السابقة، قال رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كلّه، وقد كَثُر كلام الناس في حقيقة الإيمان والإسلام، ونزاعهم، واضطرابهم، وقد صُنّفت في ذلك مجلّدات، والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف، ونحن نذكر ما يُستفاد من كلام النبيّ - ﷺ -، مع ما يُستفاد من كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فإن هذا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك في ضمن ما يُستفاد من كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ - ما يبيّن أن ردّ موارد النزاع إلى الله تعالى وإلى الرسول - ﷺ - خير وأحسن تأويلًا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.
فنقول: قد فرق النبيّ - ﷺ - في حديث جبريل ﵇ بين مسمّى الإسلام، ومسمّى الإيمان، ومسمّى الإحسان، فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، وقال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". والفرق مذكور في حديث عمر - ﵁ - الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي اتّفق البخاريّ ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبريل جاءه في صورة إنسان أعرابيّ فسأله، وفي حديث عمر - ﵁ - أنه جاءه في صورة أعرابيّ. وكذلك فسّر الإسلام في حديث ابن عمر المشهور، قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان".
وحديث جبريل يبيِّن أن الإسلام المبنيّ على خمس هو الإسلام نفسه، ليس المبنيّ غير المبنيّ عليه، بل جعل النبيّ - ﷺ - الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مؤمن محسنًا، ولا كلّ مسلم مؤمنًا، كما سيأتي بيانه - إن
[ ١ / ٣٤ ]
شاء الله تعالى - في سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - قال له: "أسلِم تسلم"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تُسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك، ويدك"، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت"، قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة"، قال: وما الهجرة؟ قال: "أن تهجر السوء"، قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد"، قال: وما الجهاد؟ قال: "أن تجاهد"، أو "تقاتل الكفّار إذا لقيتهم، ولا تغلُل، ولا تجبُن"، ثم قال رسول الله: "عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما" - قالها ثلاثًا - "حجة مبرورة، أو عمرة"، رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزيّ.
ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة، فيقول: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيّئات، والمجاهد من جاهد نفسه"، وهذا مرويّ عن النبيّ - ﷺ - من حديث عبد الله بن عمرو، وفَضَالة بن عُبيد، وغيرهما - ﵄ - بإسناد جيّد، وهو في "السنن"، وبعضه في "الصحيحين". وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن أَمِنَهُ الناس على دمائهم وأموالهم"، ومعلوم أن من كان مأمونًا على الدماء والأموال كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه، وكذلك في حديث عُبيد بن عُمير، عن عمرو بن عَبَسَة - ﵁ - وفي حديث عبد الله بن عُبيد بن عُمير أيضًا، عن أبيه، عن جدّه أنه قيل لرسول الله - ﷺ -: ما الإسلام؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، قيل: فما الإيمان؟ قال: "السماحة، والصبر"، قيل: فمن أفضل المسلمين إسلامًا؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"، قيل: فمن أفضل المؤمنين إيمانًا؟ قال: أحسنهم خُلُقًا، قيل: فما أفضل الهجرة؟ قال: "من هجر ما حرّم الله عليه"، قال: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد مقل"، قال: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: "أن تجاهد بمالك، ونفسك، فيُعقرُ جوادك، ويُراق
[ ١ / ٣٥ ]
دمك"، قال: أيّ الساعات أفضل؟ قال: "جوف الليل الغابر".
ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لا بدّ أن يكون مؤمنًا، وكذا المجاهد، ولهذا قال: "الإيمان السماحة والصبر"، وقال في الإسلام: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، والأول مستلزم للثاني، فإن من كان خلقه السماحة، فعل هذا بخلاف الأول، فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلّقًا، ولا يكون في خلقه سماحة وصبرٌ، وكذلك قال: "أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال: "أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، ومعلومٌ أن هذا يتضمّن الأول، فمن كان حسن الخلق فعل ذلك. قيل للحسن البصريّ: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى، وكفّ الأذى، وطلاقة الوجه، فكفّ الأذى جزء من حسن الخلق، وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان، كقوله - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وقوله لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟: شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم".
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله بدون إيمان القلب؛ لِمَا قد أخبر في غير موضع أنه لا بدّ من إيمان القلب، فعُلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان. وفي "المسند" عن أنس - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (^١)، وقال - ﷺ -: "إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب"، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا، بخلاف العكس.
وقال سفيان بن عيينة: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه. رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الإخلاص". فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان
_________________
(١) ضعيف. انظر: "ضعيف الجامع الصغير"، للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ص ٣٣٦.
[ ١ / ٣٦ ]
صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان، يدل على ذلك أنه قال في حديث جبريل ﵇: "هذا جبريل جاءكم يُعلّمكم دينكم"، فجعل الدين هو الإسلام، والإيمان، والإحسان"، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم، ثم مؤمن، ثم محسنٌ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، والمقتصد، والسابق كلاهما يدخل الجنّة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرّضٌ للوعيد، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وأما الاحسان: فهو أعمّ من جههّ نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعمّ من جهة نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصّ من المسلمين، وهذا كما يقال: في الرسالة والنبوّة، فالنبوّة داخلة في الرسالة، والرسالة أعمّ من جهة نفسها، وأخصّ من جهة أهلها، فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبيّ رسولًا، فالأنبياء أعمّ، والنبوّة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوّة، وغيرها، بخلاف النبوّة، فإنها لا تتناول الرسالة. والنبيّ - ﷺ - فسّر الإسلام، والإيمان بما أجاب به، كما يجاب عن الحدود بالحدّ، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا، كما في الحديث الصحيح لَمّا قيل: ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يَكره"، وفي الحديث الآخر: "الكبر بطر الحقّ، وغمط الناس"، وبطر الحقّ: جحده، ودفعه، و"غمط الناس": احتقارهم، وازدراؤهم.
وسنذكر - إن شاء الله تعالى - سبب تنوّع أجوبته، وأنها كفها حقّ. ولكن المقصود أن قوله - ﷺ -: "بُني الإسلام على خمس"، كقوله: الإسلام هو الخمس، كما ذكر في حديث جبرائيل ﵇، فإن الأمر مركّبٌ من أجزاء تكون الهيئة الاجتماعيّة فيه مبنيّة على تلك الأجزاء، ومركّبةً منها، فالإسلام مبنيّ على هذه الأركان - وسنبيّن إن شاء الله - اختصاص هذه الخفس بكونها هي الإسلام، وعليها بُني الإسلام، ولم خُضت بذلك، دون غيرها من الواجبات.
وقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسّر به الإسلام هنا،
[ ١ / ٣٧ ]
لكنه لم يذكر فيه الحجّ، وهو متّفقٌ عليه، فقال: "آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم، أو خمسًا من المغنم". وقد رُوي في بعض طرقه: "الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، لكن الأول أشهر، وفي رواية أبي سعيد - ﵁ -: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا".
وقد فَسَّر في حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا وبغيره، فقال: "الإيمان بضع وستّون، أو بضع وسبعون شعبةً، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". وقد ثبت عنه من وجوه متعدّدة أنه قال "الحياءُ شعبة من الإيمان " من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين - ﵄ - وقال أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين"، وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، وقال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه". وقال: "من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وقال: "ما بعث الله من نبيّ إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه، ويستنّون بسنّته، ثم إنه يخلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل"، وهذا من أفراد مسلم. وكذلك في أفراد مسلم قوله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أو لا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"، وقال في الحديث المتّفق عليه من رواية أبي هريرة - ﵁ -، ورواه البخاريّ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال النبيّ - ﷺ -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، وهو مؤمن".
[ ١ / ٣٨ ]
فيقال: اسم الإيمان تارةً يُذكر مفردًا، غير مقرون باسم الإسلام، ولا باسم العمل الصالح، ولا غيرهما، وتارة يُذكر مقرونًا، إما بالإسلام، كقوله في حديث جبرائيل: "ما الإسلام، وما الإيمان؟ "، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، وقوله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، وقوله ﷿: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٧]، وإما مقرونًا بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية [لروم: ٥٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ الآية [المجادلة: ١١]، وحيث ذكر الذين آمنوا، فقد دخل فيهم الذين أوتوا العليم، فإنهم خيارهم، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [النساء: ١٦٢].
ويذكر أيضًا لفظ المؤمنين، مقرونًا بالذين هادوا، والنصارى، والصابئين، ثم يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عمّهم، كما عمّهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]، وسنبسط هذا إن شاء الله.
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان، وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى، فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وجعل الإيمان ما في القلب، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "الإسلام علانيةٌ، والإيمان في القلب" (^١).
_________________
(١) تقدم أنه حديث ضعيف.
[ ١ / ٣٩ ]
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرّدًا دخل فيه الإسلام، والأعمال الصالحة، كقوله - ﷺ - في حديث الشعب: "الإيمان بضع وسبعون شعبةً، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وكذلك سائر الأحاديث التي يُجعل فيها أعمال البرّ من الإيمان.
ثم إن نَفَى الإيمان عند عدمها دلّ على أنها واجبة، وإن ذَكر فضل إيمان صاحبها، ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبّة، فإن الله تعالى ورسوله - ﷺ - لا ينفي اسم مُسمّى أمر، أمر الله به رسوله - ﷺ - إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: "لا صلاة إلا بأمّ القرآن"، وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، ونحو ذلك.
فأما إذا كان الفعل مستحبًّا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحبّ، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحجّ؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البرّ مثل ما فعلها النبيّ - ﷺ -، بل ولا أبو بكر، ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحبّ يجوز نفيها لجاز أن تُنْفَى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفيّ هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يُذمّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحبّ، فهذا لم يقع قط في كلام الله ﷿ ورسوله - ﷺ -، ولا يجوز أن يقع، فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقة، ولا مجازًا، فإذا قال للأعرابيّ المسيء في صلاته: "ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ"، وقال لمن صلّى خلف الصفّ، وقد أمره بالإعادة: "لا صلاة لفذّ خلف الصفّ"، كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، يبيّن أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب، والجهاد، وإن كان فرضًا على الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء، فعليهم كلّهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله، إذا تعيّن، ولهذا قال النبيّ - ﷺ -: "من مات، ولم يغز، ولم يُحدّث نفسه بغزو، مات على شعبة نفاق"، رواه مسلم، فأخبر أنه من لم يهمّ به كان على شعبة نفاق.
[ ١ / ٤٠ ]
وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنواع متعدّدة، ولا بدّ أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه، وكذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ والآية [الأنفال: ٢ - ٤]، هذا كله واجب، فإن التوكّل على الله واجبٌ من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحبّ الله ورسوله واجب، وقد أمر الله بالتوكّل عليه في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء، والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكّل على غير الله، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنقال: ٢]، فيقال: من أحوال القلب، وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه، ولا تعمّد له، وإذا لم يوجد دلّ على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يوادّ المحادّين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان تنافي موادّته، كما ينفي أحد الضدّين الآخر، فإذا وُجد الإيمان انتفى ضدّه، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب.
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ
[ ١ / ٤١ ]
كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٧٩ - ٨١]، فذكر جملة شرطيّة تقتضي أنه إذا وُجد الشرط وُجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، فدلّ على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء، ويُضادّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من اتّخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب، من الإيمان بالله والنبيّ، وما أنزل إليه.
ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متولّيهم لا يكون مؤمنًا، وأخبر هنا أن متولّيهم هو منهم، فالقرآن يصدّق بعضه بعضًا، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية [النور: ٦٢] دليلٌ على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز، وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن، فمن ذهب، ولم يستأذن، كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان، فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن حرف "إنما" تدلّ على إثبات المذكور، ونفي غيره، ومن الأصوليين من يقول: "إنّ" للإثبات، و"ما" للنفي، فإذا جُمع بينهما دلّت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربيّة، ومن يتكلّم بعلم، فإن "ما" هذه هي الكافّة التي تدخل على "إن" وأخواتها، فتكفّها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصّت بالجمل الاسميّة، فلما كُفّت بطل عملها، واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعليّة والاسميّة، فتغيّر معناها وعملها جميعًا بانضمام "ما" إليها، وكذلك "كأنما"، وغيرها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].
[فإن قيل]: إذا كان المؤمن حقًّا هو الفاعل للواجبات، التارك للمحرّمات، فقد قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ولم يذكر إلا
[ ١ / ٤٢ ]
خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النور: ٦٢].
[قيل]: عن هذا جوابان:
[أحدهما]: أن يكون ما ذُكر مستلزمًا لما تُرك، فإنه ذَكَر وَجَلَ قلوبهم إذا ذُكر الله، وزيادة إيمانهم إذا تُليت عليهم آياته، مع التوكّل عليه، وأقام الصلاة على الوجه المأمور به باطنًا وظاهرًا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي، فإن وجَلَ القلبِ عند ذكر الله يقتضي خشيته، والخوف منه، وقد فسّروا "وجلت" بفَرِقَت، وفي قراءة ابن مسعود - ﵁ -: "إذا ذُكر الله فرِقَت قلوبهم"، وهذا صحيح، فإن الوجل في اللغة هو الخوف، يقال؛ حمرة الْخَجَل، وصُفْرة الوجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله هو الرجل يزني، ويسرق، ويخاف أن يُعاقب؟ قال: "لا يا ابنة الصّدّيق، هو الرجل يصلّي، ويصوم، ويتصدّق، وَيَخاف أن لا يُقبل منه" وقال السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]: هو الرجل يريد أن يظلم، أو يهمّ بمعصية، فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، قال مجاهد: وغيره من المفسّرين: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفًا من الله.
وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمّن خشيته، ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور. قال سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ [الأعراف: ١٥٤]، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين
[ ١ / ٤٣ ]
يرهبون الله. قال مجاهد، وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]، وهم المؤمنون، وهم المتّقون المذكورون في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]، كما قال في آية البرّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وإذا لم يضلّ، فهو متّبع مهتد، وإذا لم يشقَ، فهو مرحوم، وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين، فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبًا عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالّين، فتبيّن أن أهل رهبة الله يكونون متّقين لله، مستحقّين للجنة بلا عذاب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب.
ومما يدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، والمعنى لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كلّ من خشي الله فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والآية [الزمر: ٩].
والخشية أبدًا متضمّنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قُنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، فأهل الخوف لله، والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. وقد رُوي عن أبي حيّان التيميّ أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله، فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه، وفي "الصحيح" عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده". وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنّة، لم يكونوا مستحقّين للذّمّ، وذلك لا يكون إلا
[ ١ / ٤٤ ]
مع فعل الواجبات. ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، فوعد بنصر الدنيا، وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدَّوا الواجب، فدلّ على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ الآية [النساء: ١٧]. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد - ﷺ - عن هذه الآية، فقالوا لي: كلُّ من عصى الله فهو جاهلٌ، وكلّ من تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، وكذلك قال سائر المفسّرين، قال مجاهد: كلّ عاص فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء، والسدّيّ، وغيرهم: إنما سُمُّوا جُهّالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميّزين. وقال الزّجّاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءًا، وإنما يحتمل أمرين:
[أحدهما]: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه.
[والثاني]: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسمّوا جُهّالًا؛ لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة، فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة. وقد يقال: هما متلازمان.
والمقصود هنا أن كلّ عاص لله، فهو جاهل، وكلّ خائف منه فهو عالمٌ مطيع لله، وإنما يكون جاهلًا لنقص خوفه من الله؛ إذ لو تمّ خوفه من الله لم يَعصِ، ومنه قول ابن مسعود - ﵁ -: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار به جهلًا، وذلك لأن تصوّر المخوف يوجب الهرب منه، وتصوّر المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دلّ على أنه لم يتصوّره تصوّرًا تامًّا، ولكن قد يتصوّر الخبر عنه، وتصوّر الخبر، وتصديقه، وحفظ حروفه غير تصوّر المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوّر محبوبًا له، ولا مكروهًا، فإن الإنسان يصدّق بما هو مخوف على غيره، ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هربًا، ولا طلبًا، وكذلك إذا أُخبِر بما هو محبوبٌ له، ومكروه، ولم يكذّب
[ ١ / ٤٥ ]
المخبر، بل عرفه صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصوّر ما أُخبر به، فهذا لا يتحرّك للهرب، ولا للطلب.
وفي الكلام المعروف عن الحسن البصريّ، ويُروى مرسلًا عن النبيّ - ﷺ -: "العلم علمان: فعلم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده". وقد أخرجا في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعريّ - ﷺ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيّبٌ ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّبٌ وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة، طعمها مرّ ولا ريح لها". وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن، يحفظه، ويتصوّر معانيه، وقد يصدّق أنه كلام الله، وأن الرسول حقّ، ولا يكون مؤمنًا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس، وفرعون، وغيرهما، لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له من العلم التامّ، والمعرفة التامّة، فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه، لا محالة، ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدّم.
وكذلك لفظ "العقل"، وإن كان في الأصل مصدر عقل يعقل عقلًا - من باب ضرب - وكثير من النظّار جعله من جنس العلوم، فلا بدّ أن يُعتبر مع ذلك أنه علم يُعمل بموجبه، فلا يسمّى عاقلًا إلا من عرف الخير فطلبه، والشرّ فتركه، ولهذا قال أصحاب النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وقال عن المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤]، ومن فعل ما يعلم أنه يضرّه، فمثل هذا ما له عقلٌ، فكما أن الخوف من الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله ممتثلٌ لأوامره، مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أوّلًا.
ويدلّ على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾ [الأعلى: ٩ - ١٢]، فأخبر أن من يخشاه يتذكّر، والتذكّر هنا مستلزم لعبادته، قال الله تعالى: ﴿هُوَ
[ ١ / ٤٦ ]
الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٨]، [قال الجامع عفا الله عنه]: ولهذا قالوا في قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ [الأعلى: ١٠]: سيتّعظ بالقرآن من يخشى الله، وفي قوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]: إنما يتّعظ من يرجع إلى الطاعة، وهذا لأن التذكّر التامّ يستلزم التأثّر بما تذكّره، فإن تذكّر محبوبًا طلبه، وإن تذكّر مرهوبًا هرب منه. ومنه قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وقال سبحانه الله: ﴿اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦]، فأثبت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه، فالإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم، والتخويف، فمن علّمته فتعلّم، فقد تمّ تعليمه، وآخر يقول: علّمته فلم يتعلّم، وكذلك من خوّفته فخاف، فهذا هو الذي تمّ تخويفه، وأما من خُوّف فما خاف، فلم يتمّ تخويفه، وكذلك من هديته فاهتدى، تمّ هداه، ومنه قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ومن هديته فلم يهتد، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصّلت: ١٧]، فلم يتمّ هداه، كما تقول: قطعته فانقطع، وقطعته، فما انقطع. فالمؤثّر التامّ يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تامًّا، والفعل إذا صادف محلًّا قابلًا تمّ، وإلا لم يتمّ، والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه، ولهذا يُسمّى هذا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة، يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كلّه إنما يحصل مع صحّة الفطرة، وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يُحسّ الإنسان باللذيذ، فلا يجد له لذّة، بل يؤلمه، وكذلك يلتذّ بالمؤلم لفساد فطرته، والفساد يتناول القوّة العلميّة، والقوّة العمليّة جميعًا، كالممرور الذي يجد العسل مُرًّا، فإنه فسد نفس إحساسه، حتى كان يُحسّ به على خلاف ما هو عليه للمرّة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
[ ١ / ٤٧ ]
الآية [الصفّ: ٥]، وقال ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٨٨]، و"الغلف" جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف، مثل الأقلف، كأنهم جَعلوا المانع خلقة: أي خُلقت القلوب وعليها أغطية، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾ [محمد: ١٦].
وكذلك قالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: أي لأفهمهم ما سمعوه، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: أي ولو لأفهم مع هذه الحال التي هم عليها ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فقد فسدت فطرتهم، فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحّة القوّة العلميّة، وصحّة القوّة العمليّة. وقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال عن المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨].
ومن الناس من يقول: لَمّا لم ينتفعوا بالسمع والبصر، والنطق جعلوا صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا، أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصمّ العمي البكم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت، وصُمّت، وبكمت، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت، كما تسمع البهائم، والمعنى: لا يفقه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهًا تامًّا، فإن الفقه التامّ يستلزم تأثيره في القلب محبّة المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا
[ ١ / ٤٨ ]
لم يكن التصوّر حاصلًا، فجاز نفيه، لأن ما لم يتمّ ينفى، كقوله - ﷺ - للذي أساء في صلاته: "صلّ، فإنك لم تصلّ"، فنَفْيُ الإيمان حيث نُفي من هذا الباب.
وقد جمع الله تعالى بين وصفهم بوجَل القلب إذا ذُكر الله، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته، قال الضحّاك: زادتهم يقينًا، وقال الربيع بن أنس: خشيةً، وعن ابن عبّاس تصديقًا. وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين في مواضع، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].
والخشوع يتضمّن معنيين:
[أحدهما]: التواضع والذلّ.
[والثاني]: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمّن عبوديّته لله، وطمأنينته أيضًا، ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمّن هذا وهذا، التواضع والسكون. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]: قال: مخبتون أذِلّاءُ. وعن الحسن وقتادة: خائفون. وعن مقاتل: متواضعون. وعن عليّ - ﵁ -: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء للمسلم كنفك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا. وقال مجاهد: غضّ البصر، وخفض الجناح. وكان الرجال من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن، أن يشدّ بصره، أو أن يُحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا.
وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون، وحبّ حسن الهيئة في الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: كان النبيّ - ﷺ -، وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يمينًا وشمالًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض. وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك، وأنت في الصلاة. وأبصر النبيّ - ﷺ - رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة،
[ ١ / ٤٩ ]
فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (^١).
وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيًا يُظهر ما ليس في قلبه، كما روي: "تعوّذوا من خشوع النفاق"، وهو أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب خاليًا لاهيًا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وكذلك في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، والذين يخشون ربّهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم.
[فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل من الحقّ واجبٌ.
[قيل]: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ - ﷺ -: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع".
وقد ذمّ الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية [البقرة: ٧٤]. قال الزجّاج: قست في اللغة: غلُظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة، والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قُتيبة: قست، وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويًّا من غير عنف، وليِّنًا من غير ضعف. وفي الأثر: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبّها إلى الله أصلبها، وأرقّها،
_________________
(١) هذا موضوع مرفوعًا، وإنما هو من قول ابن المسيّب، وهو أيضًا ضعيف. انظر: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١/ ١٤٣ - ١٤٤ رقم الحديث ١١٠.
[ ١ / ٥٠ ]
وأصفاها"، وهذا كاليد، فإنها قويّة، ليّنة، بخلاف ما يقسو من العقب، فإنه يابس، لا لين فيه، وإن كان فيه قوّة، وهو سبحانه ذكر وَجَلَ القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علمًا وعملًا.
ثم لا بدّ من التوكّل على الله تعالى فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر عليه، وأصل ذلك الصلاة، والزكاة، فمن قام بهذه الخمس، كما أُمر لزم أن يأتي بسائر الواجبات.
بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أُمِرَ، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما روي عن ابن مسعود، وابن عبّاس - ﵃ -: "إن في الصلاة منتهًى ومُزدجرًا عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدًا"، وقوله: "لم يزدد إلا بُعدًا" إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قرّبه فعل الواجب الأقلّ، وهذا كما في "الصحيح" عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
وفي "السنن" عن عمّار - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يُكتب له منه إلا نصفها، إلا ثلثها"، حتى قال: "إلا عشرها"، وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها"، وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتي من التطوّعات بما يَجْبُرُ نقص فرضه، ومعلوم أن من حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التي أمره بها، فإنه يأتي بالواجبات، ولا يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر، مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، وغير ذلك، فلا بدّ أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، وهذا من الإيمان الذي يُنزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبيّ - ﷺ -: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن". فإن المتّقين كما وصفهم الله تعالى
[ ١ / ٥١ ]
بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان تذكّروا، فيُبصرون.
قال سعيد بن جُبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذّكر الله، فيكظم الغيظ. وقال ليث، عن مجاهد: هو الرجل يهمّ بالذنب، فيذكر الله، فيدعه، والشهوة، والغضب مبدأ السيّئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [الأعراف: ٢٠٢]: أي هاخوان الشياطين تُمدّهم الشياطين في الغيّ، ثم لا يقصرون. قال ابن عبّاس: لا الإنس تقصر عن السيّئات، ولا الشياطين تُمسك عنهم، فإذا لم يبصر بقي قلبه في غيّ، والشيطان يمدّه في غيّه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف، يخرج من قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينيه، فلا يرى شيئًا، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب، لا يُبصر الحقّ، وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر.
وهكذا جاء في الآثار، قال أحمد بن حنبل في "كتاب الإيمان": حدّثنا يحيى، عن أشعث، عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ -، قال: "يُنزع منه الإيمان، فإن تاب أُعيد إليه". وقال: حدّثنا يحيى، عن عوف، قال: قال الحسن: "يُجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان".
وقال أحمد: حدّثنا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعيّ، قال: وقد قلت للزهريّ حين ذكر هذا الحديث: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"، فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنًا، فما هو؛ قال: فأنكر ذلك، وكره مسألتي عنه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوّجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يردّه ردّه، وإن شاء أن يمنعه منعه". وقال أبو داود السجستانيّ: حدّثنا عبد الوهّاب بن نَجْدة، حدّثنا بقيّة بن الوليد، حدّثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، أنه أخبره، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه كان يقول: "إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرّةً، ويقلعه أخرى"، وكذلك رواه بإسناده عن عمر - ﵁ -. وروي عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا. وفي حديث أبي
[ ١ / ٥٢ ]
هريرة - ﵁ - مرفوعًا إلى النبيّ - ﷺ -: "إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان، فكان كالظلّة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان". انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" ٧/ ٥ - ٣٣. وهو تحقيق نفيس جدًّا، لا تجده في كتاب غيره، فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمنٌ.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء من السلف وغيرهم، في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن، فقال طائفة: لا يقول: أنا مؤمن، مقتصرًا عليه، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وحَكَى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق، وأنه لا يقول: إن شاء الله، وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعيّ، وغيره إلى جواز الأمرين، والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال: إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت على الإيمان، أم يُصرَف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح، نظرًا إلى مأخذ القولين الأولين، ورفعًا لحقيقة الخلاف.
وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: يقال: هو كافر، ولا يقول: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو في التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله نظرًا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.
وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "الكوكب الساطع":
وَجَازَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي مُؤْمِنُ … إِنْ شَاءَ رَبّي خَشْيَةً أَنْ يُفْتَنُ
بَلْ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ جُلِّ السَّلَفِ … وَأَنْكَرَ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَنَفِي
يعني أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى جائز …؛ خشية أن يُفتن، لا شكًّا في الإيمان، وهذا مذهب جل السلف، فقد حُكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، ومنصور، ومغيرة، والأعمش، وليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وعمارة بن القعقاع،
[ ١ / ٥٣ ]
والعلاء بن المسيّب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن شُبْرُمة، والثوريّ، وابن عُيينة، وقال: إنه توكيد للإيمان، وحمزة الزيات، وعلقمة، وحماد بن زيد، والنضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع، ويحيى بن سعيد القطّان، والنخعيّ، وطاوس، وأبي الْبَخْتَريّ سعيد بن فَيروز، ويزيد بن أبي زياد، وعلي بن خليفة، ومعمر، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والأوزاعيّ، ومالك، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وآخرين، واختاره أبو منصور الماتريديّ، بل بلغ بقوم من السلف أن قالوا: إنه أولي، وعابوا على من قال: إني مؤمن. أخرج ذلك ابن أبي شيبة في "كتاب الإيمان". ومنع من ذلك أبو حنيفة، وطائفة، وقالوا: هو شكّ، والشكّ في الإيمان كفر.
وأجيب عن ذلك بأوجه:
[أحدها]: أنه لا يقال شكًّا، بل خوفًا من سوء الخاتمة؛ لأن الأعمال معتبرة بخواتمها، كما أن الصائم لا يحكم له بالصوم إلَّا في آخر النهار.
[الثانية]: أنه للتبرّك، وإن لم يكن شكٌّ، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧].
[الثالثة]: أن المشيئة راجعة إلى الإيمان، فقد يُخلُّ ببعضه، فيستثني لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، راجع ما كتبته على "الكوكب الساطع" ص ٦٠١ - ٦٠٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: الاستثناء في الإيمان سنّة عند أصحابنا، وأكثر أهل السنّة، وقالت المرجئة والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه، بل هو شكّ، والاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يَعصم دمي فنعم، وإن كنت تريد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فالله أعلم.
ثم هنا ثلاثة أقوال: إما أن يقال: الاستثناء واجبٌ، فلا يجوز القطع، وهذا قول القاضي في "عيون المسائل" وغيره، وإما أن يقال: هو مستحب، ويجوز القطع باعتبار آخر. وإما أن يقال: كلاهما جائز … باعتبار. وإنما ذكر أن الاستثناء سنّة بمعنى أنه جائز …، ردًّا على من نهى عنه. فإذا قلنا: هو واجب،
[ ١ / ٥٤ ]
فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنّا مؤمنون، لكان ذلك قطعًا على أنّا في الجنّة؛ لأن الله تعالى وعد المؤمنين الجَنَّة، ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة؛ لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلَّا الله، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة، ولا يعلم ذلك، ولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: هلَّا وكَل الأولى كما وكَل الآخرة، يريد بذلك ما استدل به من رأى رجلًا قال عنده: إني مؤمن، فقيل لابن مسعود - ﵁ -: هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فسلوه أفي الجنّة هو، أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم، فقال عبد الله: فهلَّا وكلت الأولى كما وكلت الثانية.
قال ابن تيمية: ويُستدلّ أيضًا على وجوب الاستثناء بقول عمر - ﵁ -: من قال: إنه مؤمن، فهو كافر، ومن زعم أنه في الجَنَّة، فهو في النار، ومن زعم أنه عالم، فهو جاهل، ولما استدل المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشكّ في وقوعه قال: الجواب: أن هنا مستقبلًا يُشكّ في وقوعه، وهو الموافاة بالإيمان، والإيمان مرتبط بعضه ببعض، فهو كالعبادة الواحدة.
قال: فحقيقة هذا القول أن الإيمان اسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى أن يموت عليه، فإذا انتقض تبيّن بطلان أولها، كالحدث في آخر الصلاة، والوطء في آخر الحجّ، والأكل في آخر النهار، وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله، كقول مصلّ، وصائم، وحاجّ، فهذا مأخذ القاضي، وقد ذكر بعد هذا في "المعتمد" مسألة الموافاة، وهي متّصلة بها، وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافرًا، وبالعكس، هل يتعلّق رضا الله، وسخطه، ومحبّته، وبغضه بما هو عليه، أو بما يوافي به، والمسألة متعلّقة بالرضا والسخط، هل هو قديم، أو محدث؟
[والمأخذ الثاني]: أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال، وهذا غير معلوم للمتكلّم، كما قال أبو العالية (^١): أدركت ثلاثين من أصحاب محمد - ﷺ -
_________________
(١) هكذا في "مجموع الفتاوى"، والذي في "صحيح البخاريّ": "وقال ابن أبي مليكة، أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل". انتهى.
[ ١ / ٥٥ ]
كلهم يخاف النفاق غلى نفسه، لا يقول: إن إيماني كإيمان جبريل، فإخبار الرجل عن نفسه أنه كامل الإيمان خبر بما لا يعلمه، وهذا معنى قول ابن المنزل: إن المرجئة تقول: إن حسناتها مقبولة، وأنا لا أشهد بذلك، وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء، وهذا المأخذ الثاني للقاضي، فإن المنازع احتجّ بأنه لما لم يجز الاستثناء في الإسلام، فكذلك في الإيمان. قال: والجواب: أن الإسلام مجرّد الشهادتين، وقد أتى بهما، والإيمان أقوال، وأعمال؛ لقوله - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون بابًا"، وهو لا يتحقّق كلّ ذلك منه.
[والمأخذ الثالث]: أن ذلك تزكية للنفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النجم: ٣٢]، وهذا يصح للاستحباب، وإلا فإخبار الرجل بصفته التي هو عليها جائز …، وإن كان مدحًا، وقد يصلح للإيجاب.
قال الأثرم في "السنة": حدثنا أحمد بن حنبل، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا من أصحابنا، ولا بلغني إلَّا على الاستثناء، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أَعيبه (^١) فاستثنى مخافة واحتياطًا، ليس كما يقولن على الشكّ، إنما يستثني للعمل، قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]: أي إن هذا الاستثناء لغير شكّ، وقد قال النبيّ - ﷺ -: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون": أي لم يكن يشكّ في هذا، وقد استثني، وذكر قول النبيّ - ﷺ -: "نبعث إن شاء الله" من القبر، وذكر قول النبيّ - ﷺ -: "إني والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله"، قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى بأسًا أن لا يُستثني، فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجّب منهم، وذكر كلامًا طويلًا تركته. فكلام أحمد يدلّ على أن الاستثناء لأجل العمل، وهذا المأخذ الثاني، وأنه لغير شكّ في الأصل، وهو يُشبه الثالث، ويقتضي أن يجوز ترك الاستثناء، وأما جواز إطلاق القول باني مؤمن، فيصحّ إذا عنَى أصل الإيمان، دون كماله، والدخول فيه،
_________________
(١) كتب في "هامش مجموع الفتاوى": ما نصّه: سقط في الأصل مقدار نصف سطر.
[ ١ / ٥٦ ]
دون تمامه، كما يقول: أنا حاجّ، وصائمٌ لمن شرع في ذلك، وكما يُطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة، وعلى هذا يخرّج ما رُوي عن معاذ بن جبل - ﵁ -، وما رُوي في حديث الحارث الذي قال: أنا مؤمنٌ حقًّا، وفي حديث الوفد الذين قالوا: "نحن المؤمنون"، وإن كان في الإسنادين نظر. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى"مجموع الفتاوى" ٧/ ٦٦٦ - ٦٦٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو ما عليه جلّ السلف رحمهم الله تعالى من أنه يجوز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ خوفًا من العاقبة، وتبرّكًا بذكر المشيئة، لا شكًّا في أصل الإيمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة):
[اعلم]: أن مذهب أهل الحق، أنه لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة، حُكم بردته وكفره، إلَّا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه ممن يخفى عليه، فيُعَرَّف ذلك، فإن استمر حُكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا، أو الخمر، أو القتل، أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة، ذكره النووي في "شرحه" (^١).
وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "الكوكب الساطع":
وَلَا نَرَى تَكْفِيرَ أهْلِ الْقِبْلَةِ … وَلَا الْخُرُوجَ أَيْ عَلَى الأَئِمَّةِ
وقلت في "شرحي" عليه: أشار به إلى ما قاله الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأشعريّ: لا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب أجرمه، وروى البيهقيّ بسند صحيح أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما سُئل، هل كنتم تسمّون من الذنوب كفرًا، أو شركًا، أو نفاقًا؟ قال: معاذ الله، لكنّا نقول: مؤمنون مذنبون.
وقال الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٨٨ -
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٤٤ - ١٥٠.
[ ١ / ٥٧ ]
في ترجمة أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى ما نصّه: رأيت للأشعريّ كلمة أعجبتني، وهي ثابتةٌ، رواها البيهقيّ، سمعت أبا حازم العبدريّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسيّ يقول: لَمّا قرب أجل أبي الحسن الأشعريّ في داري ببغداد، دعاني، فأتيته، فقال: اشهَدْ عليّ أني لا أكفّر أحدًا من أهل القبلة؛ لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قال الذهبيّ: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيميّة في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفّر أحدًا من الأمة، قال النبيّ - ﷺ -: "لا يُحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن" (^١). فمن لازم الصلوات بوضوء، فهومسلم. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة من عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب هو الحقّ، فينبغي التنبّه له، وعدم التسرّع إلى القول بتكفير أحد منهم إلَّا ببيّنة واضحة، لا يُقبل معها التأويل، هذا على الجملة، وأما من حيث التفصيل، فمن قامت بَيِّنَةٌ واضحة على أنه ارتكب ما يخرجه من الإسلام، فلا يُتَوَقَّفُ في تكفيره، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب.
هذه جُمَلٌ من المسائل المتعلقة بالإيمان، قدمتها في صدر الكتاب، تمهيدًا لكونها مما يكثر الاحتياج إليها، ولكثرة تكرارها وتردادها في الأحاديث، فقدمتها في موضع واحد، ليسهل فهمها، ويقرب إدراكها، ويتيسّر الإحالة عليها، إذا مرّ في الأبواب الآتية ما يتعلّق بها. والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، ومنه التوفيق والعصمة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد، والدارميّ، والحاكم، وابن حبّان.
[ ١ / ٥٨ ]