وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٣] (٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ خالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "مَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ المذكور قريبًا.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) ٢/ ٣.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُلَيَّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣.
٤ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل - بفتح الميم، وقيل: بضمّها، وكسر الزاي - الْحَذّاء - بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة - مولى قريش، وقيل: مولى بني مُجَاشِع، البصريّ، ثقة، يُرسل [٥].
رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عبد الله بن شقيق، وأبي رجاء العُطَارديّ، وأبي عثمان النَّهْدي، وأبي قلابة، وأنس، ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وغيرهم.
ورَوَى عنه الحمادان، والثوري، وشعبة، وابن علية، وسعيد بن أبي عروبة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الوهاب الثقفي، وبشر بن المفضل، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: ثَبْت. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن سعد: لم يكن خالد بِحَذّاء، ولكن كان يجلس إليهم، قال: وقال فهد بن حَيّان:
[ ١ / ٥٤٠ ]
إنما كان يقول: احْذُ على هذا النحو، فلُقَب الحذاء، قال: وكان خالد ثقة، مَهِيبًا، كثير الحديث، توفي سنة (١٤١)، وكان قد استُعْمِل على العشور بالبصرة. وقال محمد بن المثنى عن قُريش بن أنس: مات سنة (١٤٢) أو أكثر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحكى القولين في تاريخ وفاته. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو الوليد الباجي: قرأت على أبي ذر الهروي في "كتاب الكنى" لمسلم: خالدٌ الحذاء أبو المنازل - بفتح الميم -، قال أبو الوليد: والضم أشهر.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "كتاب العلل" عن أبيه: لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النَّهْدي شيئًا، وقال أحمد أيضًا: لم يسمع من أبي العالية، وذكر ابن خزيمة ما يوافق ذلك، ويشهد له. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه عن أحمد: ما أُراه سمع من الكوفيين من رجل أقدم من أبي الضحى، وقد حَدَّث عن الشعبي، وما أُراه سمع منه، وقال غيره: لم يسمع من عِرَاك بن مالك، بينهما خالد بن أبي الصَّلْت، وحكى العُقيليّ في "تاريخه" من طريق يحيى بن آدم، عن أبي شهاب قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكْتُم علَيَّ عند البصريين في خالد الحذاء وهشام، قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قَدِمَ علينا قَدْمَةً من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه. وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يَقَعَ في خالد، فأتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: ما لك أَجُنِنتَ؟ وتَهَدَّدناه، فسكت. وحَكَى الْعُقَيليّ من طريق أحمد بن حنبل: قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يَلْتَفِت إليه ابنُ علية، وَضَعَّفَ أمر خالد. وعن الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله.
قال الحافظ: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه، من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بأخرة، أو من أجل دخوله في عمل السلطان. والله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
[تنبيه]: لا يوجد في الرواة من يسمّى خالد بن مِهْران غير صاحب الترجمة. والله تعالى أعلم.
٥ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن شهاب التَّمِيميّ الْعَنْبَريّ، أبو بِشْر البصريّ، ثقة [٥].
[ ١ / ٥٤١ ]
رَوَى عن جُندُب البجليّ، وحُمْران بن أبان، وأبي المتوكل الناجيّ، وأبي الصِّدّيق الناجيّ، وأبي سفيان، طلحة بن نافع، وغيرهم.
ورَوى عنه سعيد بن أبي عروبة، ويونس بن عُبيد، وأبو بشر، وخالد الحذّاء، ومنصور بن زاذان، وسلمة بن علقمة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب.
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث وحديث رقم (٤٥٢) (^١): "كنّا نحزُر قيام رسول الله - ﷺ - … " الحديث، وأعاده بعده.
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بالوليد بن مسلم في الكتب الستة اثنان فقط:
١ - صاحب الترجمة هذا.
٢ - والوليد بن مسلم الدمشقيّ الثقة المعروف بتدليس التسوية، وسيأتي في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - برقم (١٤٧) - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (حُمْرَانُ) بن أبان، مولى عثمان بن عفّان، يُكنى أبا يزيد (^٢)، كان من النَّمِر بن قاسط، سُبِي بعين التَّمر، في خلافة أبي بكر - ﵁ - فابتاعه عثمان - ﵁ - من الْمُسَيَّب بن نَجَبَة، فأعتقه، ثقة [٢].
أدرك أبا بكر، وعُمر، وروى عن عثمان، ومعاوية.
ورَوَى عنه أبو وائل، شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صَخْرَة، جامع بن شدّاد، وعروة بن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيميّ، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجليّ، وغيرهم.
قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حُمران من تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم، وأورد ابن عبد البر نسبه إلى النَّمِر بن قاسط في ترجمة هشام بن عروة من "التمهيد"، وقال: إنه ابن عَمِّ صُهَيب بن سِنَان، يَلْتَقِي معه
_________________
(١) أي برقم محمد فؤاد عبد الباقي، لا برقم شرحي، فتنبّه.
(٢) قاله النوويّ في "شرحه" ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٥٤٢ ]
في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حُمران أحد العلماء الْجِلّة، أهل الْوَجَاهة والرأي والشَّرَف، ورَوَينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن الْمسور أن عثمان مَرِضَ، فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطْلِع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمران عبد الرحمن على ذلك، فبَلَغَ عثمانَ، فغضب عليه، فنفاه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة (٧٦)، وابن جرير الطبريّ سنة (٧١).
وقال ابن سعد: نزل البصرة، وادَّعَى وُلْده في النَّمِر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولم أرهم يحتجّون به"، فيه نظر لا يخفى، فقد احتجّ به الشيخان، بل هو مما أجمعوا على الاحتجاج به، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وحَكَى قتادة أنه كان يصلي مع عثمان، فإذا أخطأ فَتَحَ عليه، وحَكَى الليث بن سعد أن عثمان أَسَرَّ إليه سِرًّا، فأَخبَرَ به عبدَ الرحمن بن عوف، فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبره به، فغَضِبَ عليه عثمان ونفاه، وذكره خليفة بن خيّاط في تسمية عُمّال عثمان، فقال: وحاجبه حمران، وقال في موضع آخر: مات بعده سنة (٧٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بحمران في الكتب الستة ثلاثة:
١ - صاحب الترجمة هنا.
٢ - وحمران بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبان، ضعيف، رُمي بالرفض من الطبقة الخامسة، عند ابن ماجه فقط.
٣ - وحمران مولى الْعَبَلات، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ فقط. والله تعالى أعلم.
٧ - (عُثْمَانُ) بن عَفّان بن أبي العاص بن أُمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أمير المؤمنين أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أَرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، عمة
[ ١ / ٥٤٣ ]
رسول الله - ﷺ - وُلد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، أسلم قديمًا، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤئفًا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام مَن يَثِقُ به، فأسلم على يده فيما بلغني: الزبير، وطلحة، وعثمان، وزَوَّجَ النبي - ﷺ - ابنته رُقَتة من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله - ﷺ - بَشّره بالجنة، وعَدّه من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. ورَوَى أبو خيثمة في "فضائل الصحابة" من طريق الضحاك، عن النَّزَّال بن سَبرَة قلنا لعلي: حَدِّثنا عن عثمان، قال: "ذاك امرؤ يُدْعَى في الملأ الأعلى ذا النورين. وجاء من طرُق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان - ﵁ - لَمّا أن حصروه انتشد الصحابةَ في أشياء، منها: تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي - ﷺ - عنه تحت الشجرة لَمّا أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رُومة، وغير ذلك.
وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رُقيّة، وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي - ﷺ - بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبي - ﷺ - كان بعثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه عن عثمان. وقال ابن مسعود لَمّا بويع: بايعنا خيرنا ولم نَأْلُ. وقال علي - ﵁ -: كان عثمان أوصلنا للرحم. وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه، وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب.
وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَنْ حَجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لَيّن العَرِيكة (^١)، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل بمعض أمرائه فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان
_________________
(١) أي: سَلِسَ الْخُلُق.
[ ١ / ٥٤٤ ]
باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فاخذوا الكتاب ورجعوا، وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سَلمْنا كاتبك، فخَشِي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا وحصروه في داره، واجتمع جماعة يَحمُونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوَّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان (^١).
وروى البخاري في قصة قتل عمر - ﵁ - أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلًا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، فاختار عثمان فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّة المحرم، سنة أربع وعشرين. وقال ابن إسحاق قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر. وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حَشّ كَوْكَب، كان عثمان اشتراه، فوسع به البقيع. وقُتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور. وقيل: دون ذلك. وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين (^٢).
روى (١٤٦) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بثمانية، ومسلم بخمسة (^٣). أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ، والوليدُ بن مسلم، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.
(٢) راجع: "الإصابة" ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.
(٣) هكذا عند ابن الجوزيّ في "المنتقى"، والذي في برنامج الحديث أن له في "صحيح مسلم" (٣١) حديثًا، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار وعدمه.
[ ١ / ٥٤٥ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول كوفي، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وهما من صيغ الاتّصال، على ما أوضحته سابقًا.
٥ - (ومنها): أن قوله: "قال أبو بكر: حدّثنا ابن عليّة إلخ" من شدّة احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، حيث يراعي اختلاف ألفاظ الشيوخ، ويؤدّيها كما سمعها منهم، وإن لم يكن اختلافهم مما يؤدّي إلى اختلاف المعنى، فإن ابن عليّة هو إسماعيل بن إبراهيم الذي ذكره به زهير بن حرب، فلما اختلف الشيخان في ذكره باسمه، وكنيته بيّن ذلك كما تحمّله منهما، ولم يقتصر على لفظ أحدهما؛ احتياطًا، وورعًا.
[تنبيه]: عُلَيَّة - بضم العين المهملة، مصغّرًا - اسم أم إسماعيل، وكان يكره أن يقال له: ابن عُليّة، لكن لضرورة اشتهاره بها استعمله العلماء، وقالوا: إنما يُنهى عنه إذا أريد به التنقيص، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأَسَ إِنْ لَمْ يَعِب
ومن لطيف ما نُقل عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في ذلك أنه كَان يقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال له: ابن عُليّة، انظر أيها اللبيب إلى حسن تلطف الإمام الشافعي ﵀ حيث بَرَّأَ نفسه عن وصف شيخه بما يكرهه، لكن لما اضطرَّ إلى ذكره بما يعرفه به الناس أسنده إليهم، فقال: الذي يقال له، فلله در الشافعي رحمه الله تعالى، ما أذكاه، وأحسن أدبه، وهكذا ينبغي للتلميذ أن يُبَجِّلَ شيخه، ويبتعد عما يكرهه، فإن الله تعالى يَجْزِيه بأن يبارك علمه، كما بارك علم الشافعي رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه ربّما اشتبه الوليد بن مسلم بن شهاب العنبريّ، أبو بِشْر البصرفي هذا على من لا عِنَاية له بمعرفة أسماء الرجال وطبقاتهم، بالوليد بن مسلم الأمويّ مولاهم الدمشقيّ أبي العباس، صاحب الأوزاعيّ، ولا يشتبه ذلك على العلماء العارفين بالرجال والطبقات، فإنهما مفترقان في النسب إلى القبيلة، والبلدة، والكنية، كما ذكرنا وفي الطبقة، فإن الأول أقدم طبقة، من الطبقة الخامسة، كما أسلفناه، فهو من التابعين، في طبقة كبار شيوخ الثاني،
[ ١ / ٥٤٦ ]
ويفترقان أيضًا في الشهرة، والعلم، والجلالة، فإن الثاني متميزٌ بذلك كله، قال العلماء: انتهى علمُ الشام إليه، وإلى إسماعيل بن عَيّاش، وكان أجلّ من ابن عيّاش، إلا أنه كان شديد التدليس، والتسوية (^١).
٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد، عن الوليد، عن حمران.
٨ - (ومنها): أن "الْحَذّاء" بالمدّ: لقب لخالد، قال أهل العلم: لم يكن خالدٌ حذّاءً قط، ولكنه كان يَجلس إليهم، فقيل له: الحذّاء لذلك، هذا هو المشهور، وقيل: إنما كان يقول: احْذُوا على هذا النحو، فلُقِّب بالحذّاء.
٩ - (ومنها): أن الصحابيّ - ﵁ - أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة - ﵁ -، ذو المناقب الجمة، كما مرّ آنفًا في ترجمته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمْرَانَ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (عَنْ عُثْمَانَ) بن عفّان - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ") "من" يحتمل أن تكون شرطيّة، وأن تكون موصولة مبتدأ، وجوابها، أو الخبر، قوله: "دخل" (وَهُوَ) الواو وللحال، أي والحال أَنّه (يَعْلَمُ أنهُ) الضمير للشأن، وضمير الشأن هو ضمير غائب يعمل فيه الابتداء، أو أحد نواسخه، وتُفسّره الجملة بعده، ويسمّى ضمير القصّة إذا كان بلفظ مؤنّث، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية" (^٢):
وَمُضْمَرُ الشَّأنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كـ"إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى"
لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
فِي بَابِ "إِنَّ" اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ … كـ"إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ"
وَجَائِزٌ تَأنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
_________________
(١) "شرح مسلم" بزيادة ١/ ٢١٨.
(٢) راجع: "الكافية الشافية" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤ بنسخة الشرح.
[ ١ / ٥٤٧ ]
وَقَبْلَ مَا أَنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأنِيثُهُ كـ"إِنَهَا هِنْدٌ رَشَا"
والجملة المفسّرة هنا هي قوله: (لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ)، أي لا معبود بحق إلا الله ﷾ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال بعض المحقّقين: لا شكّ أن الإقرار باللساق ركن من أركان الإيمان في حقّ القادر عليه، فمن علم أن لا إله إلا الله، ولكنه أبي أن يقرّ بذلك بلسانه مع القدرة على النطق، فليس بمؤمن، فمثل هذا الحديث يجب حمله على العاجز عن النطق؛ لخرس، أو مرض، أو عدم مُهلة. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": حقيقة العلم هي وُضُوح أمر ما، وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شكّ في أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنّة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصّدّيقين، ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك أن لا يدخُل الجنّة، فإن من اعتقد الحقّ، وصدّق به تصديقًا جازمًا لا شكّ فيه ولا ريب دخل الجنّة، كما قدّمناه، وكما دلّ عليه قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "من لَقِي الله، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله غير شاكّ فيهما دخل الجنّة"، وكما قال: "من كان آخر قوله: لا إله إلا الله دخل الجنّة"، فحاصل هذين الحديثين أن من لقي الله تعالى، وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنّة، غير أن هناك فرقًا بين الدرجتين كما بين الحالتين، كما صرّحت به الآيات الواضحات، كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، انتهى (^١).
وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في المسألة الثالثة، والرابعة - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان - ﵁ - هذا مما تفرّد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٩٦ - ١٩٧.
[ ١ / ٥٤٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا ١٠/ ١٤٣ عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل ابن عليّة - و١٠/ ١٤٤ عن محمد بن أبي بكر المقدّميّ، عن بشر بن المفضل - كلاهما عن خالد الحذاء، عن الوليد بن مسلم العنبريّ البصري، عن حُمران، عنه.
و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١١٤) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن غندر - و(١١٣ عن بُندار، عن ابن أبي عديّ - كلاهما عن شعبة، عن خالد الحذّاء به.
و(أحمد) في "مسنده" ١/ ٦٥ (٤٦٤) عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة به، ١/ ٦٩ و(٤٩٨) عن إسماعيل ابن عليّة به، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة به، و(أيو عوانة) في "مستخرجه" (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(ابن خزيمة) في "كتاب التوحيد" ٧١٠ و٧١١ و٧١٢ و٧١٣ و٧١٥ و٧١٦ و٧١٧ و٧١٨ و٧١٩) و(ابن حبان) في "صحيحه" (٢٠١) و(أبو نعيم) في "مستخرجه " (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠ و١١ و١٢) و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": (اعلم): أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات مُوَحّدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالِمًا من المعاصي، كالصغير، والمجنون، والذي اتَّصَل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحة من الشرك، أو غيره من المعاصي إذا لم يُحْدِث معصية بعد توبته، والْمُوفَّق الذي لم يُبْتَلَ بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلًا، لكنهم يَرِدُون على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم - أعاذنا الله منها، ومن سائر المكروه - وأما من كانت له معصيةٌ كبيرة، ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أوّلًا، وجعله كالقسم الأوّل، وان شاء عذّبه القدر الذي يُريده ﷾، ثم يدخله الجنة، فلا يُخَلَّد في
[ ١ / ٥٤٩ ]
النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عَمِلَ، كما أنه لا يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر، ولو عَمِلَ من أعمال البر ما عَمِلَ.
هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحقّ في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع مَن يُعْتَدُّ به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوصٌ تُحَصِّلُ العلم القطعيّ.
فإذا تَقَرَّرت هذه القاعدة، حُمِل عليها جميعُ ما وَرَدَ من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مُخَالَفَةٌ وَجَبَ تأويله عليها " لِيُجْمَعَ بين نصوص الشرع، وسنذكر من تأويل بعضها ما يُعْرَف به تأويل الباقي - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
قد تكلّم العلماء في معنى هذا الحديث، فقد جَمَع القاضي عياض رحمه الله تعالى كلامًا حسنًا، جَمَعَ فيه نفائس، لخّصه النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه"، وزاد عليه، فقال:
قال القاضي رحمه الله تعالى: اختلف الناس فيمن عَصَى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضرّه المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره، ويُكَفَّر بها، وقالت المعتزلة: يُخَلَّد في النار، إذا كانت معصيةً كبيرةً، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسقٌ، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يُغْفَر له، وعُذِّب فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة، قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج، والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: مَحْمِله على أنه غُفِر له، أو أُخرج من النار بالشفاعة، ثم أُدخل الجنة، فيكون معنى قوله - ﷺ -: "دَخَل الجنة"، أي دخلها بعد مُجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله، لِمَا جاء في ظواهرَ كثيرةٍ من عذاب بعض العصاة، فلا بُذ من تأويل هذا؛ لئلا تتناقض نصوص الشريعة.
وفي قوله - ﷺ -: "وهو يَعْلَمُ"، إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٥٥٠ ]
المرجئة: إنّ مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قُيِّد ذلك في حديث آخر بقوله - ﷺ -: "غير شاكّ فيهما"، وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي: وقد يَحتَجّ به أيضًا من يَرَى أن مجرد معرفة القلب نافعة، دون النطق بالشهادتين؛ لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تُنجي من النار دون الأُخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين؛ لآفة بلسانه، أو لم تُمْهِله لمدة ليقولها، بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد وَرَدَ مُفَسَّرًا في الحديث الآخر: "من قال: لا إله إلا الله"، و"من شَهِد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"، وزاد في الحديث الآخر: "مستيقنًا بها قلبه"، وفي الآخر: "صادقًا من قلبه"، وفي الآخر: "غير شاكّ فيهما".
وقد جاء هذا الحديث، وأمثلة له كثيرة، في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلافٌ، وللناس فيها خبط كثيرٌ، وعن السلف خلاف مأثورٌ.
فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية معاذ - ﵁ - عنه - ﷺ -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة" (^١)، وفي رواية عنه قال - ﷺ -: "من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة"، وعنه - ﷺ -: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا حرمه الله على النار"، وكلها أحاديث صحيحة.
ونحوه في حديث عبادة بن الصامت، وعِتبان بن مالك، وزاد في حديث عبادة: "على ما كان من عَمَل"، وفي حديث أبي هريرة: "لا يلقى الله تعالى بهما عبدٌ غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة"، وفي حديث آخر: "فيُحجب عن الجنّة".
وفي حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء - ﵄ -: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنّة، وإن زنى، وإن سرق".
وفي حديث أنس - ﵁ - "حَرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١١٦)، وصححه الحاكم في "المستدرك ١/ ٥٠٠، ووافقه الذهبيّ.
[ ١ / ٥٥١ ]
يبتغي بذلك وجه الله". وهذه الأحاديث كلُّها سردها مسلم رحمه الله تعالى في كتابه.
فَحُكِيَ عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مُجْمَلةٌ تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصريّ، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاريّ.
وهذه التأويلات إنما هي إذا حُمِلت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِّلت منازلها، فلا يُشكِل تأويلها على ما بينه المحققون.
فنقر أوّلًا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم، من السلف الصالح، وأهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين، أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان، وتشهَّد مُخْلِصًا من قلبه بالشهادتين، فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا، أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة ربه، وحُرِّم على النار بالجملة، فإن حَمَلْنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بَيِّنًا، وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاريّ، وإن كان هذا من الْمُخَلِّطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه، أو بفعل ما حُرِّم عليه، فهو في المشيئة، لا يُقْطَع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة لأول وَهْلَة، بل يُقْطَع بأنه لا بُدّ من دخوله الجنة آخرًا، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله تعالى عَذَّبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله.
ويُمكِن أن تَسْتَقِلّ الأحاديث بنفسها، وُيجمَع بينها، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل مُوَحِّد، إما مُعَجَّلًا مُعَافًى، وإما مُؤَخَّرًا بعد عقابه.
والمراد بتحريم النار الخلود، خلافًا للخوارج والمعتزلة في المسألتين.
ويجوز في حديث: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة"، أن يكون مخصوصًا بمن كان هذا آخر نطقه، وخاتمة لفظه، وإن كان قبل مُخَلِّطًا، فيكون سببًا لرحمة الله تعالى إيّاه، ونجاته رأسًا من النار، وتحريمه عليها، بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلِّطين.
[ ١ / ٥٥٢ ]
وكذلك ما وَرَدَ في حديث عبادة - ﵁ - من مثل هذا، ودخوله من أيّ أبواب الجَنَّة شاء يكون مخصوصًا بمن قال ما ذكره النبيُّ - ﷺ -، وقُرِنَ بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يُرَجِّح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة، ودخول الجَنَّة لأول وَهْلَةٍ - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بمراد نبيّه - ﷺ - (^١). قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو في نهاية الحسن، وأما ما حكاه عن ابن المسيِّب وغيره فضعيف باطل، وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة - ﵁ -، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مُسْتَقِرَّةً، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الإحكام قد تقرر فرضها، وكذا الحج على قول من قال فُرِض سنة خمس أو ست، وهما أرجح من قول من قال سنة تسع. والله تعالى أعلم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلًا آخر في الظواهر الواردة بدخول الجَنَّة بمجرد الشهادة، فقال: يجوز أن يكون ذلك اقتصارًا من بعض الرواة، نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من رسول الله - ﷺ -، بدلالة مجيئه تامًّا في رواية غيره، وقد تقدم نحو هذا التأويل، قال: ويجوز أن يكون اختصارًا من رسول الله - ﷺ - فيما خاطب به الكفارَ، عبدةَ الأوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام، ومستلزمًا له، والكافر إذا كان لا يُقِرّ بالوحدانية، كالوثنيّ والثنويّ، فقال: لا إله إلَّا الله، وحاله الحال التي حكيناها حُكِم بإسلامه، ولا نقول - والحالة هذه -: ما قاله بعض أصحابنا، من أن من قال: لا إله إلَّا الله يحكم بإسلامه، يُجْبَر على قبول سائر الإحكام، فإن حاصله راجع إلى أنه يُجْبَر حينئذ على إتمام الإسلام، ويجعل حكمه حكم المرتد إن لَمْ يفعل، من غير أن يُحْكَم بإسلامه بذلك في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة، ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٢٢٢ - ٢٢٧.
[ ١ / ٥٥٣ ]
تحقيقٌ مفيدٌ، وقد تقدّم هذا البحث، مُسْتَوْفًى في المسائل التي ذكرتها في شرح حديث جبريل، فراجعها تُشْفَ غُلَّتك، وتَنَلْ بُغْيَتَكْ، وبالله تعالى التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف أول الكتاب قال رحمه الله تعالى:
[١٤٤] (٢٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مِثْلَهُ، سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: ستة أيضًا، وقد تقدّموا سوى اثنين:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) - بفتح الدال المشدّدة - هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن عمه عمر بن عليّ المقَدَّميّ، ويزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعباد بن عباد، ومعتمر بن سليمان، وأبي عوانة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى البخاريّ عن أحمد غير منسوب عنه، ورَوَى النسائيّ عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي عاصم، وإبراهيم بن هاشم الْبَغَويّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وإبراهيم بن محمد بن نائلة، وعبد الله بن أحمد، ويوسف بن يعقوب القاضي، وهو راويته، وأبو يعلى أحمد بن علي بن الْمُثَنَّى الموصليّ، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أَكْتُبُ عنه أحاديث أبيه؟ قال: اكتب، وقال أيضًا عن يحيى: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محلُّه الصدق.
قال البخاري وغير واحد: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، زاد بعضهم: في أول السنة، وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة.
تفرَّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.
[ ١ / ٥٥٤ ]
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ - بقاف، ومعجمة - أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨].
رَوَى عن حميد الطويل، وأبي رَيْحَانة، ومحمد بن المنكدر، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وسُهيل بن أبي صالح، وعاصم بن كُليب، وعبيد الله بن عُمر العمريّ، وعبد الرَّحمن بن إسحاق، وعُمَارة بن غَزِيّة. وعن أبيه المفضل بن لاحق، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، ومسدد، وأبو أسامة، وأبو الوليد، وخليفة بن خياط، وبشر بن معاذ الْعَقَديّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحامد بن عُمر البكراويّ، ومحمد بن هشام بن أبي خَيْرة السَّدُوسيّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعَدَّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وقال عليّ بن المدينيّ: كان بشر يصلي كلّ يوم أربعمائة ركعة، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، وذُكِرَ عنده إنسان من الجهمية، فقال: لا تذكروا ذاك الكافر، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة فقيه البدن، ثبت في الحديث، حسن الحديث، صاحب سنة، وقال البزار: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث عثمانيًّا، تُوُفّي سنة (١٨٦)، وقال أحمد بن حنبل: دخلت البصرة في رجب سنة (١٨٦)، واعْتُقِل لسان بشر بن المفضل قبل أن نخرُج، ومات سنة (١٨٧)، وأرَّخه ابن حبان في "الثقات" في ربيع الأول منها.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا.
وقوله: (مثله) يعني أن حديث بشر المفضل مثل رواية إسماعيل بن عُليَّة.
وقوله: (سواءً) منصوب على الحال، أي حال كون الحديثين متساويين في اللفظ والمعنى، وإنما الاختلاف في أول الحديث، فإن ابن عليّة رواه بالعنعنة في كلّ من الوليد، وحمران، وأن عثمان قال: "قال رسول الله - ﷺ -"، ورواه بشر بتصريحهما بالسماع، وبقول عثمان: سمعتُ رسول الله - ﷺ -.
[تنبيه]: رواية بشر هذه ساقها الحافظ ابن منده: - ﵀ - في "كتاب الإيمان"، فقال:
٣٣ - أنبأ علي بن الحسين بن عليّ، ثنا أبو حاتم الرازيّ ثنا مُسَدَّدٌ (ح)
[ ١ / ٥٥٥ ]
وأنبأ يحيى بن عبد الله بن الحارث، ثنا أحمد بن عليّ بن سعيد، ثنا الْقَوَاريريّ، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذّاء، عن الوليد أبي بشر، قال: سمعت حُمْران يقول: سمعت عثمان يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من مات، وهو يعلم أن لا إله إلَّا الله، دخل الجَنَّة"، انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٥] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضرِ بْنِ أَبِي النَّضْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْم، "قالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْم، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّه، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِه، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ، وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا، حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب إلى جدّه، واسمه كنيته، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: محمد، ثقة [١١١] (ت ٢٤٥) (م، س) ٥/ ٣٦.
٢ - (أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبت [٩] (ت ٢٠٧) (ع) ٥/ ٣٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عُبيد الرَّحمن، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩].
_________________
(١) "كتاب الإيمان" لابن منده ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٥٥٦ ]
رَوَى عن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، ومالك بن مِغْوَل، وشعبة، والثوريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: أبو عبيدة، وعباد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدم، وابن المبارك، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم.
قال الأشجعيّ: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث، وقال ابن سعد: رَوَى كُتُب الثوريّ على وجهها، ورَوَى عنه "الجامع"، وكان من أهل الكوفة، وقَدِمَ بغداد، فمات بها، وقال قبيصة: لَمّا مات الثوريّ أرادوا الأشجعي على أن يقعُد مكانه فأبي، وقال أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوريّ، فقال: يحيي، وعبد الرَّحمن، ووكيع، ثم الأشجعيّ، وقال أبو داود، عن أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صح حديثه، وقال ابن مُحْرِز، عن ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعيّ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقةً ثبتًا متقنًا عالِمًا بحديث الثوريّ، رجلًا صالحًا، أرفع مَن رَوَى عن سفيان، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوريّ، إذا أخرج كتابه، وقال ابن سعد: أشجعي، من أنفسهم، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة في أولها.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
[تنبيه]: "عبيد الله بن عبيد الرَّحمن" مصغّر الاسمين، في وقع في بعض نسخ "التقريب" مكبّر الاسم الثاني، فمن أخطاء المطابع، وهو منفرد بهذا الاسم، فلا يوجد في الكتب الستّة له فيه مشارك. والله تعالى أعلم.
٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الواو - ابن عاصم بن غَزِيّة بن حُرْثة بن جُريج بن بَجِيلة البجلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من كبار [٧].
[ ١ / ٥٥٧ ]
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعون بن أبي جحيفة، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، والزبير بن عَدِيّ، ومحمد بن سُوقة، والوليد بن العيزار، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق شيخه، وشعبة، ومِسْعَر، والثوري، وزائدة، وابن عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ثبت في الحديث. وقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال أبو نعيم: ثنا مالك بن مِغْول، وكان ثقة. وقال العجلي: رجل صالح مُبَرّزٌ في الفضل. وقال الطبراني: من خيار المسلمين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فوضع خده بالأرض. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، فاضلًا خيرًا. وقال البخاري: قال عبد الله بن سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: إذا رأيت الكوفي يذكر مالك بن مغول بخير، فاطمأن إليه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الكوفة، ومتقنيهم.
قال عمرو بن علي: مات سنة سبع. وقال ابن سعد: سنة ثمان. وقال أبو نعيم وغيره: سنة تسع وخمسين ومائة، وفيها أرَّخه مُطّيِّن، وزاد: في ذي الحجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
[تنبيه]: "مالك بن مغول" لا مشارك له في هذا الاسم، والله تعالى أعلم.
٥ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بن عمرو بن كعب بن جخدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الْهَمْدانيّ الياميّ - بالتحتانيّة - أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ قارئٌ فاضلٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وعبد الله بن أبي أوفي، وخَيْثمة بن عبد الرَّحمن، وزيد بن وهب، وأبي صالح السَّمَّان، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
[ ١ / ٥٥٨ ]
وروى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وهو أكبر منه، وإسماعيل بن أبي خالد، وزُبيد بن الحارث الياميّ، والأعمش، وهم من أقرانه، وابنه محمد، ومالك بن مِغْوَل، وغيرهم.
قال ابن معين وأبو حاتم: والعجليّ ثقة، وقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش يُثني على أحد أدركه إلَّا على طلحة بن مُصَرِّف، قال ابن إدريس: كانوا يُسَمُّونه سيد القراء، وقال العجليّ: كان عثمانيًّا، وكان من أقرإ أهل الكوفة، وخيارهم: قال: واجتمع القراء في منزل الحكم بن عتيبة، فاجتمعوا على أن طلحة أقرأ أهل الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه؛ لِيَذْهَب ذلك الاسم عنه، وقال عبد الملك بن أبجر: ما رأيت مثله، وما رأيته في قوم إلَّا رأيت له الفضل عليهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قيل لابن معين: سمع طلحة من أنس؟ فقال: لا، وسمعت أبي يقول: طلحة أدرك أنسًا، وما ثبت له سماع منه.
قال أبو نعيم، وعمرو بن عليّ، وابن سعد، وغيرهم: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال يحيى بن بكرٍ، وابنُ نُمَير: مات سنة (١٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٢٧) و(١٧٣) و٩٩٦) و١٠٧١) وأعاده بعده، و(١٦٣٤) و(١٦٣٧).
[تنبيه]: "طلحة بن مصرّف" لا مشارك له في هذا الاسم، وهو بضم الميم، وفتح الصاد المهملة، وكسر الراء، هذا هو المشهور المعروف في كتب المحدِّثين، وأصحاب الْمُؤتَلِف، وأصحاب أسماء الرجال وغيرهم.
وقال النوويّ في "شرحه": وحَكَى الإمام أبو عبد الله القلعيّ الفقيه الشافعيّ في كتابه "ألفاظ الْمُهَذب" أنه يُرْوَى بكسر الراء وفتحها، وهذا الذي حكاه من رواية الفتح غريب منكر، ولا أظنه يصح، وأخاف أن يكون قَلَّد فيه بعض الفقهاء، أو بعض النُّسَخ، أو نحو ذلك، وهذا كثيرٌ، يوجد مثله في كتب الفقه، وفي الكتب المصنفة في شرح ألفاظها، فيقع فيها تصحيفات، ونقولٌ غريبةٌ، لا تُعْرَف، وأكثر هذه الغريبة أغاليط؛ لكون الناقلين لها لَمْ يَتَحَرَّوا
[ ١ / ٥٥٩ ]
فيها. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (^١).
٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) ١/ ٤.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - ١/ ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث بالإفراد مرتين، وبالجمع مرّة، والعنعنة في الباقي، وكلّها من صيغ الاتّصال على ما قدّمنا تفصيله.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، والنسائيّ، وغير عبيد الله الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من عبيد الله الأسجعيّ، وشيخه، ووالده بغداديّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدِّه: أبو بكر، عن أبي النضر، وتابعيّ عن تابعيّ: طلحة عن أبي صالح، وصحابيّه رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كنّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَسِيرٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الْمَسِير": السير، يريد به السفر. انتهى.
وفي رواية الأعمش الآتية: "لَمّا كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة … "، فتبين بها أن ذلك المسير كان في غزوة تبوك.
(قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَنَفِدَتْ) أي فنيت، وفرغت، يقال: نَفِدَ - بكسر الفاء - يَنْفَدُ - بفتحها، من باب تَعِبَ، نَفَادًا: فَنِيَ، وانقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أنفدته: إذا أفنيته، قاله في "المصباح" (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ١١/ ٢٢٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٦ بزيادة.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وقال في "القاموس" نَفِدَ كَسَمِعَ نَفَادًا، ونَفَدًا: فَنِيَ وذهبَ، وأنفده: أفناه، كاستنفده، وانتفده، ونَفِدَ القومُ: فَنِي زادُهُم، وما لُهُم. انتهى (^١).
(أَزْوَادُ الْقَوْمِ) بالرفع على الفاعليّة، و"الأَزْوَادُ" بالفتح: جمع زاب، وهو طعامُ المسافر المتّخذ لسفره (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (حَتَّى هَمَّ) الظاهر أن الضمير للنبيِّ - ﷺ -، وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبيّ في "المفهم"، ويكون المعنى حتى هَمَّ النبيّ - ﷺ - أن يأمرهم بنحر بعض حمائلهم؛ ليستعينوا بذلك على دفع الجوع، ويحتمل أن يكون الضمير للقوم باعتبار أن لفظه مفرد، ويؤيّد هذا قوله في الرواية التالية: "قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كان هذا الهمّ من النبيّ - ﷺ - بحكم النظر المصلحيّ، لا بالوحي، إلا ترى كيف عَرَض عمر بن الخطاب - ﵁ - عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبيّ - ﷺ - رُجحانها، فوافقه عليها، وعمل بها (^٢).
(بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ) يعني ما يَحمل أثقالهم، واحدتها حَمُولةٌ - بفتح الحاء - ومنه قوله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وهي الإبل التي تُحمَل عليها الأثقال، وتُسمّى رواحل؛ لأنَّها يُرحل عليها، وتُسمّى نواضح إذا استُقي عليها، والبعير ناضح، والناقة ناضحة، قاله أبو عبيد (^٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله "حمائلهم": رُوِيَ بالحاء المهملة، وبالجيم، وقد نَقَلَ جماعة من الشُّرّاح الوجهين، لكن اختلفوا في الراجح منهما، فممن نَقَلَ الوجهين صاحب "التحرير"، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما، واختار صاحب "التحرير" الجيم، وجزم القاضي عياض بالحاء، ولم يذكر غيرها، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وكلاهما صحيح، فهو بالحاء جمع حَمُولة - بفتح الحاء - وهي الإبل التي تُحْمَلُ، وبالجيم جمع جِمَالة - بكسرها - جمع جَمَل، ونظيره حَجَرٌ وحِجَارة، والجمل هو الذكر، دون الناقة. هكذا نقله النوويّ (^٤).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٢٩١.
(٢) "المفهم" ١/ ١٩٨.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣١ و"المفهم" ١/ ١٩٧.
(٤) "شرح مسلم" ١/ ٢٢٣.
[ ١ / ٥٦١ ]
وعبارة ابن الصلاح: قوله: "همّ بنحر بعض حمائلهم" هو في الأصل الذي هو بخطّ الحافظ أبي عامر الْعَبدريّ، وفي أصل أبي القاسم الدمشقيّ: "حمائلهم" بالحاء المهملة محقَّقًا، ولم يذكر القاضي عياض غير هذا، وفي الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ بالجيم، والحاء، مكتوبًا عليه "مَعًا"، وهو بالجيم (^١) في "تخريج أبي نعيم الحافظ على كتاب مسلم" في أصل مُعتَمَد مسموع عليه، وفي حاشيته: "الْجَمائل": جمع الْجِمالة، وهي التي لا إناث لها.
قال: وكلاهما له وجه صحيح، أما بالحاء فهو جمع "حَمُولة" بفتح الحاء، وهي الإبل التي تحمل، وعند أبي الْهَيْثَم اللغويّ: لا يقال في غير الإبل: حَمُولةٌ، وأما بالجيم، فهو: جمع جِمَالَة، بكسر الجيم، جمع جَمَل، ونظيره حجرٌ وحِجَارةٌ، والجَمَلُ هو الذكر دون الناقة، فيما حكاه الأزهريّ عن الفرّاء وغيره. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (^٢).
وقال ابن الأثير: "الجمائل" جمع جَمَلَ، وقيل: جمع جِمَالَة، وجِمَالَةٌ جمع جَمَل، كرِسَالة ورَسَائل، وهو الأشبه. انتهى (^٣).
وقال في "المصباح": الْجَمَل من الإبل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمَّى بذلك إلَّا إذا بَزَلَ، وجمعه جِمالٌ، وأَجْمالٌ، وأَجْمُلٌ، وجِمَالَةٌ بالهاء، وجمع الجِمَال جِمالات. انتهى.
فأفاد أن الجمالة بالهاء جمع جَمَلٍ، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَقَالَ عُمَرُ) أي بعد أن أذن لهم النبيّ - ﷺ - في أن ينحروا بعض حمائلهم (يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ) "لو" هنا للعرض، نحو قولك: لو تَنْزِل عندنا، فتصيبَ خيرًا، ويحتمل أن تكون للتمنّي، كقولك: لو تأتيني، فتحدِّثَني، أي أتمنّى ذلك، ويحتمل أن تكون للشرط، ويقدَّر جوابها "لكان خيرًا".
_________________
(١) الذي في "مستخرج أبي نعيم" ١/ ١٢٠ في النسخة المطبوعة: "حمائلهم" بالحاء المهملة، لا بالجيم، فليُحرَّر.
(٢) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) "النهاية" ١/ ٢٩٨.
[ ١ / ٥٦٢ ]
وفي الرواية التالية: "فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلتَ قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم … " (مَا بَقِيَ) "ما" اسم موصول مفعول "جَمَعتَ"، و"بَقِي" بكسر القاف، وفتحها، والكسر لغة أكثر العرب، وبها جاء القرآن المكريم، والفتح لغة طيّء، فإنهم يُبدلون الكسرة فتحةً، فتنقلب الياء ألفًا، فيصير "بَقَا"، وكذلك يفعلون في كلّ فعل ثلاثيّ، سواء كانت الكسرة والياء أصليّتين، نحوُ "بَقِي"، و"نَسِيَ"، و"فَنِيَ"، أو كان ذلك عارضًا، كما لو بُني الفعل للمفعول، فيقولون في "هُدِيَ زيدٌ"، و"بُنِيَ البيتُ": هُدَى زيدٌ، وبُنَا البيتُ. قاله الفيّوميّ (^١).
(مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ) بيان لـ "ما بقي" (فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا) أي على الأزواد (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَفَعَلَ) أي فعل النبيّ - ﷺ - ما أشار عليه عمر - ﵁ - من جمع أزواد القوم (قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ) "البُرّ" بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء: الْقَمْحُ، والواحدة: بُرّةٌ (^٢) (وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ) "التمر" بفتح، فسكون يذكّر ويؤنّث، فيقال: هو التمر، وهى التمر، وهو من ثمر النخل، كالزبيب من الْعِنَب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد أرطابه حتى يَجِفَّ، أو يقارب، ثم يُقطَع، ويُترك في الشمس حتى ييبَس، قال أبو حاتم السجستانيّ: وربما جُدّت النخل، وهي باسرة بعد ما أَخَلَّت (^٣)؛ ليُخفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترَكُ حتى تكون تمرًا، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ (^٤).
وقوله: (قَالَ) الضمير لطلحة بن مُصَرِّف، كما قاله الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) يعني أن مجاهدًا زاد في روايته لهذا الحديث قوله: "وذو النواة بنواه"، ولم أجد رواية مجاهد هذه.
وقوله: (وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٥٨.
(٢) "المصباح" ص ١٤٣.
(٣) أي صارت بلحًا، وهو ثمر النخل ما دام أخضر قريبًا إلى الاستدارة إلى أن يغلظ النوى، وأهل البصرة يسمونه الخَلَالَ.
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ٥٦٣ ]
هو في أصولنا وغيرها، الأول "النواة" بهاء التأنيث، والثاني بحذفها، فذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن صوابه حذف تاء التأنيث في الموضعين، كما قال: "ذو التمر بتمره"، قال ابن الصلاح: وجدته في كتاب أبي نعيم "المخرج على صحيح مسلم": "ذو النوى بنواه"، بلا هاء في الكلمتين، قال: والواقع في "كتاب مسلم" له عندي وجه صحيح، وهو أن تُجعل "النواة" عبارة عن جملة من النوي، أُفْرِدت عن غيرها، فتُسمّى الجملة المفردة الواحدة باسم النواة الواحدة، كما أُطلق اسم الكلمة على القصيدة، أو تكون النواة من قبيل ما يُسْتَعمَل في الواحد والجمع بلفظ واحد من الأسماء التي فيها علامة التأنيث، نحو: الْحَنْوة، وهي نبتٌ طيّب الريح على مثال الْعَنْوَة. انتهى (^١).
(قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو طلحة، كسابقه (وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟) أي: أيَّ شيء يستفيدون بإحضارهم النوى (قَالَ: كَانُوا يَمَصُّونَهُ) - بفتح الميم - هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، ويقال: مَصِصْتُ الرُّمَّانة والتمر، وشبههما - بكسر الصاد - أَمَصُّهَا - بفتح الميم - وحَكَى الأزهريّ عن بعض العرب ضم الميم، وحَكَى أبو عُمَر الزاهد في "شرح الفصيح" عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ هاتين اللغتين: مَصِصْتُ - بكسر الصاد - أَمَصُّ - بفتح الميم - ومَصَصْتُ - بفتح الصاد - أَمُصُّ - بضم الميم - مَصًّا فيهما، فأنا مَاصٌّ، وهي مَمْصُوصَةٌ.
وإذا أمرتَ منهما قلتَ: مَصَّ الرُّمّانةَ، ومَصِّهَا، ومُصَّهَا، ومُصِّهَا، ومُصُّهَا، فهذه خمس لغات في الأمر: فتح الميم مع الصاد، ومع كسرها، وضمّ الميم، مع فتح الصاد، ومع كسرها، وضمها، هذا كلام ثعلب، والفصيح المعروف في مُصّها ونحوه، مما يَتَّصِل به "ها" التأنيثِ لمؤنثٍ أنه يتعين فتح ما يلي الهاء، ولا يكسر، ولا يضم. قاله النوويّ في "شرحه" (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كذا الذي ذكره النَّوويّ هنا في الأمر من "مصّ"، من المسائل المهمة جدًّا، فينبغي أن نحقّقه بالتفصيل، فنقول:
(اعلم): أنه إذا اتّصل بآخر الفعل المدغم من المجزوم وشبهه ضمير الغائبة وجب فتحه، كرُدَّهَا، ولم يَرُدّهَا، أو ضمير الغائب وجب ضمّه، كرُدُّهُ،
_________________
(١) "الصيانة" ص ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ١ / ٥٦٤ ]
ولم يَرُدُّهُ؛ لأن الهاء خفيَّة، فلم يُعتدّ بها، فكأنّ الدال قد وليَهَا الألف والواو، وحَكَى ثعلبٌ التثليث قبل هاء الغائب، وغُلِّط في جواز الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لُغيّةٌ، سَمِعَ الأخفشُ مُدِّه، وغُطِّه، وحكى الكوفيّون التثليث قبل كلّ منهما.
وإذا اتْصل بآخر الفعل ساكنٌ، فأكثرهم يكسره، كرُدّ القوم بالكسر؛ لأنَّها حركة لالتقاء الساكنين، وبنو أسد تفتحه؛ تخفيفًا، وحَكَى ابن جني ضمَّهُ؛ إتباعًا، وقد رُوي بهنّ قول جرير [من الوافر]:
فَغُضُّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ … فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا
نعم الضمّ قليلٌ، ولذا أنكره في "التسهيل".
وإن لم يتّصل الفعل بشيء من ذلك، ففيه ثلاث لغات: الفتح؛ للخفّة مطلقًا، أي سواء كان مضموم الفاء، كرُدُّ، أو مكسورها، كفِرَّ، أو مفتوحها، كعَضَّ، وهو لغة أسد وغيرهم، والكسر مطلقًا، على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وهو لغة كعب، والإتباع لحركة الفاء، كرُدُّ بالضمّ، وفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في كلامهم. ذكره الخضريّ في "حاشيته" (^١).
وقد نظم بعضهم هذه القاعدة، فقال:
إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَـ "لَا تَضُرِّ أَحَدَا"
فَاكْسِرْهُ مُطْلَقًا لِقَوْمٍ وَافْتَحَا … لآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الْفُصَحَا
مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ يَلْقَى ساكِنَا … يَأتُونَ بِالْكَسْرِ كَـ "سُرِّ الْحَزَنَا"
ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أَنْ يُتْبَعَ مَا … يَلِي فَإِثْرَ ضَمِّهِ لَهُ اضْمُمَا
وَافْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أَوْ أَلِفِ … وَبَعْدَ كَسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي
إِلَّا بِنَحْوِ "مُسُّهُ" وَ"فِرُّهُ" … فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَـ "لَا تُمِرُّهُ"
وَنَحْوَ "رُدَّهَا" وَ"حُبَّهَا" افْتَحَا … لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ وَضَحَا
وَنَحْوَ "غُضِّ الطَّرْفَ" "عَضِّ اللَّحْمَا" … فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابْغِ الْعِلْمَا (^٢)
(وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) يعني: أنهم، وإن لَمْ ينتفعوا بأكله، إلَّا أنه إذا
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ٢/ ٣٢٩.
(٢) راجع: "الفتح الودوديّ في حاشية المكوديّ" ٢/ ٨٣٩.
[ ١ / ٥٦٥ ]
مُصّ جلب العطش، فشربوا الماء، وتقوَّوا بذلك (قَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي هريرة - ﵁ - (فَدَعَا عَلَيْهَا) أي دعا رسول الله - ﷺ - على ما أتوا به من بقيّة الأزواد (حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ) غاية لمحذوف، أي فأمرهم بالأخذ منها، فأخذوا حتى ملؤوا أزودتهم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا الرواية - "أزودتهم" - وصوابه مزاودهم، فإنها هي التي تُمْلأُ بالأزودة، وهي جمع زاد، فسمّي المزاد أزودةً باسمها؛ لأنَّها تُجعل فيها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبّر عنها في الرواية الأخرى بالأوعية. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "أزودتهم" كذا الرواية فيه في جميع أصول شيوخنا، و"الأزودة" غير الأوعية، كما قال في الحديث الآخر: "أوعيتهم"، ولعلّه "مَزَاودهم"، أو سمّى الأوعية بما فيها، كما سُمِّيت الأسقية "رَوَايَا" بحامليها، وإنما الرَّوَايَا الإبلُ التي تحملها، وسُمّيت النساء ظعائن باسم الهودج التي حُمِلت فيها. انتهى (^٢).
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "الأَزْوِدَة: جمع زاد، وهي لا تُمْلأُ، إنما تُمْلأُ بها أوعيتُهَا، قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهل القرية، وبلغنا عن ابن جني أن في القرآن العظيم زُهاء ألف موضع فيه حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه، أو يكون ذلك من قبيل المقلوب الذي من أمثلته قول الشاعر [من الكامل]:
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ كَمَا … كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وليس هذا مخصوصًا بضرورة الشعر، كما زعم ابن قتيبة، بل من عادات العرب قلبهم الكلام عند اتّضاح المعنى توسّعًا في فُنون المخاطبات، ومما ذكروا من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: بلغت الكبر.
_________________
(١) "المفهم ١١/ ١٩٨.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ١ / ٥٦٦ ]
قال: فاعلم ذلك، فإنه حرف مشكلٌ، لَمْ أرهم شرحوه إلَّا ما كان من القاضي عياض، فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سَمَّى الأوعية بما فيها، كما سُمّيت الأسقية رَوَايَا بحاملها، وإنما الروايا الإبل التي تحملها، وسُمِّيت النساء ظعائن باسم الْهَوَادج التي حُمِلت فيها، وما قاله غير مسلَّم، وتسمية رَوَايَا من توليد العامّة، والأمر في الظعائن على العكس مما ذكره، فإن صفة الظَّعْن للنساء بالأصالة. انتهى كلام ابن الصلاح (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب ابن الصلاح على القاضي عياض فيه نظر لا يخفي، فإن ما قاله قد أثبته أهل اللغة، فراجع "القاموس"، و"شرحه"، و"لسان العرب".
والحاصل أن تأويل القاضي ليس ببعيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَقَالَ) - ﷺ - (عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقيّة الأزواد ("أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بكلمتي الشهادة المذكورتين (عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا) بنصب "غير" على الحال (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ").
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من لَقِي الله تعالى، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله دخل الجَنَّة، ولا يدخل النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يَتُبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعيّ أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة يَقْبِضُهَا الله تعالى التي وردت في الحديث الصحيح كما سيأتي في أحاديث الشفاعة - إن شاء الله تعالى - أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره، فيتعيّن تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان:
[أحدهما]: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٨٠ - ١٨١.
[ ١ / ٥٦٧ ]
أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يَغفِر له؛ ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا على مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا للمبتدعة المانعين تفضّل الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردود بالأدلّة العقليّة والنقليّة.
[وثانيهما]: أنهم لا يُحجبون عن الجنّة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته الأخبار بخلود كلّ من دخل الجَنَّة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها. انتهى (^١).
وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى (^٢).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا (١٠/ ١٤٥) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر عن أبي النضر، عن عُبيد الله الأشجعيّ، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف، عن أبي صالح، عنه.
وفي (١٠/ ١٤٦) عن سهل بن عثمان، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد (شكّ الأعمش).
(والنسائيّ) في "السير" من "الكبرى" (٨٧٩٤) عن أبي بكر بن أبي النضر به، (ح) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن عبد الله، عن عبد العزيز، عن سهيل بن أبي صالح - (ح) عن أحمد بن سليمان، عن قتادة بن الفُضَيل، عن الأعمش - كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) أي عن البخاريّ رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٥٦٨ ]
و(٨٧٩٥) عن موسى بن عبد الرَّحمن الْمَسروقيّ، عن أبي أسامة، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة، عن أبي صالح: "بينما النبيّ - ﷺ - … "، فذكره مرسلًا، ولم يذكر أبا هريرة - ﵁ -. و(أحمد) ٢/ ٤٢١ و٣/ ١١، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١ و١٣٢) و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣ و١٤ و١٥ و١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان استدراك الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على إسناد هذا الحديث.
(اعلم): أن هذا الإسناد، والإسناد الذي بعده مما استدركه الدارقطنيّ رحمه الله تعالى، وعَلَّله:
فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عُبيدَ الله الأشجعيّ فرووه عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا.
وأما الثاني فعلله؛ لكونه اختُلِف فيه عن الأعمش، فقيل فيه أيضًا عنه عن أبي صالح، عن جابر، وكان الأعمش يَشُكّ فيه.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاريّ ومسلم قَدْحٌ في أسانيدهما غير مُخْرِج لمتون الأحاديث من حَيِّز الصحة، وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الحافظ فيما أجاب الدارقطنيّ عن استدراكاته على مسلم رحمه الله تعالى أن الأشجعيّ ثقة مُجَوِّد، فإذا جَوَّدَ ما قَصَّر فيه غيره حُكِمَ له به، ومع ذلك فالحديث له أصلٌ ثابتٌ عن رسول الله - ﷺ - برواية الأعمش له مُسنَدًا، وبرواية يزيد بن أبي عُبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة - ﵁ -.
قال الشيخ: رواه البخاريّ، عن سلمة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -.
وأما شَكُّ الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث، فإنه شَكٌّ في عين الصحابيّ الراوي له، وذلك غير قادح؛ لأن الصحابة - ﵃ - كلهم عدولٌ. انتهى كلامُ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى (^١).
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٧٦ - ١٧٨.
[ ١ / ٥٦٩ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى - بعد ذكر كلام ابن الصلاح -: وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما، أمّا الأول، فلأنا قدّمنا في الفصول السابقة أن الحديث الذي رواه بعض الثقات موصولًا، وبعضهم مرسلًا، فالصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحققون من المحدثين، أن الحكم لرواية الوصل، سواء كان راويها أقلّ عددًا من رواية الإرسال، أو مساويًا؛ لأنَّها زيادة ثقة، فهذا موجودٌ هنا، وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ جَوَّد، وحَفِظَ ما قَصَّر فيه غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن الحكم للوصل مطلقًا، ليس مذهب المحقّقين من أهل الحديث، فإنهم إنما يحكمون على ما يظهر لهم من القرائن، فربّما حكموا للوصل، وربّما حكموا للإرسال، فليست المسألة تدخل تحت ضابط كليّ، بل لهم في كلّ سند دراسة خاصّة، كما أسلفنا تحقيق ذلك فيما سبق من "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد (^١)، والله تعالى وليّ التوفيق.
وأما الثاني فلأنهم قالوا: إذا قال الراوي: حَدَّثَني فلان أو فلان، وهما ثقتان احتُجَّ به بلا خلاف، لأن المقصود الرواية عن ثقة مُسَمَّي، وقد حَصلَ، وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغداديّ في "الكفاية"، وذكرها غيره، وهذا في غير الصحابة، ففي الصحابة أولى؛ فإنهم كُلَّهم عُدُولٌ، فلا غَرَضَ في تعيين الرواي منهم. انتهى (^٢).
وإلى القاعدة أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَمَنْ يَقُلْ "أَخْبَرَنِي فُلَانٌ اوْ … هَذَا "لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا
فَإِنْ يَقُلْ "أَوْ غَيْرُهُ" أَوْ يُجْهَلِ … بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا لَا تَقْبَلِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعًا، وهذا هو الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده في هذا المحلّ.
_________________
(١) راجع: "شرح المقدّمة" ١/ ٣٦٢ - ٣٦٦.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٢٢.
[ ١ / ٥٧٠ ]
٢ - (ومنها): أن في هَمِّ النبيّ - ﷺ - بذبح بعض حمائلهم بيانَ مراعاة المصالح، وتقديم الأهمّ فالأهمّ، وارتكاب أخفّ الضررين، لدفع أشدّهما.
٣ - (ومنها): أن في قول عمر - ﵁ -: لو جمعتَ ما بقي من أزواد القوم إلخ"، بيانَ جواز عَرْض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحةً؛ لينظر الفاضل فيه، فإن ظَهَرت له مصلحةٌ فعله.
٤ - (ومنها): جوازُ خَلْط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نصّ العلماء على أن ذلك سنة، وهو نظير مدح النبيّ - ﷺ - للأشعريين - ﵃ - في جمعهم الأزواد إذا قلّت، وتقاسمهم إياها بالسويّة، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قَل طعام عيالهم بالمدينة، جَمَعُوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منيّ، وأنا منهم" (^١).
٥ - (ومنها): أنّ فيه عَلَمًا من أعلام النبوة الظاهرة، وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي بها، وقد جمعها العلماء، وصَنَّفُوا فيها كُتُبًا مشهورة.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر؛ لترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب، ومن رواه من الصحابة، ومن حَمَلَهُ عنهم من التابعين في "باب معجزات نبيّنا - ﷺ - من كتابنا المسمَّى بـ "الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -".
ولأن هذا الحديث ومثله إذا رواه الصحابيّ الواحد، وذكره عن المواطن المشهورة، والغزوات المحضورة، والجموع الْحَفِلَة، وحدَّث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته، وهم غير منكرين، ولا مكذّبين، مع أنهم الملأ لا يقرّون على منكر، ولا يُداهنون في غير الحقّ، كان إقرارهم على خبره، وسكوتهم على ما حدّث به عن ملئهم كالنطق، ولَحِقَ خبره، وإن كان واحدًا بخبر التواتر الصدق. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "المفهم" ١/ ١٩٨.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ١ / ٥٧١ ]
٦ - (ومنها): أن فيه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه، وإخراجه عن أيديهم إلَّا بإذن الإمام؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم في أسلحتهم، وجميع ما يحتاجون إليه في غزوهم (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤئف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٦] (٢٨) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ جَمِيعًا، مَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَذَثنا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، مَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - شَكَّ الْأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ فَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "افْعَلُوا"، قَالَ: فَجَاء عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْع اللهَ لَهمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَة، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ"، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ، فَبَسطَهُ، ثمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِ بِالْبَرَكَة، ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا أَوْعِيَتِكُمْ"، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكنديّ، أبو مسعود العَسكَريّ، نزيل الرَّيّ، ثقةٌ، حافظ، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) ٥/ ١٢٠.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) ٦/ ١١٤.
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ١ / ٥٧٢ ]
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار ٩١، (ت ١٩٥) (ع) ٤/ ١١٦.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ قارئ يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٠٢.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات المذكور في السند الماضي.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةُ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٤٧٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه الأول، فمن أفراده، وأما شيخه الثاني فمن المشايخ التسعة الذين اشترك في الرواية عنهم أصحاب الكتب الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي كريب، وأما سهل، فرازيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قولَه: "قال أبو كريب: حدّثنا إلخ" ومعناه أن أبا كريب صرّح بتحديث أبي معاوية له مع الجماعة، بخلاف سهل، فلم يُصرّح به، وهذا من احتياطات المصنّف، ومحافظته على ألفاظ الشيوخ، وقد سبق مثله غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لأحاديث الأعمش، والأعمش أكثر الرواية عن أبي صالح، فقد روى عنه ألف حديث، وأبو صالح من أكثر أصحاب أبي هريرة - ﵁ - روايةً عنه.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن أبا هريرة، وأبا سعيد - ﵄ - من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
١٤٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ - (شَكَّ الْأَعْمَشُ) أي في كون الحديث من مسند أبي هريرة، أو
[ ١ / ٥٧٣ ]
من مسند أبي سعيد الخدريّ، ولكن هذا الشكّ لا يضرّ، كما مرّ إيضاحه في المسألة الثالثة من مسائل الحديث الماضي (قَالَ) أبو هريرة، أو أبو سعيد (لَمَّا كَانَ) تامّة بمعنى جاء ووقع، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
… وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريريّ في "مُلحة الإعراب":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
(غَزْوَةُ تَبُوكَ)، هكذا في معظم النسخ، ووقع في بعض النسخ: "لَمّا كان وقت غزوة تبوك"، بزيادة لفظة "وقت"، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "يوم غزوة تبوك"، والمراد باليوم هنا الوقت والزمان، لا اليوم الذي هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وليسس في كثير من الأصول، أو أكثرها ذكر اليوم هنا. انتهى.
و"الْغَزْوَةُ" - بفتح، فسكون - والجمع غَزَوات، مثلُ شَهْوَةٍ وشَهَوَات، قال ابن الأثير: الْغَزْوَةُ: المرّة من الْغَزْو، والاسمُ الْغَزَاةُ - أي بفتحتين - وجمع الغازي: غُزَاةٌ، وغُزًّى، وغَزِيٌّ، وغُزّاءٌ، كقُضَاةٍ، وسُبَّقٍ، وحَجِيجٍ، وفُسّاقٍ،
وأغزيتُ فلانًا: إذا جهّزته للغزو، والْمَغْزَى والْمَغْزَاةُ: موضع الْغَزْو، وقد يكون الغَزْوُ نفسه. انتهى (^١).
و"تَبُوك" - بفتح التاء، وضمّ الباء - هي طرف الشام، من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة نحو أربعة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً، وكانت غزوة النبيّ - ﷺ - تبوك سنة تسع من الهجرة، ومنها راسل عظماء الروم" وجاء إليه - ﷺ - من جاء، وهي آخر غزواته بنفسه، قال الأزهريّ: أقام النبيّ - ﷺ - بتبوك بضعة عشر يومًا، والمشهور ترك صرف تبوك؛ للتأنيث والعلَميّة، قاله النوويّ في "تهذيبه" (^٢).
وقال الفيّوميّ: بَاكَ الحمارُ الأَتَانَ يَبُوكَهَا بَوْكًا: نَزَا عليها، وباكتِ الناقةُ
_________________
(١) "النهاية" ٣/ ٣٦٦.
(٢) "تهذيب الأسماء واللغات" ٣/ ٤٣.
[ ١ / ٥٧٤ ]
تَبُوكُ بَوْكًا: سَمِنَت، فهي بائك، بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غَزْوة تبوك؛ لأن النبيّ - ﷺ - غَزَاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية من البُؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة تبوك بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مدين الذين بعثَ اللهُ تعالى إليهم شعيبًا - ﵇ -. انتهى (^١).
وذكر المرتضى في "التاج" أنه اختُلف في وزن تبوك، ووجه تسميتها، قال الأزهريّ: فإن كانت التاء أصليّةً، فلا أدري مم اشتقاق تبوك، وإن كانت للتأنيث في المضارع، فهي من باكت تبوك، ثم قال: وقد يكون تبوك على تَفْعول. انتهى (^٢).
[تنبيه]: قيل: سبب غزوة تبوك هو ما رواه البيهقي في "دلائل النبوّة" عن الحاكم، عن أحمد بن عبد البربار العُطَارديّ، عن يونس بن بكرٍ، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرَّحمن بن غَنْم، أن اليهود أتوا رسول الله - ﷺ - يومًا فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبيّ، فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فَصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلَّا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله آيات من سورة بني إسرائيل، بعد ما خُتِمَت السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: "فيها محياك ومماتك، ومنها تُبْعَث".
قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبيّ - ﷺ - لَمْ يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وغزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ ممن قَتَلَ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٦.
(٢) "تاج العروس من جواهر القاموس" ٧/ ١١٣.
[ ١ / ٥٧٥ ]
أهلُ مؤتة من أصحابه، والله أعلم، ولو صَحَّ هذا لَحُمِل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أُنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام"، قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. انتهى كلام ابن كثير (^١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ) - بفتح الميم، وتخفيف الجيم -: هو الجوع الشديد (قَالُوا) أي الصحابة الذين معه في الغزو، قال سبط ابن الْعَجَميّ في "التنبيه": لا أعرف أعيانهم، انتهى (^٢) (يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لنَا) بكسر الذال، يقال: أَذِنتُ له في كذا، من باب عَلِمَ: إذا أطلقت له فعله (^٣).
وقولهم: "لو أذنت لنا"، من أحسن آداب خطاب الكبار، والسؤال منهم، فيقال: لو فعلتَ كذا، أو أمرت بكذا، أو لو أَذِنت في كذا، وأشرت بكذا، ومعناه لكان خيرًا، أو لكان صوابًا، ورأيًا متينًا، أو مصلحة ظاهرة، وما أشبه هذا، فهذا أجملُ من قولهم للكبير: افْعَلْ كذا بصيغة الأمر.
وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الْغُزَاة أن يُضَيِّعُوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلَّا إذا رأى مصلحةً، أو خاف مفسدةً ظاهرةً. والله تعالى أعلم (^٤).
(فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا) النواضحُ: من الإبل التي يُسْتَقَى عليها، قال أبو عبيد: الذَّكَر منها ناضح، والأُنثى ناضحة، وقال الفيّوميّ: ونَضَحَ البعير الماءَ: حمله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبُلّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يحمل الماء، والجمع نواضح. انتهى (^٥).
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٥٤.
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٥٣.
(٣) راجع: "المصباح" ١/ ٩.
(٤) "شرح النووي" ١/ ٢٢٥.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠.
[ ١ / ٥٧٦ ]
(فَأَكَلْنَا وَادِّهَنِّا) قال صاحب "التحرير": ليس مقصودهم ما هو المعروف من الادِّهَان، وإنما معناه اتَّخَذنا دُهْنًا من شُحُومها. انتهى.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "افْعَلُوا") أي انحروا نواضحكم، فكلوا، وادّهنوا (قَالَ) الراوي، أبو هريرة، أو أبو سعيد (فَجَاءَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﷺ - (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ)، أي: إن أذنت لهم فيما طلبوه من نحر نواضحهم (قَلَّ الظَّهْرُ)، قال في "اللسان": "الظَّهْرُ": الرِّكَاب التي تَحْمِل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظهورها، وبنو فلان مُظْهِرُون، إذا كان لهم ظَهْرٌ ينقلون عليه، كما يقال: مُنجِبون، إذا كانوا أصحاب نَجَائب، وقال أيضًا: "الظَّهْرُ" الإبل التي يُحْمَلُ عليها ويُركَب، يقال: عند فلان ظَهْرٌ: أي إبل، ويُجمع على ظُهْرَان بالضمّ. انتهى باختصار (^١).
وقال النوويّ في "شرحه": المرادـ "الظهْرِ" هنا: الدَّوَابُّ، سُمِّيت ظهرًا؛ لكونها يُركَبُ على ظهرها، أو لكونها يُستَظهر، ويُستعان بها على السفر.
وفيه جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء، وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه، إذا ظهرت مصلحته عنده، وأن يشير عليه بإبطال ما أَمَرُوا بفعله (^٢).
(وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ)، أي مرهم بأن يأتوا بما فَضَل من أزوادهم (ثُمَّ ادْعُ اللهَ) تعالى (لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ) أصل البركة: كثرةُ الخير، وثبوته، وتبارك الله: ثبت الخير عنده، وقيل: غير ذلك (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ) هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، وفيه محذوف تقديره: "يَجْعَلُ في ذلك بركةً، أو خيرًا، أو نحو ذلك"، فحذف المفعول به؛ لأنه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ") تقدّم أنَّها للتصديق، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، وللوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم، ونحو كلام عمر - ﵁ - هنا؛ إذ قوله: "ادعهم بفضل أزوادهم" طلبٌ، والطلب
_________________
(١) "لسان العرب" ٤/ ٥٢٢.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٢٥.
[ ١ / ٥٧٧ ]
مستقبل، فيكون قوله - ﷺ -: "نعم" وعدًا منه بأن يدعوهم إلى ذلك.
(قَالَ) الراوي (فَدَعَا) - ﷺ - " (بِنِطَعٍ) فيه أربع لغات مشهورة: أشهرُها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية فتحهمَا، والثالثة فتح النون مع إسكان الطاء، والرابعة كسر النون مع إسكان الطاء، وهو الْمُتَّخذ من الأَدِيم معووف، والجمع: أَنْطَاع، ونُطُوعٌ (^١).
(فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ) الراوي (فَجَعَلَ) أي شرع (الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُر) أي بمقدار ما يملأ كفّه، وفيه إشارة إلى قلّته، و"الذّرَة" بضم الذال المعجمة، وفتح الراء المخفّفة: حبّ معروف، ولامها محذوفة، والأصل ذُرَؤ، أي ذُرَيٌ، فحُذِفت اللام، وعُوّضَ عنها الهاء، قاله في "المصباح" (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ) تقدّم ضبطها ومعناها في الحديث الماضي (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ) بكسر فسكون: القطعة من الخبز، جمعه كِسَرٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ (حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ويَسِيرٌ) أي قليل (قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ) أي بأن يزداد حتى يكفي الجميع (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: ("خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) جمع وعاء بالكسر: ما يُوعَي، أي يُجمع فيه الشيءُ (قَالَ) الراوي (فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا) نافية (تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ) بفتح، فسكون: الجيش، قال الْجُوَاليقيُّ: فارسيّ مُعَرَّب (وِعَاءً إِلا مَلَئُوهُ، قَالَ) الراوي (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا) بكسر المودعّدة (وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ) يقال: فَضَلَ، وفَضَلَ بكسر الضاد، وفتحها - لغتان مشهورتان، قال في "المصباح": فَضَلَ فَضْلًا، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنّها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم: نَعِمَ يَنْعُمُ، وَنَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ: دِمْتَ تَدُوم، ومِتَّ تَمُوتُ. انتهى (^٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) اعترافًا بفضل الله تعالى، وبيانًا للناس أنه بمحض فضله، وأنه لا دخل له في ذلك، وإنما هو رسول مبلّغ عن الله - ﷾ -، فاستجاب الله تعالى دعوته، وأنزل له البركة في ذلك الطعام تصديقًا لكونه
_________________
(١) راجع: "المصباح" ٢/ ٦١١ و"شرح النووي" ١/ ٢٢٥.
(٢) "المصباح" ٢/ ٤٧٥.
[ ١ / ٥٧٨ ]
رسوله بالحقّ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بهاتين الكلمتين (عَبْدُ) حال كونه (غَيْرَ شَاكٍّ) في مدلولهما (فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه بنصب"يُحجب"، ورفعه، فالنصب بإضمار "أن" بعد الفاء في جواب النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
وهذا الوجه هو الأَظهر، والأجود، وفي الرفع إشكالٌ؛ لأنه يرتفع على أن يكون خبرًا لمبتدإ محذوف، تقديره: فهو يُحجب، وهو نقيض المقصود، فلا يستقيم المعنى حتى يقدّر "لا" النافية، أي: فهو لا يحجب، ولا تُحذف "لا" النافية في مثل هذا. انتهى (^١).
وتخريج الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به تقدّما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٧] (٢٩) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِه، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) - بضم الراء مصغرًا - الهاشميّ مولاهم، أبو الفضل الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠].
رَوَى عن هشيم، والوليد بن مسلم، ومُعَمَّر بن سليمان، ويحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن علية، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٩٨ - ١٩٩ بزيادة.
[ ١ / ٥٧٩ ]
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وروى له البخاريّ حديثًا في فضل العتق، والنسائي آخرَ بواسطة صاعقة، وأحمد بن عليّ المروزيّ، ورَوَى عنه البخاريّ في غير "الجامع" بلا واسطة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبيد الله بن الْمُنَادي، وغيرهم.
قال صالح بن محمد: كان يحيى بن معين يوثِّقه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطنيّ: ثقة نَبِيل، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في سنة (٢٣٩)، زاد غيرهما في شعبان، وهو قول الكلاباذيّ تبعًا للبخاريّ في "تاريخه"، وكذا قال السَّراج، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاريّ وغيره، مات بعدما عَمِيَ، ووَهِمَ ابن حزم، فقال إِثْرَ حديث أخرجه من روايته في "كتاب الحدود" من "الإيصال": داود بن رُشَيد ضعيف.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْقُرَشِيُّ (^١)، مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو العبّاس الدَّمَشقيّ، ثقة، عالم الشام، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والأوزاعيّ، وابن جريجٍ، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، والثوريّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وثور بن يزيد، وحنظلة بن أبي سفيان، وبكر بن مُضَر، وإسماعيل بن رافع، وغيرهم.
وروى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وهما من أقرانه، والْحُمَيديّ، وسليمان بن عبد الرَّحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينيّ، وأبو خيثمة، وداود بن رُشيد، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال حماد كاتِبُهُ عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ، سألت عنه الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال الفضل بن زياد، عن
_________________
(١) بالقاف والشين، ويقال له: الفَرَسِيّ بالفاء والسين المهملة.
[ ١ / ٥٨٠ ]
أحمد: ليس أحدٌ أروى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش، والوليد، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما رأيت أعقل منه، وقال إبراهيم بن المنذر: سألني علي بن المديني أن أُخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله وأين سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام، وعنده علم كثير ولم أستمكن منه، قال: فأخرجته له، فتعجب من فوائده، وجَعَلَ يقول: كان يكتب على الوجه، وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب بأحاديث صحيحة، لَمْ يَشْرَكه فيها أحدٌ، وقال أحمد بن أبي الْحَوَارِ: قال لي مروان - بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعيّ عن الوليد، فما تبالي من فاتك، وقال مروان أيضًا: كان الوليد عالِمًا بحديث الأوزاعيّ، وقال أبو مسهر: كان الوليد معتنيًا بالعلم، وقال أيضًا: كان من ثقات أصحابنا، وفي رواية من حفاظ أصحابنا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي أحمد: عندكم ثلاثةٌ أصحاب حديث: مروان بن محمد، والوليد، وأبو مُسْهِر، وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمَضَى على سنته محمودًا عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا، صحيحَ العلم، وقال العجليّ، ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم ثقة، وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟ قال: صالح الحديث، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر المغازي، وقال ابن جَوْصاء: لَمْ نزل نسمع أنه مَن كَتَبَ مصنفات الوليد صَلَحَ أن يلي القضاء، قال: ومصنفات الوليد سبعون كتابًا، وقال صدقة بن الفضل المروزيّ: قَدِمَ الوليد مكة، في رأيت أحفظ للطوال والملاحم منه، فجعلوا يسألونه عن الرأي، ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حَفِظَ الأبواب، وإذا الرجل حافظٌ متقنٌ، وقال الحميديّ: قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما تسألون.
وقال الْفَسَويّ: سألت هشام بن عمار عن الوليد، فأقبل يَصِفُ علمه، وورعه، وتواضعه، وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله، وقال الآجريّ: سألت أبا
[ ١ / ٥٨١ ]
داود عن صدقة بن خالد، فقال: هو أثبت من الوليد، الوليدُ رَوَى عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصلٌ، منها أربعة عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديثُ ما سَمِعَ وما لَمْ يَسْمَع، وكانت له منكرات، منها حديثُ عمرو بن العاص: "لا تُلَبّسُوا علينا ديننا" (^١)، في هذا عن النبيّ - ﷺ -، وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي، فقال: كان رَفّاعًا. وقال الإسماعيليّ: أُخبرتُ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: كان الوليد رَفّاعًا، وقال المرُّوذيّ، عن أحمد: كان الوليد كثير الخطإ، وقال حنبل، عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديث الأوزاعيّ، وكان أبو السَّفَر كذّابًا، وقال مؤمل بن إهاب، عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يُحَدِّث حديث الأوزاعيّ عن الكذابين، ثم يُدَلِّسها عنهم، وقال صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعيّ، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن الأوزاعي، عن الزهريّ، ويحيى بن سعيد، وغيرُك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مُرّة، وقُرَّةَ، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أُنَبِّلُ الأوزاعيّ عن هؤلاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء، وهم ضعفاء، أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت، وصَيَّرْتَها من رواية الأوزاعيّ عن الثقات، ضُغفَ الأوزاعيّ، قال: فلم يلتفت إلى قولي، وقال الدارقطنيّ: كان الوليد يُرسِل، يروي عن الأوزاعيّ أحاديث عند الأوزاعيّ عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعيّ، فيُسقِط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن عطاء.
قال دُحَيم عن ابن بنت الوليد: وُلد الوليد سنة تسع عشرة ومائة، وقال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وغيرهما: حَجَّ الوليد سنة أربع وتسعين، ومات بعد انصرافه من الحج قبل أن يصل إلى دِمَشق، وفي سنة أربع أَرَّخَه عمرو بن عليّ، وأبو موسى، وغيرهما، وقال دُحَيم، وغير واحد: مات في المحرم سنة
_________________
(١) تمام الحديث: "عدّةُ أم الولد عدّة المتوفّى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشرًا"، أخرجه ابن حبَّان (٤٣٠٠) والدارقطني ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠ والبيهقيُّ ٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ١ / ٥٨٢ ]
خمس وتسعين، وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن المنذر: قال لي حرملة بن عبد العزيز: نَزَلَ عَلَيَّ الوليدُ قافلًا من الحج، فمات عندي بذي المروة، وقال معاوية بن صالح: مات سنة ست وتسعين، ولم يتابع على ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا.
٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن مكحول، والزهري، وعطية بن قيس، وعمير بن هانيّ، وسليم بن عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن خالد، وصدقة بن المبارك، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وحسين بن علي الجعفي، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ، وابن سعد، والنسائيّ، وغير واحد: ثقة. وقال ابن المديني: يُعَدّ في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام، بعد الصحابة - ﵃ -. وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرَّحمن ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون. وقال موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهَمًا منه، هو لَمْ يَلْقَ ابنَ جابر، وإنما لَقِي ابنَ تميم، فظَنّ أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث، وهو عندهم من أهل الصدق، رَوَى عنه أهل الكوفة أحاديث مناكير، قال الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس بابن تميم. وقال ابن مهديّ: إذا رأيت الشامي يَذكر الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرَّحمن بن يزيد، فاطمَئِنَّ إليه. وقال دُحيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به، ثقة.
قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، زاد ابن سعد: وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد وغير واحد من أصحابنا يقولون: مات سنة (٥٤)، وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات
[ ١ / ٥٨٣ ]
سنة (٥٥)، وقال ابن معين: مات سنة (٥٦)، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب بن شيبة، وجزم ابن حبان في "الثقات" بالقول الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٢٨) و(١٠٤) و(٩٧٢) وأعاده بعده، و(١٨٤٧) و(١٨٥٥) و(١٥٣٧) و(٢٨٦٤) و(٢٩٣٧) (^١).
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) الْعَنْسيّ - بسكون النون، ومهملتين - أبو الوليد الدمشقيّ الدارانيّ، ثقةٌ، من كبار [٤].
رَوَى عن معاوية، ومالك بن يُخامِر، وجُنَادة بن أبي أُمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو عمرو الأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن ثابت بن ثوبان، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، والعلاء بن عتبة اليحصبيّ، وعثمان بن أبي العاتكة، وسعيد بن بَشِير، ومعاوية بن صالح، وجماعة.
قال الحاكم أبو أحمد: يقال: أدرك ثلاثين من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: كان قدريًّا، وكان يُسَبِّح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وأسند الترمذيّ بزيادة في "كتاب الدعوات" من جامعه"، فقال: حدثنا علي بن حُجْر: ثنا مَسْلمة بن عَمْرو، قال: كان عُمير بن هانئ يصلي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبح مائة ألف تسبيحة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه يصلّي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبّح مائة ألف تسبيحة، ليس له كبير مدح، فإن هذا ليس من هدي النبيّ - ﷺ -، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، فلم يثبت عنه - ﷺ - أنه صلى في يوم هذا القدر، ولا سبّح هذا القدر، فالخير كلّ الخير في اتّباع هديه، وإنما ذكرت هذا لئلا يَغْتَرَّ به من يقرأ مثل هذا، ويظنّ أنه من السنّة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أن الصَّقْر بن حبيب الْمُرِّيّ قتله بداريا سنة سبع وعشرين ومائة، وقال يعقوب بن سفيان: قلت لدُحَيم: عمير بن هانئ؟ قال: مات قديمًا، قلت: قُتِلَ؟ قال: لا، إنما المقتول ابنه.
_________________
(١) هذه الأرقام حسب ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، لا حسب ترقيمي في الشرح، فتنبّه.
[ ١ / ٥٨٤ ]
أخرج له لجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٣٧): "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله … "، وله عند النسائيّ حديث عبادة - ﵁ - المذكور هنا فقط.
٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) - بضمّ الجيم، وتخفيف النون - الأزديّ، ثم الزَّهْرَانِيّ، ويقال: الدَّوْسيّ، أبو عبد الله الشاميّ، يقال: اسم أبيه كبير، مختلَفٌ في ححبته.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وبُسْر بن أبي أرطاة.
وروى عنه ابنه سليمان، وعمير بن هانيّ، وعُبَادة بن نُسَيّ، وبسر بن سعيد، وشُيَيْم بن بَيْتَان، وغيرهم.
قال ابن يونس: كان من الصحابة، شَهِد فتح مصر، ووَليَ البحرين لمعاوية، وممن أثبت صحبته يحيى بن معين، ففي سؤالات إيراهيم بن الْجُنيدٍ عنه: جُنَادة بن أبي أمية الأزديّ الذي رَوَى عنه مجاهد له صحبة؟ قال: نعم، قلت: الذي رَوى عن عبادة؟ قال: هو هو، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: قيل: إن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، من كبار التابعين، سَكَنَ الأُرْدُن، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: صحّح النوويّ - ﵀ - في "شرحه" قول من قال بصحبة جُنادة، لكن الذي صوّبه الحافظ رحمه الله تعالى أنهما اثنان: أحدهما، صحابيّ، والآخر تابعيّ، وهو المترجم هنا، ودُونَك نصّه في "التقريب":
والحقّ أنهما اثنان: صحابيّ، وتابعيّ، متّفقان في الاسم وكنية الأب، وقد بيّنتُ ذلك بأدلته في كتابي في الصحابة، ورواية جُنادة الأزديّ عن النبيّ - ﷺ - في "سنن النسائيّ"، ورواية جُنادة بن أبي أميّة عن عبادة بن الصامت في الكتب الستة. انتهى (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة"١/ ٦٠٧ - ٦٠٨ و"التقريب" ص ٥٧.
[ ١ / ٥٨٥ ]
قال الواقديّ، وخليفة، وغيرهما: مات سنة (٨٠)، زاد الواقديّ: وكان ثقة، صاحب غزو، وقيل: مات سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٧٥) (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (١٧٠٩): "بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا".
٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أَصْرم بن فِهر بن قيس بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عَمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ، أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قُرّة العين بنت عبادة بن نَضْلَة بن العجلان، شهد بدرًا. وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مَرْثَد الْغَنَوِيّ، وشَهِد المشاهد كلها بعد بدر. وقال ابن يونس: شَهِد فتح مصر، وكان أمير ربع الْمَدَد. وفي "الصحيحين" عن الصُّنابحي، عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة … الحديث.
وروى عن النبيّ - ﷺ - كثيرًا، وروى عنه أبناؤه: الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشُرَحبيل بن حسنة، وسلمة بن الْمُحَبِّق، وأبو أمامة، وعبد الرَّحمن بن غنْم، وفَضَالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجُبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية، وحطان بن عبد الله الرقاشي، وعبد الله بن محيريز، وأبو عبد الرَّحمن الصنابحي، وربيعة بن ناجذ، وعطاء بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن محمود بن ربيعة، ويعلى بن شداد بن أوس، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو إدريس الخولاني، وخلق كثير.
أخرج حميد بن زنجويه في كتاب "الترغيب" من طريق أبي الأشعث، أنه راح إلى مسجد دمشق، فلقي شداد بن أوس، والصنابحي، فقالا: اذهب بنا
_________________
(١) هكذا ذكر هذه الاختلافات في تاريخ وفاته في: "التهذيب" ١/ ٣١٧، وذكر في "الإصابة" أنه مات سنة (٦٧) ولم يذكر خلافًا، فليُحرّر.
[ ١ / ٥٨٦ ]
إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة، فقالا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بنعمة من الله وفضل. قال عبد الصمد بن سعيد في "تاريخ حمص"، وهو أول من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذُكِرَ في "المغازي" لابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا حلفاءه، فمشى عبادة بن الصامت، وكان له حِلْف مثل الذي لعبد الله بن أُبَيّ، فخلعهم، وتبرأ إلى الله ورسوله من حِلْفهم، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٥١].
وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولّاه إِمْرَة حمص، ثم صرفه، ووَلَّى عبد الله بن قُرْط. وروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي، أنه ممن جمع القرآن في عهد النبيّ - ﷺ -، وكذا أورده البخاري في "التاريخ" من وجه آخر عن محمد بن كعب، وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر، قد احتاج أهل الشام إلى من يُعَلِّمهم القرآن، ويفقههم، فأرسل معاذًا وعبادة وأبا الدرداء، فأقام عبادة بفلسطين. وقال السراج في "تاريخه" حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن جنادة: دخلت على عبادة، وكان قد تفقه في دين الله. هذا سند صحيح. وفي مسند إسحاق بن راهويه، و"الأوسط" للطبراني من طريق عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون، فذكر قصة له مع عبادة، فقام معاوية عند المنبر، بعد صلاة العصر، فقال: الحديث كما حدثني عبادة، فاقتبِسُوا منه، فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه، تدل على قوته في دين الله، وقيامه في الأمر بالمعروف.
ورَوَى ابن سعد في ترجمته أنه كان طِوَالا جميلًا جسيمًا، ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدائني، وفيها أرّخه خليفة بن خياط، وآخرون منهم من قال: مات ببيت المقدس. وأورد ابن عساكر في ترجمته أخبارًا له مع معاوية، تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن عديّ، وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. قاله في "الإصابة" (^١).
_________________
(١) "الإصابة" ٣/ ٥٠٥ - ٥٠٧.
[ ١ / ٥٨٧ ]
وفي "تهذيب التهذيب": قال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن (٧٢) سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن محمدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولى القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عُفَير: كان طوله عشرة أشبار (^١).
أخرج له الجماعة، وله (١٨١) حديثًا، اتفق. الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين (^٢) وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارزميّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث إلَّا في موضع واحد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ كبير: عمير، عن جُنادة.
٦ - (ومنها): أن صحابيِّه - ﵁ - من كبار الصحابة، جمّ المناقب، فإنه أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وأنه أول من ولي القضاء بفلسطين - ﵁ -. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) أنه قال: (حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) الأنصاريّ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ") شرطيّةٌ مبتدأ جوابها
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٢) هذا يدلُّ على أن لعبادة - ﵁ - في "صحيح مسلم" ثمانية أحاديث فقط، والذي في برنامج الحديث أن له (١٨) حديثًا، ولا تخالف بينهما؛ لأنَّها ثمانية عشر بالتكرار، فتنبّه.
[ ١ / ٥٨٨ ]
"أدخله الله إلخ"، أو موصولة مبتدأ خبره الجملة المذكورة (قَالَ: أَشْهَدُ) أي من تكلّم بها، عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، فلا بدّ في الشهادتين من العلم واليقين، والعمل بمدلولهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه، من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، فغير نافع بالإجماع (^١) (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، أي أنه (لا إِلَهَ) أي لا معبود بحقّ (إِلَّا الله وَحْدَهُ) تأكيد للإثبات، وهو منصوب على الحال بتأويله بـ "منفردًا"، كما قال في "الخلاصة":
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ "وَحْدَكَ اجْتَهِدْ"
أي حال كونه منفردًا في ربوبيَّته، وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته.
وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو تأكيد للنفي.
[تنبيه]: قال الوزير أبو المظفر رحمه الله تعالى في "الإفصاح": قوله: "شهادة أن لا إله إلَّا الله" يقتضي أن يكون الشاهد عالِمًا بأنه لا إله إلَّا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، قال: واسم "الله" مرتفع بعد "إلَّا" من حيث إنه الواجب له الإلهيّة، فلا يستحقها غيره - ﷾ -، قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، فإنك لَمَّا نَفَيتَ الإلهيَّة، وأثبت الإيجاب لله - ﷾ - كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.
وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى في "المبدائع" ردًّا لقول من قال: إن المستثنى مُخرج من المستثنى منه، قال: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلًا في المستثني، إذ لو كان كذلك لَمْ يدخل الرجل في الإسلام بقوله: "لا إله إلَّا الله"؛ لأنه لَمْ يُثبت الإلهيّة لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمّنت بالوضع نفي الإلهيّة عمّا سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيّته أعظم من دلالة قولنا: "الله إله"، ولا يستريب أحدٌ في هذا البتّة. انتهى.
_________________
(١) راجع: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص ٥٨.
[ ١ / ٥٨٩ ]
وقال أيضًا: "الإله" هو الذي تالهه القلوب محبّةً وإجلالًا وإنابةً، وإكرامًا وتعظيمًا، وذُلًّا وخضوعًا، وخوفًا ورجاءً، وتوكّلًا.
وقال شيخ الإسلام: "الإله" هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحقّ أن يُعبَد، وكونه يستحقّ أن يُعبد هو بما اتّصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحبّ، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تُؤَلِّهُهُ القلوب بحبها، وتخضع له، وتذلّ له، وتخافه وترجوه، وتُنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهمّاتها، وتتوكّل عليه في مصالحها وتلجأ إليه، وتطمئنّ بذكره، وتسكن إلى حبّه، وليس ذلك إلَّا اللهُ وحده، ولهذا كانت "لا إله إلَّا الله" أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحّت صحّ بها كلّ مسألة وحال وذوق، وإذا لَمْ يُصحّحها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله. انتهى.
وقال ابن رجب: "الإله" هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالًا، ومحبَّةً وخوفًا ورجاء، وتَوَكُّلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كلّه إلَّا لله - ﷿ -، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهيّة كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: "لا إله إلَّا الله"، وكان فيه من عبوديّة المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك. انتهى (^١).
(وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أي وشهِدَ بذلك، وهو معطوف على "أن لا إله إلَّا الله"، وهذان الوصفان أخصّ أوصاف النبيّ - ﷺ -، ولذا وصفه الله تعالى بالعبوديّة في أسمى المقام، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
(وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ)، أي خلافًا لما يعتقده النصارى أنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
فلا بدَّ للمكلف أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه
_________________
(١) نقل هذا كلّه في: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص ٦٠ - ٦١.
[ ١ / ٥٩٠ ]
مملوك لله، خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، فليس ربًّا ولا إلهًا، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٦]، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ الآية [النساء: ١٧٢].
ولا بدّ أيضًا أن يشهد ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولد بغيّ، لعنهم الله تعالى، فلا يصحّ إسلام أحد علم ما يقولونه حتى يتبرّأ من قول الطائفتين جميعًا في عيسى - ﵇ -، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه: إنه عبد الله ورسوله.
وقوله: (وَكَلِمَتُهُ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمّي عيسى - ﵇ - كلمةً؛ لأنه كان بكلمة الله، قيل: هي قوله: "كن"، فكان، وقيل: هي الرسالة التي جاء بها الملك لأمه مبشّرًا به عن أمر الله، كما ذكره في كتابه، وقال ابن عبّاس في: الكلمة اسم عيسى. انتهى (^١).
وقال النوويّ: سُمّي كلمةً؛ لأنه كان بكلمة "كن" فحسب، من غير أب بخلاف غيره من بني آدم، وقال الهرويّ: سُمِّي كلمة؛ لأنه كان عن الكلمة، فسمي بها، كما يقال للمطر: رحمةٌ. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": وقوله: "وكلمته": إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سُمِّي كلمة الله؛ لأنه أوجده بقوله: "كن"، فلما كان بكلامه سُمِّي به، كما يقال: سيف الله، وأسد الله، وقيل: لَمّا قال في صغره: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] (^٣).
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣٣.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٢٧.
(٣) "الفتح" ٦/ ٥٤٧.
[ ١ / ٥٩١ ]
وقال القرطبيّ: اختُلف في وصف عيسى ﵇ بكونه كلمة، فقيل: لأنه تكوَّن بكلمة "كن" من غير أب، وقيل: لأن الملك جاء أمَّه بكلمة البشارة به عن أمر الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل: في ذلك. انتهى (^١).
وقال التوربشتيّ: "الكلمة" تقع على كلّ واحد من الأنواع الثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف، وتقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة تحتها، وبهذا تُستعمل في القضيّة، والحكم، والحجة، وبجميعها ورد التنزيل، وكأنّ الكلام أُخذ من الكَلْم، فإن الكَلْمِ يُدرك تأثيره بحاسّة البصر، والكلام يُدرك تأثيره بحاسّة السمع، وأما تسمية عيسى بالكلمة، فإنه حجة الله تعالى على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقد قيل: إنه سُمي كلمةً؛ لكونه مُوجَدًا بـ "كن"، وقيل: لما انتُفع بكلامه سمي به، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله، وقيل: لما خصّه الله به في صغره، حيث قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية [مريم: ٣٠] (^٢).
(أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي أوصلها إليها، وحصلها فيها (^٣)، وقيل: معنى "ألقاها"، أي أعلمها بها، يقال: ألقيتُ عليك كلمة: أي أعلمتك بها، قاله القاضي عياض (^٤).
وأصل الإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه، ثم استُعمل في كلّ طرح، ويقال: أبيقيتُ إليك قولًا، وسلامًا، وكلامًا، ومودّةً، وألقى الله الشيء في القلب: قذفه، وألقى القرآن: أوحى به، وأنزله (^٥).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته القاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل - ﵇ - إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه - ﷿ -، فكان عيسى بإذنه - ﷿ -، فهو ناشئ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٠٠.
(٢) "الكاشف" ٢/ ٤٨١.
(٣) "الكاشف" ٢/ ٤٨١.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣٣.
(٥) راجع: "المفردات" للراغب ص ٤٥٣، و"تاج العروس شرح القاموس" ١٠/ ٣٣٠ - ٣٣١.
[ ١ / ٥٩٢ ]
عن الكلمة التي قال له: ﴿كُنْ﴾ البقرة: ١١٧، فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل - ﵇ -، وكانت تلك النفخة التي نَفَخَها في جيب دِرْعها، فَنَزَلت حتى وَلَجَت فرجها بِمَنْزِلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله - ﷿ -، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله، وروح منه؛ لأنه لَمْ يكن له أبُ تَوَلَّدَ منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروحِ التي أَرسل بها جبريل - ﵇ -.
قال: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطيّ، قال: سمعت شاذ بن يحيى، يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، قال ابن كثير: وهذا أحسن مما ادّعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]: أي أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]: أي يُعْلمك بكلمة منه، ويَجْعَلُ ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، بل الصحيح أنَّها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فَنَفَخَ فيها بإذن الله، فكان عيسى - ﵇ -.
قال: فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]: أي من خلقه، ومن عنده، وليست "من" للتبعيض، كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]: أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من رُوح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة، والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكما وَرَدَ في الحديث الصحيح: "فأدخل على ربي في داره"، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد (^١). انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ص ٣٧٤.
[ ١ / ٥٩٣ ]
تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها، كعيسى وجبريل - ﵇ - وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين:
[أحدهما]: أن تضاف إليه؛ لكونه خلقها وأبدعها، فهذا شاملٌ لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله، فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله.
[الوجه الثاني]: أن يُضاف إليه لما خصّه به من معنى يُحبّه، ويأمر به، ويرضاه، كما خصّ البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله تعالى ورسوله - ﷺ -، ومن هذا الوجه، فعباد الله هم الذين عبَدُوه، وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمّن ألوهيّته، وشرعه، ودينه، وتلك إضافة تتضمّن ربوبيته وخَلْقه. انتهى ملخّصًا (^١).
وقوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمِّي عيسى - ﵇ - "روح الله"، و"روح منه"؛ لأنه حَدَث من نفخة جبريل - ﵇ -، فنسبه الله إليه؛ لأنه كان عن أمره، وسُمّي النفخ رُوحًا؛ لأنه ريحٌ يخرُج من الروح، قاله مكيّ، وفي هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه: حياة منه، وقيل: رحمةٌ منه، والروح: الرحمة، كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١]، وقيل: روح منه: برهان لمن اتّبعه، وقيل: لأنه لَمْ يكن من أب، كما في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما كان جعل الروح فيه بلا واسطة، قاله الحربيّ (^٢).
وقيل: و"روح منه"، أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف، كناقة الله، وبيت الله، وإلا فالعالم له - ﷾ -، ومن عنده (^٣).
وقال في "الفتح": سمّاه بالروح؛ لأجل ما أقدره الله عليه من إحياء الموتي، وقيل: لكونه ذا روح، وُجِد من غير جزء من ذي روح (^٤).
_________________
(١) راجع: "فتح المجيد" ص ٦٦ - ٦٧.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٥.
(٣) "شرح النووي" ١/ ٢٢٧.
(٤) "الفتح" ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
[ ١ / ٥٩٤ ]
وقال القرطبيّ: سمّي عيسى - ﵇ -، روح الله؛ لأنه حَدَثَ عن نفخة الملك، وإضافته إلى الله تعالى؛ لأن ذلك النفخ كان عن أمره وقدره، وسُمّي النفخ روحًا؛ لأنه ريح يخرُج من الروح، وقيل: سُمّي بذلك؛ لأنه روح لمن اتّبعه، وقيل: لأنه تعالى خَلَقَ فيه الروح من غير واسطة أب، كما قال تعالى في آدم - ﵇ -: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩].
[فائدة]: ذكر الطيبيّ أنه روي أن عظيمًا من النصارى سمع قارئًا يقرأ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: أفغير هذا دين النصارى؟ يعني هذا يدلّ على أن عيسى - ﵇ - بعض منه، فأجاب علي بن الحسين بن واقد صاحب "كتاب النظائر": أن الله تعالى يقول أيضًا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فلو أريد بقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] بعض منه، وجزءٌ منه لكان قوله هنا: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] معناه بعض منه، أو جزء منه، فأسلم النصرانيّ.
ومعنى الآية أنه تعالى سخّر هذه الأشياء كائنةً منه، وحاصلةً من عنده، يعني أنه مكوّنها، ومُوجِدها بقدرته وحكمته، ثم سخّرها لخلقه. انتهى (^١).
(وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ) أي الجَنَّة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدّها للمتّقين، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١] حقّ، أي ثابتة لا شكّ فيها، (وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ)، أي: وأن النار التي أخبر بها في كتابه أنه أعدّها للكافرين، فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، كذلك ثابتةٌ.
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: لعله - ﷺ - إنما ذكر الجنّة والنار، وأخبر عنهما بقوله: "حقّ"، وهو مصدرٌ للمبالغة في حقّيّته، وأنهما عين الحق، كقولك: زيد عَدْلٌ؛ تعريضًا بالزنادقة، ومن يُنكر دار الثواب ودار العقاب. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٨٠.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٨٠.
[ ١ / ٥٩٥ ]
(أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخولَ الجَنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي في "كتاب الزكاة"، فإنه فيه ما يقتضي أن كلّ من كان من أهل الجنّة إنما يدخل من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله الداخل غالبًا، فإنه قال فيه: "فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرّيّان … " الحديث (^١).
قال: والتوفيق أنّ كلَّ من يدخل الجَنَّة مُخَيَّر في الدخول من أيّ باب شاء، غير أنه إذا عُرِضَ عليه الأفضل في حقّه، دخل منه مُختارًا للدخول منه، من غير جبر عليه، ولا منع له من الدخول من غيره، ولذلك قال أبو بكر - ﵁ -: ما على من يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة. انتهى (^٢).
وقال الحافظ بعد ذكر كلام القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فاعل "شاء" هو الله تعالى، والمعنى أن الله يوفقه لعملٍ يُدخله برحمة الله من الباب الْمُعَدّ لعامل ذلك العمل. انتهى (^٣).
وتوجيه القرطبي أقرب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) ونصّ المصنّف في "كتاب الزكاة": حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى التجيبي، واللفظ لأبي الطاهر، قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أنفق زوجين في سيل الله نودي في الجَنَّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريّان"، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على أحد يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله - ﷺ -: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".
(٢) "المفهم" ١/ ٢٠١.
(٣) "الفتح" ٦/ ٥٤٨.
[ ١ / ٥٩٦ ]
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٠/ ١٤٧] (٢٨) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر - و(١٠/ ١٤٨) عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن مُبشّر بن إسماعيل، عن الأوزاعيّ - كلاهما عن عُمير بن هانيّ، عن جُنادة بن أبي أُميّة، عن عبادة - ﵁ -.
و(البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" ٤/ ٢٠١ (٣٤٣٥) عن صدقة بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، كلاهما عن عمير بن هانئ به.
و(النسائيّ) في "التفسير" (١١١٣٢) و"عمل اليوم والليلة" (١١٣١) عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعيّ به، وفي "عمل اليوم والليلة" (١١٣٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي مُسهر، عن صدقة بن خالد، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر به.
و(أحمد) في "مسنده" ٥/ ٣١٣ و٣١٤ و(أبو عوانة) في "مسنده" (٨) و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٣ و١٣٤ و١٣٥)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٢٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم الموقع، وهو أجمعُ، أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه - ﷺ - جَمَعَ فيه ما يُخْرِج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم، وتباعدها، فاختصر - ﷺ - في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم (^١).
٢ - (ومنها): بيان فضل هؤلاء الكلمات، حيث إنها توجب دخول الجَنَّة، من أيّ أبوابها شاء.
٣ - (ومنها): إنما جمع في قوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله"، بين
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ٢٢٧.
[ ١ / ٥٩٧ ]
الوصفين؛ تحذيرًا عن الإفراط والتفريط، فإن كثيرًا ممن يدّعي أنه من أمته يُفْرِط بالغلوّ قولًا وفعلًا، فيرفعه فوق مَنْزلته من العبوديّة، ويُفَرّط بترك متابعته، معتمدًا على آرائه، أو آراء مقلّديه المخالفة لما جاء به، ويتعسّف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، فشهادة أن محمدًا عبده ورسوله تنافي ذلك؛ لأنَّها تقتضي الإيمان به، وتوجب تصديقه فيما به أخبر، وطاعته فيما به أَمَر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن تُعَظَّم سنّته، ولا يُقدّم عليها قول أحد كائنًا من كان.
وقد بيّن هذا في الحديث الآخر، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث عمر - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله".
وقد ورد وصفه بهاتين الصفتين في الكتب السابقة أيضًا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" (٢١٢٥) عن عطاء بن يسار، قال: لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا".
٤ - (ومنها): بيان بطلان - ما عليه النصارى من اعتقادهم في عيسى - ﵇ - أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
٥ - (ومنها): بيان ضلال اليهود الذين يعتقدون في عيسى وأمه - ﵇ - ما لا يليق بهما، من أنَّها حملته من الزنا، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
٦ - (ومنها): بيان فضل عيسى - ﵇ - حيث إنه كلمة الله تعالى، وروح منه.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه - ﵇ -، والتحذير من ذلك بأن عيسى عبد الله، لا إله، ولا ولد، وأمّه أَمَةُ الله تعالى، ومملوكة له، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
[ ١ / ٥٩٨ ]
ويُستَفاد منه ما يُلَقَّنه النصرانيّ إذا أسلم، وقال غيره: في ذكر عيسى - ﵇ - تعريض بالنصاري، وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: "عبد الله"، وفي ذكر "رسوله" تعريض باليهود في إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو مُنَزّه عنه، وكذا أمه، وفي قوله: "وابن أمته" تشريف له، وكذا تسميته بالروح، ووصفه بأنه منه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الأخرى أنه سَخّر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مُكَوِّن كلّ ذلك، ومُوجِده بقدرته وحكمته (^١).
٨ - (ومنها): إثبات الجَنَّة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، خلافًا للمبتدعة، وأن الإيمان بحقيّتهما من أصول الدين.
٩ - (ومنها): أن الجنّة لها أبواب، وأنها ثمانية.
١٠ - (ومنها): أن بعض عباد الله يخيّرون في دخول الجَنَّة من أيّ أبوابها شاؤوا، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]، اللهم ارزقنا الجَنَّة، وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعذنا من النار، وما قرّب إليها من قول وعمل، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٨] (٣٠) - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ) النُّكْريّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٦) (م د، ق) ٥/ ٦٦.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
[ ١ / ٥٩٩ ]
٢ - (مُبَشِّرُ (^١) بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَلَبيّ، أبو إسماعيل الكلبيّ مولاهم، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وحسان بن نوح، وتَمَّام بن نَجِيح، وجعفر بن بُرْقان، والأوزاعي، ومُعَان بن رِفَاعَةَ، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مِهْرَان الجمّال، وموسى بن عبد الرَّحمن الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، ومات بحلب سنة مائتين.
وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أحمد بن حنبل. وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الذهبي: تُكُلِّم فيه بلا حجة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٧٥٣): "أن الفتيا التي كانوا يُفتون بها الماء من الماء … ".
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فقيه إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) ٥/ ٢٨.
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئ) المذكور في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل الإسناد الماضي، وهو عن عمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أميّة، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -.
وقوله: (غَيْرَ أنهُ قَالَ إلخ) الضمير للأوزاعيّ، ويحتمل أن يكون لشيخه أحمد بن إبراهيم، يعني أنه قال في آخر متن الحديث: "عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، بدل قوله: "مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ".
[تنبيه]: لفظ رواية الأوزاعيّ ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (ج ١ ص ١٢٢)، فقال:
_________________
(١) بصيغة اسم الفاعل المضعّف، من التبشير.
[ ١ / ٦٠٠ ]
(١٣٣) - حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يعلى بن الوليد بن عبد العزيز الْعَنسيّ، ثنا مُبَشِّر بن إسماعيل الْحَلبيّ، عن الأوزاعيّ، عن عُمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من شَهِدَ أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أدخله الله الجَنَّة على ما كان من عمل".
وقوله: (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ) ولفظ البخاريّ: "من العمل" بالتعريف، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي يدخله الجنّة، ولا بُدّ، سواء كان عمله صالحًا، أو سيّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السيّءَ بسبب هذه الأقوال، أو يُرْبِيَ ثوابها على ذلك العمل السيّيء، وكلُّ ذلك يحصُلُ - إن شاء الله - لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفًا. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": معنى قوله: "على ما كان عليه من العمل": أي من صلاح، أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بُدّ لهم من دخول الجَنَّة، ويحتمل أن يكون معنى قوله: "على ما كان من العمل": أي يَدْخُل أهل الجَنَّة الجَنَّة على حسب أعمال كُلٍّ منهم في الدرجات. انتهى وقال القاضي البيضاويّ في قوله: "على ما كان عليه من العمل"، دليلٌ على المعتزلة في مقامين:
[أحدهما]: أن العاصي من أهل القبلة لا يُخَلَّد في النار؛ لعموم قوله: "من قال: أشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله إلخ".
[وثانيهما]: أنه تعالى يعفو عن السيّئات قبل التوبة، واستيفاء العقوبة؛ لأن قوله: "على ما كان من عمل" حال من قوله: "أدخله الله الجَنَّة"، كما في قولك: رأيت فلانًا على أكل، أي آكلًا، ولا شكّ أن العمل غير حاصل، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يُناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يُتصوّر ذلك في حقّ العاصي الذي مات قبل التوبة إلَّا إذا أُدخل قبل استيفاء العقوبة.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٠١.
[ ١ / ٦٠١ ]
[فإن قلت]: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل أحدٌ النار من العصاة.
[قلت]: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحدٌ، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]، وقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجُوٌّ.
قال الطيبي: أقول: إن التعريف في "العمل" (^١) للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل عليه قوله: "وإن زنى وإن سرق" في حديث أبي ذرّ - ﵁ - الآتي، وقوله: "على ما كان عليه" حال كما في قول الحماسيّ [من الطويل]:
فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى قَتِيلًا رُزِئْتُهُ … بِجَانِبِ قَوْسِي مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ
عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا … يُوَكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي
قال أبو البقاء: "على" وما يتّصل بها حال، أي ما أنسى بهذا الرَّزْء في حال الكلوم، أي حالي مُخالف لحال غيري في استدامة الحُزْن، فالمعنى من يشهد أن لا إله إلَّا الله يدخل الجنّة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنّة، فإن القياس يقتضي (^٢) أن لا يدخل الجَنَّة مَنْ شأنه هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذرّ - ﵁ - في قوله: "وإن زنى وإن سرق"، وردّ بقوله: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ". انتهى كلام الطيبيّ (^٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٩] (…) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
_________________
(١) هذا في رواية البخاريّ، وأما رواية مسلم، فإنها بلفظ: "من عمل" بالتنكير، لا بالتعريف، فتأمّل.
(٢) التعبير بالقياس في مثل هذا الموضع محلّ نظر.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢.
[ ١ / ٦٠٢ ]
الصَّامِت، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْه، وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لأَنفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ، إِلا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٨/ ١٣٢.
٢ - (لَيْثٌ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٧.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله المدنيّ، أحد العلماء العاملين، صدوقٌ، إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -[٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، ورجاء بن حيوة، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن، وصيفي مولى أبي أيوب، وعامر بن عبد الله بن الزبير، والأعرج، وأبي الزناد، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وهو أكبر منه، وعبد الوهاب بن بُخْت، ومات قبله، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وهو من أقرانه، ومالك، ومنصور، وشعبة، وزياد بن سعد، والسفيانان، والليث، وسليمان بن بلال، ويحيى القطان، وخلق كثير.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة. وقال أيضًا: سألت أبي عن محمد بن عجلان، وموسى بن عقبة؟ فقال: جميعًا ثقة، وما أقربهما. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقدمه على داود بن
[ ١ / ٦٠٣ ]
قيس الفراء. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمرو، وما يشك في هذا أحد. كان داود بن قيس: يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه، وكان يقول: إنها اختطلت على ابن عجلان - يعني أحاديث سعيد المقبري -. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا فقيهًا، وكانت له حلقة في المسجد، وكان يفتي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، لَمْ يحدث عنه مالك إلَّا يسيرًا. وقال ابن عيينة: كان ثقة عالمًا. وقال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة. ولَمّا ذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" هذه القصة قال: ليس هذا بِوَهْنٍ يُوَهَّنُ الإنسانُ به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، وربما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فهذا مما حُمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته، فلا يجب الاحتجاج إلَّا بما يروي عنه الثقات. وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع. وقال الواقدي: سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من ثلاث سنين، قال: وقد رأيته، وسمعت منه، ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن يونس: قدم مصر، وصار إلى الإسكندرية، فتزوج بها امرأة، فأتاها في دبرها، فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك، فصاحوا به، فخرج منها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنف في المتابعات، ولم يحتج به، وله عنده في هذا الكتاب (١٥) حديثًا، وأخرج له الأربعة.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خَنْسَاء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤].
رَوَى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقيّ، وعبد الله بن مُحيريز، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد
[ ١ / ٦٠٤ ]
الأنصاري، وعبد ربه بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، وربيعة بن عثمان التيمي، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، وآخرون. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٥ - (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) هو: عبد الله بن مُحَيريز - بمهملة، وراء، آخره زاي، مصغّرًا - ابن جُنَادة بن وهب بن لُوذان بن سَعْد بن جُمَح بن عَمْرو بن هُصَيص الْجُمحيّ - بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها مهملة - أبو مُحَيريز المكيّ، من رَهْط أبي مَحْذُورة، وكان يتيمًا في حَجْرِه، نَزَلَ الشامَ، وسَكَنَ بيت المقدس، ثقة عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبي محذورة، وأبي سعيد الخدريّ، ومعاوية، وأبي صِرْمَة الأنصاريّ، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن السَّعْديّ، وأم الدرداء، وغيرهم.
وروى عنه عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومكحول الشاميّ، وبسر بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ابن مُحَيريز الْمُقَدَّم - يعني على خالد بن معدان - وكان الأوزاعيّ لا يذكر خمسة من السلف، إلَّا ذكر فيهم ابن مُحَيريز، ورَفَع من ذكره وفضله، قال دُحَيم: ورأيته أجلَّ أهل الشام عند أبي زرعة، بعد أبي إدريس، وأهلِ طبقته، وقال ضمرة عن الأوزاعيّ: كان ابن أبي زكريا يَقْدَمُ فلسطين، فيَلْقَى ابن محيريز، فتتصاغر إليه نفسه؛ لِمَا يَرَى من فضل ابن محيريز، وقال رَجَاء بن حَيْوَة: إن كان أهل المدينة لَيَرون ابن عمر فيهم أَمَانًا، وإنّا نَرَى ابن محيريز فينا أمانًا، وعن الأوزاعي قال: من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار المسلمين، وقال ابن أبي خيثمة: لَمْ يكن أحدٌ بالشام يَعِيب الحجاج علانية إلَّا ابن محيريز، وفي "الزهد" لأحمد عن أبي زرعة الشيباني: لَمْ يكن بالشام يُظْهِرُ عيب الحجاج إلَّا ابن محيريز، وأبو الأبيض الْعَنْسيّ، وقال له الوليد. لَتَنْتهِيَنَّ عنه، أو لأَبْعَثَنّ بك إليه.
[ ١ / ٦٠٥ ]
وقد ذكره العقيليّ في "الصحابة"، وساق بسنده إلى أبي قلابة، عن ابن محيريز، وكانت له صحبة، فذكر خبرًا.
قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظًا يكون صحابيًّا لَمْ يُسَمَّ، وأما عبد الله، فتابعيّ لا ريب فيه، وقد بالغ ابن عبد البر في الإنكار على الْعُقيليّ في ذلك، وقال ابن خِرَاش: كان من خيار الناس، وثقات المسلمين، وقال النسائيّ: ثقة.
قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ضمرة بن ربيعة: مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة تسع وتسعين، انتهي، وهو مقضى قول الهيثم بن محمديّ: إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وأما الكلاباذيّ، فقال في "رجال البخاريّ": مات في خلافة الوليد بن عبد الملك كما تقدم. انتهى (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و(٣٧٩) و(١٤٣٨) وأعاده بعده.
٦ - (الصُّنَابحيّ) عبد الرَّحمن بن عُسَيلة - بمهملة، مصغّرًا - ابن عِسْل بن عَسّال المراديّ، أبو عبد الله الصُّنَابحيّ (^٢)، من كبار التابعين، رَحَلَ إلى النبيّ - ﷺ -، فوجده قد مات، وهو في الطريق، وهو بالجحفة، قبل أن يَصِلَ إلى المدينة بخمس ليال، أو ست، فسمع أبا بكر الصديق، وخلائق من الصحابة ﵃ أجمعين.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وبلال، وسعد بن عبادة، وعمرو بن عَبَسَةَ، وشداد بن أوس، ومعاذ بن جبل، ومعاوية، وعائشة.
وروى عنه أسلم مولى عمر، وربيعة بن يزيد الدمشقيّ، وأبو الخير
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٢٩.
(٢) بضم الصاد المهملة، وتخفيف النون: نسبة إلى الصُّنَابح: بطن من مراد. "شرح النووي" ١/ ٢٢٨.
[ ١ / ٦٠٦ ]
مرثد بن عبد الله اليزنيّ، وعطاء بن يسار، وسُويد بن غَفَلة، وعبد الله بن محيريز، ومحمود بن لبيد الأنصاريّ، وعبد الله بن سعد البجليّ الكاتب، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث.
وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يُرْوَى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط: الصنابحيّ الأحمسيّ، وهو الصنابح الأحمسيّ، هذان واحد، مَن قال فيه: الصنابحيّ فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون، والثاني: عبد الرَّحمن بن عُسَيلة، كنيته أبو عبد الله، لَمْ يدرك النبيُّ - ﷺ -، بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمَن قال عن عبد الرَّحمن الصنابحيّ، فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحيّ، فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرَّحمن، فقد أخطأ، قَلَبَ اسمه، فجعله كنيته، ومَن قال: عن عبد الله الصنابحيّ، فقد أخطأ، قَلَب كنيته، فجعلها اسمه، هذا قول علي بن المدينيّ، ومن تابعه، وهذا الصواب عندي، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وكان كثير المناقب، فمن أجلّها ما أخرجه الطبراني في مسند عبادة، من طريق ابن محيريز، قال: عُدْنَا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحيّ، فقال عبادة: مَن سَرَّه أن ينظر إلى رجل، عُرِج به إلى السماء، فنَظَرَ أهل الجَنَّة، وأهل النار، فرَجَعَ وهو يعمل على ما رأي، فلينظر إلى هذا.
وذكر ابن حبان في "الثقات" عبد الرَّحمن بن عسيلة نحو ما ذكره ابن سعد، وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقال ابن معين: تأخر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك يُجلسه معه على السرير، وذكره البخاري في "التاريخ الأوسط" في "فصل من مات ما بين السبعين والثمانين".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (١٧٠٩): "بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا … ".
٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٠٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون، يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن ابن حَبّان، عبد الله بن مُحَيريز، عن الصُّنَابحيّ.
٣ - (ومنها): أن الصُّنابحيّ هذا، وهو تابعيّ كبير، ربما اشتبه على من لا دراية له بمعرفة الرجال بالصُّنابح بن الأعسر الصحابيّ - ﵁ -، فينبغي الانتباه لهذا الفرق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الصُّنَابحِيِّ) - بضم الصاد المهملة - عبد الرَّحمن بن عُسَيلة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعةٌ حسنةٌ، وتقديره: عن الصُّنابحيّ أنه حَدَّثَ عن عبادة بحديث، قال فيه: دَخلتُ عليه، ومثله ما سيأتي قريبًا في "كتاب الإيمان"، في حديث: "ثلاثة يُؤْتَون أجرهم مرتين"، قال مسلم - ﵀ -: حدثنا يحيى بن يحيى، قال. أنا هشيم، عن صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ، فقال: يا أبا عمرو إن من قبلنا من أهل خراسان، ناس يقولون كذا، فقال الشعبيّ: حدثني أبو بردة، عن أبيه … فهذا الحديث من النوع الذي نحن فيه، فتقديرّه: قال هشيم: حدثني صالح، عن الشعبيّ بحديثٍ قال فيه صالح: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ، ونظائر هذا كثير، سننبه على كثير منها في مواضعها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ مفيد.
(وَهُوَ فِي الْمَوْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير "عليه"، أي والحال أن عبادة رمنه في حال الموت، أي ظهرت عليه أماراته (فَبَكَيْتُ) بفتح الكاف، من باب ضرب، قال الأبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون بكاؤه لِمَا رأى به من كرب الموت، أو لفقده الانتفاع به، والأظهر أنه لذكره القدوم على الله تعالى؛ لأنه المناسب لتسليته بما ذُكر. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ١/ ١١٩ - ١٢٠.
[ ١ / ٦٠٨ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأظهر بكناؤه تأسّفًا على ما فقده من الانتفاع به، ولما رآه من كرب الموت عليه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: مَهْلًا) بإسكان الهاء، وتُفتح (^١)، ومعناه أنظرني، قال الجوهري (^٢): يقال: مَهْلًا يا رجل، بالسكون وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث، وهي موحدة، بمعنى أَمْهِلْ، فإذا قيل لك: مهلًا، قلت: لا مَهْلَ والله، ولا تقل: لا مهلًا والله، وتقول: ما مَهْلٌ والله بمغنية عنك شيئًا، قال الكميت [من الوافر]:
أَقُولُ لَهُ إِذَا مَا جَاءَ مَهْلًا … وَمَا مَهْلٌ بِوَاعِظَةِ الْجَهُولِ
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس فيه نهيٌ عن البكاء، لأن النهي إنما وقع بعد الوجوب والموت، وفي بكاء بصفة مخصوصة، تأتي مفسَّرة - إن شاء الله - في "الجنائز"، انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي بهذا إلى حديث جابر بن عَتِيك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله - ﷺ - فلم يُجِبه، فاسترجع رسول الله - ﷺ - وقال: غُلِبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبَكَيْنَ، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال رسول الله - ﷺ -: "دَعْهُنّ، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنّ باكية"، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت … الحديث (^٤).
والحاصل أن الجمهور على جواز البكاء قبل الموت، والأولى تركه بعد الموت، وهذا الحكم خاصّ بجريان الدمع من أثر الرحمة وحزن القلب، دون ندب ونياحة، فإن ذلك وأمثاله من لطم الخدود، وشقّ الجيوب، وخمش
_________________
(١) هكذا جوّز الوجهين في هائه في "القاموس". و"المصباح"، في في "شرح النوويّ" من ضبطه بإسكان الهاء فقط تقصير، فتنبَّه.
(٢) راجع: "الصلح" ٤/ ١٤٨٢ - ١٤٨٣.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣٥.
(٤) حديث صحيح أخرجه مالك في "الموطّإ" ١/ ٢٣٣ وأحمد في "مسنده" رقم (٢٢٦٣٣) وأبو داود (٢٧٠٤) والنسائيّ (١٨٢٣) والحاكم في "المستدرك" ١/ ٣٥٢ وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ.
[ ١ / ٦٠٩ ]
الوجوه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل والثبور، كلّ ذلك محرم بلا خلاف بين العلماء، وعلى الصفة الأولى حملوا الأحاديث الواردة في إباحة البكاء، وعلى الصفة الثانية حملوا الأحاديث الواردة في النهي عنه، جمعًا بين الأدلّة، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم.
(لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي طُلب منّي أن أَشْهَدَ (لأَشْهَدَنَّ لَكَ) أي بكونك من أهل الخير والصلاح (وَلَئِنِ شُفِّعْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي قُبِلت شفاعتي (لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ) بحذف المفعول بدليل ما بعده، أي النفعَ لك (لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ) عبادة - ﵁ - (وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنه كَتَمَ ما خَشِيَ عليهم المضرّة فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كلّ واحد، وذلك فيما ليس تحته عَمَلٌ، ولا فيه حَدٌّ من حدود الشريعة، قال: ومثل هذا عن الصحابة - ﵃ - كثيرٌ في ترك الحديث بما ليس تحته عَمَل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول العامة، أو خُشِيت مضرته على قائله، أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين أقوام وُصِفُوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم. انتهى (^١).
(إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي)، يعني قَرُبْتُ من الموت، وأيست من النجاة والحياة، قال صاحب "التحرير": أصلُ الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، فيأخذون عليه جميع الجوانب، بحيث لا يبقى له في الخلاص مَطْمَعٌ، فيقال: أحاطوا به، أي أطافوا به من جوانبه، ومقصوده قَرُبَ موتي.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ) أي منعه من دخولها، وهو بمعنى الحديث الماضي: "أدخله الله الجَنَّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ١ / ٦١٠ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، لَمْ يُخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٩) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عبد الله بن مُحيريز، عنه.
و(الترمذي) (٢٣٦٨) عن قتيبة به، و(أحمد) في "مسنده" ٥/ ٣١٨ عن يونس بن محمد، عن الليث به، و٥/ ٣١٨ عن قتيبة به، و(عبد بن حميد) في "مسنده" عن ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيّان، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن ابن محيريز، فقال: كنا جلوسًا عند عبادة بن الصامت، إذ جاء الصنابحيّ، فبكي، فقال له: ما يُبكيك … فذكره، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١٢٨) عن قتيبة بن سعيد به و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٦) و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٦)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٢٠٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].