وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩] (٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَم، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا").
رَجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) الْعَدنيّ الأصل، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) بن حَبِيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٧.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ) أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
[ ٢ / ٥ ]
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُكثرٌ [٥].
رَوَى عن ثعلبة بن أبي مالك الْقُرَظيّ، وله رؤية، وعُمَير مولى آبي اللَّحْم، وله صحبة، والصحيح أن بينهما محمدَ بنَ إبراهيم التيميّ، ومعاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرَقيّ، وعبد الله بن خَبّاب، وعبد الله بن دينار، وزياد بن أبي زياد، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وغيرهم.
وروى عنه شيخه، يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وإبراهيم بن سعد، ومالك، وعبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيّ، والليث بن سعد، وعبد العزيز بن أبي حازم، وبَكْر بن مُضَر، ونافع بن يزيد، وحيوة بن شُريح، وابن عيينة، وأبو ضمرة، وآخرون.
قال الأثرم عن أحمد: لا أعلم به بأسًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن أبي حازم، عن أبيه: ابن الهاد أحبّ إليّ من عبد الرحمن بن الحارث، ومحمد بن عَمْرو بن علقمة، وهو ومحمد بن عجلان متساويان، وهو في نفسه ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: تُوُفِّي بالمدينة سنة تسع وثلاثين ومائة، وكان ثقةً، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مدنيّ ثقةٌ، حسن الحديث، يروي عن الصغار والكبار، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "ابن الهاد" هكذا يقوله المحدّثون "الهاد" من غير ياء، والمختار عند أهل العربيّة فيه، وفي نظائره بالياء، فيقال: "الهادي"، و"العاصي"، و"ابن أبي الموالي"، أفاده النوويّ (^١).
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد بن صَخْر بن عامر بن كعب بن سَعْد بن تيم بن مُرّة القرشيّ التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، كان جدُّه الحارثُ من المهاجرين الأولين، ثقة له أفراد [٤].
رأى سَعْدَ بن أبي وقاص، وروى عن أبي سعيد الخدريّ، وعُمير مولى آبي اللحم، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وقيس بن عمرو الأنصاري، ومحمود بن لبيد، وعائشة، وعلقمة بن وقاص، وغيرهم.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٢ - ٣.
[ ٢ / ٦ ]
ورَوَى عنه ابنه موسى، ويحيى، وعبد ربه، وسعد بنو سعيد الأنصاري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن عروة، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمرو: كان محمد بن إبراهيم يُكنَى أبا عبد الله، تُوُفّي سنة عشرين ومائة، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال العقيليّ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: في حديثه شيءٌ، يروي أحاديث مناكير أو منكرة. وله رواية عن أبيه في "المعرفة" لابن منده، فزَعَم أبو نعيم أنه أراد بقوله: عن أبيه جدَّهُ، وعلى هذا فيكون أرسل عنه، فإن أباه وُلِد بأرض الحبشة، وتبعه ابنُ حِبّان في "الثقات" وقال: سمع من ابن عمر. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من جابر، ولا من أبي سعيد. انتهى. وحديثه عن عائشة عند مالك، والترمذيّ، وصححه، وعائشةُ ماتت قبل أبي سعيد وجابر.
وقال أبو حَسّان الزياديّ: كان عَرِيف قومه، مات سنة (١٩)، وقيل: عشرين، وفي سنة عشرين أرّخه غير واحد، وقال خليفة: مات سنة إحدى وعشرين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا (^١).
٦ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وعثمان، والعباس بن عبد المطلب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وأسامة بن زيد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وجابر بن سلمة، وأبان بن عثمان، وخَبّاب صاحب المقصورة.
وروى عنه ابنه داود، وأبناء إخوته: إسماعيل بن محمد، وأشعث بن إسحاق، وبجاد بن موسى، وابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن أخته أيضًا محمد بن محمد بن الأسود الزهري، وابن ابن عمه، هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وهو من أقرانه،
_________________
(١) [فائدة]: أخرج كلّ من الإمامين: مسلم، وابن ماجه لمحمد بن إبراهيم التيميّ المترجم هنا (٢٢) حديثًا، راجع برنامج الحديث.
[ ٢ / ٧ ]
ومجاهد، والزهري، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وعطاء بن يسار، وعمرو بن دينار، وموسى بن عقبة، وغيرهم.
قال ابن سعد عن الواقديّ: مات سنة أربع ومائة، قال: وقال غيره: تُوُفّي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن نمير، وعمرو بن عليّ: مات سنة (٤)، وقيل في وفاته غيرُ ذلك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأَرَّخ وفاته سنة أربع، وكذا أرَّخه علي ابن المديني، وأَرَّخه الهيثم بن عديّ في خلافة الوليد، حكاه عنه ابن سعد، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
٧ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشميّ، عم رسول الله - ﷺ -، أبو الفضل، أمه نُتَيْلَةُ بنت جَنَاب بن كلب، وُلِد قبل رسول الله - ﷺ - بسنتين (^١)، وضَاعَ وهو صغير، فنَذَرَت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك، وكان إليه في الجاهلية السِّقَاية والعِمَارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلِم، وشهد بدرًا مع المشركين مكرهًا، فأُسِر، فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكة، فيقال: إنه أسلم وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النبي - ﷺ - بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشَهِد الفتح، وثبت يوم حنين، وقال النبي - ﷺ -: "من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عَمُّ الرجل صِنْوُ أبيه"، أخرجه الترمذي في قصة (^٢).
_________________
(١) وقال ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى في "المجتبى" ص ٦٩ - ٧٠: كان أسنّ من رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين، وكان له من الولد: الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وقُثَم، ومَعْبَد، كلهم من أم الفضل، وفيهم يقول الشاعر [من الرجز]: مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ … كَسِتَّةٍ مِنْ بَطْنِ أُمِّ الْفَضْلِ أَكْرِمْ بِهَا مِنْ كَهْلَةٍ وَكَهْلِ وله منها بنت يقال لها: أم حبيب، ومن غيرها جماعة. انتهى.
(٢) حديث ضعيف في سنده يزيد بن أبي زياد متكلّم فيه.
[ ٢ / ٨ ]
وقد حَدَّث عن النبي - ﷺ - بأحاديث، رَوَى عنه أولاده، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وغيرهم.
وقال ابن المسيب عن سعد: كنا مع النبي - ﷺ -، فأقبل العباس، فقال: "هذا العباس أجود قريش كَفًّا، وأوصلها"، أخرجه النسائي (^١)، وأخرج البغوي في ترجمة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بسند له إلى الشعبي، عن أبي هَيّاج عن أبي سفيان بن الحارث، عن أبيه، قال: كان العباس أعظم الناس عند رسول الله - ﷺ -، والصحابة يعترفون للعباس بفضله، ويشاورونه، ويأخذون رأيه، ومات بالمدينة في رجب، أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين، أو بعده، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان طويلًا جميلًا أبيض (^٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط (^٣)، هذا الحديث برقم (٣٤)، وحديث (٢٠٩): "نعم هو في ضحضاح من نار … "، وأعاده بعده، و(٤٩١): "إذا سجد العبد، سجد معه سبعة … "، و(١٧٥٧): "لا نورث ما تركنا صدقة … "، و(١٧٧٥): "أخذ رسول الله - ﷺ - حصيات … " (^٤).
[تنبيه]: "أل" في "العبّاس" للمح الصفة، وهي التي تدخل على الأسماء المنقولة مما يصلُح دخول "أل" عليه، كقولك في حسن: الحسن، وأكثر ما تدخل على المنقول من صفة، كقولك في حارث: الحارث، وقد تدخل على المنقول من مصدر، كقولك في فضل: الفضل، وعلى المنقول من اسم جنس، غيرِ مصدر، كقولك في نعمان: النعمان، وهو في الأصل من أسماء الدم، فيجوز دخول "أل" في هذه الثلاثة؛ نظرًا إلى الأصل، وحذفُها؛ نظرًا إلى الحال، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْضُ الأعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
_________________
(١) حديث صحيح.
(٢) راجع: "الإصابة" ٣/ ٥١١ - ٥١٢، و"التقريب" ص ١٦٤.
(٣) الذي ذكره ابن الجوزيّ في "المجتبى" أن له (٣٥) حديثًا، اتّفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بثلاثة أحاديث.
(٤) هذه الأرقام هي أرقام محمد فؤاد.
[ ٢ / ٩ ]
كَـ "الْفَضْلِ" و"الْحَارِثِ" وَ"النُّعْمَانِ" … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيّانِ (^١)
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول لم يُخرج له البخاريّ، وأبو داود، والثاني تفرّد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الدَّرَاوَرْديّ، وشيخه الأول عدنيّ، ثم مكيّ، والثاني نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كلًّا منهما من الطبقة الخامسة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمّة، فإنه عمّ النبيّ - ﷺ -، وكان يُحبّه، وكان من أعظم الناس عنده، وكان يُثني عليه، وكان الصحابة يعترفون بفضله، ويشاورونه، ويأخذون رأيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بإثبات "أل" في "العبّاس"، وحذفها، كما سبق آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "ذَاقَ) أي وجد، وأدرك، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الذّوق: إدراك طَعْمِ الشيء بواسطة الرطوبة الْمُنْبَثَّة بالْعَصَب المفروش على عَضَل اللسان، يقال: ذُقتُ الطعامَ أَذُوقُهُ ذَوْقًا، وذَوَقَانًا، وذَوَاقًا، ومَذَاقًا: إذا عرفتَهُ بتلك الواسطة، ويتعدّى إلى ثانٍ بالهمزة، فيقال: أذقته الطعامَ، وذُقتُ الشيءَ: جرّبتُهُ، ومنه يقال: ذاق فلانٌ البأسَ: إذا عرفه بنزوله به، وذاق الرجل عُسَيلة المرأة، وذاقت عُسيلته: إذا حصل لهما حَلاوة الخِلاط، ولذّة المباشرة بالإيلاج. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "شرح ابن عقيل" على "الخلاصة" مع "حاشية الخضريّ" ١/ ١٢٠.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢١١.
[ ٢ / ١٠ ]
وقال الراغب الأصبهانيّ: الذَّوْقُ وجود الطعم في الفم، وأصله فيما يَقِلّ تناوله، فإذا كثُر يقال له: الأكلُ، فاستعمل في التنزيل بمعنى الإصابة، إما في الرحمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الآية [هود: ٩]، وإما في العذاب، نحو قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية [النساء: ٥٦]، وقال غيره: الذوق: ضُرِب مثلًا لما ينالون عند رسول الله - ﷺ - من الخير، قال أبو بكر الأنباريّ: أراد لا يتفرّقون إلا عن علم يتعلّمونه، يقوم لهم مقام الطعام والشراب؛ لأنه - ﷺ - كان يحفظ أرواحهم كما يَحفَظ الطعام أجسامهم.
(طَعْمَ الإِيمَانِ) بفتح الطاء، وسكون العين المهملة، قال الفيّوميّ: "الطَّعْمُ" بالفتح: ما يؤدّيه الذّوق، فيقال: طَعْمُهُ حُلْوٌ، أو حامضٌ، وتغيّر طَعْمُهُ: إذا خرج عن وصفه الْخِلْقِيّ، والطَّعْم: ما يُشتَهَى من الطعام، وليس للغَثّ طَعْمٌ، والطَّعَمُ بفتحتين لغةٌ كلابيّة. انتهى.
وقال الطيبيّ: مجاز قوله: "ذاق طعم الإيمان" مجاز قوله: "وَجَدَ حلاوة الإيمان"، وكذلك موقعه كموقعه؛ لأن من أحبّ أحدًا يتحرّى مراضيه، ويؤثر رضاه على رضاء نفسه، ومقام الرضى عند أهل العرفان مقام جليلٌ رفيع. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ذاق طعم الإيمان": أي وجد حلاوته، كما في حديث أنس - ﵁ -: "ثلاثٌ من كنّ فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان"، وهي عبارة عمّا يجده المؤمن المحقِّق في إيمانه المطمئنّ قلبه به، من انشراح صدره، وتنويره بمعرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله - ﷺ -، ومعرفة منّة الله تعالى عليه في أن أنعم عليه بالإسلام، ونَظَمَه في سلك أمة محمد - ﷺ - خير الأنام، وحَبَّبَ إليه الإيمان والمؤمنين، وبَغَّضَ إليه الكفر والكافرين، وأنجاه من قبيح أفعالهم، ورَكَاكة أحوالهم، وعند مطالعة هذه المنن، والوقوف على تفاصيل تلك النعم، تطير القلوب فَرَحًا وسُرُورًا، وتمتلئ إشراقًا ونورًا، فيا لها من حلاوة ما ألذّها! وحالة ما أشرفها!، فنسأل الله تعالى أن يمنّ بدوامها وكمالها، كما منّ بابتدائها وحُصُولها، فإن المؤمن عند تذكّر تلك النعم والمنن
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦.
[ ٢ / ١١ ]
لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين في تمكّنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ معلوم، وذلك بحسب ما قُسِم لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة، والْمِنَح الربّانيّة. انتهى (^١).
(مَنْ رَضِيَ) بكسر الضاد المعجمة، من باب تَعِب (بِاللهِ) تعالى (رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - رَسُولًا") انتصاب "ربًّا"، و"دينًا"، و"رسولًا" على الحال، ويجوز كونه على التمييز.
قال صاحب "التحرير" رحمه الله تعالى: معنى رَضِيتُ بالشيء: قَنِعْتُ به، واكتفيتُ به، ولم أطلب معه غيرَه، فمعنى الحديث: لم يطلُب غير الله تعالى، ولم يَسْعَ في غير طريقِ الإسلام، ولم يَسْلُك إلا ما يوافق شريعة محمد - ﷺ -، ولا شكّ في أن من كانت هذه صفته، فقد خَلَصَت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث: صَحّ إيمانه، واطمأنّت به نفسه، وخامر باطنَهُ؛ لأن رضاه بالله ﷿ ربًّا، وبمحمّد - ﷺ - نبيًّا، وبالإسلام دينًا دليلٌ على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته بما رضي به من ذلك، ومخالطة بشاشته قلبَهُ، وذلك كالحديث الآخر: "وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسول الله أحبّ إليه مما سواهما … " الحديث، وذلك أن الإنسان إذا رَضِيَ أمرًا، واستحسنه، سَهُل عليه أمره، ولم يشقّ عليه شيء منه، فكذلك المؤمن إذا دَخَل قلبه الإيمان سَهُلت عليه طاعاتُ ربّه ﷿، ولَذّت له، ولم يشُقّ عليه مُعاناتها. انتهى (^٣).
وقال الأبيّ رحمه الله تعالى: فإن قلت: معرفة الله ﷾، واستحلاء الإيمان به هما الغاية، فلو أريدا في الحديث لم يُعبّر عنهما بالذّوْق؛ إذ لا يُعبّر عن غاية الشيء بمبدئه؛ لأن الذّوق مبدأ الفعل.
قلت: الذوق إنما هو مبدأ الفعل إذا استُعمل في المحسوسات، كذوق الطعام، أما إذا استُعمل في المعاني كما هنا، فإنما هو كناية عن كمال
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢١٠.
(٢) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ٢.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ٢ / ١٢ ]
الإدراك، وأنت تعرف أن الرضا بالله تعالى يستلزم الرضا عنه. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "مَنْ رضي بالله ربًّا … " الحديث: الرضا بهذه الأمور الثلاثة على قسمين:
رضًا عامّ، وهو أن لا يتّخذ غير الله تعالى ربًّا، ولا غير دين الإسلام دينًا، ولا غير محمد - ﷺ - رسولًا، وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يصحّ التديّن بدين الإسلام إلا بهذا الرضا.
ورضًا خاصّ، وهو الذي تكلّم فيه أرباب القلوب، وهو ينقسم على قسمين: رضًا بهذه الأمور، ورضًا عن مجريها تعالى، كما قال أبو عبد الله بن خفيف (^٢): الرضا قسمان: رضًا به، ورضًا عنه، فالرضا به مدبّرًا، والرضا عنه فيما قضى، وقال أيضًا: هو سكون القلب إلى أحكام الربّ، وموافقته على ما رضِيَ واختار، وقال الجنيد: الرضا دفع الاختيار، وقال المحاسبيّ: هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال أبو عليّ الروذباريّ: ليس الرضا أن لا يُحسّ بالبلاء، إنما الرضا أن لا يعترض على الحكم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وما ذكره هؤلاء المشايخ هو مبدأ الرضا عندهم، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النوريّ: هو سرور القلب بمرّ القضاء، وسُئلت رابعة عن الرضا، فقالت: إذا سرّته المصيبة كما سرّته النعمة.
قال: وقد غلا بعضهم، وهو أبو سليمان الدارانيّ، فقال: أرجو أن أكون عرفتُ طرفًا من الرضا، لو أنه أدخلني النار لكنت به راضيًا، وقال رويم: الرضا هو لو جَعَل جهنم عن يمينه، ما سأل أن يحوّل عن شماله.
قال القرطبيّ: وهذا غلوّ، وفيه إشكال.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أحسن القرطبي في اعتراضه المذكور، فإن هذا مخالف لهدي رسول الله - ﷺ - الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم، وهو الذي حقّق مقام الرضا عن الله ﷾ بكامل معناه، وكان من هديه أنه يستعيذ من النار، وما أكثر ما كان يستعيذ منها، ويسأل الله تعالى
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ١/ ١٢٩.
(٢) هو محمد بن خفيف الشيرازيّ، من مشايخ الصوفيّة، توفي سنة (٢٩٥ هـ).
[ ٢ / ١٣ ]
أن يبعده عنها، وُيدخله الجنّة، وأمر أمته بذلك، فقال: "إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال"، متّفقٌ عليه، وعلَّم النبيّ - ﷺ - عائشة، لما سألته عن الجوامع الكوامل من الدعاء، فقال لها: "قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك من خير ما سألك عبدك ورسولك محمد - ﷺ -، وأستعيذك مما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد - ﷺ -، وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدًا" (^١).
فهذا الذي قاله هؤلاء في معنى الرضا مخالف لهذا الهدي الذي لا هدي فوقه، فإن خير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فعليك بالسنّة، ودع المحدثات، تَنْجُ في الدنيا والآخرة، وتَسْعَد في المحيا والممات.
وبالجملة فالرضا بالله تعالى لا ينافي الاستعاذة من النار، والخوف من عذاب الله تعالى، فلا تلتفت إلى ما يُخالف هذا، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وعلى الجملة فالرضا باب الله الأعظم، وفيه جماع الخير كلّه، كما قال عمر لأبي موسى - ﵄ -: أما بعد؛ فإن الخير كلّه في الرضا، فإن استطعت أن ترضى، وإلا فاصبر. انتهى (^٢).
[تنبيه]: قوله: "وبالإسلام دينًا" فيه عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وذلك أن قوله: "وبالإسلام" معطوف على "بالله"، و"دينًا" معطوف على "ربًّا"، وكذا ما بعده، وهذا العطف جائزٌ بلا خلاف؛ لاتحاد العامل، وهو "رَضِيَ"، وإنما الخلاف فيما إذا وقع العطف على معمولي عاملين مختلفين،
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" رقم (٢٣٩٨٤) بإسناد صحيح.
(٢) "المفهم" ١/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ٢ / ١٤ ]
كقولك: كان آكلًا طعامَكَ عمرٌو، وتَمْرَك بكرٌ، واتّفقوا على منع العطف على معمولات أكثر من عاملين، نحو: إن زيدًا ضاربٌ أبوه لعمرو، وأخاك غلامُهُ بَكْرٍ، وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط المناسيّ رحمه الله تعالى في "نظم المغني"، حيث قال:
وَإِنْ عَلَى مَعْمُولَي الْعَامِلِ جَا … عَطْفٌ فَجَائِزٌ لَدَى ذَوِي الْحَجَا
وَإِنْ لِعَامِلَيْنِ فَالنَّاسُ اخْتَلَفْ … قَالَ ابْنُ مَالِكٍ نَهَى كُلُّ السَّلَفْ
إِنْ لَمْ يَكُ الْمَجْرُورُ فِي الْمَعْطُوفِ جَا … وَالْفَارِسِيْ جَوَازَهُ قَدْ أَخْرَجَا
أَيْ مُطْلَقًا عَنْ أُمَّةٍ مِنْهُمْ يُعَدْ … أَخْفَشُهُمْ بِقِيلَ مَرْوِيًّا وَرَدْ
وَإِنْ يَكُ الْمَجْرُورُ مَعْ تَأَخُّرِ … فَمَنْعُهُ أَشْهَرُ عِنْدَ الأَكْثَرِ
وَإِنْ يَكُنْ مُقَدَّمًا فَالأَشْهَرُ … لِسِيبَوَيْهِ مَنْعُهُ مُقَرَّرُ
كَذَا الْمُبَرِّدُ مَعَ السَّرَّاجِ … هِشَامُهُمْ أَيْضًا بِذَا الْمِنْهَاجِ
وَالأَخْفَشُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ … كَذَا الْكِسَائِي بِالْجَوَازِ حَاجُوا (^١)
وَاشْتَرَطَ الأَعْلَمُ مَعْ جَمَاعَةِ … أَنْ يَلِيَ الْمَجْرُورُ لِلْعَاطِفَةِ
وَالْعَطْفُ مَمْنُوعٌ بِغَيْرِ مَيْنِ … مَعْ عَامِلٍ أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَيْنِ (^٢)
وإن أردت تحقيق المسألة بالتفصيل، فراجع شرحي المسمّى "فتح القريب" على النظم المذكور، تُشْفَ غُلّتك، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث العباس بن عبد المطّلب - ﵁ - هذا مما انفرد به المصنّف عن البخاريّ رحمهما الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١٣/ ١٥٩) (٣٤) عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، وبشر بن الحكم، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْديّ، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عامر بن سعد، عنه.
_________________
(١) بتخفيف الجيم للوزن.
(٢) بقطع الهمزة للوزن.
[ ٢ / ١٥ ]
و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٢٣) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن ابن الهاد به، وقال: حسنٌ صحيح.
و(أحمد) في "مسنده" ١/ ٢٠٨، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الرضا بهذه الأمور الثلاثة، وأن من رضي بها وجد طعم الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، فإن منهم من وصل غايته، ووجده حلاوته، ونسي كدر الدنيا، واستأنس بذكر الله تعالى، واطمأنّ قلبه به، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
٣ - (ومنها): أن تعبيره بالذوق دون الشبع، ونحوه، يدلّ على أن هذا القدر من الاستحلاء، وإن كان في نفسه رفيعًا، إلا أنه ليس غاية المقصود الذي يجب أن يقف عنده، بل هو يزداد، فكلما ازداد إقباله على ربّه، واشتدّ شوقه إليه، ازدادت العطيّات، وتكاثرت الهبات، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.