قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الترجمة تنبيهٌ على فساد مذهب غُلاة المرجئة القائلين: إن اللفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدلّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلوم الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها؛ لأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا، انتهى (^٢).
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٤] (٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ
_________________
(١) "المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم" ١/ ١٢٤.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٦٣٦ ]
فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا للأَنْصَار، لِبَنِي النَّجَّار، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ، مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ، كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَبُو هُرَيْرَةَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ "، قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأَتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ - قَالَ: "اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْن، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِط، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِه، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَخَلِّهِمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) ٢/ ٣.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) هو: عمر بن يونس بن القاسم الْحَنَفيّ، أبو حفص اليماميّ الْجُرَشِيّ، ثقةٌ [٩].
روى عن أبيه، وعكرمة بن عَمّار، وأيوب بن عُتْبة، وأيوب بن النَّجّار، وخَبَّاب بن فَضَالة، وعاصم بن محمد بن زيد، ومُلازِم بن عمرو، وغيرهم.
[ ١ / ٦٣٧ ]
ورَوَى عنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وأبو عمرو الناقد، وأبو موسى، وبندار، وإسحاق بن وهب الْعَلّاف، وأبو خيثمة، والعباس العنبريّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ، ولم أسمع منه، وقال ابن معين: والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُتَّقَى حديثُهُ من رواية ابن ابنه عنه؛ لأنه كان يقلب الأخبار، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في "كتاب أحكام القرآن": ثنا عليّ - هو ابن المدينيّ - ثنا عمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقةً ثبتًا، ووَثَّقه أبو بكر البزار، ويقال: مات سنة ست ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عَمّار اليماميّ، بصري الأصل، صدوقٌ يَغْلَطُ [٥].
روى عن الْهِرْماس بن زياد، وله صحبة، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسماك بن الوليد الحنفي، وضَمْضَم بن جَوْس، وأبي كثير السُّحَيمِيّ، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وابن مهديّ، وعمر بن يونس اليماميّ، وعلي بن ثابت الْجَزَريّ، وغيرهم.
قال المفضل الْغَلّابيّ: حدثنا رجل من أهل اليمامة، وسألته عن عكرمة، فقال: هو عكرمة بن عمار بن عقبة بن حَبِيب بن شِهَاب بن ذُبَاب بن الحارث بن حمصانة بن الأسعد بن جُذَيْمَة بن سعد بن عِجْل، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وقال أيضًا عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث، عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن إياس صالِحًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أحمد يُضَعِّف رواية أيوب بن عتبة، وعكرمة بن عَمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين، وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله، هل كان باليمامة أحدٌ يُقَدَّم على عكرمة اليماميّ، مثلُ أيوب بن عُتبة، ومُلازم بن عمرو، وهؤلاء؟ فقال: عكرمة فوق هؤلاء، أو نحو هذا، ثم قال: رَوَى عنه شعبة أحاديث، وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الغلابي، عن يحيى: ثبتٌ، وقال ابن
[ ١ / ٦٣٨ ]
أبي خيثمة، عن ابن معين: صدوقٌ ليس به بأس، وقال أبو حاتم، عن ابن معين: كان أُمِّيًّا، وكان حافظًا، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيوب بن عُتبة أحبّ إليك، أو عكرمة بن عمار؟ فقال: عكرمة أحب إليّ، وأيوب ضعيف، وقال ابن المدينيّ: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير، ليست بذاك، مناكير، كان يحيى بن سعيد يُضَعّفها، وقال في موضع آخر: كان يحيى يضعف رواية أهل اليمامة، مثل عكرمة، وضَرْبِه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عليّ بن المدينيّ: كان عكرمة عند أصحابنا ثقةً ثبتًا، وقال العجليّ: ثقة، يَرْوي عنه النضر بن محمد ألف حديث، وقال البخاريّ: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، كان أحمد بن حنبل يُقَدِّم عليه ملازم بن عمرو، وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلَّا في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال أبو حاتم: كان صَدُوقًا، ورُبَّما وَهِمَ في حديثه، وربما دَلَّسَ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط، وقال الساجيّ: صدوقٌ وثقه أحمد ويحيي، إلَّا أن يحيى بن سعيد ضعفه في أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير، وقَدَّم مُلازمًا عليه، وقال محمد بن عبد الله بن عَمّار: عكرمة بن عمار ثقة عندهم، ورَوَى عنه ابن مهديّ، ما سمعت فيه إلَّا خيرًا، وقال في موضع آخر: هو أثبت من مُلازم، وهو شيخُ أهل اليمامة، وقال علي بن محمد الطنافسيّ: ثنا وكيعٌ، عن عكرمة بن عمار، وكان ثقة، وقال صالح بن محمد الأَسَديّ: كان يتفرد بأحاديث طوال، ولم يَشْرَكه فيها أحد، قال: وقَدِمَ البصرة، فاجتمع إليه الناس، فقال: إلا أراني فقيهًا وأنا لا أشعر، وقال صالح بن محمد أيضًا: إن عكرمة بن عمار صدوق، إلَّا أن في حديثه شيئًا، روى عنه الناس، وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: ثقةٌ، رَوَى عنه الثوريّ، وذكره بالفضل، وكان كثير الغلط، ينفرد عن إياس بأشياء، وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا، وفي حديثه نُكْرَةٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث، إذا روى عنه ثقة، وكذا ذكر ابن حبان في "الثقات"، وقال: في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابٌ، كان يُحَدِّث من غير كتابه، وقال أبو أحمد الحاكم: جُلُّ حديثه عن يحيي، وليس بالقائم، وقال يعقوب بن
[ ١ / ٦٣٩ ]
شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: أنا أقول: إنه ثقةٌ، وأحتجُّ به، وبقوله.
وقال عاصم بن عليّ: كان مستجاب الدعوة، قال معاوية بن صالح: مات في إمارة المهديّ، وقال ابن معين وغيره: مات سنة (١٥٩).
علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٤ - (أَبُو كَثِيرٍ) السُّحَيْمِيّ - بمهملتين، مصغّرًا - الْغُبَريّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحَّدة - اليماميّ الأعمي، قيل: اسمه يزيد بن عبد الرَّحمن الضرير، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، وقيل: ابن غُفَيلة، قال أبو عوانة الإسفرائينيّ: إنه أصح من أُذينة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه ابنه زُفَرُ، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عَمّار، وعبد الله بن بَدْر السُّحَيميّ، وموسى بن نَجْدة وعقبة بن التَّوْأَم، والأوزاعيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفَرّق بين يزيد بن أُذينة، وبين يزيد بن غُفَيلة الشاميّ، وغُفَيلة - بضم المعجمة، وفتح الفاء، مصغّرًا -.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣١) و(١٩٨٥) وكرره ثلاث مرّات، و(١٩٨٩) و(٢٤٩١).
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٤٠ ]
شرح الحديث:
عن أبي هريرة - ﵁ - أنه (قَالَ: كُنَّا قُعُودًا) بالضمّ: جمع قاعد، كالركوع، والسُّجُود، جمع راكع، وساجد، كما قال الله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] (حَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال أهل اللغة: يقال: قَعَدْنا حولَهُ، وحَوْلَيه، وحَوَاليه وحواله - بفتح الحاء واللام - في جميعها، منصوب على الظرفيّة، أي على جوانبه، وفي الجهات المحيطة به، قالوا: ولا يقال: حَوَالِيهِ - بكسر اللام (^١) -.
(مَعَنَا) - بفتح العين - هذه اللغة المشهورة، ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب "المحكم"، والجوهريّ، وغيرهما، وهي للمصاحبة، قال صاحب "المحكم" "مَعَ": اسمٌ معناه الصحبة، وكذلك "مَعْ" بإسكان العين، غير أن المحركة تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة لا تكون إلَّا حرفًا، قال اللحيانيّ: قال الكسائيّ: رَبِيعةُ وغَنْمٌ يُسَكِّنون، فيقولون: "مَعْكُم"، و"مَعْنَا"، فإذا جاءت الألف واللام، أو ألف الوصل اختلفوا، فبعضهم يفتح العين، وبعضهم يَكْسِرها، فيقولون: مع القوم، ومَع ابنك، وبعضهم يقول: مَعَ القوم، ومَعَ ابنِكَ، أما مَن فَتح فبناه على قولك: كنا معًا ونحن معًا، فلما جعلها حرفًا، وأخرجها عن الاسم حذف الألف، وترك العين على فتحتها، وهذه لغة عامّة العرب، وأما مَن سَكَّن، ثم كَسَرَ عند ألف الوصل، فأخرجه مخرج الأدوات، مثال: هل، وبل، فقال: مع القوم، كقولك: هَلِ القومُ، وبَلِ القومُ (^٢)، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَ"مَعَ "مَعْ" فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ … فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ
والظرف خبر مقدّم لقوله: (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (فِي نَفَرٍ) متعلّق بحال مقدَّر، أي حال كونهما كائنين مع جماعة آخرين.
و"النَّفَرُ" بفتحتين: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نَفَرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٤ و"المصباح المنير" ١/ ١٥٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٤.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٧.
[ ١ / ٦٤١ ]
فقوله: "في نفر" من فصيح الكلام، وحُسْن الإخبار، فإنهم إذا أرادوا الإخبار عن جماعة، فاستكثروا أن يذكروا جميعهم بأسمائهم، ذكروا أشرافهم، أو بعض أشرافهم، ثم قالوا: وغيرهم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
(فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا)، وقال بعده: "كنت بين أظهُرنا"، هكذا هو في الموضعين "أَظْهُرنا"، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ووقع الثاني في بعض الأصول: "ظَهْرَينا"، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: يقال: "نحن بين أظهركم"، و"ظَهْرَيْكم"، و"ظَهْرَانَيْكُم" - بفتح النون - قال الأصمعيّ: الْعَربُ تقول: نحن بين ظَهْرَيكم، على لفظ الاثنين، وظهرانَيْكم، قال الخليل: أي بينكم، وقال غيره: والعرب تضعا لاثنين موضع الجمع، انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": هو نازلٌ بين ظَهْرَانَيْهِمْ - بفتح النون - قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أظْهُرهم كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى اسْتُعمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، انتهى (^٣).
(فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا) أي تأخّر من الرجوع إلينا (وَخَشِينَا) بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي.
قال في "القاموس": خَشِيَهُ، كرَضِيَه خَشْيًا، ويُكسر، وخَشْيَةً، وخَشَاةً، ومَخْشَاةً، ومَخْشِيَةً، وخَشَيَانًا، وتخشّاه: خافه، فهو خاشٍ، وخَشٍ، وهي خَشْيَاءُ، جمعه خَشَايَا، انتهى (^٤).
وفي "المصباح": خَشِيَ خَشْيَةً: خاف، فهو خَشْيَان، والمرأة خَشْيَا، مثلُ: غَضْبَان وغَضْبَى، وربّما قيل: خَشِيتُ بمعنى عَلِمْتُ، انتهى (^٥).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٤.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٤٥ و"شرح النووي" ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٢٨٧.
(٤) "القاموس المحيط" ص ١١٥٢.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ١٧٥.
[ ١ / ٦٤٢ ]
(أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يُصاب بمكروه من عدوّ، إما بأسر، وإما بغير ذلك قبل أن يصل إلينا، وقال القرطبيّ: أي يُحال بيننا وبينه بأخذ، أو هلاك (^١) (وَفَزِعْنَا) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ: أي خِفْنا، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "الْفَزَعُ" يكون بمعنى الرَّوْع، وبمعنى الْهُبُوب للشيء، والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال: فتصح هذه المعاني الثلاثة: أي ذُعِرْنَا؛ لاحتباس النبيّ - ﷺ - عنّا، إلا تراه كيف قال: "وخَشِينا أن يُقْتَطَع دوننا"، ويدل على الوجهين الآخرين قولُهُ: "فكنتُ أَوَّلَ من فَزعَ" انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ففزعنا" من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبلت عليه، وتفرّغت له، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
فَزِعْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ بَلَايَا تَنُوبُنِي … فَأَلْفَيْتُكُمْ مِنْهَا كَرِيمًا مُمَجَّدَا
وقد دلَّ على ذلك قوله: "فكنتُ أَوّلَ من فَزِعَ": أي أوّل من أخذ في طلبِه، وليس هو من الفزع الذي هو الذُّعْرُ والخوف؛ لأنه قد قال قبل هذا: "فخَشِينا أن يُقتَطَعَ دوننا"، ثمّ رَتَّبَ "فَزِعْنَا" عليه بفاء التعقيب المشعرة بالتسبب، والفزع مشترك يُطلق على ذينك المعنيين، وعلى الإغاثة. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما سبق عن القاضي عياض رحمه الله تعالى من صحة إطلاقه على المعاني الثلاثة هو الأولي، ولا ينافيه قوله الماضي: "فخشينا إلخ"؛ إذ يكون من باب التوكيد، فتبصر، والله تعالى أعلم.
(فَقُمْنَا) أي لطلبه، والبحث عنه، وقال القرطبيّ: قوله: "وقمنا"، أي تركنا ما كنّا فيه، وأقبلنا على طلبه.
(فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) أي أسبق من ارتاع به، أو قام لطلبه، أو لإغاثته (فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) أي أطلبه، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مبتغيًا، أي طالبًا له - ﷺ -، وإنما قال: "رسول الله"، مع أن المقام يقتضي الإضمار؛ تلذُّذًا بذكره - ﷺ - على حدّ قول القائل [من الطويل]:
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٠٥.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٤٥.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
[ ١ / ٦٤٣ ]
أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانٍ لَنَا إنَّ ذِكْرَهُ … هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
(حَتَّى أَتَيْتُ) غاية لمقدّر، أي فاستمرّ بي الذهاب إلى أن أتيتُ (حَائِطًا) أي بستانًا، وجمعه: حوائط، وسُمّي بذلك؛ لأنه حائطٌ لا سقف له (للأنصَارِ) بفتح الهمزة، وهو في الأصل جمع نَصِير، بمعنى الناصر، كشَرِيف وأشراف، لُقِّبَ به أنصار رسول الله - ﷺ - من الأوس والخزرج، غَلَبت عليهم الصفة، فجرى مجرى الأسماء، كأنه اسم الحيّ، ولذا نُسب إليه على لفظ الجمع، من غير ردّه إلى مفرده، فقال: أنصاريّ (^١)، وهذا معنى قول ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة":
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
وقوله: (لِبَنِي النَّجَّارِ) - بفتح النون، وتشديد الجيم - بدل من الجارّ والمجرور قبله، وبنو النّجّار: بطن من الخزرج، يُنسبون إلى النجّار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وإنما قيل له: النّجّار؛ لأنه اختَتَن بِقَدُوم، وقيل: ضَرَبَ رجلًا بقدُوم، فسُمّي نجّارًا، وهم أخوال عبد المطّلب بن هاشم جدّ النبيّ - ﷺ -، وهو تيم بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، قاله ابن السمعانيّ (^٢).
(فَدُرْتُ) بضمّ الدال: يقال: دار حولَ البيت يدورُ دَوْرُ ودَوَرَانًا: إذا طاف به (^٣) (بِهِ) أي بذلك الحائط (هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا) أي للدخول إلى داخله حتى يبحث عنه - ﷺ - (فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ) "إذا" هي الْفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود ربيع - بفتح، فكسر -: النهر الصغير (يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ) أي بستان (مِنْ بِئْرٍ) متعلّق بحال من "ربيع" لكونه موصوفًا بالجملة، أي حال من ذلك الرَّبِيع جاريًا من بئر (خَارِجَةٍ) صفة لـ "بئر"، أي إن تلك البئر ليست من داخل البستان، وإنما هي من خارجه، ثم أدرج عن بعض الرواة، ولم أعرفه، تفسير الربيع، فقال: (وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى:
(أما "الرَّبِيع" - فبفتح الراء - على لفظ الرَّبِيع الفصلِ المعروف، و"الْجَدْول - بفتح الجيم -، وهو النهر الصغير، وجمع الربيع: أَرْبِعَاء، كنَبِيِّ وأنبياء.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ٥/ ٢١٠.
(٢) "الأنساب" ٥/ ٣٥٦.
(٣) "المصباح" ١/ ٢٠٢.
[ ١ / ٦٤٤ ]
وقوله: "من بئر خارجة": هكذا ضبطناه بالتنوين في "بئر"، وفي "خارجة" على أن "خارجة" صفة لـ "بئر"، وكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن الأصل الذي هو بخط الحافظ أبي عامر العبدريّ، والأصل المأخوذِ عن الْجُلُودِيّ، وذكر الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ وغيره أنه رُوِي على ثلاثة أوجه:
[أحدها]: هذا.
[والثاني]: من "بئر خارجَهُ" بتنوين "بئر"، وبهاء في آخر "خارجه"، مضمومةٍ، وهي ضمير الحائط، أي البئر في موضع خارجٍ عن الحائط.
[والثالث]: "من بئرِ خارجةَ"، بإضافة "بئر" إلى "خارجة" آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر.
وخالف هذا صاحب"التحرير"، فقال: الصحيح هو الوجه الثالث، قال: والأول تصحيفٌ، قال: و"البئر" يَعْنُون بها البستان، قال: وكثيرًا ما يَفْعَلُون هذا، فيُسَمُّون البساتين بالآبار التي فيها، يقولون: "بئرُ أَرِيس"، و"بئرُ بُضاعة"، و"بئرُ حاء"، وكلُّها بساتين.
قال النوويّ - بعد نقله كلام صاحب "التحرير" هذا -: وأكثره، أو كله لا يُوافَقُ عليه، والله أعلم.
قال: و"الْبِئْرُ": مؤنثة مهموزة، يجوز تخفيف همزتها، وهي مشتقة من بَأَرْتُ: أي حَفَرتُ، وجمعها في القلّة أَبْؤُرٌ، كَأَفْلُسٍ، وأَبْآرٌ، ساكن الباء، على أفْعالٍ، ومن العرب من يَقْلِب الهمزة التي هي عين الكلمة، ويُقدِّمها على الباء، ويقول: أَأْبار، فتجتمع همزتان، فتُقلَبُ الثانيةُ ألفًا، وجوَّزَ الفرّاء القلب في "أَبْؤُر، فيقال: آبُرٌ: وجمعها في الكثرة بِئَارٌ بكسر الباء بعدها همزة، بوزن كِتَابٍ، وتصغيرها بُؤَيرَةٌ (^١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَاحْتَفَزْتُ، كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ)، قد رُوي على وجهين: رُوِي بالزاي، وروي بالراء، قال القاضي عياض: رواه عامّة شيوخنا بالراء عن الْعَبْدريّ وغيره، قال: وسمعنا عن الأسديّ، عن أبي الليث الشاشيّ، عن عبد الغافر الفارسيّ، عن الجلوديّ بالزاي، وهو الصواب، ومعناه تضامَمْتُ
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٥ و"المصباح المنير" ١/ ٦٨.
[ ١ / ٦٤٥ ]
وتداخلتُ؛ لِيَسَعني الْمَدْخَل، ومنه حديث عليّ - ﵁ -: "إذا صلّت المرأة، فلتحفز" (^١)، أي لتضامّ، وتَنْزَوي إذا سجدت، وكذا قال الشيخ أبو عمرو: إنه بالزاي في الأصل الذي بخطّ أبي عامر العبدريّ، وفي الأصل المأخوذ عن الجلوديّ، وإنها رواية الأكثرين، وإن رواية الزاي أقرب، من حيث المعنى، ويدُلّ عليه تشبيهه بفعل الثعلب، وهو تَضَامُّهُ للدخول في الْمَضَايِق (^٢).
وأما صاحب "التحرير"، فأنكر الزاي، وخَطّأَ رُوَاتها، واختار الراء، قال النوويّ: وليس اختياره بمختار، والله تعالى أعلم (^٣).
[تنبيه]: وقع في "مستخرج أبي عوانة" بالراء في المواضع كلها، إلَّا أنه تصحّف الأول إلى "فاحترفت" بتقديم الراء على الفاء، والظاهر أنه غلط من النّاسخ، والله تعالى أعلم.
(فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ) أي الرسول - ﷺ - ("أَبُو هُرَيْرَةَ؟ ") خبر لمحذوف، مع همزة الاستفهام، أي أأنت أبو هريرة؟ (فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ) - ﷺ - ("مَا شَأَنُكَ؟ ")، أي: ما حالك في دخولك عليّ في هذا المحلّ؟ (قُلْتُ: كنْتَ) بتاء الخطاب (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا (فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا) أي تأخَّر رجوعك إلينا (فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا) أي تصاب بضرر قبل وصولك إلينا (فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ) أي البستان (فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني به النفر الذين كانوا مع النبيّ - ﷺ -، فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيّون للنبيّ - ﷺ - بقوله: "فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط، يشهد أن لا إله إلَّا الله، مستيقنًا بها قلبه، فبشّره بالجنة"، فإنه قيّده بقوله: "من لقِيتَ من وراء هذا الحائط"، ولا شكّ في أن أولئك هم من أهل الجنّة، وهذا ظاهر اللفظ، وَيحتَمِل أن يقال: إن ذلك القيد مُلْغًى، والمراد هم، وكلّ من شاركهم في التلفّظ بالشهادتين، واستيقان القلب بهما.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٢٣٨) موقوفًا على عليّ - ﵁ -، وهو ضعيف؛ لأن في سنده الحارث بن عبد الله الأعور، كذّبه الشعبيّ في رأيه، وضعّفوه في روايته.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٤٤.
(٣) "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٦.
[ ١ / ٦٤٦ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو ظاهر اللفظ، لا ما قاله القرطبيّ من أن الأول هو الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - " (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (قَالَ) مؤكّد لـ"قال" الأول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الكلام فائدة لطيفة، فإنه أعاد لَفْظَةَ "قال"، وإنما أعادها؛ لطول الكلام، وحصول الفصل بقوله: "يا أبا هريرة، وأعطاني نعليه"، وهذا حَسَنٌ، وهو موجودٌ في كلام العرب، جل جاء أيضًا في كلام الله تعالى، قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: قال محمد بن يزيد: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] تكرير للأول؛ لطول الكلام، قال: ومثله قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، أعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾، لطول الكلام، والله تعالى أعلم.
وأما إعطاؤه النعلين، فلتكون علامةً ظاهرةً معلومةً عندهم، يَعرِفون بها أنه لقي النبيّ - ﷺ -، ويكون أوقع في نفوسهم، لما يُخْبِرهم به عنه - ﷺ -، ولا يُنكَرُ كون مثل هذا يفيد تأكيدًا، وإن كان خبره مقبولًا، انتهى (^١).
("اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ) بفتح اللام، مضاف إلى ياء المتكلّم، وإنما لَمْ يُكسر ما قبلها، وإن كان ذلك هو الأصل؛ لكونه مثنّى، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة":
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ "رَامٍ" وَ"قَذَى"
أَوْ يَكُ كَـ "ابْنَيْنِ"، وَ"زَيْدِينَ" فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
(هَاتَيْنِ) بدل أو عطف بيان لـ "نعليّ"، وهو تثنية "تا" اسم إشارة للمؤنّثة، كما قال في "الخلاصة":
بِـ "ذَا" لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ … بِـ "ذِي"و"ذِهْ" "تِي" "تَا" عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ
و"ها" حرف تنبيه (فَمَنْ لَقِيتَ) بكسر آلاف، يقال: لَقِيتُه أَلْقَاهُ، من باب
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٣٦.
[ ١ / ٦٤٧ ]
تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء اسْتَقْبَلَ شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيَهُ، ومنه لِقَاء البيت، وهو استقباله، قاله الفيّوميّ (^١) (مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ) أي بعد هذا البستان (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وكذا قوله (مُسْتَيْقِنًا بِهَا) أي عالِمًا بمعنى هذه الكلمة، يقال: يَقِنَ الأمرَ، كفَرِحَ يَقْنًا، وَيُحَرَّكُ، وأَيْقَنَهُ وَبِه، وتيقّنه، واستيقنه، وبه: عَلِمَهُ، وتحقَّقه، وهو يَقِنٌ، مَثلَّثَ القاف، قاله في "القاموس" (^٢)، وقال في "المصباح": اليَقِينُ: العلمُ الحاصل عن نظر واستدلال، ولهذا لا يُسمّى علم الله تعالى يَقِينًا، ويَقِنَ الأمرُ يَيْقَنُ يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستعمل متعدّيًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنْتُهُ، ويَقِنْتُ به، وأيقنتُ به، وتيقَّنتُهُ، واستيقنته: أي علمته، انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اليقين: هو العلم الراسخ في القلب الثابت فيه، قال: وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ، قال الشاعر [من الطويل]:
تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي … بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُهْ
يقول: تَشَمَّمَ الأسد ناقتي، يظنّ أنني أفتدي بها منه، وأتركها له، ولا أقاتله، قاله الجوهريّ، وقال غيره: اليقين هو السكون مع الوضوح، يقال: يَقِنَ الماءُ: أي سَكَنَ، وظهر ما تحته، انتهى (^٤).
وقوله: (قَلْبُهُ) مرفوع على الفاعليّة باسم الفاعل (فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) والمراد أنّ من كانت هذه صفته، فهو من أهل الجنّة، وإلا فأبو هريرة - ﵁ - لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق، ولا النطق دون الاعتقاد، بل لا بُدّ من الجمع بينهما، وقد تقدم إيضاحه في أول الباب، وذِكْرُ القلب هنا للتأكيد، ونفي توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا يكون إلَّا بالقلب (^٥).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٨.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١١١٨.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨١.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٠٦.
(٥) "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٧.
[ ١ / ٦٤٨ ]
(فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - بنصب "أَوَّلَ" على أنه خبر "كان"، مقدَّمًا، ورفع "عمرُ" على أنه اسمها، ويجوز العكس، و"من" موصولة، والعائد محذوفٌ؛ لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
… وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
وقال أيضًا:
وَحَذْفَ فَضلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
(فَقَالَ) أي عمر - ﵁ - (مَا) استفهاميّةٌ (هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في "شرح النوويّ" بلفظ: "فقلت: هاتين نعلا رسول الله - ﷺ - بعثني بهما"، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول: "فقلت: هاتين نعلا" بنصب "هاتين"، ورفع "نعلا"، وهو صحيح، معناه: فقلت: يعني هاتين هما نعلا رسول الله - ﷺ -، فنصب "هاتين" بإضمار "يعني" (^١)، وحذف "هما" التي هي المبتدأ؛ للعلم به.
قال الجامع عفا الله تعالى: الظاهر أن النوويّ رحمه الله تعالى لَمْ يقع عنده إلَّا بنصب "هاتين"، كما يفيده قوله: "هكذا هو في جميع الأصول"، ولكن بعض النسخ التي بين يديّ وقع فيها "هاتان" بالرفع، وهو الذي وقع في مختصر القرطبيّ، ولم يذكر في شرحه شيئًا، مع أنه يعلّق في مثل هذا، وكذا لَمْ يذكر القاضي عياض في "الإكمال" شيئًا، مع أنه كثير التنبيه على مثل هذا، ولا ابنُ الصلاح في "صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، وحمايته من الإسقاط والسقط"، مع أن مثل هذا التنبيه موضوع كتابه.
والحاصل أنه لَمْ تتّفق النسخ كلّها على ما قاله النوويّ، بل وقع في بعضها رفع "هاتان"، وهو واضح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في "مستخرج أبي نعيم" (١/ ١٢٤، ١٤١) "هاتين نعلي رسول الله - ﷺ - " بنصب الاثنين، فإن صحّت النسخة، فيؤّل على أن الأول
_________________
(١) الأوضح أن يقدّر: "أخذت هاتين".
[ ١ / ٦٤٩ ]
منصوب بفعل مقدَّر، أي أخذتُ هاتين، وقوله: "نعلي رسول الله - ﷺ - إلخ بدل منه، والله تعالى أعلم.
(بَعَثَنِي بِهِمَا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "بهما" على التثنية، وهو ظاهر، ووقع في كثير من الأصول، أو أكثرها "بها" من غير ميم، وهو صحيحٌ أيضًا، ويكون الضمير عائدًا إلى العلامة، فإن النعلين كانتا علامة، والله تعالى أعلم (^١).
(مَنْ لَقِيتُ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ)، أي ليرجع عما هو عازم عليه من تبشير الناس بما أُرسل به، لا بقصد سقوطه وإيذائه، وإنما ضرب بيده في صدره؛ ليكون أبلغ في زجره (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) تثنية "ثَدْيٍ" - بفتح الثاء، وسكون الدال - وهو مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة، واختلفوا في اختصاصه بالمرأة، فمنهم من قال: يكون للرجل والمرأة، ومنهم من قال: هو للمرأة خاصة، فيكون إطلاقه في الرجل مجازًا، واستعارةً، وقد كثر إطلاقه في الأحاديث للرجل، قاله النووي (^٢).
وقال في "القاموس": "الثَّدْيُ" - أي بفتح، فسكون - ويُكسَرُ، وكالثَّرَى، خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنِّث، جمعه أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، كَحُلِيٍّ، انتهى (^٣).
(فَخَرَرْتُ لِاسْتِي) أي على استي، فاللام بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، أي: عليها، وكأنه وَكَزَ في صدره، فوقع على استه، وليس قول من قال: خَرَّ على وجهه بشيء، قاله القرطبيّ (^٤).
وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: "الاسْتُ": الْعَجُزُ، ويُراد به حَلْقَةُ الدُّبُر، والأصل سَتَهٌ بالتحريك، ولهذا يُجمع على أَسْتَاهٍ، مثلُ سبب وأسباب، ويُصَغَّرُ على سُتَيهٍ"، وقد يُقال: سَهٌ بالهاء، وسَتٌ بالتاء، فيُعرب إعرابَ يَدٍ ودَمٍ، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء، على قياس هاء التأنيث، قال الأزهريّ: قال النحويّون: الأصلُ سَتْهٌ بالسكون، فاستثقلوا الهاء؛ لسكون التاء قبلها، فحَذَفُوا الهاءَ، وسَكَنتِ السينُ، ثم اجْتُلِبت همزة الوصل، وما نقله
_________________
(١) "شرح النووي" ١/ ٢٣٧.
(٢) "شرح صحيح مسلم" ١/ ٢٣٧.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١١٤٠.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٠٧.
[ ١ / ٦٥٠ ]
الأزهريّ في توجيهه نظرٌ؛ لأنهم قالوا: سَتِهَ سَتَهًا، من باب تَعِبَ: إِذا كَبِرَت عَجِيزته، ثم سُمّي بالمصدر، ودخله النقص بعد ثُبُوت الاسم، ودعوى السكون لا يشهد له أصلٌ، وقد نَسَبُوا إليه، سَتَهِيٌّ بالتحريك، وقالوا في الجمع: أَسْتَاهٌ، والتصغير والتكسير يرُدّان الأسماء إلى أصولها، انتهى (^١).
[تنبيه]: "است" أحد الأسماء العشرة التي بُدأت بهمزة الوصل، وأصل هذه القاعدة أن همزة الوصل إنما تأتي في الفعل الماضي إذا كان أكثر من أربعة أحرف، نحو انطلق، واستخرج، وكذا الأمرُ منه، نحو انطَلِقْ، واسْتَخْرِجْ، والمصدر، نحو انطلاقٍ، واستخراج، وكذا أمرُ الثلاثيّ، نحو اخشَ، وامض، وانفُذ، ولم يُحْفَظْ عن العرب همزة الوصل في الأسماء التي ليست مصادر لفعل زائد على أربعة، إلَّا في عشرة أسماء: اسم، واست، وابن، وابنم، واثنين، وامريّ، وامرأة، وابنة، واثنتين، وايمن في القسم، وكذا لَمْ تُحفَظ همزة الوصل في الحروف إلَّا في "أل"، وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
لِلْوَصْلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لَا يَثْبُتُ … إِلا إِذَا ابْتُدِي بِهِ كَاسْتَثْبِتُوا
وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى … أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ نَحْوُ انْجَلَى
وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ وَكَذَا … أَمْرُ الثُّلَاثِي كَاخْشَ وَامْضِ وَانْفُذَا
وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعَ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأَنِيثٍ تَبِعْ
وَايْمُنُ هَمْزُ "أَلْ" كَذَا وَيُبْدَلُ … مَدًّا فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ
[تنبيه آخر]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "لاستي" المستحب في مثل هذا الكناية عن قبيح الأسماء، واستعمال المجاز، والألفاظ التي تُحَصِّل الغرض، ولا يكون في حورتها ما يُستحيا من التصريح بحقيقة لفظه، وبهذا الأدب جاء القرآن العزيز، والسنن، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٦.
[ ١ / ٦٥١ ]
وقد يَستَحْمِلون صريح الاسم؛ لمصلحة راجحة، وهي إزالة اللبس، أو الاشتراك، أو نفي المجاز، أو نحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، وكقوله - ﷺ -: "أَنِكْتَها"، وكقوله - ﷺ -: "أدبر الشيطان وله ضرَاط"، وكقول أبي هريرة - ﵁ -: "الحدث فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ"، ونظائر ذلك كثيرة، واستعمال أبي هريرة - ﵁ - هنا لفظ الاست من هذا القبيل، والله تعالى أعلم، انتهى (^١).
(فَقَالَ) عمر - ﵁ - (ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: ليس فعلُ عمر - ﵄ -، ومراجعته النبيّ - ﷺ - اعتراضًا عليه، ولا ردًّا لأمره، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عن مصلحةٍ ظهرت له، لَمْ يُعارض بها حكمًا ولا شرعًا؛ إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة - ﵁ - غير تطييب قلوب الأمة وبُشْرَاهم، فرأى عمر - ﵁ - أنّ كَتْمَ هذه البشرى أصلح لهم، وأحرى بهم لئلا يَتَّكِلُوا عليها، فتقلّ أعمالهم وأُجورهم، وأن ذلك أعوَد عليهم بالخير، من مُعَجَّل هذه البشرى، فلما عرضه على النبيّ - ﷺ - صَوَّبَهُ فيه. والله تعالى أعلم (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولعلّ عمر - ﷺ - قد كان سمع ذلك من النبيّ - ﷺ -، كما سمعه معاذ - ﵁ -، كما سبق في حديثه، فيكون ذلك تذكيرًا للنبيّ - ﷺ - بما قد سَمِعَ منه، ويكون سكوت النبيّ - ﷺ - عن ذلك تعديلًا على ما قد كان تعذّر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر - ﵁ - لِمَا خصّه الله تعالى من الفطنة وحضور الذهن تذكّر ذلك، واستبلد أبا هريرة؛ إذ لَمْ يتفطّن لذلك، ولا تذكّره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديبًا وتذكيرًا انتهى، والله تعالى أعلم (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولعلّ عمر سمع ذلك من النبيّ - ﷺ - إلخ، فيه نظر لا يخفى؛ إذ السياق يأبى ذلك، فإنه لَمّا قال له النبيّ - ﷺ -: "يا عمر ما حملك على ما فعلتَ؟ "، أجابه بقوله: فإني أخشى أن يتّكل الناسُ عليها، ولو كان سمع ذلك منه، لَقال له: إنك قلت لمعاذ: "لا تبشّرهم، فيتكلوا"، وإنما الظاهر من حال عمر - ﵁ - أن هذا مما أُلهمه، فإنه من
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ٢٣٨.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
[ ١ / ٦٥٢ ]
المحدّثين، فقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثُون، فإن يك في أمتي أحدٌ، فإنه عمر"، وفي رواية: "لقد كان فيمن كان قبلكم، من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ، فعمر".
وأخرج مسلم من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم"، قال ابن وهب تفسير مُحَدَّثون مُلْهَمُون، والله تعالى أعلم.
(فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَجْهَشْتُ) - بالجيم والشين المعجمة - والهمزةُ والهاءُ مفتوحتان، أي تهيّأت له، وأخذتُ فيه، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، ورأيت في كتاب القاضي عياض رحمه الله تعالى: "فَجَهِشْتُ" بحذف الألف، وهما صحيحان، قال في "القاموس": جَهَشَ إليه، كسَمِعَ، ومَنَعَ جَهْشًا، وجُهُوشًا، وجَهَشَانًا: فَزِعَ إليه، وهو يريد البكاء، كالصبيّ يَفزَعُ إلى أمه، كأجهشَ، ومن الشيء جَهَشَانًا: خاف، أو هَرَبَ، انتهى (^١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وهو أن يَفْزَع الإنسان إلى غيره، وهو متغير الوجه، مُتَهَيِّءٌ للبكاء، ولَمّا يَبْكِ بَعْدُ، وقال الطبريّ: هو الفزع والإستغاثة، وقال أبو زيد: جَهَشْتُ للبكاء والحزن والشوق، والله أعلم.
(بُكَاءً) منصوب على المفعول له، وقد جاء في رواية: "للبكاء"، و"الْبُكَاء" يُمَدُّ ويُقْصَر لغتان، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: بَكَى يبكي بُكًى، وبُكاءً بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جَمَعَ الشاعرُ اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
ويَتَعَدَّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بَكَيتُهُ، وبَكَيتُ عليه، وبَكَيتُ لَهُ، انتهى (^٢).
(وَرَكِبَني عُمَرُ) أي تَبِعَني، ومَشَى خَلْفي في الحال، بلا مُهْلَة.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٥٢٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٥٩.
[ ١ / ٦٥٣ ]
(فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي) "إذا" هي الفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود عمر - ﵁ - ورائي، و"الأَثَرُ" فيه لغتان فصيحتان، مشهورتان: إحداهما: كسرُ الهمزة، وإسكان الثاء، والثانية: فتحهما، ومعناه تَبِعَهُ عن قُرب (^١) (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)، "ما": استفهاميّةٌ، أي: أيّ شيء ثبت لك في تغيّر حالك عن الحال التي خرجت من عندي، وأنت عليها، من السرور والبهجة بوصولك إليّ، ومشاهدتك لي، وأنا سالم من كلّ مكروه، وحملك البشرى إلى الأمة؟ (قُلْتُ: لَقِيتُ) بكسر القاف، كما سبق بيانه (عُمَرَ) بن الخطّاب (فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ) من الْبُشْرَى (فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لِاسْتِي) أي سقطتُ على عجُزي من شدّة الضرب (قَالَ) أي عمر (ارْجِعْ) يا أبا هريرة، ولا تبلّغ النَّاسَ ما أُمرت به (فَقَالَ لَهُ) أي لعمر (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟) "ما" استفهاميّة أيضًا، أَيْ: أَيُّ شيءٍ حملك على منع أبي هريرة من التبليغ، حتى أذى ذلك إلى ضربه (قَالَ) عمر (يَا رَسُولَ اللهِ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلّق بخبر مبتدأ محذوف، أي أنت مَفْدِيٌّ بأبي وأمي، أو متعلِّق بفعل محذوف، أي أَفْدِيك بهما (أَبَعَثْتَ) الهمزة للإستفهام (أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ) أي بجعلك نعليك علامة على صدقه، (مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟)، فـ "من لقي" مبتدأ، وجملة "بشّره بالجنة" خبره، والجملة في محلّ نصب على الحال من "أبا هريرة"، أي حال كونه مبشّرًا من لقي إلخ (قَالَ) - ﷺ - ("نَعَمْ") أي بعثته بذلك (قَالَ) عمر - ﵁ - (فَلَا تَفْعَلْ) الفاء فصيحيّة، أفصحت عن جواب شرط مقدَّر، أي: فإذا ثبت وصحّ لديّ أنك بعثته بهذا، فأقول لك: لا تفعل هذا (فَإنِّي أَخْشَى) الفاء هنا تعليليّة؛ أي إنما أطلب منك عدم الفعل لأني أخاف (أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا) أي على هذه الشهادة، ويتركوا الأعمال (فَخَلِّهِمْ) أي اتركهم (يَعْمَلُونَ) سائر الأعمال الصالحات (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَخَلِّهِمْ") الفاء هنا فصيحيّة أيضًا، أي: فإذا كان يترتّب على التبشير اتّكالهم عليها، فاتركهم ولا تبشّرهم؛ لكي يستكثروا من الأعمال الصالحات التي تتفاوت بها
_________________
(١) "المصباح المنير" ٤/ ١ و"شرح النوويّ" ١/ ٢٣٩.
[ ١ / ٦٥٤ ]
الدرجات في الجنّة، فإن تفاوت أهلها إنما يكون بتفاوت أعمالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول أحد غيره، أخرجه هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٤) عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفيّ، عن عكرمة بن عمّار، عن أبي كثير عنه.
وأخرجه (أبو نعيم) في "المسند المستخرج" (١٤١) عن أبي محمد، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة - زهير بن حرب - بسند المصنّف، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٢٦) (^١) عن أحمد بن عليّ بن المثنّى، عن أبي خيثمة به، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده.
١ - (منها): أن مجرّد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في تحقّق الإيمان، بل لا بدّ من استيقان القلب، فالإيمان المنجي من الخلود في النار لا بُدّ فيه من الإعتقاد، والنطق معًا، فإن الإيمان اعتقاد بالجَنان، ونطق باللسان، وعملٌ بالجوارح والأركان، كما سبق البحث فيه مستوفى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): استحباب جلوس العالم لأصحابه، ولغيرهم من المستفتين وغيرهم، يُعَلِّمهم، ويفيدهم ويفتيهم.
٣ - (ومنها): ما قدمناه من أنه إذا أراد ذكر جماعة كثيرة، فاقتصر على ذكر بعضهم، ذَكَر أشرافهم، أو بعض أشرافهم، ثم قال: وغيرهم.
٤ - (ومنها): بيان ما كان الصحابة - ﵃ - عليه من القيام بحقوق رسول الله - ﷺ -، وإكرامه، والشفقة عليه، والإنزعاج البالغ لِمَا يَطْرُقُه - ﷺ -.
٥ - (ومنها): استحباب اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم، والإعتناء بتحصيل مصالحه، ودفع المفاسد عنه.
_________________
(١) "الإحسان" ٧/ ٣٧ - ٣٨ بنسخة كمال يوسف الحوت.
[ ١ / ٦٥٥ ]
٦ - (ومنها): جوازُ دخول الإنسان ملكَ غيره بغير إذنه إذا عَلِمَ أنه يَرْضَى ذلك؛ لمودة بينهما، أو غير ذلك؛ فإن أبا هريرة - ﵁ - دَخَلَ الحائط، وأقرّه النبيّ - ﷺ - على ذلك، ولم يُنْقَل أنه أنكر عليه.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا غير مُخْتَصٍّ بدخول الأرض، بل يجوز له الإنتفاع بأدواته، وأكل طعامه، والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته، ونحو ذلك من التصرف الذي يَعْلَمُ أنه لا يشقّ على صاحبه.
هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف، من العلماء رحمة الله عليهم، وصرح به أصحابنا.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا يَتَجَاوَزُ الطعام وأشباهه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما، وفي ثبوت الإجماع في حَقِّ مَن يُقْطَع بطيب قلب صاحبه بذلك نظرٌ، ولعل هذا يكون في الدراهم الكثيرة التي يُشَكّ، أو قد يُشَكّ في رضاه بها، فإنهم اتفقوا على أنه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقًا فيما تشكك في رضاه به.
ثم دليل الجواز في الباب الكتاب والسنة، وفِعلُ وقولُ أعيانِ الأمة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، والسنة هذا الحديث، وأحاديث كثيرة معروفة بنحوه، وأفعال السلف، وأقوالهم في هذا أكثر من أن تحصى، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (^١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن الإمام، وكبير القوم مطلقًا إذا رأى شيئًا، ورأى بعض أتباعه خلافَه أنه ينبغي للتابع أن يَعْرِضه على المتبوع؛ لينظر فيه، فإن ظَهَر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه، وإلا بَيَّنَ للتابع جواب الشبهة التي عَرَضَتْ له.
٨ - (ومنها): مشروعيّة إرسال الإمام، والمتبوع إلى أتباعه بعلامة يَعرِفونها؛ ليزدادوا بها طُمأنينةً.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
[ ١ / ٦٥٦ ]
٩ - (ومنها): جوازُ إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها؛ للمصلحة، أو خوف المفسدة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه" بابًا لذلك، فقال: "باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم"، فأورد فيه حديث أنس في قصة معاذ - ﵄ - الآتي بعد هذا.
١٠ - (ومنها): جواز إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراه مصلحةً، وموافقةُ المتبوع له إذا رآه مصلحةً، ورجوعه عما أَمرَ به بسببه.
١١ - (ومنها): إدخال الْمَشُورة على الإمام من أهل العلم والدين، ومن وزرائه وخاصّته، وعرضُ النصائح له، وإن لم يستشرهم (^١).
١٢ - (ومنها): جواز قول الرجل للآخر: "بأبي أنت وأمي"، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد كرهه بعض السلف، وقال: لا يُفَدَّى بمسلم، ولكن الأحاديث الصحيحة ترُدّ عليه، فهي تدلّ على جوازه، سواء كان المُفَدَّى به مسلمًا أو كافرًا، حيًّا كان أو ميتًا.
١٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز تخصيص العموم بالمصلحة المشهود لها بالإعتبار، وقد اختَلَف فيه الأصوليّون انتهى (^٢).
١٤ - (ومنها): أن في دفعه - ﷺ - لأبي هريرة - ﵁ - نعليه دليلًا على جواز عَضُدِ خبر المخبِر الواحد بالقرائن؛ تقويةً لخبره، وإن كان لا يُتّهم.
١٥ - (ومنها): اعتبار القرائن والعلامات، والعمل على ما يقتضيه من الأعمال والأحكام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة):
في اختلاف أهل العلم في جواز الاجتهاد لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى:
أما أمره - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - بالتبشير، فهو من تغير الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد جائزًا له وواقعًا منه - ﷺ - عند المحققين، وله مزية على سائر المجتهدين بأنه لا يُقَرّ على الخطأ في اجتهاده، ومن نفى ذلك، وقال: لا
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٢٤٨.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٦٥٧ ]
يجوز له - ﷺ - القول في الأمور الدينية إلا عن وحي، فليس يمتنع أن يكون قد نَزَل عليه - ﷺ - عند مخاطبته عمر - ﵁ - وحيٌ بما أجابه به، ناسخٌ لوحيٍ سَبَقَ بما قاله - ﷺ - أوّلًا.
قال النوويّ بعد ذكر كلام ابن الصلاح هذا: ما نصّه: وهذه المسألة، وهي اجتهاده - ﷺ - فيها تفصيل معروف.
فأما أمور الدنيا فاتفق العلماء - ﵃ - على جواز اجتهاده - ﷺ - فيها، ووقوعه منه.
وأما أحكام الدين، فقال أكثر العلماء بجواز الاجتهاد له - ﷺ -؛ لأنه إذا جاز لغيره فله - ﷺ - أولى، وقال جماعة: لا يجوز له لقدرته على اليقين، وقال بعضهم: كان يجوز في الحروب دون غيرها، وتوقف في كل ذلك آخرون، ثم الجمهور الذين جوَّزوه اختلفوا في وقوعه، فقال الأكثرون منهم: وُجِدَ ذلك، وقال آخرون: لم يوجد، وتوقف آخرون، ثم الأكثرون الذين قالوا بالجواز والوقوع، اختلفوا هل كان الخطأ جائزًا عليه - ﷺ -، فذهب المحققون إلى أنه لم يكن جائزًا عليه - ﷺ -، وذهب كثيرون إلى جوازه، ولكن لا يُقَرُّ عليه بخلاف غيره، وليس هذا موضع استقصاء هذا، والله تعالى أعلم، انتهى (^١).
وقال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: كان النبيّ - ﷺ - يأخذ في أمور الدنيا باجتهاده، ويرجع عن رأيه فيها أحيانًا إلى رأي غيره، كما فعل في تلقيح النخل، وفي النزول ببدر، وفيما هَمَّ به من مُصالحة الأحزاب، ولا خلاف في ذلك.
واختلف العلماء هل كان يجتهد برأيه في الشرعيّات فيما لم ينزل عليه فيه شيء أم لا؟ وهل هو معصوم في اجتهاده، أم هو كسائر المجتهدين؟ والصواب جواز الاجتهاد له، ووقوعه منه، وعصمته فيه على كلّ حال، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ١٠٥]، ودلّت الآثار الصحيحة على اجتهاده - ﷺ - في نوازل، وحكمه فيها برأيه، كقصّة أسرى بدر، قاله القاضي عياض (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ١/ ٢٤١.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.
[ ١ / ٦٥٨ ]
قال الجامع عفا الله تعالى: ملخّص هذه المسألة أن العلماء اختلفوا فيها على أقوال:
[أحدها]: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح؛ لكثرة أدلته، وقوّتها.
[الثاني]: المنع مطلقًا، وهو مذهب أبي عليّ الجبّائي المعتزليّ، وابنه أبي هاشم، وبعض أهل الظاهر.
[الثالث]: الجواز في مصالح الدنيا دون غيرها، وهو مذهب القدريّة.
[الرابع]: التوقّف في ذلك.
وكذلك اختلفوا في وقوعه من النبيّ - ﷺ -، فذهب الجمهور إلى وقوعه مطلقًا، وهو الصحيح، وذهب كثير من الحنفيّة إلى وقوعه بشرط انتظار الوحي، وذهب بعضهم إلى المنع مطلقًا، وذهب آخرون إلى وقوعه في أمور الدنيا فقط، والمذهب الخامس التوقّف.
وأما عصمته - ﷺ - من الخطإ في اجتهاده، فللعلماء فيها قولان، مؤدّاهما واحد.
[أحدهما]: امتناع وقوع الخطإ منه - ﷺ - في اجتهاده، وهو مذهب كثير من أهل العلم، وصوّبه الرازيّ، والسبكيّ، وغيرهما.
[الثاني]: - وهو الأصحّ - وقوعُ الخطإ في اجتهاده - ﷺ -، إلا أنه لا يُقرّ عليه، بل يُنبَّه إلى الصواب، وهو مذهب أكثر الحنفيّة، والشافعيّة، والحنابلة، وأصحاب الحديث، واختاره الآمديّ، وابن الحاجب، وغيرهما، وهو الأصحّ، وعليه دلّت نصوص الكتاب والسنّة (^١).
وقد ذكرت هذه الأقوال في نظمي في الأصول، بقولي:
اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ … فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ
_________________
(١) راجع لتحقيق هذه المسألة "الإحكام" للآمديّ ٤/ ١٥ و"المحصول" ٣/ ٩ - ٢٥ و"المستصفى" ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧ و"مناهج العقول" و"نهاية السول" و"منهاج الوصول" ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٨ و"اللمع" ص ٣٦٧ و"مختصر ابن الحاجب" مع حاشية التفتازاني، والجرجاني" ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢.
[ ١ / ٦٥٩ ]
وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي … حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ
وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ … جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ
وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا … وُقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا
فَاللهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ … يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ
ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لأَمْرٍ نُسِبَا … لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا
أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ … اتَّفَقُوا فِي كَوْنِه فِيهَا اجْتَهَدْ (^١)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٥] (٣٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا") (^٢).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبت [١١].
رَوَى عن ابن عيينة، وابن نُمَير، وعبد الرزاق، وأبي داود الطيالسيّ، وجعفر بن عون، وبشر بن عُمر، وابن مهدي، والقطان، وخلق كثير، وتَلْمَذَ
_________________
(١) راجع: "المنحة الرضية شرح التحفة المرضية" في تحقيق معنى الأبيات، وما احتوته من الفوائد.
(٢) كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يقدّم حديث أنس - ﵁ - هذا إلى حديثه عن معاذ - ﵁ - قبل أربعة أحاديث مُرَاعَاةً للمناسبة، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٦٠ ]
لأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وله عنهم مسائل.
وروى عنه الجماعَة، سوى أبي داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وإبراهيم الحربيّ، وعبد الله بن أحمد، والْجُوزَجانيّ، وأبو بكر محمد بن علي ابن أُخت مسلم بن الحجاج، وغيرهم.
قال مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة، من أصحاب الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الحاكم: هو أحد الأئمة، من أصحاب الحديث، من الزُّهّاد، والمتمسكين بالسنة، وقال الخطيب: كان فقيهًا عالِمًا، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ صدوقٌ، وكان غيره: أثبت منه.
قال البخاريّ: مات بنيسابور يوم الاثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لعشر خَلَوْن من جمادى الأولى، سنة (٢٥١)، وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
وله في هذا الكتاب (٩٤) حديثًا.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، ثم البصرة، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩].
روى عن أبيه، وابن عون، وشعبة، وأشعث بن عبد الملك، وبُكير بن أبي السَّمِيط، ويحيى بن العلاء الرازي.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وعفان، وعمرو بن عليّ، وبُندار، وأبو موسى، وأبو قدامة السَّرَخْسِيّ، وأبو خيثمة، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعبيد الله بن عمر القواريري وأبو غَسّان الْمِسْمَعِيّ، وغيرهم.
قال الميمونيّ: عن أحمد: كان في كتاب أبيه: ليس المعاصي من القدر، قال: فَحَجَّ، فقال الحميديّ: لا تسمعوا من هذا القدريّ شيئًا، قال: وسمعت أبا عبد الله، وسَمِع من يُكثره في الحديث والفقه، فقال: وأيُّ شيء عنده من الحديث؟ ما كتبتُ عنه سوى مجلس واحد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: صدوقٌ، وليس بحجة، وقال عباس بن عبد العظيم، عن علي بن المدينيّ: سمعت معاذ بن هشام يقول: سَمِعَ أبي من قتادة عشرة آلاف حديث، قال: ثم أخرج إلينا من الكُتُب عن أبيه نحوًا مما قال، فقال: هذا سمعته، وهذا لم
[ ١ / ٦٦١ ]
أسمعه، فجعل يُمَيِّزها، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: معاذ بن هشام عندك حجة؟ قال: أكره أن أقول شيئًا، كان يحيى لا يرضاه، وقال ابن عبدِيّ: ولمعاذ عن أبيه، عن قتادة، حديث كثير، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو رُبَّما يَغْلَط في الشيء، وأرجو أنه صدوقٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى بن معين: معاذ بن هشام أثبت في شعبة، أو غندر؟ فقال: ثقة، وثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ مأمونٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ربيع الآخر سنة مائتين، وفيها أَرَّخَه أبو حاتم، وأبو داود، وغير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٥) حديثًا.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثمّ موحّدة، وزان جعفر - أبو بكر البصريّ الدَّسْتَوائيّ - بفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح المثنّاة، ثمّ مدّ - الرَّبَعِيّ، كان يبيع الثياب التي تُجْلَب من دَسْتَوَاء، فنُسِب إليها، ورُبّما قيل له: صاحب الدَّسْتَوَائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧].
روى عن قتادة، ويونس الإسكاف، وشعيب بن الحبحاب، وعامر بن عبد الواحد الأحول، ومطر الورّاق، وأبي الزبير، والقاسم بن عوف، وبُديل بن ميسرة، وأيوب وأبي جعفر الخطميّ، وأبي عِصَام البصريّ، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي نَجِيح، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: عبد الله، ومعاذٌ، وشعبة بن الحجاج، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وابن مهدي، ويحيى القطان، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى، وغُندر، ووكيع، وخلق كثير.
قال يزيد بن زريع: كان أيوب قبل الطاعون يأمرنا بهشام، والأخذ عنه، وقال أمية بن خالد، عن شعبة: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب الحديث، يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، وكان يقول: ليتنا ننجو منه كفافًا، قال شعبة: فإذا كان هشام يقول هذا، فكيف نحن؟ وقال عليّ بن الْجَعْد: سمعت شعبة يقول: كان هشام أحفظ مني عن قتادة، وقال أيضًا: كان أعلم بحديث قتادة
[ ١ / ٦٦٢ ]
مني، وذكره ابن علية في حفاظ البصرة، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ، عن وكيع، ثنا هشام، وكان ثَبْتًا، وقال يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد، إذا سمع الحديث من هشام لا يبالي أن لا يسمعه من غيره، وقال أبو داود الطيالسيّ: هشام الدَّسْتَوَائيّ أمير المؤمنين في الحديث، وقال أبو حاتم: ثنا أبو نعيم، ثنا هشام الدستوائيّ، وأثنى عليه خيرًا، قال: وما رأيت أبا نعيم يَحُثُّ على أحد إلا على هشام، وقال أبو حاتم: وسألت أحمد بن حنبل عن الأوزاعيّ والدستوائيّ: أيهما أثبت في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الدستوائيّ لا تسأل عنه أحدًا، ما أرى الناس يروون عن أحد أثبت منه، أما مثله فعسى، وأما أثبت منه فلا، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: هشام الدستوائي أكثر في يحيى بن أبي كثير من أهل البصرة، وقال في رواية: هو أرفع من شيبان، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: الدستوائي ثبت، وقال أبو حاتم: سألت ابن المدينيّ: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال: هشام، قلت: ثم أيّ؟ قال: ثم الأوزاعيّ، وسَمَّى غيره، قال: فإذا سمعت عن هشام عن يحيى، فلا تُرِدْ به بَدَلًا، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ ثَبْتٌ في الحديث، حجةٌ، إلا أنه يَرَى القدر، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة، مَنْ أحبّ إليكما من أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قالا: هشام، قالا: والأوزاعيّ بعده، زاد عن أبي زرعة: لأن الأوزاعيّ ذهبت كتبه، قال: وأثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد، قال: وسئل أبي عن هشام وهمام أيهما أحفظ؟ فقال: هشام، وقال البزار: الدستوائيّ أحفظ من أبي هلال، وقال أبو إسحاق الْجُوزجانيّ: كان ممن تَكَلَّم في القدر، وكان من أثبت الناس.
وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: كان بينه وبين قتادة في المولد سبع سنين، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة، قال معاذ بن هشام: عاش أبي ثمانيًا وسبعين سنة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ المذكور في الباب الماضي.
[ ١ / ٦٦٣ ]
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - المذكور في الباب الماضي أيضًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ، وهو أيضًا دخل البصرة؛ للأخذ عن أهلها.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، في غير هشام، فقال: "عن قتادة".
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة، من الصحابة - ﵃ -، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد تجاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرديف: هو الراكب خلف الراكب على الدابّة، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في حديث معاذ - ﵁ -، وقوله: (عَلَى الرَّحْلِ) متعلقٌ بحال مقدّر، أي حال كونه راكبًا على الرحل، وهو بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة، آخره لام، قال في "القاموس": الرَّحْلُ: مَرْكبٌ للبعير، كالرَّاحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، ومَسْكَنُكَ، وما تستصحبه من الأثاث، انتهى (^١).
وقال في "العباب": الرَّحْلُ رَحْلُ البعير، وهو أصغر من الْقَتَب، وهو من مراكب الرجال، دون النساء، وثلاثةٌ أَرْحُلٌ، والكثيرُ رِحالٌ، وَرَحَلتُ البعيرَ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٩٠٤.
[ ١ / ٦٦٤ ]
أَرْحَلُهُ رَحْلًا: إذا شدَدْتَ على ظهره رَحْلًا، و"الْقَتَبُ" بالتحريك: رحلٌ صغيرٌ على قدر السَّنَام، انتهى (^١).
وقال في "الفتح": "الرَّحْلُ" بإسكان الحاء المهملة، أكثر ما يُستَعمَلُ للبعير، لكن معاذٌ كان في تلك الحالة رديفه - ﷺ - على حمار، كما بُيّن في رواية البخاريّ في "الجهاد".
(قَالَ) - ﷺ - ("يَا مُعَاذُ") منادى مفرد علم، مبنيّ على الضمّ (قَالَ) معاذ - ﵁ - (لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) منادى بحذف حرف النداء جوازًا، كما قال الحريريّ في "مُلحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
(وَسَعْدَيْكَ) "اللَّبّ" - بفتح اللام - معناه هنا: الإجابة، و"السَّعْد": المساعدة، وكأنه قال: لَبًّا لك، وإسعادًا لك، ولكنهما ثُنِّيا على معنى التأكيد والتكثير، أي إجابة بعد إجابة، وإسعادًا بعد إسعاد، وقد تقدّم تمام البحث فيهما قريبًا (قَالَ) - ﷺ - ("يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله، وَسَعْدَيْكَ) كرّر النداء والإجابة ثلاثًا؛ للتأكيد، فقد صحّ أنه - ﷺ - "كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه" (قَالَ) - ﷺ - ("مَا مِنْ عَبْدٍ) كلمة "ما" للنفي، وكلمة "مِنْ" زائدة للتأكيد، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ"
وقوله: "عَبد" مجرور اللفظ بـ "من"، مرفوع المحلّ على الإبتداء، ولفظ البخاريّ: "ما من أحد"، وجملة (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) صفة لـ "عبد" (إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ")، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما علمته، وقد زاد البخاريّ فيه: "صدقًا من قلبه"، وهي زيادة حسنة تنصّ على صحّة ما تضمّنته الترجمة المتقدّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة، كما قدّمناه، ومعنى صدق القلب تصديقه الجازم بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدّق به، وذلك إما
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٢٠٦.
[ ١ / ٦٦٥ ]
عن برهان، فيكون علمًا، أو عن غيره فيكون اعتقادًا جزمًا، ويجوز أن يُحرِّم الله تعالى من مات على الشهادتين على النار مطلقًا، ومن دخل النار من أهل الشهادتين بكبائره حرّم على النار جميعه، أو بعضه، كما قال في الحديث الآخر: "فتحرّم صورهم على النار" (^١)، وقال: "حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود" (^٢)، ويجوز أن يكون معناه: إن الله يُحرّمه على نار الكفّار التي تُنضج جلودهم، ثم تُبدّل بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ الآية [النساء: ٥٦]، وقد قال - ﷺ -: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يَحْيَون، ولكنّ ناسًا أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْمًا أُذن لهم في الشفاعة … " الحديث، وسيأتي للمصنّف (^٣)، انتهى كلام القرطبيّ (^٤).
وقال في "الفتح": قوله: "صدقًا" فيه احتراز عن شهادة المنافق، وقوله: "من قلبه" يمكن أن يتعلق بـ "صدقًا"، أي يشهد بلفظه، ويُصَدِّق بقلبه، ويمكن أن يتعلق بـ "يَشْهَد"، أي يشهد بقلبه، والأول أولى.
وقال الطيبيّ: قوله: "صدقًا" أقيم هنا مُقامَ الاستقامة؛ لأن الصدق يُعَبَّر به قولًا عن مطابقة القول الْمُخْبَرِ عنه، ويُعَبَّر به فعلًا عن تَحَرِّي الأخلاق المرضية، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، أي: حَقَّق ما أورده قولًا بما تَحَرّاه فعلًا، انتهى.
وأراد بهذا التقريرِ رفعَ الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول جميع من شَهِدَ الشهادتين النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد، لكن دَلَّتِ الأدلة القطعيةُ عند أهل السنة على أن طائفةً من عصاة المؤمنين يُعَذَّبون، ثم يُخرَجون من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهره غير مراد، فكأنه قال: إن ذلك مُقَيَّدٌ بمن عمل الأعمال الصالحة، قال: ولأجل خفاء ذلك لم يُؤذَن لمعاذ في التبشير به.
_________________
(١) رواه البخاريّ في "صحيحه" رقم (٧٤٣٩).
(٢) متّفق عليه، رواه البخاريّ (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) رقم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٣) يأتي برقم (١٨٤) رقم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ١ / ٦٦٦ ]
وقد أجاب العلماء عن الإشكال أيضًا بأجوبة أخرى:
[منها]: أن مطلقه مقيدٌ بمن قالها تائبًا، ثم مات على ذلك.
[ومنها]: أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، وفيه نظرٌ؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة - ﵁ - كما رواه مسلم في الحديث الماضي، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى - ﵁ -، رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قَدِمَ فيها أبو هريرة - ﵁ -.
[ومنها]: أنه خَرَجَ مَخْرَج الغالب؛ إذ الغالب أن الموحِّد يعمل الطاعة، ويجتنب المعصية.
[ومنها]: أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها، لا أصل دخولها.
[ومنها]: أن المراد النار التي أُعِدَّتْ للكافرين، لا الطبقة التي أُفردت لعصاة الموحدين.
[ومنها]: أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، كما ثبت في حديث الشفاعة، أن ذلك مُحَرَّم عليها، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، والعلم عند الله تعالى، انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة عندي الجواب الأخير، وهو الذي قدّمه القرطبيّ رحمه الله تعالى في بحثه السابق، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) معاذ - ﵁ - (يَا رَسُولَ الله، أَفلَا أُخْبِرُ بِهَا) أي بهذه البشارة (النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا؟) بحذف نون الرفع؛ لكونه منصوبًا بوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ووقع عند البخَاريّ في رواية أبي ذرّ: "فيستبشرون" بثبوت النون، قال في "الفتح": كذا لأبي ذر، أي: فهم يستبشرون، وللباقين بحذف النون، وهو أَوْجَهُ؛ لوقوع الفاء بعد النفي، أو الإستفهام، أو العرض، وهي تنصب في كل ذلك، انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٢٧٣.
(٢) "الفتح" ١/ ٢٧٣.
[ ١ / ٦٦٧ ]
(قَالَ) - ﷺ - ("إِذًا) هي "إذا" الشرطيّة، حُذف فعل شرطها وعُوِّض عنه التنوينُ (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ [الإسراء: ٧٥]، وقوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ [النساء: ٦٧]، والمعنى: إذا أخبرتهم بها (يَتَّكِلُوا) أي يستندوا إليها، ويتركوا العمل.
وقال في "الفتح": وقوله: "إذًا يَتّكِلوا" - بتشديد المثنّاة المفتوحة، وكسر الكاف - وهو جواب وجزاء، أي إن أخبرتهم يتكلوا، وللأصيليّ، والكشميهنيّ: "يَنْكُلُوا" - بإسكان الكاف - أي يمتنعوا من العمل؛ اعتمادًا على ما يتبادر من ظاهره.
ورَوَى البزار بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - في هذه القصة أن النبيّ - ﷺ - أَذِنَ لمعاذ - ﵁ - في التبشير، فلقيه عمر - ﵁ -، فقال: لا تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأيًا، إن الناس إذا سَمِعُوا ذلك اتكلوا عليها، قال: فَرَدَّه.
وهذا معدود من موافقات عمر - ﵁ -، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته - ﷺ -، واستَدَلّ بعض متكلمي الأشاعرة من قوله: "يتكلوا" على أن للعبد اختيارًا، كما سبق في علم الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا في "الفتح" هذا الاستدلال لبعض الأشاعرة، وهو الصواب الذي عليه مذهب السلف - ﵃ -.
قال الشيخ العلامة ابن باز ﵀ فيما علّقه على "الفتح": هذا الذي عَزاه الشارح لبعض متكلمي الأشاعرة هو قول أهل السنة، وهو أن للعبد اختيارًا، وفعلًا، ومشيئةً، لكن ذلك إنما يقع بعد مشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فتنبه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
(فَأَخْبَرَ بِهَا) أي بهذه البشارة (مُعَاذٌ) - ﵁ - (عِنْدَ مَوْتِهِ) أي موت معاذ - ﵁ -،
_________________
(١) كون تنوين "إذا" الشرطيّة للتعويض أثبته جماعة من النحاة، واختاروه، وقد أجاد بحثه العلامة ياسين الحمصيّ في "حاشية التصريح على التوضيح" ١/ ٣٤، فراجعه، فإنه بحث مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٦٨ ]
وأغرب الكرمانيّ، فقال: يحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله - ﷺ -، قال الحافظ: ويرده ما رواه أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵄ -، قال: أخبرني من شَهِدَ معاذًا حين حضرته الوفاة يقول: سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثًا، لم يمنعني أن أحدثكموه، إلا مخافة أن تتكلوا … "، فذكره. انتهى (^١).
وقوله: (تَأَثُّمًا") - بفتح الهمزة، وتشديد المثلثة المضمومة -: أي تجنّبًا للإثم، يقال: تأثّم فلانٌ: إذا فعل فعلًا خَرَج به من الإثم، كما يُقال: تَحرَّج: إذا فَعَل ما يخرُجُ به من الْحَرَج، قاله ابن الأثير رحمه الله تعالى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "تأثُّمًا": أي تحرّجًا من الإثم، وخوفًا منه، قال الهرويّ وغيره: وتفَعَّل كثيرًا ما يأتي لإلقاء الرجل الشيء عن نفسه، وإزالته عنه، يقال: تَحَنَّثَ، وتحرّج، وتحوّب (^٣): إذا ألقى عن نفسه ذلك، ومنه فلان يتهجّد، أي يُلقي الْهُجُود - أي النوم - عن نفسه، ومنه امرأةٌ قَذَوَّرٌ: إذا كانت تتجنّب الأقذار، حكاه الثعالبيّ، انتهى (^٤).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: تَأَثَّم الرجلُ: إذا فَعَلَ فعلًا يَخرجُ به من الإثم، وتَحَرَّج: أزال عنه الحرَج، وتحنّث: أزال عنه الْحِنْثَ.
ومعنى تَأَثُّم معاذٍ - ﵁ - أنه كان يحفظ علمًا، يَخاف فواته وذهابه بموته، فخشي أن يكون ممن كَتَمَ علمًا، وممن لم يَمْتثل أمر رسول الله - ﷺ - في تبليغ سنته، فيكون آثمًا، فاحتاط، وأخبر بهذه السنة؛ مخافةً من الإثم، وعَلِمَ أن النبيّ - ﷺ - لم ينهه عن الإخبار بها نهيَ تحريم.
قال القاضي عياض: رحمه الله تعالى: لعل معاذًا لم يَفْهَم من النبيّ - ﷺ - النهي، لكن كسر عزمه عما عَرَضَ له من بشراهم، بدليل حديث أبي هريرة - ﵁ -: "من لقيتَ يشهد أن لا إله إلا الله، مستقينًا بها قلبُهُ، فبشره
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٧٤.
(٢) "النهاية" ١/ ٢٤.
(٣) التَّحُّوبُ: التوجُّعُ، وتركُ الْحُوب أي الإثم، كالتأثُّم، أفاده في "القاموس" ص ٧٣.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ٦٦٩ ]
بالجنة"، قال: أو يكون معناه: بلغه بعد ذلك أمرُ النبيّ - ﷺ - لأبي هريرة - ﵁ -، وخاف أن يكتم علمًا عَلِمَه، فيأثم، أو يكون حَمَلَ النهي على إذاعته.
قال النوويّ: وهذا الوجه ظاهرٌ، وقد اختاره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، فقال: مَنْعُهُ من التبشير العامّ؛ خوفًا من أن يَسْمَعَ ذلك مَن لا خِبْرَة له، ولا علم، فيغترّ، وَيتَّكِل، وأخبر به - ﷺ - على الخصوص من أَمِنَ عليه الإغترار والإتكال، من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذًا، فسلك معاذٌ هذا المسلك، فأخبر به من الخاصة مَن رآه أهلًا لذلك، انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن الصلاح رحمه الله تعالى، سيأتي قريبًا ما يضعفه - إن شاء الله تعالى -.
وقال في "الفتح": قوله: "تأثّمًا": أي خشيةَ الوقوع في الإثم، والمراد بالإثم هو الحاصلُ من كتمان العلم، ودَلَّ صنيع معاذ - ﵁ - على أنه عَرَفَ أن النهي عن التبشير، كان على التَّنْزِيه، لا على التحريم، وإلا لَمَا كان يخبر به أصلًا، أو عَرَفَ أن النهي مُقَيَّدٌ بالإتكال، فأخبر به من لا يَخْشَى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيد، والأول أوجه؛ لكونه أخَّر ذلك إلى وقت موته انتهى (^٢).
وقال في محلّ آخر: قوله: "فأخبر بها معاذ عند موته تَأَثّمًا": معنى التأثم: التحرُّج من الوقوع في الإثم، وهو كالتحنُّث، وإنما خشي معاذ - ﵁ - من الإثم المرتب على كتمان العلم، وكأنه فَهِمَ من منع النبيّ - ﷺ - أن يخبر بها إخبارًا عامًّا؛ لقوله: "أفلا أبشر الناس؟ "، فأخذ هو أوّلًا بعموم المنع، فلم يخبر بها أحدًا، ثم ظَهَرَ له أن المنع إنما هو من الإخبار عمومًا، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصًّا من الناس، فجمع بين الحكمين، ويُقَوِّي ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص، لَمَا أخبر هو بذلك، وأخذ منه أن من كان في مثل مقامه في الفهم، أنه لم يُمنَع من إخباره.
وقد تُعُقِّب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه آخر، فيه انقطاع، عن معاذ - ﵁ - أنه لَمّا حضرته الوفاة قال: أَدْخِلوا عليّ الناس، فأُدخِلوا عليه،
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) "الفتح" ١/ ٢٧٤.
[ ١ / ٦٧٠ ]
فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، جعله الله في الجنة"، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صَدَقَ أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته.
وقد وقع لأبي أيوب - ﵁ - مثل ذلك، ففي "المسند" من طريق أبي ظَبْيان، أن أبا أيوب - ﵁ - غزا الروم، فمَرِض، فلما حُضِرَ، قال: سأحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة".
وإذا عُورِضَ هذا الجواب، فأُجيب عن أصل الإشكال بأن معاذًا اطّلَعَ على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريمَ، بدليل أن النبيّ - ﷺ - أَمَرَ أَبا هريرة - ﵁ - أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر - ﵁ -، فدفعه … " الحديث.
فكأنّ قوله - ﷺ - لمعاذ - ﵁ -: "أخاف أن يَتّكِلوا"، كان بعد قصة أبي هريرة - ﵁ -، فكان النهي للمصلحة، لا للتحريم، فلذلك أخبَرَ به معاذ - ﵁ - لعموم الآية بالتبليغ، انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما سبق أن أقرب الأجوبة عن الإستشكال المذكور أنّ معاذًا - ﵁ - فهم أن النهي من باب رعاية المصلحة والأولويّة، لا من باب التحريم، فترك الإخبار به حياته عملًا بظاهر النهي، فلمّا دنا أجله، وخشي موته دون أن يبلّغ ما تحمّله رأى المصلحة في إخباره به؛ إبقاءً للعلم، وهذا توجيه حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٥) عن إسحاق بن منصور، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عنه.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٧٥.
[ ١ / ٦٧١ ]
و(البخاريّ) في "العلم" ١/ ٤٤ (١٢٨) عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام به.
و(أبو نعيم) في "مستخرجهِ (١٤٢) و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩).
[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى من طريق سليمان التَّيْمِيّ، قال: سمعت أنس بن مالك، قال ذُكِرَ لي أن النبيّ - ﷺ - قال لمعاذ بن جبل: "من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة"، قال: ألا أُبَشِّرُ الناسَ؟ قال: "لا، إني أخاف أن يتكلوا".
قال في "الفتح": قوله: "ذُكِرَ لي" هو بالضم على البناء لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُسَمِّ أنس مَن ذَكر له ذلك في جميع ما وقفتُ عليه من الطرق، وكذلك جابر بن عبد الله، كما قدمناه من عند أحمد؛ لأن معاذًا إنما حَدَّث به عند موته بالشام، وجابر وأنس إذ ذاك بالمدينة، فلم يشهداه، وقد حَضَرَ ذلك من معاذ عمرُو بن ميمون الأوديّ، أحدُ المخضرمين، كما جاء ذلك في رواية البخاريّ في "كتاب الجهاد"، ورواه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن سَمُرَة الصحابي المشهور - ﵁ - أنه سمع ذلك من معاذ أيضًا، فيحتمل أن يُفَسَّر المبهم بأحدهما، والله تعالى أعلم.
ثم قال: أورد الْمِزّيّ في "الأطراف" هذا الحديث في مسند أنس، وهو من مراسيل أنس، وكان حقه أن يذكره في المبهمات.
وقوله: "من لَقِيَ الله"، أي من لقي الأجل الذي قدّره الله - يعني الموت - كذا قاله جماعة، ويحتمل أن يكون المراد البعثَ، أو رؤية الله تعالى في الآخرة.
وقوله: "لا يشرك به"، اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ مَن كَذَّب رسول الله - ﷺ -، فقد كَذَّب الله تعالى، ومن كذب الله تعالى، فهو مشرك، أو هو مثل قول القائل: "من توضأ صحت صلاته"، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به، وليس في قوله: "دخل الجنة" من الإشكال ما تقدم في سياق الحديث الماضي؛ لأنه أعمّ من أن يكون قبل التعذيب أو بعده.
[ ١ / ٦٧٢ ]
وقوله: "لا" هي للنهي، وليست داخلة على "أخاف"، بل المعنى: لا تبشر، ثم استأنف، فقال: "أخاف"، وفي رواية كريمة: "إني إخاف" بإثبات التعليل، وللحسن بن سفيان في "مسنده" عن عبيد الله بن معاذ عن معتمر: "قال: لا، دَعْهُمْ، فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا"، انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٦] (٣٣) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَني مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْء، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأَتِيَنِي، فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ -، وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِه، فَدَخَلَ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُم، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ، وَقَالَ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِه، قَالَ: "لَا يَشْهدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدْخُلَ النَّارَ - أَوْ - تَطْعَمَهُ"، قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) هو: شَيْبان بن أبي شَيْبَة الْحَبَطِيّ - بمهملة، وموحّدة مفتوحتين - مولاهم، أبو محمد الأُبُلّيّ - بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام - صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩].
روى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب الْعُطَارديّ، وأبان بن يزيد
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
[ ١ / ٦٧٣ ]
العطار، وحماد بن سلمة، وسلام بن مسكين، وعبد الوارث عن سعيد، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له أبو داود والنسائي بواسطة أبي بكر الأحمدين: ابنِ إبراهيم العطار، وابنِ علي بن سعيد المروزيّ، وزكرياء بن يحيى السِّجْزيّ، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، وَبَقِيّ بن مَخْلَد، وجعفر بن محمد الفريابيّ، وعبد الله بن أحمد، وعبدان الأهوازي، وعثمان الدارميّ، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال أحمد بن سعد بن إبراهيم، عن أحمد بن حنبل: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: كان يَرَى الْقَدَر، واضطَرَّ الناس إليه بأَخَرَة، وقال ابنُ قانع: صالحٌ، وقال مسلمة: ثقةٌ، وقال الساجيّ: قَدَريّ، إلا أنه كان صدوقًا.
وقال أبو الشيخ، عن عبدان الأهوازيّ، كان شيبان أثبت عندهم من هُدْبة، مولده في حدود سنة (١٤٠)، ومات سنة (٢٣٦)، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأَرَّخَها ابن قانع سنة (٦).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٩٣) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "ابن فَرُّوخ" هو بفتح الراء، وضم الراء المشدّدة، وبالخاء المعجمة، غير مصروف؛ للعجمة والعلمية، قال صاحب "كتاب العين": فَرُّوخ اسم ابن لإبراهيم الخليل ﵇، هو أبو العجم، وكذا نقل صاحب "المطالع" وغيره أن فَرُّوخ ابن لإبراهيم ﵇، وأنه أبو العجم، وقد نص جماعة من الأئمة على أنه لا يَنصرف لما ذكرناه، قاله النوويّ (^١).
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة، أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) ٣/ ١١٠.
٣ - (ثَابِتٌ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع و١٢٠) (ع) ٣/ ١١٠.
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٤٢.
[ ١ / ٦٧٤ ]
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي.
٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بن سُرَاقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الْخَزْرَجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدنيّ، ويقال في نسبه غير ذلك، كان خَتَنَ عبادةَ بن الصامت.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عِتْبان بن مالك، وعُبادة، وأبي أيوب، وروى عنه أنس بن مالك، والزهريّ، ورَجَاء بن حَيْوَة، ومكحول الشاميّ، وهانئ بن كُلْثوم، وأبو بكر بن أنس، نزيلُ بيت المقدس.
قال البغويّ: سكن المدينة، وروى أنه عَقَل من رسول الله - ﷺ - مَجَّةً مَجَّها من دلو في دارهم، أخرجه البخاريّ من طرُق عن الزهريّ عنه، وهو عند مسلم في أثناء حديث، وأخرجه البغويّ من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن محمود، قال: ما أنسى مجّةً مجّها رسول الله - ﷺ - من بئر في دارنا في وجهي، ووقع في بعض طرقه: وأنا ابن خمس سنين (^١).
قال الواقديّ: وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين.
قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون له عن عند موت النبيّ - ﷺ - أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد رَوَى الطبراني بسند صحيح عنه أنه قال: تُوُفّي النبيّ - ﷺ -، وأنا ابن خمس سنين، وقال ابن حبان في "الصحابة": مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن الصحابة وأمه جميلة بنت صَعْصَعَة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية، وليست له صحبة، وقال العجليّ: ثقةٌ، من كبار التابعين (^٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (^٣) (٣٣) و(٨٧٤) وكرّره ثلاث مرّات، (و١٤٩٦).
_________________
(١) "الإصابة" ٦/ ٣٣.
(٢) "تهذيب الكمال" ٢٧/ ٣٠١ - ٣٠٢ و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٣٥ - ٣٦.
(٣) ترقيم نسخة دار السلام.
[ ١ / ٦٧٥ ]
٦ - (عِتْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو بن الْعَجْلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ السَّالِمِيّ البدريّ.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد السالميّ، وأبو بكر بن أنس بن مالك، قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية، وذكر ابن سعد أن النبيّ - ﷺ -، آخى بينه وبين عمر بن الخطاب - ﵄ -.
أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود في "مسند مالك"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٨٧٤)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن شيخه، ومحمود بن الربيع، وعتبان بن مالك هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لشيخه (٩٣) حديثًا، ولمحمود - ﵁ - ثلاثةٌ، ولعتبان - ﵁ - حديثان فقط، كما أسلفناه آنفًا.
٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بشيبان في الكتب الستة أربعة:
[الأول]: شيبان بن أُميّة القتبانيّ المصريّ، مجهول من الطبقة الثالثة، عند أبي داود.
[الثاني]: شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة من السابعة، عند الجماعة.
[الثالث]: شيخ المصنّف هذا المترجم هنا.
[الرابع]: شيبان بن مُحَزِّم - بفتح المهملة، وكسر الزاي المثقّلة، ضبطه هكذا ابن ماكولا، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ في "مسند عليّ - ﵁ -".
٤ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وغير عتبان - ﵁ -، فلم يُخرج له الترمذيّ أصلًا، وأبو داود في "سننه".
[ ١ / ٦٧٦ ]
٥ - (ومنها): أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون، روى بعضهم عن بعض، وهم: أنسٌ، ومحمود، وعتبان - ﵃ -.
٦ - (ومنها): أن رواية أنس عن محمود من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإنه أكبر منه سنًّا وعلمًا ومرتبةً ﵃ أجمعين.
٧ - (ومنها): أن قوله: "حدثني ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: حدثني محمود بن الربيع، عن عِتْبَانَ بن مالك، قال: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك"، هذا اللفظ شبيه بما تقدَّم في الباب الماضي من قوله: "عن ابن محيريز، عن الصُّنابحيّ، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -"، وقد قدَّمنا بيانه واضحًا، وتقرير هذا الذي نحن فيه: حدثني محمود بن الربيع، عن عتبان بحديثٍ قال فيه محمود: قَدِمتُ المدينة، فلقيتُ عتبان، وقد قال في الرواية الثانية: عن ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن مالك، وهذا لا يُخالف الأول؛ فإن أنسًا سمعه أوّلًا من محمود، عن عتبان - ﵃ -، ثم اجتمع أنس بعتبان، فسمعه منه، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أن محمودًا، وعتبان - ﵄ - من المقلّين من الرواية، فليس لعتبان - ﵁ - إلا هذا الحديث عندهم إلا أبا أبا داود، والترمذيّ (^١)، ولا لمحمود - ﵁ - غير هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - في قراءة الفاتحة في الصلاة عندهم (^٢)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، مكبّرًا (عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة، وبعدها تاء مثنّاة من فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة، قال النوويّ: وهذا الذي ذكرناه من كسر العين، هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر الجمهور سواه، وقال صاحب "المطالع": وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل بالضم أيضًا، انتهى (^٣).
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٦/ ٥١٤ - ٥١٦.
(٢) راجع: "تحفة الأشراف" ٨/ ٤١ - ٤٢.
(٣) "شرح مسلم" ١/ ٢٤٢.
[ ١ / ٦٧٧ ]
(قَالَ) أي محمود (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) النبويّة، أي راجعًا من غزوة الروم، كما بُيِّن في رواية أخرى، فإن الحديث مختصرٌ، وقد ساقه النسائيّ رحمه الله تعالى مطوّلًا في "السنن الكبرى" ٦/ ٢٧٢ فقال:
(١٠٩٤٧) - أخبرنا سُويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - عن معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله - ﷺ -، وعَقَلَ مَجَّةً مَجَّها من دلو كانت في دارهم، قال: سمعت عِتْبان بن مالك الأنصاريّ، ثم أحدَ بني سالم يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تَحُول بيني وبين مسجد قومي، فلَوَدِدْتُ أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا أتَّخِذُه مسجدًا، فقال النبي - ﷺ -: "أَفْعَلُ - إن شاء الله تعالى -"، فغدا عليّ رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر معه، بَعْدَمَا اشتدّ النهارُ، فاستأذن النبيّ - ﷺ -، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تُحِبُّ أن أصلي من بيتك"، فأشرت له إلى المكان الذي أُحِبّ أن يصلي فيه، فقام رسول الله - ﷺ -، وَصَفَفْنا خلفه، ثم سَلَّم، وسَلَّمنا حين يسلم، فحَبَسْنَاه على خَزِيرٍ صُنِع له، فسمع به أهل الدار، فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا: ذاك رجل منافقٌ، لا يحب الله ورسوله، فقال النبيّ - ﷺ -: "ألا تقولونه (^١) يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: أما نحن فَنَرَى وجهه وحديثه إلى المنافقين، فقال رسول الله - ﷺ - أيضًا: "ألا تقولونه يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: بلى، أُرَى يا رسول الله، فقال النبيّ - ﷺ -: "لن يوافي عبدٌ يومَ القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حَرَّم الله عليه النار".
قال محمود: فحَدَّثتُ قومًا، فيهم أبو أيوب، صاحب رسول الله - ﷺ - في غزوته التي تُوُفّي فيها، مع يزيد بن معاوية، فأَنْكَر ذلك عليَّ، وقال: ما أظن أن رسول الله - ﷺ - قال: ما قلتَ قط، فَكَبُرَ ذلك عليَّ، فجعلت لله عليّ إن سَلَّمني، حتى أَقْفُلَ من غزوتي، أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيًّا،
_________________
(١) "أي: تظنّونه"، فالقول هنا بمعنى الظنّ.
[ ١ / ٦٧٨ ]
فأهللتُ من إيلياء بحج وعمرة (^١)، حتى قَدِمْتُ المدينة، فأتيتُ بني سالم، فإذا عتبان بن مالك شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سَلَّم من صلاته جئته، فسلمتُ عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به أولَ مَرَّةٍ، انتهى (^٢).
(فَلَقِيتُ عِتْبَانَ) بن مالك - ﵁ - (فَقُلْتُ: حَدِيثٌ) التنوين للتعظيم، أي حديث عظيم، وهو مبتدأ، سوّغه كونه فاعلًا في المعنى، أو الوصف المقدّر، وخبره جملة قوله: (بَلَغَنِي عَنكَ) ومراده بهذه الجملة السؤال عن الحديث، كأنه قال: حَدَّثني به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "بلغني عنك" هذا لا يُخالف ما تقدّم في رواية النسائيّ المطولة مما يقتضي أنه سمعه منه أوّلًا؛ لاحتمال أن يكون قوله: "بلغني عنك"؛ لأجل أن يعتني عتبان بتحديثه الحديثَ على الوجه؛ إذ لو علم أنه سمعه منه قبل هذا ربّما اختصر الحديث، ولم يُحدّثه مفصّلًا؛ لعلمه أنه سمعه منه قبل هذا، وأما إذا علم أنه لم يسمعه منه أصلًا، فيعتني بتحديثه مستوعبًا مفصّلًا، ويحتمل أن يكون سمعه منه ومن غيره، ثم لَمّا أراد الآن أن يُحدّثه لإزالة إنكار أبي أيوب - ﵁ - عليه، ترك سماعه منه؛ لما ذكرناه، وذكر سماعه من غيره، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عتبان - ﵁ - (أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ) وقال في الرواية الأخرى: "عَمًى"، فَيحْتَمِل أنه أراد ببعض الشيء العمى، وهو ذهاب البصر جميعه، ويَحتمل أنه أراد ضعف البصر، وذهاب معظمه، وسَمّاه عَمًى في الرواية الأخرى؛ لقربه منه، ومشاركته إيّاه في فوات بعض ما كان حاصلًا في حال السلامة. قاله النوويّ.
وفي الرواية الآتية في "الصلاة" من طريق الزهريّ، عن محمود، وهي رواية البخاريّ: "أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري … ".
_________________
(١) هذا رأي له، والسنة هو الإحرام من الميقات التي حدّدها الشارع، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في "كتاب الحجّ" - إن شاء الله تعالى -.
(٢) "السنن الكبرى" للنسائيّ ٦/ ٢٧٢.
[ ١ / ٦٧٩ ]
قال في "الفتح": قوله: "قد أنكرت بصري"، كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب كما للمصنف من طريق إبراهيم بن سَعْد ومعمر، ولمسلم من طريق يونس، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أويس: "لَمّا ساء بصري"، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جَعَلَ بصري يَكِلُّ"، ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: "أصابني في بصري بعض الشيء"، وكل ذلك ظاهرٌ في أنه لم يكن بَلَغَ العمى إذ ذاك.
لكن أخرجه البخاريّ في "باب الرخصة في المطر" من طريق مالك، عن ابن شهاب، فقال فيه: "إنّ عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله - ﷺ -: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر … " الحديث.
وقد قيل: إن رواية مالك هذه معارِضَةٌ لغيره، قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: "إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى"، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ - ﷺ -، ويبينه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمّ قومه"، وأما قوله: "وأنا رجل ضرير البصر": أي أصابني فيه ضُرّ، كقوله: "أنكرت بصري"، ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: "لَمّا أنكرت من بصري"، وقوله في رواية مسلم: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهر في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، بلفظ: "إنه عَمِيَ، فأرسل".
وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره، من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري"، هذا اللفظ يُطْلَق على من في بصره سُوء، وإن كان يُبْصر بَصَرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يُبصر شيئًا، انتهى.
والأَوْلَى أن يقال: أَطْلَق عليه "عَمِيَ"؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يَعْهَدُه في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦١٩.
[ ١ / ٦٨٠ ]
(فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، وفي الرواية الآتية في "الصلاة": "إنه أَتَى رسول الله - ﷺ - … "، فيَحتَمِل أن يكون في هذه الرواية نَسَبَ إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، وَيحتَمِل أن يكون أتاه مرةً، وبَعَث إليه أخرى، إمّا متقاضيًا، وإما مُذَكِّرًا، وفي الطبرانيّ من طريق أبي أُويس، عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبيّ - ﷺ - يومَ جمعة: لو أتيتني يا رسول الله"، وفيه أنه أتاه يوم السبت، وظاهره إن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقةً لا مجازًا، قاله في "الفتح" (^١).
(أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي) وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "فقلت: يا رسول الله، إنه قد أصابني في بصري بعض الشيء، فأنا أُحبّ أن تأتيني، فَتُصَلِّيَ … "، (فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتِّخِذَهُ مُصَلَّى) بصيغة اسم المفعول، أي مكان صلاة، زاد في رواية ابن شهاب: "فقال رسول الله - ﷺ -: سأفعل إن شاء الله" (قَالَ) عتبان - ﵁ - (فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ -)، وفي رواية أبي نُعيم: "فأقبل النبيّ - ﷺ - فيمن شاء من أصحابه، حتى أتاني … " (وَ) أتى معه (مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ) فيه إشارة إلى أن جماعة من الصحابة جاؤوا معه، وفي رواية ابن شهاب الآتية في "الصلاة": "قال عتبان: فغدا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر الصدّيق حين ارتفع النهار"، قال في "الفتح": ولم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غير أبي بكر - ﵁ -، حتى إن رواية الأوزاعيّ: "فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أويس: "ومعه أبو بكر وعمر"، وللطبراني من وجه آخر عن أنس: "في نفر من أصحابه".
فيَحْتَمِل الجمع بأن أبا بكر - ﵁ - صَحِبَهُ وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه، انتهى.
(فَدَخَلَ) أي البيت، وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلي) جملة حاليّة من مقدّر، توضّحه الروايات الأخرى، تقديره: فلما دخل البيت، سأل عن المكان الذي أُحبّ أن يُصلي فيه، فأريته المكان، فقام، فقوله: "وهو يُصَلِّي"، حال من فاعل "قام"، يوضّح ذلك رواية ابن شهاب الآتية في "الصلاة" بلفظ: "فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تُحبّ أن أصلي من بيتك، قال: فأشرت
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ١ / ٦٨١ ]
له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله - ﷺ -، فكبّر … "، وفي رواية أبي نعيم: "فأقبل النبيّ - ﷺ - يُصلّي، وأصحابه يتحدّثون … " (وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ) جملة حاليّة أيضًا، أي والحال أن أصحابه - ﷺ - يتحدّثون (ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ) - بضم العين، وإسكان الظاء - أي معظمه، والإشارة إلى تحديثهم (وَكُبْرَهُ) - بضم الكاف، وكسرها - لغتان فصيحتان مشهورتان، وذكرهما في هذا الحديث القاضي عياض وغيره، لكنهم رَجّحوا الضم، وقُرئ قول الله ﷾: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] بكسر الكاف وضمها، والكسر قراءة القراء السبعة، والضم في الشواذ (^١)، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبي المفسر رحمه الله تعالى: قراءة العامة بالكسر، وقراءة حُميد الأعرج، ويعقوب الحضرميّ بالضم، قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأٌ، وقال الكسائيّ: هما لغتان، ومعنى قوله: "أسندوا عظم ذلك وكبره": أنهم تحدَّثُوا، وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة، وما يَلْقَون منهم، ونَسَبُوا مُعْظَم ذلك إلى مالك بن دُخْشُم".
وفي رواية أبي نعيم: "وأصحابه يتحدّثون، ويذكرون المنافقين، وما يَلْقَونه منهم، حتى ارتفعت أصواتهم، واشتدّت، فذكروا مالك بن الدخشم، ويرون أن النبيّ - ﷺ - دعا عليه، فأصابه بعض الشيء".
وقوله: (إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ) متعلّق بـ "أسندوا"، و"دُخْشُم" - بضم الدال المهملة، وإسكان الخاء المعجمة، وبعدها ميم -.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه في الرواية الأولى، وضبطناه في الثانية بزيادة ياء بعد الخاء، على التصغير، وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها في الثانية مكبرٌ أيضًا، ثم إنه في الأولى بغير ألف ولام، وفي الثانية بالألف واللام.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: رَوَيناه "دُخْشُم" مكبرًا، و"دُخَيْشِم" مصغرًا، قال: ورويناه في غير مسلم بالنون، بدلَ الميم، مكبرًا ومصغرًا.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "دخشم" بدال مهملة
_________________
(١) في كون قراءة حميد الأعرج، ويعقوب من الشواذ نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٨٢ ]
مضمومة، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم شين مثلثة مضمومة، ثم ميم، وقيل فيه: "الدُّخْشُن" بالنون، ويقال أيضًا: "الدِّخْشِن - بكسر الدال والشين -، وجاء مصغّرًا ومكبّرًا فيهما، غير أن الواقع فيه في روايتنا في "كتاب مسلم"، وفي أصولنا به في رواية مسلم الأولى بالميم مكبّرًا، وهو في أكثرها بغير ألف ولام في الرواية، وهو في الرواية الثانية مصغّر، وبالميم أيضًا، وبالألف واللام، إلا في أصل أبي حازم الحافظ بخطّه، فإنه مكبّر فيه في الثانية أيضًا، والله تعالى أعلم (^١).
[تنبيه]: (اعلم): أن مالك بن دُخْشُم هذا من الأنصار، ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى اختلافًا بين العلماء في شهوده العقبة، قال: ولم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، قال: ولا يصح عنه النفاق، فقد ظَهَر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه، انتهى.
قال النوويّ: وقد نَصّ النبيّ - ﷺ - على إيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق بقوله - ﷺ - في رواية البخاريّ (^٢) رحمه الله تعالى: "ألا تَرَاه قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله تعالى"، فهذه شهادة من رسول الله - ﷺ - له بأنه قالها مُصَدِّقًا بها، مُعْتَقِدًا صدقها، مُتقرِّبًا بها إلى الله تعالى، وشَهِد له في شهادته لأهل بدر بما هو معروف، فلا ينبغي أن يُشَكَّ في صدق إيمانه - ﵁ -، انتهى.
وقال في "الفتح": قال ابن عبد البر: لم يُختَلف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال لمن تكلم فيه: "أليس قد شَهِدَ بدرًا؟ "، قال: وفي "المغازي" لابن إسحاق: أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ مالكًا هذا، ومَعْنَ بن عَدِيٍّ، فحَرَّقا مسجد الضرار، فدل على أنه بريء مما اتُّهِمَ به من النفاق، أو كان قد أقلع عن ذلك،
_________________
(١) "الصيانة" ص ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) قوله: في رواية البخاريّ يوهم أنه تفرّد بها، وليس كذلك، فإنها ستأتي للمصنّف أيضًا في "كتاب الصلاة"، في "باب الرخصة في التخلّف عن الجماعة لعذر" وجعلوا له رقم (١٤٩٦) ٢٦٣ الأول رقم تحقيق دار السلام، والثاني رقم محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٨٣ ]
أو النفاق الذي اتُّهِم به ليس نفاق الكفر، إنما أنكر الصحابة عليه تَوَدُّده للمنافقين، ولعل له عذرًا في ذلك، كما وقع لحاطب - ﵁ -، انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا) أي الصحابة المتحدّثون (وَدُّوا) هكذا في هذه الرواية بلفظ الغيبة، وفيه التفات، إذ الظاهر وَدِدْنَا بالتكلّم، أي تمنّوا (أَنَّهُ) - ﷺ - (دَعَا عَلَيْهِ) أي على مالك (فَهَلَكَ) فيه جواز تمنّي هلاك أهل النفاق والشقاق، والبدع (وَوَدُّوا أَنَّهُ) أي مالكًا (أَصَابَهُ شَرٌ) قال النوويّ: هكذا هو في بعض الأصول "شَرٌّ"، وفي بعضها "بِشَرّ" بزيادة الباء الجارة، وفي بعضها "شيء"، وكله صحيح، انتهى. (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ) أي انتهى منها، وسلّم، وفي رواية أبي نُعيم: "فلما قضى النبيّ - ﷺ - الصلاة، التَفَتَ إليهم، فقال: أليس يشهد إلخ" (وَقَالَ) - ﷺ - ردًّا لما قالوه في مالك - ﵁ - ("أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالُوا: إِنّهُ) أي مالكًا (يَقُولُ ذَلِكَ) أي بلسانه (وَمَا هُوَ) أي قوله (فِي قَلْبِهِ) أي لا يعتقده، ولا يستيقن به (قَالَ) - ﷺ - (لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدْخُلَ النَّارَ) بنصب "يدخلَ" بـ "أن" مضمرةً بعد الفاء الجوابيّة للنفي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَاجَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَترُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(أَوْ) للشكّ من الراوي (تَطْعَمَهُ) أي تأكله، وفي رواية ابن شهاب: "فقال رسول الله - ﷺ -: "فإن الله قد حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله".
(قَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك - ﵁ - الراوي له عن محمود - ﵁ - (فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ) وفي رواية أبي نُعيم: "قال أنسٌ: فلقيتُ عتبان بن مالك، فحدّثني بهذا الحديث، فأعجبني، وقلت لابني: فكتبه" (فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ) فيه حرص أنس - ﵁ - على العلم، وشدّة عنايته به، حيث لم يكتف بحفظه، بل أمر ابنه أن يكتبه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٢١.
[ ١ / ٦٨٤ ]
[تنبيه]: سيأتي في "كتاب الصلاة" أن أبا أيوب الأنصاريّ - ﵁ - سمع محمودَ بن الربيع يحدث به عن عتبان، فأنكره عليه، لِمَا يقتضيه ظاهره من أن النار محرَّمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالّةٌ على أن بعضهم يُعَذَّب.
لكن للعلماء أجوبة عن ذلك:
منها: ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال عقب حديث الباب: ثم نزلت بعد ذلك فرائض، وأمور نُرَى أن الأمر قد انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يَغْتَرّ فلا يغتر.
وفي كلامه نظر؛ لأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعًا، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يُعَذَّب إذا كان موحدًا.
وقيل: المراد أن من قالها مخلصًا، لا يترك الفرائض؛ لأن الإخلاص يَحْمِل على أداء اللازم، وتُعُقِّب بمنع الملازمة.
وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار الْمُعَدَّة للكافرين، لا الطبقة المعدة للعصاة.
وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيء، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق القول في هذا قريبًا، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث عتبان بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٦) عن شيبان بن فرّوخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن محمود بن الربيع، عنه،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٢٢.
[ ١ / ٦٨٥ ]
و(١١/ ١٥٧) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت به، ولم يذكر محمود بن الربيع، وفي "الصلاة" (٢٦٣) عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عنه و(٢٦٤) عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به، و(٢٦٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ به.
وأخرجه (البخاريّ) في "الصلاة" (٨٣٨) عن حِبّان بن موسى - وفي "الرقاق" (٦٤٢٢) عن معاذ بن أسد - وفي "استتابة المرتدّين" (٦٩٣٨) و"الصلاة" أيضًا (٨٤٠) عن عبدان - ثلاثتهم عن ابن المبارك، عن معمر - وفي "الصلاة" أيضًا (٦٦٧) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك - و(١١٨٥) عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه - وفيه (٤٢٤) وفي "المغازي" عن القعنبيّ، عن إبراهيم بن سعد - وفيهما عن سعيد بن عُفير - وفي "الأطعمة" (٥٤٠١) وفي "المغازي" أيضًا (٤٠١٠) عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس - خمستهم عن الزهريّ به.
وعندهما في حديث يونس، عن الزهريّ، قال: ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاريّ عن حديث محمود فصدّقه.
و(النسائيّ) في "الصلاة" (٨٦٣) عن هارون بن عبد الله، عن معن - و(٨٦٣) عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، كلاهما عن مالك به، و(٩١٨) عن نصر بن عليّ، عن عبد الأعلى، عن معمر به، وفيه (١٢٥٠) وفي "التفسير" (١١٤٩٤) عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وفي "عمل اليوم والليلة" (١١٠٥) عن أبي بكر بن نافع به، و(١١٠٩) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: سألت الحصين بن محمد الأنصاريّ عن حديث محمود؟ فصدّقه، و(١١٠٧) وفي "التفسير" (١١٤٩٤) عن عمرو بن عليّ، عن ابن مهديّ، عن سليمان بن المغيرة به، وذكر فيه قصّة محمود بن الربيع، و(١١٠٦) عن محمد بن عليّ بن ميمون الرّقّيّ، عن القعنبيّ، عن سليمان بن المغيرة، بقصّة الشهادتين، ولم يذكر محمود بن الربيع، وأعاد فيه (١١٠٨) بعضه عن سُويد بن نصر.
[ ١ / ٦٨٦ ]
و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٥٤) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، عن إبراهيم بن سعد بطوله.
و(مالك) في "الموطّإ" (٤٧٦) و(أحمد) في "مسنده" ٤/ ٤٣ و٤٤ و٥/ ٤٤٩ و٤٥٠ و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٣١) و(١٦٥٤) و(١٦٧٣) و(١٧٠٩)، و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٤/ ١٤٣)، (١٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨ و١٩ و٢٠ و٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان فضل الشهادتين إذا كانا خالصتين لله تعالى، كما يدلّ على ذلك رواية: "يبتغي بذلك وجه الله"، وبه يطابق الحديث الباب الذي نحن فيه؛ إذ المصنّف رحمه الله تعالى رتّب الأحاديث الأخيرة للدلالة على أن مجرّد التلفّظ غير كاف في تحقّق الإيمان، بل لا بُدَّ من استيقان القلب، ولذلك ترجمت له بقولي: "باب لا يكفي مجرّد التلفّظ بالشهادتين إلخ"، تبعًا للقرطبيّ رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): التبرك بآثار رسول الله - ﷺ -، لأن الصحابة - ﵃ - كانوا يتسابقون فيها، وأما التبرك بآثار غيره من الصالحين، وإن قال به شرّاح هذا الكتاب، كالنوويّ، وغيره، وكذا شُرَّاح البخاريّ، فمما لا دليل عليه، وهو مخالف لهدي السلف رحمهم الله تعالى، فإنهم ما كانوا يفعلونه، مع أن فيهم أفاضل الصحابة، كأبي بكر الصديق، وبقية الخلفاء الراشدين، فما أحد من الصحابة، ولا التابعين تَبَرَّكَ بآثار أبي بكر، وغيره، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٣ - (ومنها): زيارةُ العلماء والفضلاء والكبراء أتباعَهُم، وتلبيتهم دعوتهم، وإكرامهم بالمجيء إلى بيوتهم، والدعاء لهم.
٤ - (ومنها): جواز استدعاء المفضول الفاضلَ؛ لمصلحة تَعْرِض.
٥ - (ومنها): جواز الجماعة في صلاة النافلة، فإن النبيّ - ﷺ - صلّى بهم في بيت عتبان - ﵁ -.
٦ - (ومنها): أنَّ فيه بيانَ أن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل.
٧ - (ومنها): جواز الكلام، والتحدث بحضرة المصلين، ما لم يَشْغَلهم، ويُدْخِلْ عليهم لبسًا في صلاتهم، أو نحوه.
[ ١ / ٦٨٧ ]
٨ - (ومنها): جواز إمامة الزائر المزور برضاه.
٩ - (ومنها): ذكر من يُتَّهَمُ بِرِيبة أو نحوها للأئمة وغيرهم؛ لِيُتَحَرَّزَ منه.
١٠ - (ومنها): جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية؛ لقول أنس - ﵁ - لابنه: اكتبه، بل هي مستحبة، وقد جاء في الحديث النهيُ عن كتابة الحديث، وجاء الإذن فيه، فقيل: كان النهي لمن خِيف اتِّكاله على الكتاب، وتفريطه في الحفظ، مع تمكنه منه، والإذن لمن لا يتمكن من الحفظ، وقيل: كان النهي أوّلًا لَمّا خِيف اختلاطه بالقرآن، والإذن بعده لَمّا أُمِن من ذلك، وكان بين السلف من الصحابة والتابعين - ﵃ - خلافٌ في جواز كتابة الحديث، ثم أجمعت الأمة على جوازها، واستحبابها، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهَا اخْتُلِفَا … ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى
مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ … "لَا تَكْتُبُوا عَنِّيَ" فَالْخُلْفُ نُمِي
فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ … وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ
مِنِ اخْتِلَاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ … لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ
الْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ … لآمِنٍ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ
وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في شرح المقدّمة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
١١ - (ومنها): البداءة بالأهمّ، فالأهمّ، فإنه - ﷺ - في حديث عتبان - ﵁ - هذا بدأ أولَ قدومه بالصلاة، ثم أكل، وفي حديث زيارته لأم سليم - ﵄ - بدأ بالأكل، ثم صَلَّى؛ لأن المهم في حديث عتبان هو الصلاة، فإنه دعاه لها، وفي حديث أم سليم دعته للطعام، ففي كل واحد من الحديثين بدأ بما دُعِي إليه.
١٢ - (ومنها): جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه لزيارةٍ، أو ضيافةٍ، أو نحوها، إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك (^١).
١٣ - (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون من الشكوى.
_________________
(١) راجع: "شرح النووي" ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ١ / ٦٨٨ ]
١٤ - (ومنها): بيانُ أنه كان في المدينة مساجد للجماعة، سوى مسجده - ﷺ -.
١٥ - (ومنها): جواز التخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، ونحو ذلك.
١٦ - (ومنها): اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديثٌ، رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياءً ونحوه، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الصلاة" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٧] (…) - (حَدَّثِنَي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِتْبَاَنُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ عَمِيَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: تَعَالَ، فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَجَاءَ قَوْمُهُ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ القيسيّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠].
روى عن معتمر بن سليمان، وعُمَر بن عليّ الْمُقَدَّميّ، وابن أبي عديّ، وبهز بن أسد، وغندر، وأبي عامر الْعَقَديّ، وأمية بن خالد، وبشر بن المفضل، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ والنسائيّ، وزكرياء الساجيّ، وسعيد بن عبد الله الْفَرْغَانيّ، وعبد الله بن أبي الدنيا، وعَبْدان الأهوازيّ، وأبو الشيخ محمد بن الحسين الأَبْهَريّ، وأبو رِفَاعة عبد الله بن محمد البصريّ، وغيرهم، قال الذهبيّ في "الكاشف": ثقة (^١)، مات بعد الأربعين ومائتين.
_________________
(١) راجع: "الكاشف" ٣/ ١٧، ولم يذكر، في "تهذيب الكمال"، ولا في =
[ ١ / ٦٨٩ ]
وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا (^١).
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) أو قبلها (ع) ٣/ ١١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة، مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بأَخَرة، من كبار [٨].
روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وخلق كثير.
وروى عنه ابن جريج، والثوري، وشعبة وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وعفّان بن مسلم وغيرهم.
قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر. وقال أيضًا في الحمادين: ما منهما إلا ثقة. وقال حنبل عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث، لا يسندها الناس عنه. وقال أبو طالب عنه: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثًا. وقال في موضع آخر: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّورِيُّ عن ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. وقال جعفر الطيالسي عنه: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة. وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللُّقيّ، أدرك الناس، لم يُتَّهَم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن مَلَكَةَ نفسِهِ ولسانه، ولم يطلقه على أحد، فسَلِمَ حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة، فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأُوَلِ من
_________________
(١) = "تهذيب التهذيب"، ولا في "الخلاصة" شيئًا من التوثيق، ولا غيره، وهذا من الغريب، وذكر في "التقريب" أنه صدوقٌ.
(٢) وذكره في "تهذيب التهذيب" عن "الزهرة" أن مسلمًا روى عنه أربعة وخمسين حديثًا، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٦٩٠ ]
حماد بن سلمة. وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال عفان: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله من حماد بن سلمة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال ابن حبان: كان من العباد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم يُنصِف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تَرْكُهُ إياه لِمَا كان يخطئ، فغيره من أقرانه، مثل الثوري وشعبة، كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل، والدين، والنُّسُك، والعلم، والْكَتْب، والجمع، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع.
قال الحافظ: وقد عَرَّض ابن حبان بالبخاري؛ لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عَدَل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك، لَمَّا ذَكَرَ أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام، ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، لَمّا تكلم بعض منتحلي المعرفة، أن بعض الْكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري، مُعْتَمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع؛ لِيُبَيِّن أنه ثقة. وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته. انتهى.
وقال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة.
وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لَمّا كَبِرَ ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمِعَ منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا، أخرجها في
[ ١ / ٦٩١ ]
الشواهد. وأورد له ابن عدي في "الكامل" عدة أحاديث مما ينفرد به متنًا أو إسنادًا، قال: وحماد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنًّا، وله أحاديث كثيرهّ، وأصناف كثيرة، ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه في الدين. وقال الساجي: كان حافظًا ثقة مأمونًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث، وقال: إن عنده ألفَ حديث حسن ليس عند غيره.
قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة (١٦٧)، زاد ابن حبان: في ذي الحجة.
اسشتهد به البخاري، وقيل: إنه روى له حديثًا واحدًا عن أبي الوليد عنه، عن ثابت (^١)، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٠٥) حديث.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (حدثني عتبان بن مالك) فيه أن أنسًا - ﵁ - سمعه من عتبان نفسه، بعد ما سمعه عنه بواسطة محمود بن الربيع.
وقوله: (أنه عَمِي) تقدّم الجمع بينه وبين قوله: "أصابني في بصري بعض الشيء" في الحديث الماضي، فلا تغفل.
وقوله: (فخُطّ لي مسجدًا) أمر من الخطّ، يقال: خطّ على الأرض، من باب نصر: إذا أعلم بعلامة (^٢).
والمعنى: أعلم لي على موضعٍ؛ لأتّخذه مسجدًا، أي موضعًا أجعل صلاتي فيه، متبرّكًا بآثارك.
وقوله: (وجاء قومه) الضمير لعتبان، أي جاء قوم عتبان، والمراد بهم أهل قريته الذين يسكنون حول بيته، ففي رواية ابن شهاب الآتية في "الصلاة":
_________________
(١) الحديث المذكور هو حديث أبي بن كعب - ﵁ - من رواية ثابت، عن أنس، عنه، في "كتاب الرقاق" من "صحيح البخاريّ"، ولفظه: "قال لنا أبو الوليد"، … فذكره.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٧٣.
[ ١ / ٦٩٢ ]
"قال: فثاب رجال من أهل الدار حولنا، حتى اجتمع في البيت رجال ذوو عدد"، ومعنى "ثاب": رجع، أو أقبل.
وفيه اجتماع أهل المحلّة على الإمام، أو العالم إذا ورد منزل بعضهم؛ ليستفيدوا منه، فقد اجتمع أهل محلة عتبان لَمّا سمعوا بمجيء النبيّ - ﷺ - إلى بيته.
وقوله: (ونُعت رجل) ببناء الفعل للمفعول، أي وُصِفَ، يقال: نَعَتَ الرجل صاحبه نَعْتًا، من باب نَفَعَ: إذا وصفه (^١).
وقوله: (ثم ذكر إلخ) الضمير لشيخه أبي بكر، يعني أن أبا بكر بن نافع ذكر متن الحديث نحوَ حديث سليمان بن المغيرة الماضي في المعنى، لا في اللفظ، وهذا بيّنٌ ظاهر، من سياقه، فقد ساق النسائيّ رحمه الله تعالى رواية أبي بكر في "عمل اليوم والليلة" ١/ ٥٩٣، فقال:
١١٠٥ - أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدّثنا بَهْز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن مالك، أنه عَمِيَ، فأرسل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: تَعَالَ، فخُطَّ لي مسجدًا، فجاء رسول الله - ﷺ -، وجاء قومه، وتغيب رجل منهم، يقال له: مالك بن الدُّخْشُم، قالوا: يا رسول الله إنه، وإنه، يقعون فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "، قالوا: إنما يقولها مُتَعَوِّذًا، قال: "والذي نفسي بيده، لا يقولها أحدٌ صادقًا، إلا حُرّمَتْ عليه النار" انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الأول من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثَّجَّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٦١٢.
(٢) راجع: "عمل اليوم والليلة" ص ٥٩٣ - ٥٩٤.
[ ١ / ٦٩٣ ]
يوم الجمعة ٧/ ٩/ ١٤٢٤ هـ الموافق ٣١ أكتوبر (تشرين الأول) / ٢٠٠٣ م.
أسأل الله العليّ العظيم، ربّ العرش العظيم، أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني مفتتحًا بـ (١٢) - (بَابُ ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا) رقم الحديث (١٥٨).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
[ ١ / ٦٩٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ