وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣] (٤٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا
_________________
(١) هكذا وقع في النسخة "يزيد عن عبد الله" والظاهر أنه تصحيف، والصواب "ثنا بُريد بن عبد الله"، فتنبّه.
(٢) هكذا وقع "قالا"، وفيه نظر لا يخفى.
[ ٢ / ١١٥ ]
عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيه، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْر، بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الإمام الحافظ الفقيه المذكور قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ) العدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ، لازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت بن عُبيد الله بن الحكم بن أبي العاص الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨].
رَوَى عن حميد الطويل، وأيوب السختياني، وابن عون، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وغيرهم.
ورَوَى عنه الشافعي، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو موسى، ومسدد، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وآخرون.
قال عفان، عن وهب: لَمّا مات عبد المجيد قال لنا أيوب: الزموا هذا الفتى عبد الوهاب، وعدّه ابن مهديّ فيمن كان يُحَدِّث من كتب الناس، ولا يحفظ ذلك الحفظ، وقال أحمد: الثقفيّ أثبت من عبد الأعلى السّامي، وقال عثمان: سألت يحيى بن معين، قلت: ما حال وهيب في أيوب؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحب إليك، أو عبد الوهاب؟ قال: ثقة وثقة، وقال الدُّوري عن ابن معين: اختلط بآخره، وقال عقبة بن مُكْرَم: اختلط قبل موته بثلاث سنين، أو أربع سنين، وقال علي ابن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى - يعني ابن سعيد الأنصاري - أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه
[ ٢ / ١١٦ ]
كَلٌّ، وقال الترمذي: سمعت قتيبة يقول: ما رأيت مثل هؤلاء الأربعة: مالك، والليث، وعبد الوهاب الثقفي، وعباد بن عباد، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال عمرو بن علي: اختلط حتى كان لا يعقل، وسمعته وهو مختلط يقول: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، باختلاطٍ شديد، وذكر الكرمانيّ أن عبد الوهّاب الثقفيّ كانت غلّته كلّ سنة قريبًا من خمسين ألفًا، ولا يحول الحول على شيء منها، كان ينفقها على أصحاب الحديث (^١).
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٨٤) وقيل: سنة (٩٤)، وقال محمد بن سعد: كان ثقة، وفيه ضعف، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة، وقال أحمد: كان مولده سنة (٨)، وقال الفلاس: وُلد سنة (١١٠)، ومات سنة (٩٤)، أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٩١) حديثًا.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيَانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيهٌ حجةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٦ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال: عامر بن ناتل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد، الْجَرْميّ البصريّ، أحد الأعلام، ثقة فاضلٌ، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن ثابت بن الضحاك الأنصاري، وسمرة بن جندب، وأبي زيد عمرو بن أخطب، وعمرو بن سلمة الجرمي، ومالك بن الحويرث، وزينب بنت أم سلمة، وأنس بن مالك الأنصاريّ، وأنس بن مالك الكعبي، وابن عباس، وابن عمر، وقيل: لم يسمع منهما، ومعاوية، وهشام بن عامر، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني، ويقال: لم يسمع منهم، وأرسل عن عمر، وحذيفة، وعائشة، ورَوَى أيضًا عن التابعين، كأبي المهلب الجرمي، وهو عمه، ومعاذة العدوية، وزهدم بن مَضَرّب الجرمي، وعبد الله بن يزيد رضيع عائشة، وعمرو بن بجدان، وأبي أسماء الرحبي، وأبي المليح بن أسامة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب، وخالد الحذاء، وأبو رجاء سلمان مولى أبي قلابة،
_________________
(١) "شرح البخاريّ للكرمانيّ" ١/ ٩٩.
[ ٢ / ١١٧ ]
ويحيى بن أبي كثير، وأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، وعاصم الأحول، وغيلان بن جرير، وطائفة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وكان ديوانه بالشام، وقال علي بن أبي حملة: قلنا لمسلم بن يسار: لو كان بالعراق أفضل منك لجاءنا الله به، فقال: كيف لو رأيتم أبا قلابة؟، وقال مسلم أيضًا: لو كان أبو قلابة من العجم، لكان مُوْبذ مُوْبذان - يعني قاضي القضاة -، وقال ابن سيرين: ذاك أخي حقًّا، وقال ابن عون: ذَكَرَ أيوب لمحمد حديثًا عن أبي قلابة، فقال: أبو قلابة - إن شاء الله - ثقة، رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو قلابة؟، وقال أيوب: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب، ما أدركت بهذا المصر رجلًا كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة، ما أدري ما محمد، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وكان يحمل على علي، ولم يرو عنه شيئًا، ولم يسمع من ثوبان، وقال أبو حاتم: لا يعرف له تدليس (^١)، وقال ابن خراش: ثقة، وقال عمر بن عبد العزيز: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا، قال ابن المديني: مات أبو قلابة بالشام، وقال ابن يونس: مات بالشام سنة أربع ومائة، وكذا أرخه غيره، وقال الواقدي: تُوفي سنة (٤) أو خمس، وقال ابن المديني: مات سنة (٤) أو سبع، وقال ابن معين: أرادوه على القضاء، فهرب إلى الشام، فمات بها سنة (٦) أو (٧)، وقال الهيثم بن عدي: مات سنة (١٠٧).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٦) حديثًا.
٧ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ المشهور - ﵁ -، تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: إسحاق، فما
_________________
(١) هذا يردّ قول الذهبي في "الميزان" ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦: ثقة في نفسه إلا أنه يدلّس عمن لَحِقه، وعمن لم يلحقه، وكان له صُحُفٌ يُحدّث فيها ويدلّس. انتهى.
[ ٢ / ١١٨ ]
أخرج له ابن ماجه، وابنِ أبي عمر، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بأجلّاء البصريين، غير شيخيه المذكورين، فالأول مروزيّ، نزيل نيسابور، والثانيّ عدنيّ، نزيل مكة.
٤ - (ومنها): أن شيخه ابن بشّار أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن هذا الباب أول محلّ ذكر عبد الوهّاب الثقفيّ، وأبي قلابة، وجملة ما رواه المصنّف لعبد الوهّاب (٩١) ولأبي قلابة (٤٦) حديثًا، كما نبّهت عليه آنفًا.
٦ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يكنى بأبي قلابة في المتقدّمين إلا هذا، ولهم في المتأخرين أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرَّقَاشيّ البصريّ، صدوقٌ يُخطئ، وتغيّر حفظه لَمّا سكن بغداد، من الحادية عشرة، وهو من أفراد ابن ماجه.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن أبي قلابة.
٨ - (ومنها): أنَّ فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز المائة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتيانيّ - بفتح السين المهملة، على الصحيح، وحُكي ضمّها، وكسرها - وإنما قيل له: السختياني؛ لأنه كان يبيع السختيان، وهو بفتح السين: الجلد (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، وبباء موحّدة (عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "ثَلَاثٌ) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، تقديره: ثلاثُ خِصَال، أو "ثلاث" صفة لموصوف محذوف: تقديره: خصالٌ ثلاثٌ، والخبر على هذين التقديرين جملة "مَنْ كنّ فيه … إلخ".
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ثلاث من كنّ فيه"؛ "ثلاثٌ مبتدأ، والجملة الشرطيّة خبره، وجاز ذلك؛ لأن التقدير خصالٌ ثلاثٌ، قال في "شرح
[ ٢ / ١١٩ ]
التسهيل": مثال الابتداء بنكرة هي وصفٌ: قول العرب: ضَعيفٌ عاذ بقَرْمَلة، أي إنسان ضعيف، أو حَيَوَانٌ ضعيفٌ التجأ إلى ضعيف، والْقَرْمَلَةُ شجرة ضعيفةٌ، ويجوز أن تكون الجملة الشرطيّة صفة و"ثلاثٌ" كما أنه يجوز أن تكون خبر المبتدأ في قولك: زيدٌ إن تُعطه يشكرك، أو صِلَةً للموصول، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ [النساء: ٩]، أو حالًا لذي الحال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ويكون الخبر: "من كان الله ورسوله أحبّ إليه"، وعلى التقديرين لا بدّ من تقدير مضاف قبل: "من كان"؛ لأنه على الأول إما بدلٌ عن "ثلاث"، أو بيانٌ، وعلى الثاني خبرٌ، قيل: لا بُدّ من إضمار مضاف قبل كلٍّ؛ لاستقامة المعنى، تقديره قبل "من" الأولى والثانية: محبة من كان الله ورسوله، ومحبة من أحبّ عبدًا، وقبل "من" الثالثة: وكراهة من يكره أن يعود، ولشدّة اتّصال المضاف بالمضاف إليه في الإضافات الثلاث، وغلبة المحبّة والكراهة عليهم حُذف المضاف. انتهى كلام الطيبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدير المضاف الذي ذكره هذا بالنسبة للجزء الأول، وهو قوله: "من كان الله … إلخ"، وأما بالنسبة للجزأين الأخيرين فلا حاجة إليه؛ لأنهما بلفظ "أن" المصدريّة، لا بلفظ "من"، وإنما يأتي هذا في الرواية التي بعد هذا، فإنها كلها بلفظ "من"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مَنْ) قال الكرمانيّ: "من" مبتدأ، والشرط والجزاء معًا خبره، أو الشرط فقط، على اختلاف فيه، و"من" إما شرطيّةٌ، وإما موصولة متضمّنةٌ لمعنى الشرط (كُنَّ فِيهِ) أي حَصَلْنَ و"كان" تامة (وَجَدَ) بمعنى أصاب، ولهذا عُدّي إلى مفعول واحد (بِهِنَّ حَلَاوَةَ الايمَانِ) قيل (^٢): معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات، في رضى الله ﷿ ورسوله، وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا؛ رغبةً في نعيم الآخرة الذي لا يبيد ولا يفنى.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٤٤.
(٢) إنما عبّرت بـ "قيل" إشارة إلى ضعف هذا التفسير للحلاوة؛ إذ الصحيح أن هذا من ثمرات الحلاوة، وليس هو عينها؛ إذ هي شيء يجده المؤمن في قلبه، ويُحسّ به، كما يُحسّ بحلاوة الطعام والشراب، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وروي عن عُتبة الغلام أنه قال: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذّذت بها باقي عمري.
ومحبة العبد ربه ﷾ التزام طاعته، وترك مخالفته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك محبة رسول الله - ﷺ - هي التزام شريعته، واتّباع طاعته، ولَمّا لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول - ﷺ - كانت محبّته من الإيمان.
وقد سئل بعضهم عن المحبّة ما هي؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الربّ، أن توافق الله ﷿، فتُحبّ ما أحبّ، وتكره ما كره، ولبعضهم في هذا المعنى شعرًا [من الكامل]:
تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
وقال القاضي رحمه الله تعالى: هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا"، وذلك أنه لا تصح المحبة لله تعالى ورسوله - ﷺ - حقيقةً، وحبُّ الآدمي في الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وكراهةُ الرجوع إلى الكفر إلا لمن قَوِيَ بالإيمان يقينه، واطمأنّت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وَجَدَ حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات حب الله، قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يُرْضِي الربّ ﷾، فيحبّ ما أحبّ، ويَكْرَه ما كَرِهَ، واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ.
وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانه إليه، ودفعه المضارّ والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبيّ - ﷺ - لِمَا جَمَعَ من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النِّعَم، والإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى
[ ٢ / ١٢١ ]
أن هذا متصوَّر في حق الله تعالى، فإن الخير كله منه ﷾، قال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى.
وقال في "الفتح": فيه استعارة تخييلية، شَبَّه رَغْبةَ المؤمن في الإيمان، بشيء حُلْوٍ، وأَثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي، يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكُلَّما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوّي استدلال البخاريّ على الزيادة والنقص، أي على زيادة الإيمان ونقصه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب "الفتح" من دعوى الاستعارة في الحلاوة، فيه نظرٌ، لأنه إخراج للفظ الحديث إلى معنى مجازيّ من غير حاجة إليه، بل الأولى أن تكون الحلاوة على معناها الحقيقيّ، كما قال بعض المحقّقين رحمه الله تعالى:
اختلف العلماء هل الحلاوة محسوسة، أو معنويّةٌ؟ فحملها قوم على المعنى، وحملها قوم على المحسوس، وأَبْقَوُا اللفظ على ظاهره، من غير أن يتأولوه، قال: والصواب معهم في ذلك - والله أعلم - لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره، من غير تأويل، وهو أحسن من التأويل، ما لم يُعارِض لظاهر اللفظ معارضٌ، ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة - ﵃ -، والسلف الصالح، وأهل المعاملات؛ لأنه قد حُكِي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن جملة ما حُكي في ذلك حديث بلال - ﵁ - حين صُنِعَ به ما صُنِع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ، فمزَجَ مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضًا عند موته أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه.
غَدًا أَلْقَى الأَحِبَّهْ … مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ
فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان.
ومنها حديث الصحابيّ الذي سُرِق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يَقْطَع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما كنت فيه أكبر من ذلك، وما ذاك إلا للحلاوة التي وجَدَها محسوسة في وقته ذلك.
[ ٢ / ١٢٢ ]
ومنها: حديث الصحابيّين اللذين جعلهما النبيّ - ﷺ - في بعض مغازيه ليلةً يحرُسان جيش المسلمين، فنام أحدهما، وقام الآخر يصليّ، فإذا الجاسوس من قبل العدوّ، وقد أقبل، فرآهما، فكبد الجاسوس القوس، ورمى الصحابيّ، فأصابه، فبقي على صلاته، ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، وقال: لولا أني خِفتُ على المسلمين ما قطعت صلاتي، وما ذاك إلا لشدّة ما وَجَدَ فيها من الحلاوة، حتى أذهبت عنه ما يجده من ألم السهام. انتهى.
وقال أيضًا ما حاصله: إنما عَبَّرَ بالحلاوة؛ لأن الله شبَّهَ الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية، فالكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي أسّ الدين، وبها قِوَامه، فكلمةُ الإخلاص في الإيمان، كأصل الشجرة لا بدّ منه أوّلًا، وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص، من اتّباع الأمر، واجتناب النهي، والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال البر، وما ينبت في الشجرة من الثمرة هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الثمرة في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله، وعلامة كماله هو ما ذكره النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث؛ لأن غاية فائدة الثمرة في تناهي حلاوة ثمرها، وكماله، ولهذا قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. انتهى (^١).
(مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ) بنصب "أحبَّ"، لأنه خبر "كان"، وإنما لم يُثنّيه حتى يُطابق اسم "كان" لأن أفعل التفضيل إذا استعمل بـ "من" يكون مفردًا مذكّرًا لا غير، كما بيّن ابن مالك رحمه الله تعالى أحواله في "الخلاصة" حيث قال:
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا … تَقْدِيرًا اوْ لَفْظًا بِـ "مِنْ" إِنْ جُرِّدَا
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ … لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
_________________
(١) راجع: "بهجة النفوس" للشيخ ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى ١/ ٢٦ - ٢٧.
[ ٢ / ١٢٣ ]
قال القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى: المراد بالحبّ هنا الحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقلُ السليمُ رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه، فيَنفِر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فيَهْوَى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر، ولا ينهى إلا بما فيه صلاحٌ عاجل، أو خلاصٌ آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تَمَرَّن على الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعًا له، ويلتذ بذلك التذاذًا عقليًا؛ إذ الالتذاذ العقلي: إدراك ما هو كمال، وخير من حيث هو كذلك، وعَبَّر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة.
قال: وإنما جَعَلَ هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح، ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول - ﷺ - هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقّن أن جملة ما وَعَد، وأوعد حقّ يقينًا، ويُخَيَّل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار. انتهى ملخصًا.
وشاهد الحديث من القرآن، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم هَدَّد على ذلك، وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. ذكره في "الفتح" ١/ ٨٧.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز إضافة المحبّة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه صحيحٌ، مُحِبًّا، ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وهو في السنّة كثير، ولا يختلف النظّار من أهل السنّة، وغيرهم أنها مؤوّلة في حقّ الله تعالى؛ لأن المحبّة المتعارفة في حقّنا، إنما هي ميلٌ لما فيه غَرَض يستكمل به الإنسان ما نقصه، وسكون لما تلتذّ به النفس، وتكمل بحصوله، والله تعالى منزّه عن ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه لا يختلف النظّار من أهل السنة … إلخ أراد به المتكلّمين، فليس هذا مذهب أهل السنة
[ ٢ / ١٢٤ ]
من السلف، ومن تبعهم من أهل الحديث، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، بل يثبتونها كما أثبتها على ظاهرها، على الوجه الذي يليق بجلاله ﷾، وأما تفسيره المحبّة بأنها ميلٌ لما فيه غَرَض … إلخ فليس أحد ممن له عقل صريح يتخيّل المحبّة التي ثبتت لله ﷾ بهذا المعنى، فإنها هي المحبّة الثابتة للمخلوق، وهذا التصوّر هو الذي حَمَل هؤلاء المؤولين على ما صاروا إليه من تحريف صفات الله تعالى، فلو أنهم نظروا إلى الحقيقة لوجدوا الفرق بين صفات الخالق، والمخلوق، فالله ﷾ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومنها المحبّة والرضا، والغضب، ونحوها، على الوجه الذي يليق بجلاله ﷾، (تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا). ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قال: وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حقّ الله تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعامًا مخصوصًا على من أخبر أنه يحبّه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل، وعلى هذا المنهاج يتمشّى القول في الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما كان في معناها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ جوابه ما تقدّم قبله، فمذهب السلف، وأهل الحديث أن هذه الصفات من الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما في معناها، صفات أثبتها الله ﷾ لنفسه، فهم يثبتونها له كما أثبتها لنفسه، من غير تشبيه، ولا تحريف، ومن غير تعطيل، ولا تأويل، بل هي على ظاهرها، على ما يليق بجلاله ﷾؛ لأنه لا داعي لتأويلها، ولأن المعاني التي يؤولون إليها يوجد فيها من المحذور على قولهم ما يلزم فيها؛ فإن الإنعام الذي أولت به المحبّة، أو إرادته هو أيضًا من صفات المخلوق، فإذا لزم التشبيه في المحبّة، لزم فيه أيضًا، فيفرّون من وَرْطَة، ويقعون في أخرى.
والحاصل أن التأويل مذهب فاسد؛ لأنه لا يحصل به التخلّص من المحذور الذي زعموه، فالحقّ أن تُثْبَت هذه الصفات لله تعالى، على ظاهرها الحقيقيّ، كما أثبتها ﷾ لنفسه، على ما يليق بجلاله، ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قال: فأما محبّة العبد لله تعالى، فقد تأوّلها بعض المتكلّمين؛ لأنهم فسّروا المحبّة بالإرادة، والإرادةُ إنما تتعلّق بالحادث، لا بالقديم.
ومنهم من قال: لأن محبتنا إنما تتعلّق بمستلذّ محسوس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهؤلاء تأولوا محبة العبد لله تعالى بطاعته له، وتعظيمه إياه، وموافقته له على ما يُريد منه.
وأما أرباب القلوب، فمنهم من لم يتأول محبّة العبد لله تعالى، حتى قال: المحبّة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب الهائم، وقال أبو القاسم القشيريّ: أما محبّة العبد لله تعالى، فحالة يجدها العبد من قلبه، تَلْطُف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم لله تعالى، وإيثار رضاه، وقلّة الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم الفرار عنه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره.
قال: فهؤلاء قد صرّحوا بأن محبّة العبد لله تعالى هي ميلٌ من العبد، وتَوَقَانٌ، وحالٌ يجدها المحبّ من نفسه، من نوع ما يجده في محبوباته المعتادة له، وهو صحيح، والذي يوضّحه أن الله تعالى قد جبلنا على الميل إلى الحسن، والجمال، والكمال، فبقدر ما ينكشف للعاقل من حسن الشيء، وجماله، مال إليه، وتعلّق قلبه به، حتى يُفضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه، فلا يقدر على الصبر عنه، وربّما لا يشتغل بشيء دونه.
ثم الحسن، والكمال نوعان: محسوسٌ، ومعنويّ، فالمحسوس، كا لصور الجميلة المشتهاة لنيل اللذّة الجسمانيّة، وهذا في حقّ الله تعالى محال قطعًا.
وأما المعنويّ، فكمن اتّصف بالعلوم الشريفة، والأفعال الكريمة، والأخلاق الحميدة، فهذا النوع تميل إليه النفوس الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلًا عظيمًا، فترتاح لذكره، وتتنعّم بخُبْرِه، وخَبَرِه، وتهتزّ لسماع أقواله، وتتشوّف لمشاهدة أحواله، وتلتذّ بذلك لذّة روحانيّة، لا جسمانيةً، كما تجده عند ذكر الأنبياء، والعلماء، والفضلاء، والكرماء، من الميل، واللذّة، والرّقّة، والأُنس، وإن كنّا لا نعرف صورهم المحسوسة، وربّما قد نسمع أن بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة، أو أعمى، أو أجذم، ومع ذلك، فذلك الميلُ والأنس، والتشوّق موجودٌ لدينا، ومن شكّ في وجدان ذلك، أو أنكره، كان عن جبِلّة الإنسانيّة خارجًا، وفي غمار المعتوهين والجًا.
[ ٢ / ١٢٦ ]
وإذا تقرّر ذلك، فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال، قد أحسن إلينا، وفاضت نعمه علينا، ووصلنا ببرّه، وعطفه، ولطفه، تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس، حتى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نَذْهَل عن جميع الأشغال، بل ويطرأ على المشتهر بذلك نوع اختلال، وإذا كان ذلك في حقّ من كماله، وجماله، مقيّدًا مشوبًا بالنقص، معَرَّضًا للزوال، كان مَنْ كماله وجماله واجبًا مطلقًا، لا يشوبه نقصٌ، ولا يعتريه زوال، وكان إنعامه، وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر، ولا يُعدّ، أولى بذلك الميل، وأحقّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمن خصّه الله تعالى بما شاء من ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد - ﷺ -، فمن تحقّق ما ذكرناه، واتّصف بما وصفناه، كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان كذلك تأهّل للقائهما بالاتصاف بما يُرضيهما، واجتناب ما يُسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلّيّة عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما، وأمرهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" عن بعضهم: محبة الله على قسمين: فرض، وندب.
[فالفرض]: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يُقَدّره، فمن وقع في معصية، مِن فِعْلِ مُحَرَّم، أو ترك واجب، فلتقصيره في محبة الله، حيث قَدَّم هَوَى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيُقْدِم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يُسرع إلى الإقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: "لا يَزْنِي الزاني، حين يزني، وهو مؤمن".
[والندب]: أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عمومًا بذلك نادر، قال: وكذلك محبة الرسول على قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئًا من المأمورات والمنهيات، إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حَرَجًا بما قضاه،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢١٢ - ٢١٤.
[ ٢ / ١٢٧ ]
ويتخلق بأخلاقه في الجود، والإيثار، والحلم، والتواضع، وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك، وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. انتهى (^١).
(مِمَّا سِوَاهُمَا) لم يقل: "ممن" لكون "ما" أعمّ (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) بالنصب على المفعوليّة (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ) جملة حاليّةٌ تحتمل أن تكون من الفاعل، أو المفعول، أو كليهما معًا، أفاده الكرمانيّ (^٢).
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بالمرء هنا: المسلم المؤمن؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبّته، وأن يُتقرَّب لله تعالى باحترامه، وحرمته، فإنه الموصوف با لأخوّة الإيمانيّة، والمحبّة الدينيّة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقد أفاد هذا الحديث أن محبّة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالأعراض الدنيويّة، ولا الحظوظ البشريّة، فإن من أحبّه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة على الدوام، وُجدت الأعراض، أو عُدمت.
ولَمّا كانت المحبّة للأعراض هي الغالبة قَلّ وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لا سيّما في هذه الأزمان التي قد امّحَى فيها أكثر رسوم الإيمان.
وعلى الجملة فمحبّة المؤمنين من العبادات التي لا بدّ فيها من الإخلاص في حسن النيّات. انتهى (^٣).
وقال يحيى بن معاذ: حقيقة الحبّ في الله أن لا يزيد بالبرّ، ولا ينقص بالجفاء، ذكره في "الفتح" (^٤).
(وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي أن يرجع (فِي الْكُفْرِ) أي يصير فيه، أو يرجع إليه (بَعْدَ أَنْ) بفتح الهمزة: هي المصدريّة (أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ) أي خلّصه، ونجّاه، وهو
_________________
(١) "فتح" ١/ ٨٧ - ٨٨.
(٢) "شرح البخاريّ" ١/ ١٠٠.
(٣) "المفهم" ١/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٤) "فتح" ١/ ٨٩.
[ ٢ / ١٢٨ ]
من الإنقاذ، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، وثلاثيّه النَّقْذُ، قال ابن دُريد: النَّقْذُ مصدر نَقِذَ بالكسر يَنقَذ نَقَذًا بالتحريك: إذا نجى.
وفي رواية للبخاريّ: "وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُقذف في النار":
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحِيَةٌ لما انكشف للمؤمن من حسن الإسلام، ولمَا دخل قلبه من نور الإيمان، ولمَا خلّصه من الله تعالى من رذائل الجهالات، وقُبْح الكفران، والحمد لله. انتهى.
وقال في "الفتح": والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً، بأن يولد على الإسلام ويستمرّ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيُحْمَل قوله: "يعود" على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره.
[فإن قيل]: فلِمَ عَدَّى العودَ بـ "في"، ولم يُعَدِّه بـ "إلى"؟.
[فالجواب]: أنه ضمّنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٧/ ١٧٣] (٤٣)، وفي [١٧/ ١٧٤]، وفي [١٧/ ١٧٥] بالأسانيد المذكورة.
و(البخاريّ) في "الإيمان" (١٦ و٢١) و"الأدب" (٦٠٤١)، و"الإكراه" ٦٩٤١، و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٢٤) عن ابن أبي عمر، عن عبد الوهاب به، و(النسائيّ) في "الإيمان" ٨/ ٩٦، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٣٣)،
_________________
(١) "فتح" ١/ ٨٩.
[ ٢ / ١٢٩ ]
و(الطيالسيّ) (١٩٥٩)، و(أحمد) ٣/ ١٠٣ و٣/ ١٧٤ و٢٤٨، و(ابن حبّان) ٢٣٧ و٢٣٨، و(ابن منده) ٢٨٣، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٢٤)، و(الصغير) ١/ ٢٥٧ و٢٥٨، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حلاوة الإيمان، وهي من الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن في باطنه، كما مضى تحقيقه، وليست من المجاز، كما ادُّعِي.
٢ - (ومنها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم، وأصل من أصول الدين، وكيف لا، وفيه محبّة الله تعالى، ورسوله - ﷺ - التي هي أصل الإيمان، بل عينه.
٣ - (ومنها): أن لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل عندها، وهي الأمور المذكورة في هذا الحديث.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على فضل من أُكره على الكفر، فترك البتة إلى أن قُتل.
٥ - (ومنها): ما قيل: إنما قال: "مما سواهما"، ولم يقل: "ممن"؛ ليعم من يعقل، ومن لا يعقل.
٦ - (ومنها): ما قيل أيضًا: إن في قوله: "مما سواهما" دليلًا على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله - ﷺ - للذي خطب، فقال: ومن يعصهما: "بئس الخطيب أنت"، فليس من هذا؛ لأن المراد في الْخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ؛ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي - ﷺ -، قاله في موضع آخر، حيث قال: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه".
[واعتُرض]: بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في حديث خطبة النكاح.
[وأجيب]: بأن المقصود في خطبة النكاح أيضًا الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى:
[منها]: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّزُ المنع أولى؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبنيّ على الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل. ورُدَّ بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل، بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلًا.
[ ٢ / ١٣٠ ]
[ومنها]: دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي - ﷺ -، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جَمَعَ أَوْهَم إطلاق التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام.
[ومنها]: دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه - ﷺ - هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر.
وتُعُقِّب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب، مع أنه هو - ﷺ - جمع كما تقدم؟.
ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا، ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس مَن يُخشَى عليه توهم التسوية، كما تقدم.
ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب، وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية، إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله تعالى مثلًا، ولا يحب رسوله - ﷺ - لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد، ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فلأن كل واحد من العصيانين، مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة، كاستقلال الرسول. انتهى مُلَخَّصًا من كلام البيضاوي، والطيبي.
[ومنها]: أجوبة أخرى فيها تكلف، منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه.
[ ٢ / ١٣١ ]
[ومنها]: أن له أن يجمع بخلاف غيره. ذكره في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجعَ في الْكُفْر، بَعْدَ أَنْ أنقَذَهُ اللهُ مِنْهُ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدَر" الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة ثبت حجة إمام عابدٌ [٧] (ت.١٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ص ٣٨١.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتٌ رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: "وجد طعم الإيمان" هو بمعنى "حلاوة الإيمان"، قال ابن الأثير الطَّعْم بالفتح: ما يُؤدِّيه ذوقُ الشيء من حلاوة، ومَرارة، وغيرهما، وله حاصلٌ ومَنْفَعَة، والطُّعْمُ بالضمّ: الأكل. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ: "الطَّعْم" بالفتح: ما يُؤدّيه الذوْقُ، فيقال: طَعْمه حُلْو، أو
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٨٨ - ٨٩.
(٢) "النهاية" ٣/ ١٢٥.
[ ٢ / ١٣٢ ]
حامضٌ، وتغيَّرَ طَعْمُهُ: إذا خَرَجَ عن وصفه الْخِلْقِيّ. انتهى (^١).
وقوله: "بعد أن أنقذه الله" أي بعد أن خلّصه الله، ونجّاه من الكفر؛ لأن أنقذ بمعنى حَفِظ بالعصمة ابتداءً بأن يولد على الإسلام، ويستمرّ بهذا الوصف على الدوام، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وتمام شرح الحديث، وما يتعلّق به من المسائل قد تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ أَنْ يَرْجعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (حَمَّاد) بن سلمة بن دينار، أبو أُسامة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤]، مات سنة بضع ومائة وعشرين، وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والصحابيّ سبق في السند الماضي.
وقوله: (بنحو حديثهم) الضمير لمشايخ المصنّف المذكورين في السندين السابقين، يعني حديث إسحاق بن منصور كنحو حديثهم.
[تنبيه]: طريق حماد هذه أخرجها أحمد في "مسنده" ٣/ ٢٣٠ و٢٨٨ فقال:
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٣.
[ ٢ / ١٣٣ ]
(١٢٩٢٧) حدثنا يونس، وحسن بن موسى قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثٌ من كُنّ فيه وَجَدَ بهنّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ورجل يُحِبّ رجلًا لا يحبه إلا لله، ورجل أن يُقْذَف في النار أحبُّ إليه من أن يَرْجِع يهوديًّا، نصرانيًّا"، قال حسن: "أو نصرانيًّا".
(١٣٥٥٦) حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: "ثلاث من كُنّ فيه وَجَد حلاوة الإيمان: من كان الله ﷿، ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجل يُحب الرجل لا يحبه إلا لله، والرجل أن يُقْذَف في النار أحب إليه من أن يَرْجِع يهوديًّا، أو نصرانيًّا".
وقوله: (غير أنه قال … إلخ) يعني أن إسحاق قال: "من أن يرجع يهوديًّا، أو نصرانيًّا" بدل قول الأوَّلين: "وأن يكره أن يعود في الكفر … إلخ"، وقول الآخِرَينِ: "من أن يرجع في الكفر"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.