وبسندنا المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧] (٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
_________________
(١) راجع: "تهذيب الكمال" ٥/ ٤٧٧ - ٤٨١.
[ ٢ / ٦٧ ]
ابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ جَرِيرٍ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الاسْلَامِ قَوْلًا، لَا أَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِالله، فَاسْتَقِمْ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمَير الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٣٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه المذكور في السند الماضي.
٦ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يهم في آخر عمره من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٨ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٩ - (أَبُوهُ) هو: عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
١٠ - (سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) هو: سفيان بن عبد الله بن رَبِيعة بن الحارث، ويقال: سفيان بن عبد الله بن حُطَيط، أبو عمرو، ويقال: أبو عمرة
[ ٢ / ٦٨ ]
الطائفيّ، له صحبة، وكان عامل عمر على الطائف، روى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر، وعنه أبناؤه: عاصم، وعبد الله، وعلقمة، وعمرو، وأبو الحكم، وابن ابنه محمد، ويقال: محمود بن أبي سُويد بن سفيان، وعبد الرحمن، ويقال: محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وهشام بن عروة، مرسل، وقال العسكريّ: سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جُشَم.
قال الحافظ: فكأنّ من قال: سفيان بن عبد الله بن حطيط، نَسَبَ عبد الله إلى جده الأعلى.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فلم يُخرج للأول الترمذيّ، ولا للثاني ابن ماجه، وكذا الصحابيّ تفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيه، من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث عند المذكورين، راجع "تحفة الأشراف" ٣/ ٥٣١ - ٥٣٣، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُفْيَانَ) بتثليث السين، والضمّ أشهر (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ) بفتحتين: نسبة إلى قبيلة ثَقِيف، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ) أي فيما يكمُل به الإسلام، ويُراعَى به حقوقه، ويُستدلّ به على توابعه ولواحقه، وقيل: التقدير: في مبادئ الإسلام وغاياته (قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ) أي قولًا جامعًا لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد سؤلك هذا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد إمساكه، قاله القاري (^١).
_________________
(١) "المرقاة شرح المشكاة" ١/ ١٦١ - ١٦٢.
[ ٢ / ٦٩ ]
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي علّمني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، أعمل عليه، وأكتفي به، وهذا نحوٌ مما قال له الآخر: عَلِّمني شيئًا أعيش به في الناس، ولا تُكثر عليّ، فأنسى، فقال: "لا تَغْضب" (^١).
(وَفي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ) يعني أنه وقع في رواية أبي أسامة بلفظ "غيرك" بدل "بعدك" أي لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال القاري رحمه الله تعالى: والأول مستلزم لهذا؛ لأنه إذا لم يسأل أحدًا بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر أولويّة الأول بجعله أصلًا، والثاني رواية، خلافًا لما فعل النوويّ في "أربعينه". انتهى كلام القاري (^٢).
(قَالَ) - ﷺ - ("قُلْ: آمنْتُ بِاللهِ) أي بجميع ما يجب الإيمان به، وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "قل: ربي الله، ثم استقم"، فالمراد بالإيمان هو الشرعيّ الذي هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، فيكون معنى قوله: (فَاسْتَقِمْ ") وفي بعض النسخ: "ثم استقم"، أي ثمّ دم على ذلك الإيمان حتى تموت عليه، وهذا هو المعنى الراجح، كما يأتي تحقيقه عن الطيبيّ.
وقال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: الاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعلَ الطاعات كلّها الظاهرةَ والباطنةَ، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها. انتهى (^٣).
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ في "رسالته": الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حُصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيمًا في حالته ضاع سعيه، وخاب جهده، قال: وقيل: الاستقامة لا يُطيقها
_________________
(١) رواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٩٠٦، وأحمد في "مسنده" ٢/ ٣٦٢ و٤٦٦ و٥/ ٣٤ و٣٧٢ و٣٧٣، والبخاريّ في "صحيحه" (٦١١٦)، والترمذيّ في "جامعه" (٢٠٢١)، من حديث أبي هريرة - ﵃ -.
(٢) "المرقاة" ١/ ١٦٢.
(٣) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٥١٠.
[ ٢ / ٧٠ ]
إلا الأكابر؛ لأنها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولذلك قال: "استقيموا، ولن تُحصوا"، وقال الواسطيّ: الْخَصْلة التي بها كَمُلَت المحاسن، وبفقدها قَبُحَت المحاسن. ذكره النوويّ في "شرحه" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسير القشيريّ، وكذا ابن رجب للاستقامة بما ذُكر، وإن كان صحيحًا في نفسه، إلا أن المراد هنا هو الثبات والدوام، كما حقّقه الطيبيّ رحمه الله تعالى، ودونك عبارته.
قال رحمه الله تعالى: قوله: "ثم استقم" قال الأشرف: لفظ "ثُمّ" موضوع للتراخي، دالّةٌ على أن الكفّار غير مكلّفين بفروع الإسلام، بل هم مكلّفون بأصوله فقط، فإذا آمنوا كُلّفوا بفروعه.
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا استنباط بعيدٌ، والراجح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما حقّقته في "التحفة المرضيّة" و"شرحها"، فتنبّه.
قال الطيبيّ: وأقول: اتَّفَقَ علماء البيان على أن "ثُمَّ" في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] للتراخي في الرتبة، وأن الثبات والاستقامة على ذلك أفضل من قول: "آمنتُ بالله" ومقتضياته، وذلك أن هذا القول ادّعاءٌ من القائل بأنه رضي بالله ربًّا، والرضا بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعِم على الإطلاق مالكه، ومدبّر أمره يوجب القيام بمقتضياته من الإيمان بملائكته، وكتبه، ورُسُله، واليوم الآخر، ومن الشكر باللسان، وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، ثم الاستقامة على هذا، والثبات عليه، وأن لا يَرُوغ رَوَغَان الثعلب أفضل وأكمل.
[فإن قيل]: ما الفرق بين هذا وبين قول الشارحين؟ (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٩.
(٢) أشار بتفسير الشارحين إلى ما نقله قبلُ، وهو أنهم قالوا: "استقم" لفظ جامعٌ للإتيان بجميع الأوامر، والانتهاء عن جميع المناهي؛ لأنه لو ترك أمرًا لم يكن مستقيمًا على الطريق المستقيم، بل عدل عنه حتى يرجع إليه، ولو فعل منهيًّا، فقد =
[ ٢ / ٧١ ]
[نقول]: إن قوله: "آمنتُ بالله" على هذا مستتبعٌ لما ذهب إليه الشارحون في تفسير قوله: "ثمّ استقم"، فيسلم على هذا معنى الاستقامة للثبات، والاستدامة على القول ومقتضياته، فيحسُنُ موقع "ثُمّ" المستدعية للتراخي في الرتبة، لا الزمان لفساده، وينصره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، فإن قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ يفسّر معنى قوله: ثم استقاموا بالثبات، وهو لتفسير الشارحين غير مطابق.
وأيضًا لَمّا تَقَرَّرَ من قبلُ أن مذهب الصحابة والتابعين، والمحدّثين على أن الإيمان مشتمل على التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان وجب حملُ معنى قوله: "آمنتُ" على المجموع، وقوله: "ثم استقم" على الثبات على ذلك.
قال: ثم إني - بعد لطف الله وتوفيقه - عَثَرتُ على نقل من جانب الشيخ محيي الدين النوويّ، عن القاضي عياض أنه قال: هذا من جوامع كلمه - ﷺ -، وهو مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي وحّدوا الله تعالى، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدوا عن توحيدهم، والتزموا طاعته - ﷾ - إلى أن تُوُفّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسّرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث. هذا كلام القاضي عياض، قال: والحمد لله على توارد الخواطر. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
وسيأتي تمام البحث في أقوال أهل العلم في هذا الحديث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سفيان بن عبد الله - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه البخاريّ.
_________________
(١) = عَدَل عن الصراط المستقيم أيضًا حتى يتوب. قال: وهذا ما عليه كلام الشارحين. انتهى. "الكاشف" ٢/ ٤٥٧.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ٢ / ٧٢ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنِّف هنا في "الإيمان" [١٥/ ١٦٧] (٣٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، كلاهما عن عبد الله بن نُمير، وعن قتيبة، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير، وعن أبي كُريب، عن أبي أسامة، ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه - ﵁ -.
و(الترمذيّ) في "الزهد" عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن ماعز، عنه نحوه، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
و(النسائيّ) في "التفسير (١١٤٩٠) عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه به، و(١١٤٨٩) عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن سفيان بن عبد الله، عن أبيه به، كذا قال، وفي "الرقائق" عن سويد بن نصر به، وعن محمد بن المثنّى، عن أبي داود، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن (^١)، كلاهما عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، عنه نحوه.
و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٧٢) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، عن إبراهيم بن سعد.
وحديث بشر خطأٌ، والصواب كما قال غندر، عن شعبة، وكذلك رواه هُشيم بن بشير، عن يعلى بن عطاء.
و(أحمد) ٣/ ٤١٣ و٤/ ٣٨٤، و(الدارميّ) (٢٧١٣ و٢٧١٤)، و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٥٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٣٩٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان، وسفيان هو ابن عبد الله الثقفي الطائفيّ، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بن الخطاب - ﵁ - على الطائف، وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَر بزيادات، فخرَّجه
_________________
(١) بياض بالأصل.
[ ٢ / ٧٣ ]
الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وعند الترمذيّ من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله حَدِّثنِي بأمر أَعْتَصِم به، قال: "قل: ربي الله، ثم استقم"، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، قال: "هذا"، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وأخرجه الإمام أحمد، والنسائيّ من رواية عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، مُرْني بأمر في الإسلام، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، قلت: فما أَتَّقِي؟ فأومأ إلى لسانه (^١). انتهى (^٢).
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى: اختُلف في هذا الحديث على الزهريّ، فقال إبراهيم بن سعد: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، كما تقدّم، وقال معمر وغير واحد: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن ماعز، وقال الزُّبيديّ: عن الزهريّ، عن ماعز بن عبد الرحمن، ويقال: إن محمد بن عبد الرحمن كان لقبه ماعزًا، وقال يونس بن يزيد: عن الزهريّ، عن محمد بن أبي سُوَيد أن جدّه سفيان عبد الله الثقفيّ قال، وقال عبد الله بن زياد بن سمعان: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن سعد الْمُقْعَد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، وتابعه رِشْدين بن سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، ولفظه: حَدَّثني بأمر أعتصم به، قال: "أمسك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، ولم يذكر القصّة الأولى. انتهى كلام الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنّف رحمه الله تعالى خالية من هذا الاضطراب كلّه، فإنه لم يُخرجه من طريق الزهريّ، ولم يُشر إليها؛ لهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤١٣ و٤/ ٣٨٤ و٣٨٥، والنسائيّ في "التفسير" (١١٤٩٠)، والطبرانيّ في "الكبير" (٦٣٩٨).
(٢) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٣) "تحفة الأشراف" ٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
[ ٢ / ٧٤ ]
الاضطراب، فما أيقظه، وأتقن عمله، وأشدّ انتقاءه، فلله درّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في استكمال ما قاله أهل العلم في تفسير هذا الحديث، وبيان فوائده التي اشتمل عليها:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا من جوامع كلمه - ﷺ -، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي وحَّدوا الله، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدُوا عن التوحيد، والتزموا طاعته - ﷾ - إلى أن تُوُفُّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث - إن شاء الله تعالى. - انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى.
وقال ابن عباس - ﵄ - في قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]: ما نزلت على رسول الله - ﷺ - في جميع القرآن آية كانت أشدَّ، ولا أشقَّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال - ﷺ - لأصحابه حين قالوا: قد أَسْرَع إليك الشيب، فقال: "شيبتني هود وأخواتها" (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وجوابه - ﷺ - هذا بقوله: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، وكذا جوابه للآخر بقوله: "لا تغضب" دليلٌ على أن النبيّ - ﷺ - أُوتي جوامع الكلم، واختُصِر له القول اختصارًا، كما قال النبيّ - ﷺ - مخبِرًا بذلك عن نفسه (^٢)، فإنه - ﷺ - جَمَعَ لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلّها، فإنه أمره أن يُجدّد إيمانه متذكّرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه، ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني الإيمان الشرعيّ بقلبه التي تقدّم ذكرها في حديث
_________________
(١) وفي لفظ: "شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب"، وفي لفظ: "شيّبتني هود وأخواتها من المفصّل"، وفي لفظ: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوّرت"، وهو حديث صحيح، انظر: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى رقم (٩٥٥)، و"صحيح الجامع" ١/ ٦٩٢ رقم (٣٧٢٠).
(٢) رواه أبو هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "أوتيت جوامع الكلم … " الحديث، رواه أحمد ٢/ ٢٥٠ و٣١٤ و٤٤٢ و٥٠١، ومسلم رقم (٥٢٣).
[ ٢ / ٧٥ ]
جبريل - ﵇ -، وأمره بالاستقامة على أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتّى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، فإنها ضدّه، وكأن هذا القول مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي آمنوا بالله، ووحّدوه، ثم استقاموا على ذلك، وعلى طاعته إلى أن تُوُفّوا عليها، كما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: استقاموا على طاعته، ولم يَرُوغُوا رَوَغَان الثعالب، ومُلخّصه: اعتدلوا على طاعة الله تعالى عقدًا وقولًا وفعلًا، وداموا على ذلك. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قول سفيان بن عبد الله - ﵁ - للنبيّ - ﷺ -: "قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك " طَلَبَ منه - ﷺ - أن يُعْلِمَهُ كلامًا جامعًا لأمر الإسلام، كافيًا حتى لا يَحتاجُ بعده إلى غيره، فقال له النبي - ﷺ -: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، وفي الرواية الأخرى: "قل: ربي الله، ثم استقم".
هذا مُنْتَزَعٌ من قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]، وقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [الأحقاف: ١٣، ١٤].
وخرّج النسائي في "تفسيره" من رواية سُهَيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: "قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها، فهو من أهل الاستقامة"، وخرَّجه الترمذيّ، ولفظه: فقال: "قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام"، وقال: حسنٌ غريبٌ، وسُهَيل تُكُلّم فيه من قِبَلِ حفظه.
وقال أبو بكر الصديق - ﵁ - في تفسير: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: لم يشركوا بالله شيئًا، وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٢ / ٧٦ ]
أن الله ربُّهم، وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أرخص آية في كتاب الله: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله، ورُوِي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسُّديُّ، وعكرمة، وغيرهم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: لم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعْلَب (^١).
ورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه، وعن أبي العالية قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل، وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.
ولعَلَّ من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل، الذي يُحَرِّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، فإن الإله هو المعبود الذي يُطَاع، فلا يعصى؛ خشيةً وإجلالًا ومهابة ومحبّةً ورجاءً وتوكلًا ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد.
وأما على رواية من روى: "قل: آمنت بالله"، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان تَدْخُل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومن تابعهم من أهل الحديث.
وقال الله - ﷿ -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]، فأمَرَه أن يستقيم، ومن تاب معه، وأن لا يُجاوزوا ما أُمروا به، وهو الطغيان، وأخبر أنه بَصِير بأعمالكم، مُطَّلِع عليها.
وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٥)، وأحمد في "الزهد" ص ١١٥، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا بين الزهريّ وبين عمر - ﵁ -.
[ ٢ / ٧٧ ]
[الشورى: ١٥]، وقال قتادة: أُمر محمد - ﷺ - أن يستقيم على أمر الله، وقال الثوريّ: على القرآن، وعن الحسن قال: لَمّا نَزَلت هذه الآية، شَمَّرَ رسول الله - ﷺ - فَمَا رُؤي ضاحكًا. خَرَّجه ابن أبي حاتم.
وذكر القُشَيريّ عن بعضهم أنه رَأَى النبيّ - ﷺ - في المنام، فقال له: يا رسول الله قلت: "شيبتني هود وأخواتها" (^١)، فما شَيَّبَكَ منها؟ قال: قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾.
وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦].
وقد أَمَرَ الله تعالى بإقامة الدين عمومًا، كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأمر بإقامة الصلاة في غير موضعٍ من كتابه، كما أَمر بالاستقامة على التوحيد في تينك الآيتين.
والاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيِّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعلَ الطاعات كلّها الظاهرةِ والباطنة، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها.
وفي قوله - ﷿ -: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لا بُدَّ من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبيِّ - ﷺ - لمعاذ: "اتَّقِ اللهَ حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (^٢).
وقد أَخبر النبي - ﷺ - أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حقَّ الاستقامة، كما خرّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث ثوبان - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال "استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على
_________________
(١) تقدّم أنه حديث صحيح.
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ. راجع: "صحيح الجامع" ١/ ٨١ رقم (٩٧).
[ ٢ / ٧٨ ]
الوضوء إلا مؤمن"، وفي رواية الإمام أحمد - ﵀ -: "سَدِّدُوا، وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن" (^١).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "سَدِّدُوا، وقاربوا".
فالسَّدَاد هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال، والأعمال، والمقاصد، كالذي يرمي إلى غَرَضٍ، فيصيبه.
وقد أمر النبيُّ - ﷺ - عليًّا - ﵁ - أن يسأل الله - ﷿ - السَّدَادَ والهدى، وقال له: "اذكر بالسَّداد تسديدك السهم، وبالهدى هدايتك الطريق".
والمقاربةُ أن يصيب ما قَرُبَ من الْغَرَض إذا لم يُصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مُصَمِّمًا على قصد السداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عَمْدٍ، ويدل عليه قولُ النبيّ - ﷺ - في حديث الحكم بن حَزْن الْكُلَفيّ - ﵁ -: "أيها الناس إنكم لن تعملوا - أو لن تُطِيقوا - كلَّ ما أَمرتكم، ولكن سَدِّدُوا، وأبشروا" (^٢).
والمعنى: اقصِدُوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سَدَّدُوا في العمل كله، لكانوا قد فَعَلُوا ما أُمروا به كله.
فأصلُ الاستقامة استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسّر أبو بكر الصديق وغيره - ﵃ - قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره.
فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلُّها على طاعته، فإن القلب هو مَلِكُ الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الْمَلِك استقامت جنوده ورَعَاياه.
_________________
(١) حديث صحيح.
(٢) حديث صحيحٌ، رواه أحمد ٤/ ٢١٢، وأبو داود (١٠٩٦)، وأبو يعلى (٦٨٢٦)، والطبرانيّ في "الكبير" (٣١٦٥).
[ ٢ / ٧٩ ]
وكذلك فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله، وإرادته وحده لا شريك له.
وأعظمُ ما يُرَاعَى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه تَرْجَمَانُ القلب، والْمُعَبِّر عنه، ولهذا لَمّا أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - بالاستقامة وصّاه بعد ذلك بحفظ لسانه، ففي مسند الإمام أحمد، عن أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (^١).
وفي رواية الترمذيّ عن أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان، فتقول: اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا". انتهى ما كتبه ابن رجب، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.