وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٠] (…) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ
[ ١ / ٦١١ ]
وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) - بفتح الهاء، وتشديد الدال - ويقال له: هُدْبَة - بضمّ أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة - ابن خالد بن الأسود القيسيّ الثوباني، أبو خالد البصريّ الحافظ، ثقة عابدٌ، تفرّد النسائئ بتليينه، من صغار [٩].
رَوَى عن أخيه أمية بن خالد، وجرير بن حازم، وهمام بن يحيى، والحمادين، وحماد بن الْجَعْد، وسليمان بن المغيرة، وأبان بن يزيد العطار، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل، وعبد الله بن أحمد، وزكرياء الساجيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي عاصم، والبزار، والحسن بن سفيان، والمعمري، وغيرهم.
قال علي بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال عبدان الأهوازيّ: سمعت عباس بن عبد العظيم يقول: هي كتب أمية بن خالد - يعني الذي يحدث به هُدْبة - وقال عبدان: كنّا لا نصلي خلف هُدْبة من طول صلاته، يُسَبِّح نيفًا وثلاثين تسبيحة، وقال ابن عديّ: سمعت أبا يعلي، وسئل عن هدبة وشيبان، أيهما أفضل؟ فقال: هدبة أفصلهما، وأوثقهما حديثًا، وكان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين، نسخة على الشيوخ، ونسخة على المصنفين، وقال الحسن بن سفيان: سمعت هدبة يقول: صليت على شعبة، وقال ابن عدي: لَمْ أر له حديثًا منكرًا، وهو كثير الحديث، صدوق لا بأس به، وقد وثقه الناس.
[ ١ / ٦١٢ ]
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: قَوّاه النسائي مَرّةً، وضعفه مرةً.
قال أبو داود، عن محمد بن عبد الملك: مات سنة خمس وثلاثين، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ست أو سبع وثلاثين، وقال غيره: مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومائتين، وقال ابن قانع: مات أول سنة ست، وهو صالح، وفيها ذكره الْقَرّاب، عن موسى بن هارون، وقال الآجريّ، عن أبي داود: هدبة أعلى عندنا - يعني من شيبان - قيل لي: في سماعه من أخيه من الشيوخ؟ فقال: لا يُنكر له السماع، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة.
تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٤) (ع) ٥/ ٦٩.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) ٥/ ٦٩.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير - ﵁ -، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة (ع) ١/ ٢.
٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرَّحمن، من أعيان الصحابة - ﵃ -، شهد بدرًا وما بعدها، مات بالشام سنة (١٨) (ع) ٦/ ١٢٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنّ شيخه مشهور بهدّاب، وهُدْبة، وقد ذكره المصنّف رحمه الله تعالى في مواضع من الكتاب، يقول في بعضها: هُدْبة، وفي بعضها: هَدّاب، واتفقوا على أن أحدهما اسم، والآخر لقب، ثم اختلفوا في الاسم منهما، فقال أبو عليّ الغسّانيّ، وأبو محمد عبد الله بن الحسن الطَّبَسيّ (^١)،
_________________
(١) "الطَّبَسيّ" بفتحتين نسبة إلى طبس: مدينة بين نيسابور وأصبهان، وكرمان، وأبو محمد =
[ ١ / ٦١٣ ]
وصاحب "المطالع"، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ المتأخّر: هُدْبة هو الاسم، وهَدّاب لقبٌ، وقال غيرهم: هَدّابٌ اسم، وهُدْبة لقبٌ، واختار الشيخ أبو عَمْرِو بن الصلاح هذا، وأنكر الأول، وقال أبو الفضل الفلكيّ الحافظ: إنه كان يَغضَبُ إذا قيل له: هُدْبة، وذكره البخاريّ في "تاريخه"، فقال: هدبة بن خالد، ولم يذكر هدّابًا، فظاهره أنه اختار أن هدبة هو الاسم، والبخاريّ أعرف من غيره، فإنه شيخه وشيخ مسلم رحمهم الله تعالى أجمعين، ذكره النوويّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرد به هو، والبخاري، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير معاذ - ﵁ -، فمدنيّ، ثم نزل الشام، ومات بها.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - ﵁ - هذا ظاهرٌ في أنه من مسند معاذ - ﵁ -، أخذه أنس عنه، قال في "الفتح": هكذا رواه هَمّام، عن قتادة، ومقتضاه التصريح بأنه من مسند معاذ - ﵁ -، وخالفه هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقال: "عن أنس أن النبيّ - ﷺ - قال - ومعاذٌ رَدِيُفُه على الرَّحْل -: "يا معاذ"، قال: وقد تقدم في أواخر "كتاب العلم"، ومقتضاه أنه من مسند أنس، والمعتمد الأول، ويؤيده أن البخاريّ أتبع رواية هشام رواية سليمان التيميّ، عن أنس، قال: ذُكِرَ لي أن النبيّ - ﷺ - قال لمعاذ، فدَلَّ على أن أنسًا لَمْ يسمعه من النبيّ - ﷺ -، واحتَمَلَ قوله: "ذُكِرَ" على البناء للمجهول أن يكون أنسٌ حمله عن معاذ بواسطة، أو بغير واسطة، قال: وقد أشرت في شرحه في "العلم" إلى احتمال أن يكون أنس حمله عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن معاذ، أو من
_________________
(١) = هذا ممن جال الأقطار، وسمع الكثير من الشيوخ، وخرّج لهم التاريخ، وكان حافظًا ثقة، توفّي سنة (٤٤٩ هـ) بمرو الروذ "اللباب" ٢/ ٢٧٤ "المنتظم" ٩/ ١٢٥.
[ ١ / ٦١٤ ]
عبد الرَّحمن بن سَمُرَة، عن معاذ، وهذا كله بناءٌ على أنه حديث واحد، وقد رَجَحَ لي أنهما حديثان، وإن اتَّحَد مخرجهما، عن قتادة، عن أنس، ومتنهما في كون معاذ رِدْفَ النبيّ - ﷺ - للاختلاف فيما وردا فيه، وهو أن حديث الباب في حق الله على العباد، وحق العباد على الله، والماضي فيمن لقي الله لا يشرك به شيئًا، وكذا رواية أبي عثمان النَّهْديّ، وأبي رَزِين، وأبي الْعَوّام كلهم عن معاذ، عند أحمد، ورواية عمرو بن ميمون موافقة لرواية حديث الباب، ونحوُها رواية عبد الرَّحمن بن سَمُرة، عن معاذ عند النسائيّ، والرواية الأخرى موافقة لرواية هشام التي في "العلم"، قال: وقد أشرت إلى شيء من ذلك في "باب اسم الفرس والحمار"، من "كتاب الجهاد"، وقد جاء عن أنس، عن معاذ نحو حديث الباب، أخرجه أحمد من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، قال: أتينا معاذًا، فقلنا: حَدِّثنا من غرائب حديث رسول الله - ﷺ -، فذكر مثل حديث همام، عن قتادة. انتهى كلام الحافظ (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -) - بكسر الراء، وإسكان الدال - هذه الرواية المشهورة التي ضبطها معظم الرواة، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى أن أبا عليّ الطبريّ الفقيه الشافعيّ أحدَ رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء، وكسر الدال، و"الرِّدْف"، و"الرَّدِيف" هو الراكب، يقال منه: رَدِفْتُهُ بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع: إذا ركبتَ خلفه، وأردفته أنا رباعيًّا، وأصله من ركوبه على الرِّدف، وهو الْعَجُز، قال القاضي: ولا وجه لرواية الطبريّ إلَّا أن يكون فَعِل هنا اسم فاعل، مثلُ "عَجِلٍ"، و"زَمِنٍ"، و"فَرِقٍ"، إن صحت رواية الطبريّ، انتهى (^٢).
[تنبيه]: قد أفرد الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى أسماء من أردفه النبيّ - ﷺ - خلفه، فبلغوا ثلاثين نفسًا، ذكره في "الفتح" (^٣) (لَيْسَ بَيْني وَبَيْنَهُ) - ﷺ - أراد به المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضابطٌ ما رواه
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤١١ "كتاب الرقاق" رقم الحديث (٦٥٠٠).
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧ و"شرح النوويّ" ١/ ٢٣٠.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٤١٢ "كتاب اللباس" رقم الحديث (٥٩٦٧).
[ ١ / ٦١٥ ]
(إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ) - بضم الميم، بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة - هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى: "مُؤَخَّرَةٌ" - بفتح الهمزة، والخاء المشددة - قال القاضي عياض - ﵀ -: أنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت السَّرَقسطيّ: "مُؤَخَّرَةُ الرحل، ومُقَدَّمَتُهُ" بفتحهما، ويقال: "آخرة الرحل"، بهمزة ممدودة، وهذه أفصح وأشهر، وقد جمع الجوهريّ في "صحاحه" فيها ست لغات، فقال في "قادمتي الرحل": ست لغات: مُقْدِمٌ، ومُقْدِمَةٌ بكسر الدال مخففةً، ومُقَدَّم، ومُقَدَّمَةٌ، بفتح الدال مشددة، وقَادِمٌ، وقَادِمَةٌ، قال: وكذلك هذه اللغات كلها في "آخرة الرحل"، وهي الْعُودُ الذي يكون خلف الراكب، كذا نقله النوويّ في "شرحه" (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "إلَّا مؤخرة الرحل"، كذا وقع ها هنا "مُؤْخِرة"، وقرأناه على من يوثَقُ بعلمه بضم الميم، وفتح الراء، والخاء المشدّدة على أنه اسم مفعول؛ لأنَّها تُؤخِّر، وأنكر هذا اللفظ يعقوب، وابن قُتيبة، وقالا: المعروف عند العرب "آخِرَةُ الرَّحْل"، وهي العود الذي خلف الراكب، وتقابله قادمته، وقيل فيها: مؤخرة بهمز الواو خفيفة، وكسر الخاء، حكاهما صاحب "الصحاح"، وأبو عُبيدة.
و"الرَّحْلُ" للبعير كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. انتهى (^٢).
وعبارة ابن الصلاح في "الصيانة": "مؤخِرة الرحل": هي التي خلف الراكب، يستند إليها، والأكثر الأغلب تسميتها "آخرة الرحل"، وهي مُؤْخِرةُ الرحلِ" بميم مضمومة، ثم همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة خفيفة، وقالها بعض الرواة بفتح الهمزة، وفتح الخاء المشدَّدة، وهو غالبٌ على ألسنة الطلبة، وليس ذلك بثابت.
وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابيه "مشارق الأنوار"، و"إكمال المعلم" عن ابن مكيّ أنه أنكر الكسر، وقال: لا يقال: "مُقدم"، ولا "مؤخر" بالكسر، إلَّا في العين - يعني - قولهم: مُقَدِّم العين، ومؤخرها.
قال ابن الصلاح: وهذا الذي حكاه عن أبي حفص عمر بن مكيّ
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٣٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٠٢.
[ ١ / ٦١٦ ]
الصقليّ، صاحب كتاب "ما تلحن فيه العامّة" معروف عن الخليل، ومن تقدّم من أهل اللغة، وما توهّمه القاضي من كونه مخالفًا لما تقدّم ذكرُهُ وهَمٌ منه، فإن ذلك في مُقَدَّم، ومؤخَّر، بغير تاء التأنيث، والمراد به أنه لا يقال: "مُؤَخِّر السفينة"، وغيرها، و" مُقَدِّمُها" بالكسر، بل" مُؤَخَّرُها"، و" مقَدَّمُها" بالفتح والتشديد، وليس في ذلك تعرّض لمؤخِرة الرحل بتاء التأنيث، وهما نوعان، فاعلم ذلك، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (^١) وهو تحقيق جيد.
(فَقَالَ) - ﷺ - (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) يجوز في "معاذ" وجهان من الإعراب، أحدهما: الفتح، والضمّ، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَنَحْوَ "زيدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ"
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وحاصل المسألة أنه إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووُصف بابن "مضافٍ إلى علم، ولم يُفصَل بين المنادى وبين "ابن" جاز لك في المنادى وجهان: البناء على الضمّ، على الأصل؛ لأنه منادى مفرد علم، فتقول: "يا معاذُ بنَ جبل"، فتضم الذال، والفتح؛ إتباعًا، فتقول: "يا معاذَ بن جبل"، فتفتحها، ويجب حذف ألف "ابن" والحالة هذه خطًّا.
وأما إذا لَمْ يقع "ابن" بعد علم، نحو "يا غلامُ ابنَ عمرو"، أو لَمْ يقع بعده علمٌ، نحو "يا زيدُ ابنَ أخينا"، وجب ضمّ المنادي، وامتنع فتحه، ويجب إثبات ألف "ابن"، والحالة هذه (^٢).
(قُلْتُ: لَبَّيْكَ) بفتحٍ اللام، تثنية "لَبّ"، ومعناه إجابةً لك بعد إجابة، وقيل: قربًا منك، وطاعة لك، وقيل: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: محبتي لك، وقيل: غير ذلك.
وقال الخليل: لَبّ بالمكان: أقام به، حكاه عنه أبو عبيدة، قال الفرّاءُ: ومنه قولهم: لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك، وكان حقَّه أن يقال: لبًّا لك، فثُنّي على معنى التأكيد، أي إلبَابًا لك بعد إلباب، وإقامةً بعد إقامة، قال
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) راجع: "شرح ابن عقيل على الخلاصة مع حاشية الخضريّ" ٢/ ١١٦ - ١١٨.
[ ١ / ٦١٧ ]
الخليل: هذا من قولهم: دار فلان تلبّ داري: أي تحاذيها، أي مواجهك بما تُحبّ إجابةً له، والياء للتثنية، وقال ابن الأنباريّ في "لبيك" أربعة أقوال:
[أحدها]: إجابتي لك، مأخوذ من لَبَّ بالمكان، وألبّ به: إذا أقام به، وقالوا: لبيك، فثنَّوْا؛ لأنهم أرادوا إجابةً بعد إجابةٍ، كما قالوا: حَنَانَيْكَ: أي رحمةَّ بَعد رحمةٍ، وقال بعض النحويين: أصل "لبيك" لبّبك، فاستُثقل الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا: تظنّيتُ، أصله تظَنّنْتُ.
[والثاني]: اتّجاهي يا ربّ، وقصدي لك، فثُنّيَ للتأكيد؛ أخذًا مَن قولهم: داري تلبّ دارك، أي تواجهها.
[والثالث]: محبّتي لك يا ربّ، من قول العرب: امرأةٌ لَبّةٌ: إذا كانت محبّةً لولدها، عاطفةً عليه.
[والرابع]: إخلاصي له يا ربّ، من قوله: حَسَبٌ لُبَابٌ إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولبابه (^١).
[تنبيه]: "لبيك" من المصادر التي يجب حذف فعلها، ونصبه، وكان حقّه أن يقال: لَبًّا لك، ولكنه ثُنّي على معنى التأكيد، فأصله "لبّين"، فحذفت النون للإضافة، كما في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ "طُورِ سِينَا"
قال الفراء: نُصِب على المصدريّة، وقال ابن السكِّيت: كقولك: حمدًا وَشكرًا.
وهو من الأسماء الملازمة للإضافة إلى الضمير، كَـ "سَعْدَيك"، كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ … إِيلَاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ
كَـ "وَحْدَ" "لَبَّى" وَ"دَوَالَيْ" "سَعْدَيْ" … وَشَذَّ إِيلَاءُ "يَدَيْ" لِـ "لَبَّيْ"
(رَسُولَ اللهِ) بالنصب على أنه منادى حُذف منه حرف النداء، وهو جائزٌ، كما قال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ٢٠٦.
[ ١ / ٦١٨ ]
وقال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
أي: يا رسول الله (وَسَعْدَيْكَ) هو مثل"لبيك"، ومعناه إسعادًا لك بعد إسعاد، وقال النوويّ: معنى"سعديك": أي ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدة.
(ثُمَّ سَارَ) - ﷺ - (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ) - ﷺ - (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) إنما كرر النبيّ - ﷺ - نداء معاذ - ﵁ - ثلاثًا؛ لتأكيد الاهتمام بما يُخبره به، وليكمل تَنَبُّهُ معاذٍ فيما يَسمعه، وقد ثبت في "الصحيح" أنه - ﷺ -: "كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا"، لهذا المعنى، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: حقّ الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه، وألزمهم إِيَّاهُ بخطابه انتهى (^١).
وقال صاحب "التحرير": اعلم أنّ الحقّ كلُّ موجودٍ متحققٍ، أو ما سيوجد لا مَحَالةَ، والله - ﷾ - هو الحق الموجود الأزليّ الباقي الأبديّ، والموت والساعة والجنة والنار حقٌّ؛ لأنَّها واقعة لا مَحالَةَ، وإذا قيل للكلام الصدقِ: حقٌّ، فمعناه أن الشيء الْمُخْبَرَ عنه بذلك الخبر واقع، متحققٌ، لا تردُّد فيه، وكذلك الحق المستَحَقُّ على العبد من غير أن يكون فيه تردد وتحير، فحقُّ الله تعالى على العباد، معناه ما يستحقه عليهم مُتَحَتِّمًا عليهم، وحق العباد على الله تعالى معناه أنه متحققٌ لا مَحَالةَ، هذا كلام صاحب "التحرير".
وقال غيره: إنما قال: "حقهم على الله تعالى" على جهة المقابلة لحقه عليهم، ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه: حَقُّكَ واجب علي، أي متأكد قيامي به، ومنه قول النبيّ - ﷺ -: "حَقٌّ على كلّ مسلم أن يغتسل في كلّ سبعة أيام"، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ في "شرحه" (^٢).
(قَالَ) معاذ - ﵁ - (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - (فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٠٣.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٣١.
[ ١ / ٦١٩ ]
الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، المراد بالعبادة عملُ الطاعات، واجتناب المعاصي، ولقد أحسن الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى حيث عرّف العبادة بتعريف جامع مانع، فقال في "نونيّته":
وَعِبَادَةُ الرَّحْمَانِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ
وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ … مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ
وَمَدَارُهُ بِالأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ … لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
وإنما عَطَفَ عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الْكَفَرة كانوا يَدَّعُون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، فاشتَرَطَ نفي ذلك.
وجملة "لا يُشركون إلخ" حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به، قال ابن حبان رحمه الله تعالى: عبادة الله إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: "في حق العباد إذا فعلوا ذلك"، فَعَبَّرَ بالفعل، ولم يُعَبِّر بالقول، ذكره في "الفتح" (^١).
وقال في موضع آخر: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد باقتضاء، وششدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذّب رسول الله، فقد كذّب الله، ومن كذّب الله فهو مشرك، أو هو مثلُ قول القائل: من توضّأ صحّت صلاته، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به. انتهى (^٢).
(ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ) - ﷺ - ("يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) - ﷺ - ("هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، أي العبادة، مع عدم الشرك (قَالَ) - ﵁ - (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - ("أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ")، وفي رواية ابن حبان من طريق عمرو بن ميمون: "أن يغفر لهم، ولا يعذبهم"، وفي رواية أبي عثمان: "يُدخِلهم الجَنَّة"، وفي رواية أبي الْعَوّام مثله، وزاد: "ويغفر لهم"، وفي رواية عبد الرَّحمن بن غَنْم: "أن يدخلهم الجَنَّة".
قال القرطبي رحمه الله تعالى: حَقُّ العباد على الله: ما وَعَدَهم به من
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) "الفتح" ١/ ٢٧٥.
[ ١ / ٦٢٠ ]
الثواب والجزاء، فَحَقَّ ذلك، ووجَبَ بحكم وعده الصدق، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله - ﷾ - لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل؛ لأنه كاشف لا موجب، انتهى (^١).
وقال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى في "شرح الطحاويّة" معلِّقًا على هذا الحديث: فهذا حقّ وجب بكلماته التامّة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحقّ على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله تعالى هو المنعم على العباد بكل خير، وحقّهم الواجب بوعده هو أن لا يُعذبّهم، ولقد أحسن القائل [من الكامل]:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبُ … كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ السَّامِعُ
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كون المطيع يستحقّ الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحقّ المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلَّا أنه أخبر بذلك، ووعدُهُ صدقٌ، ولكن أكثر الناس يُثبتون استحقاقًا زائدًا على هذا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، لكن أهل السنّة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحقّ، لَمْ يوجبه عليه مخلوقٌ، والمعتزلة يدّعون أنه واجبٌ عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يَجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقّون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغَلِطوا في ذلك، وهذا الباب غَلِطَت فيه الجبريّة، والقدريّة، أتباع جهم، والقدريّة النافية. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": تمسك بعض المعتزلة بظاهره، ولا مُتَمَسَّكَ لهم فيه؛ لأن المراد بالحقّ هنا المتحقق الثابت، أو الجدير، لأن إحسان الربّ لمن لَمْ يتخذ ربًّا سواه جديرٌ في الحكمة أن لا يعذبه، أو المراد أنه كالواجب في
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٠٣.
(٢) راجع "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص ٤٨ - ٤٩.
[ ١ / ٦٢١ ]
تحققه وتأكده، أو ذكر على سبيل المقابلة، انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١١/ ١٥٠] (٣٥) عن هدّاب بن خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه.
و(البخاريّ) في "اللباس" (٥٩٦٧) و"الرقاق" (٦٥٠٠) و"الاستئذان" (٦٢٦٧) عن هُدْبَةَ بن خالد - و"الاستئذان" (٦٢٦٧) عن موسى بن إسماعيل - كلاهما عن همام بن يحيى به. و(النسائي) في "عمل اليوم والليلة" (١٨٦) عن عمرو بن عليّ، عن أبي داود، عن همام به نحوه.
و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٢٨) عن وكيع - و(٥/ ٢٣٦) عن أبي معاوية - عن الأعمش، عن أبي سفيان - وفي (٥/ ٢٤٢) عن عفان، عن هَمَّام، عن قتادة - كلاهما عن أنس بن مالك - ﵁ - به، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٧ و٢٨ و٢٩) في "مستخرجه" (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩ و١٤٠) و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اتّفق فيه الشيخان بإخراجه عن شيخ واحد، وهو هدّاب بن خالد، وذكره البخاري بِهُدْبة بن خالد، وقد تقدّم أنه يطلق عليه الاسمان، أحدهما اسمه، والآخر لقبه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": هذا الحديث من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع، عن شيخ واحد، بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جِدًّا، ولكنه أضاف إليه في "الاستئذان" موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لَقِيناه ما أخرجه في موضعين بسند، فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) "الفتح" ١١/ ٤١٣.
[ ١ / ٦٢٢ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان حقّ الله تعالى الذي أوجبه على عباده، وهو أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا.
٢ - (ومنها): بيان حقّ العباد على الله تعالى الذي أوجبه على نفسه فضلًا منه ونعمةً، وهو أن يدخلهم الجَنَّة، ولا يعذبهم.
٣ - (ومنها): جواز ركوب اثنين على دابّة إذا كانت تُطيق ذلك.
٤ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ - ﷺ -، حيث كان يُردف أصحابه، ولا يتكبّر عليهم.
٥ - (ومنها): بيان فضل معاذ - ﵁ -، وحسن أدبه في القول، وفي العلم، بردّه لِمَا لَمْ يُحطْ بحقيقته إلى علم الله تعالى، وعلم رسوله - ﷺ -، وقرب مَنْزِلته من النبيّ - ﷺ -.
٦ - (ومنها): استحباب تكرار الكلام؛ لتأكيده، وتفهيمه، وهكذا هديه - ﷺ -، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: "أنه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسَلَّمَ عليهم سَلَّم عليهم ثلاثًا".
٧ - (ومنها): مشروعيّة استفسار الشيخ تلميذه عن الحكم؛ ليختبر ما عنده من العلم، ويُبَيِّن له ما يُشْكِلُ عليه منه.
٨ - (ومنها): مشروعيّة إجابة الداعي بـ "لبيك، وسعديك".
٩ - (ومنها): أن فيه بشارة عظيمة للموحّدين الذين لا يشركون بالله تعالى شيئًا، حيث وعدهم الله تعالى الذي لا يخلف وعده، أن لا يعذّبهم، بل يُكرمهم بدخول الجَنَّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبسندنا المتَّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَص، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ،
[ ١ / ٦٢٣ ]
تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِن حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ - ﷿ - أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ؟ "لَا تُبَشَرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو الأَحْوَص، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ) الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) ٤/ ١١٤.
[تنبيه]: "أبو الأحوص" في سند المصنّف هو سلّام بن سُليم، كما صرّح به، ورواه البخاريّ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ - ﵁ -، فأبو الأحوص هو عمّار بن رُزيق.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": كنتُ أظنّ أنه سلّام بن سُليم، وعلى ذلك يدلّ كلام المزيّ، لكن أخرج هذا الحديث النسائيّ، عن محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، شيخ شيخ البخاريّ فيه، فقال: "عن عمّار بن رُزيق، عن أبي إسحاق"، والبخاريّ أخرجه ليحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وكنية عمّار بن رُزيق أبو الأحوص، فهو هو، ولم أَرَ من نبّهَ على ذلك، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود عن هنّاد بن السريّ، كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وأبو الأحوص هذا هو سلّام بن سُليم، فإن أبا بكر، وهنّادًا أدركاه، ولم يُدركا عمّارًا، انتهى كلام الحافظ (^١)، وهو بحثٌ مُهِمٌّ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السَّبِيعيِّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بأخَرة، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) ٢/ ١١.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٧٠ "كتاب الجهاد" رقم الحديث (٢٨٣٧).
[ ١ / ٦٢٤ ]
٤ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأَوْديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي، أدرك الجاهلية، ولم يَلْقَ النبي - ﷺ -، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ، مشهور [٢].
روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي مسعود البدري، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم.
وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثَيم، وأبو إسحاق السبيعي، ويزيد بن شريك، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبوه، وغيرهم.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق: كان أصحاب النبي - ﷺ - بعمرو بن ميمون. وقال يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه: كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد، فرُؤي ذُكِر الله. وقال الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد الرَّحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ اليمن رسولَ رسولِ الله - ﷺ - الشِّحر، رافعًا صوته بالتكبير، أجش الصوت، فَأَلْقَيْتُ عليه محبتي (^١) … الحديث. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، فقال: أدرك النبيّ - ﷺ -، وصَدَّقَ إليه، وكان مسلمًا في حياته. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين. ويقال: سنة (٧٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلَّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير معاذ - ﵁ -، فإنه مدنيّ، نزل الشام، ومات بها.
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن "أَلْقَيتُ" بضمير المتكلم مبني للفاعل، و"محبتي" منصوب على المفعولية، ومعناه أحببته، والله أعلم.
[ ١ / ٦٢٥ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديّ بفتح المزة، وسكون الواو (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل) - ﵁ - أنه (قَالَ: كنْتُ رِدْفَ) بكسر، فسكون (رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ) - بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، مصغّرًا - هذا هو الصواب في الرواية، وفي الأصول المعتمدة، وفي كتب أهل المعرفة بذلك، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنه بغين معجمة متروك، قال الشيخ: وهو الحمار الذي كان له - ﷺ -، قيل: إنه مات في حجة الوداع، قال: وهذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرّة أخرى غير المرّة المتقدّمة في الحديث السابق، فإن مُؤْخِرَة الرحل تختص بالإبل، ولا تكون على حمار.
قال النوويّ: ويحتمل أن يكونا قضيةً واحدةً، وأراد بالحديث الأول قدر مُوخِرة الرحل، والله أعلم، انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "عُفَير" - بالمهملة والفاء، مُصَغَّرًا - مأخوذ من الْعَفَر، وهو لون التراب، كأنه سُمِّي بذلك؛ للونه، والْعُفْرة حُمْرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سُوَيد في تصغير أسود، ووَهِمَ من ضبطه بالغين المعجمة، وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له: يعفور، وزعم ابن عبدوس أنهما واحد، وقَوّاه صاحب "الْهَدْي"، ورَدَّه الدمياطيّ، فقال: عُفَير أهداه الْمُقَوقِس، ويعفور أهداه فَرْوَة بن عمرو، وقيل بالعكس، ويعفور بسكون المهملة، وضمّ الفاء، هو اسم ولد الظبي، كأنه سُمِّي بذلك؛ لسرعته، قال الواقديّ: نَفَقَ يعفور مُنْصَرَف النبيّ - ﷺ - من حجة الوداع، وبه جزم النووي عن ابن الصلاح، وقيل: طَرَح نفسه في بئرٍ، يوم مات رسول الله - ﷺ - يه، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في ترجمة محمد بن
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٦٢٦ ]
مَرْثد في "الضعفاء"، وفيه: أن النبيّ - ﷺ - غَنِمَه من خيبر، وأنه كلم النبيّ - ﷺ -، وذكر له أنه كان ليهوديّ، وأنه خرج من جده ستون حمارًا؛ لركوب الأنبياء، فقال: ولم يبق منهم غيري، وأنت خاتم الأنبياء، فسماه يعفورًا، وكان يركبه في حاجته، ويرسله إلى الرجل، فيقرع بابه برأسه، فيعرف أنه أرسل إليه، فلما مات النبيّ - ﷺ - جاء إلى بئر أبي الهيثم بن التَّيِّهَان، فَتَرَدَّى فيها، فصارت قبره، قال ابن حبان: لا أصل له، وليس سنده بشيء، انتهى (^١).
(قَالَ) معاذ - ﵁ - (فَقَالَ) - ﷺ - ("يَا مُعَاذُ، تَدْرِي) بحذف همزة الاستفهام، وقد صُرِّح بها في الرواية التالية، أي أتدري (مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ "، قَالَ) معاذ - ﵁ - (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - ("فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"، قَالَ) معاذ - ﵁ - (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفَلَا أُبَشَرُ النَّاسَ؟ قَالَ) - ﷺ - " (لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا") بحذف نون الرفع؛ للنصب في جواب النهي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى أنهم إذا أخبرتهم بهذه البشارة، يمتنعون عن العمل، ويتركونه؛ اعتمادًا على هذه الكلمة، فاتركهم يجتهدوا في العمل.
قال في "الفتح": ما نصّه: قال ابن رجب في "شرحه" لأوائل البخاريّ (^٢): قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ - ﷺ - من تبشير الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرُّخَصِ لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يَقْصُرَ فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ - ﵁ -، فلم يَزْدَد إلَّا اجتهادًا في العمل، وخشيةً لله - ﷿ -، فأما من لَمْ يَبْلُغ مَنْزِلته فلا يؤمن أن يُقَصِّر اتَّكالًا على ظاهر هذا الخبر.
وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة أن بعض عُصَاة الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيجب الجمع بين الأمرين، وقد سَلَكُوا في ذلك مسالك:
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٧٠.
(٢) هذا الكلام ليس موجودًا في الشرح المطبوع الآن؛ لأن كتاب العلم منه مفقود.
[ ١ / ٦٢٧ ]
[أحدها]: قول الزهريّ: إن هذه الرخصة كانت قبل نزول الفرائض والحدود، وسيأتي ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء، واستبعده غيره من أن النسخ لا يدخل الخبر، وبأن سماع معاذ لهذه كان متأخرًا عن أكثر نزول الفرائض، وقيل: لا نسخَ، بل هو على عمومه، ولكنه مُقَيَّد بشرائط، كما تُرَتَّب الإحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عَمِلَ المقتضي عمله، وإلى ذلك أشار وهب بن منبه بقوله المتقدم في "كتاب الجنائز" في شرح "إنّ لا إله إلَّا الله مفتاح الجَنَّة" ليس من مفتاح إلَّا وله أسنان، وقيل: المراد ترك دخول نار الشرك، وقيل: ترك تعذيب جميع بدن الموحدين؛ لأن النار لا تُحْرِق مواضع السجود، وقيل: ليس ذلك لكل مَنْ وَحَّدَ وعَبَدَ، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يُتَصَوَّر حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية؛ لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة، وتَنْكَفُّ عن المعصية انتهى مُلَخَّصًا (^١).
وسيأتي بعد ثلاثة أحاديث حديث أنس عن معاذ - ﵄ -، نحو هذا الحديث، وفي آخره: "قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس؟ فيستبشروا، قال: "إذًا يتكلوا"، فأخبر بها معاذٌ عند موته تَأَثُّمًا، أي خروجًا من إثم كتمان العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل - ﵁ - هذا من رواية عمرو بن ميمون عنه، متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنف هنا في "الإيمان" [١١/ ١٥١] (٤٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ - ﵁ -.
_________________
(١) راجع: "الفتح الباري" للحافظ ابن حجر ١١/ ٤١٣ "كتاب الرقاق" رقم (٦٥٠٢).
[ ١ / ٦٢٨ ]
و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٥٦) عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، وهو عمّار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق به.
و(أبو داود) في "الجهاد" عن هنّاد بن السريّ، عن أبي الأحوص، وهو سلّام بن سُليم، عن أبي إسحاق، به، بقصّة الحمار فحسب.
و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٤٣) عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق به.
(النسائيّ) في "العلم" من "الكبرى" (٥٨٧٧) عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، عن عمّار بن رُزَيق، به، ولم يذكر قصة الحمار.
و(أحمد) في "مسنده" ٥/ ٢٢٨ عن وكيع، عن إسرائيل - وفي ٥/ ٢٢٨ عن عبد الرَّحمن، عن سفيان - (ح) وعبد الرزاق، عن معمر - ثلاثتهم عن أبي إسحاق به، وفوائد الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٢] (٣١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْن الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْم، أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا مُعَاذُ، أتدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد؟ "، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ"، قَالَ: "أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْه، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ "، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ، كان هو ومحمد بن المثنّى فَرَسَي رِهَان، وماتا في سنة واحدة [١٠]، (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢.
[ ١ / ٦٢٩ ]
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٥.
٥ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة، مكبّرًا - عثمان بن عاصم بن حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة سُنّيٌّ، وربّما دلّس [٤] (ت ١٢٧) (ع) ١/ ٤.
٦ - (الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ) بن أسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، والأسود بن يزيد، والأسود بن هلال، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، ومعاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، وأبي وائل، وجماعة.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو الأحوص، وشيبان النحويّ، وإسرائيل، وزائدة، ومسعر، وزهير، وأبو عوانة، وعدّة، ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، وهو من أقرانه.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال حرب: سمعت أحمد يُقَدِّمه على سماك بن حرب، وقال أبو داود، والبزار: ثقة، وقال ابن سعد: تُوُفِّي في إمارة يوسف بن عُمَر بالكوفة، وذكره ابن حبان، وابن شاهين في "الثقات"، وقال العجليّ: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير الحديث، إلَّا أنه شيخٌ عَال، مات سنة (١٢٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٧ - (الأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ) المحاربيّ، أبو سَلَّام الكوفيّ، مخضرمٌ ثقة جليلٌ [٢].
رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود، والمغيرة، وأبي هريرة، وثعلبة بن زَهْدَم.
وروى عنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو حَصِين، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ما علمتُ إلَّا خيرًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال
[ ١ / ٦٣٠ ]
العجليّ: كان جاهليًّا، وكان رجلًا من أصحاب عبد الله، ووثقه، وذكره الباوَرْديّ، وجماعة ممن أَلَّفَ في الصحابة (^١)؛ لادراكه، وقال ابن سعد، عن الأسود: هاجرتُ زمن عمر، فذكر قصةً، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: تُوُفِّي زمن الحجاج بعد الجماجم، وقال عمرو بن عليّ: سنة (٨٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: بينا أنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، إذ نزل، فقضى حاجته … " الحديث.
٨ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير الأسود بن هلال، فلم يخرج له الترمذيّ، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين اتفق الأئمة الستّة على الرواية عنهم دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون إلَّا الصحابيّ، كما مرّ قريبًا.
٥ - (ومنها): أن فيه مقارنة بين راويين في موضعين، في أول السند بين شيخيه، وفي وسطه بين أبي حَصِين، والأشعث.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في "الصحيحين" من يكنى بأبي حَصِين بفتح، فكسر، مكبّرًا غير عثمان بن عاصم هذا، ولا يوجد فيهما من اسمه حَصِين بهذا الضبط أصلًا.
٧ - (ومنها): أن الأشعث، والأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب،
_________________
(١) متعلق بـ "ذكره"، أي عدُّوه في جملة الصحابة لأجل أنه أدرك زمن النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٦٣١ ]
وجملة ما رواه المصنّف للأشعث اثنا عشر حديثًا، وللأسود حديثان فقط، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ "، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ") ببناء الفعلين للمفعول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "يُعْبَدُ" بضم المثنّاة تحتُ، و"شيْء" بالرفع، وهذا ظاهرٌ، وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: ووقع في الأصول "شيئًا" بالنصب، وهو صحيح على التردد في قوله: "يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا" بين وجوه ثلاثة:
[أحدها]: "يَعْبُدَ الله" بفتح الياء التي هي للمذكر الغائب، أي يَعْبُدَ العبدُ اللهَ، ولا يُشْرِكَ به شيئًا، قال: وهذا الوجه أَوْجَهُ الوجوه.
[والثاني]: "تَعْبُدَ" بفتح المثنّاة فوقُ، للمخاطب على التخصيص لمعاذ؛ لكونه المخاطب، والتنبيه به على غيره.
[والثالث]: "يُعْبَدَ" بضم أوله، على ما لَمْ يُسمَّ فاعله، ويكون قوله: "شيئًا" كناية عن المصدر، لا عن المفعول به، أي لا يُشْرَك به إشراكًا، ويكون الجارّ والمجرور في قوله: "به" هو القائم مقام الفاعل، قال: وإذا لَمْ تُعَيِّن الرواةُ شيئًا من هذه الوجوه، فَحَقٌّ على من يروي هذا الحديثَ منّا أن ينطق بها كُلّها واحدًا بعد واحدٍ؛ ليكون آتيًا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزمًا، والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن الصلاح (^١).
قال النووي رحمه الله تعالى بعد ما ذكر كلام ابن الصلاح: ما نصّه: وما ذكرناه أوّلًا صحيح في الرواية، والمعنى، والله تعالى أعلم، انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى من صحّة الرواية بضبط "يُعبد الله، ويُشرَك" بالبناء للمفعول، ورفع "شيء" على أنه
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٦٣٢ ]
نائب الفاعل، هو المتعيّن؛ لأن ما صحّ رواية لا يجوز تعدّيه إلى غيره، وإن صحَّ عربيّة، فافهمه فإنه مهمّ جدًّا.
هذا بالنسبة لهذه الرواية هنا، وإلا فرواية البخاريّ في "كتاب التوحيد" من "صحيحه" عن محمد بن بشّار بسند المصنّف بلفظ: "أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا"، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - ("أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ) أي العباد (عَلَيْهِ) أي على الله تعالى حقًّا أوجبه على نفسه فضلًا منه ومنّةً، لا إيجابًا منهم عليه، كما سبق تحقيقه قريبًا (إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، الإشارة إلى ما ذُكر من عبادته، وعدم إشراك شيء به (فَقَالَ) معاذ - ﵁ - (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - ("أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ") قد تقدّم البحث في هذه الجملة مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل - ﵁ - هذا من رواية الأسود عنه متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٢) عن محمد بن المثنّى، وابن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي حَصِين، والأشعث بن سُليم، كلاهما عن الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل - ﵁ -، وفي (١١/ ١٥٣) عن القاسم بن زكرياء، عن حسين الْجُعفيّ، عن زائدة، عن أبي حَصِين، عن الأسود به.
و(البخاريّ) في "التوحيد" (٨٣٧٣) عن محمد بن بشّار، عن غُنْدر به.
و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٢٨) عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي حَصِين به، وفي (٥/ ٢٢٩) عن محمد بن بشار به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١ / ٦٣٣ ]
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٣] (٣٢) - (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا، يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ … " نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا في السند الماضي، سوى ثلاثة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقة [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م، س ق) ٤/ ١١٦.
٢ - (حُسَيْنٌ) بن عليّ بن الوليد الْجُعفيّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد الكوفيّ المقريء، ثقة عابدٌ [٩].
رَوَى عن خاله الحسن بن الْحُرّ، والأعمش، وزائدة، وابن أبي رَوّاد، وحمزة الزيات، وإسرائيل بن موسى، وفضيل بن عياض، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وهارون الْحَمّال، ومحمد بن رافع، وجماعة، وقد روى عنه سفيان بن عيينة، وهو أكبر منه.
قال أحمد: ما رأيت أفضل من حسين، وسعيد بن عامر، وقال محمد بن عبد الرَّحمن الْهَرَويّ: ما رأيت أتقن منه، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: سمعت قتيبة يقول: قيل لسفيان بن عيينة: قَدِمَ حسين الجعفي، فوَثَبَ قائمًا، فقيل له؟ فقال: قدم أفضل رجل يكون قط، وقال موسى بن داود: كنت عند ابن عيينة، فجاء حسين الجعفيّ، فقام سفيان، فقَبَّلَ يده، وقال ابن عيينة: عَجِبت لمن مَرّ بالكوفة، فلم يُقَبِّل بين عيني حسين الجعفي، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ: إن بَقِي أحد من الأبدال، فحسين الجعفيّ، وقال أبو مسعود الرازيّ: أفضل مَن رأيت الْحَفَرِيُّ، وحسين الجعفيّ، وذكر غيرهما، وقال الحجاج بن حَمْزة: ما رأيت حسينًا الجعفيّ ضاحكًا ولا مبتسمًا، ولا سمعت منه كلمة رَكِنَ فيها إلى الدنيا، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ عن الكسائيّ: قال لي هارون الرشيد: مَن أقرأ الناس؟ قلت: حسين بن علي الجعفيّ، وقال حُميد بن الربيع الخزاز: كان لا يحدث، فرأى منامًا، فشَرَعَ يُحَدِّث حتى كتبنا عنه أكثر
[ ١ / ٦٣٤ ]
من عشرة آلاف، وقال العجليّ: ثقة، وكان يُقرئ القرآن، رأسٌ فيه، وكان صالِحًا، لَمْ أر رجلًا قط أفضل منه، وكان صحيح الكتاب، يقال: إنه لَمْ يطأ أُنثى قط، وكان جميلًا، وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه، فكان أروى الناس عنه، وكان الثوريّ إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جُعْفَي، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: بَخٍ بَخٍ، ثقة، صدوق.
قيل: ولد سنة (١١٩)، ومات سنة (٣) أو (٢٠٤)، وجزم البخاريّ، وابن سعد، وابن قانع، ومُطَيَّن، وابن حبان في "الثقات" بأنه مات سنة (٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا.
[تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في "إكماله": قوله في هذا الحديث: من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، عن زائدة "هكذا هو في أكثر النُّسَخ، والأصول، ووقع في بعضها "حُصَين" بالصاد المهملة، وكذا وجدْتُه مُصْلَحًا في كتابي بخطّي "حُصَين" بالصاد المهملة، ولستُ أدري من أين كتبته؟ وهو خطأٌ، والصواب "حسين" بالسين، وكذا وجدته مُصْلَحًا مغيَّرًا من حُصَين في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله التميميّ (^١)، وهو حُسين بن علي الجعفي، مولى الجُعفيين، وقد تكررت روايته عن زائدة في غير موضع من هذا الكتاب، ولا يُعْرَف حُصَين بالصاد، عن زائدة، والله تعالى أعلم، انتهى (^٢).
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) ٥/ ٥٢.
وقوله: (نحو حديثهم) يعني أن القاسم بن زكرياء، شيخ مسلم في الرواية الرابعة، رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين في الروايات الثلاث المتقدّمة، وهم هَدَّابٌ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثني، وابن بشار.
ورواية القاسم ساقها الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في "المستخرج"، فقال:
_________________
(١) هو محمد بن عيسى التميميّ، أخذ عنه القاضي عياض "صحيح مسلم" سماعًا، وقراءةً، وإجازةً.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٤٣ للقاضي عياض و"شرح مسلم" للنوويّ ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
[ ١ / ٦٣٥ ]
١٤٠ - حدثنا أبو محمد بن حَيّان، ثنا محمد بن عبد الرَّحمن بن الحجاج بن جَمرة، ثنا جَدِّي، ثنا حسين الجعفيّ، ثنا زائدة، عن أبي حصين، عن الأسود بن هلال، سمعت معاذ بن جبل يقول: دعاني رسول الله - ﷺ - فأجبته، فقال: "هل تدري ما حق الله على الناس؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه، لا يشركوا به شيئًا"، ثم دعاني فأجبته، فقال: "هل تدري ما حق الناس على الله، إذا فعلوا ذلك؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم، وأن لا يدخلهم النار".
رواه مسلم عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].