وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦] (٤٤) - (وحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ …
(ح) وحَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ - حَتَّى كُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[ ٢ / ١٣٤ ]
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم، وعُليّة أمه، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: شيبان بن فَرُّوخ الْحَبَطيُّ (^١)، أبو محمد الأُبُلّيّ (^٢)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوَان الْعَنْبَريّ مولاهم، أو عُبيدة التَّنُّوريّ - بفتح المثنّاة، وتشديد النون - البصريّ، أحد الأعلام، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ويقال: لم يثبُت عنه [٨].
رَوَى عن عبد العزيز بن صُهيب، وشعيب بن الحبحاب، وأبي التياح، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، وأيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وحسين المعلم، وسعيد الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابنه عبد الصمد، وعَفّان بن مسلم، ومُعَلَّى بن منصور، ومسدد، وعارم، وأبو معمر الْمُقْعَد، وحَبّان بن هلال، وحميد بن مسعدة، وأبو عاصم النبيل، وقتيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وشيبان بن فَرُّوخ، وغيرهم.
قال معاذ بن معاذ: سألت أنا ويحيى بن سعيد شعبة عن شيء من حديث أبي التَّيّاح، فقال: ما يمنعكم من ذاك الشابّ؟ - يعني عبد الوارث - فما رأيت أحدًا أحفظ لحديث أبي التياح منه، وقال القواريري: كان يحيى بن سعيد يُثَبِّته، فإذا خالفه أحد من أصحابه، قال: ما قال عبد الوارث، وقال أحمد: كان عبد الوارث أصح حديثًا عن حسين المعلم، وكان صالحًا في الحديث، وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: مَن أثبت شيوخ البصريين؟ فقال: عبد الوارث، مع جماعة سماهم، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: هو مثل حماد بن زيد في أيوب، قلت: فالثقفي أحب إليك أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، قلت: فابنُ
_________________
(١) بمهملة، وموحّدة مفتوحتين.
(٢) بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام.
[ ٢ / ١٣٥ ]
علية أحب إليك في أيوب أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، وقال أبو عمر الْجَرْميّ: ما رأيت فقيهًا أفصح منه، إلا حماد بن سلمة، وقال أبو علي الْمَوْصِلي: قَلّمَا جلسنا إلى حماد بن زيد، إلا نهانا عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان، وقال البخاري: قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أبي، وما سمعتُ منه يقول قط في القدر، وكلام عمرو بن عبيد، وقال أبو زُرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، ممن يُعَدُّ مع ابن علية، ووهيب، وبشر بن المفضل، يُعَدّ من الثقات، هو أثبت من حماد بن سلمة، وقال النسائي: ثقةٌ ثَبْتٌ. وقال ابن سعد: كان ثقةً حجةً، تُوُفّي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة، وقال ابن حبّان في "الثقات": بلغ ثمانيًا وسبعين سنة وشهرًا، قال: وكان قَدَريًّا متقنًا في الحديث، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الحسن بن الربيع: سألت عبد الله بن المبارك، فقلت: كنا نأتي عبد الوارث بن سعيد، فإذا حضرت الصلاة، تركناه وخرجنا، فقال: ما أعجبني ما فعلت، وكان يُرْمَى بالقدر، ثنا عبيد الله بن عمير قال: قال لي إسماعيل ابن علية: إذا حدثك عبد الوارث بحديث، وشَدَّ إسماعيل يده، أي خُذه، قال عبيد الله: لولا الرأي لم يكن به بأس، سمعته يقول: لولا أني أعلم أن كل شيء رَوَى عمرو بن عبيد حَقٌّ لما رويتُ عنه شيئًا أبدًا، قال عبيد الله: ومات في آخر ذي الحجة سنة (٧٩)، وقال الساجي: كان قدريًّا صدوقًا متقنًا، ذُمَّ لبدعته، كان شعبة يُطْرِيه، وقال ابن معين: ثقة، إلا أنه كان يَرَى القدر، ويظهره، حدثني علي بن أحمد: سمعت هُدْبة بن خالد، سمعت عبد الوارث: يقول: ما رأيت الاعتزال قط، قال الساجيّ: الذي وَضَعَ منه الْقَدَرُ فقط، ووثقه ابن نمير، والعجلي، وغير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا.
٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيب الْبُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
وأما أَنَس - ﵁ - فقد تقدّم في الحديث الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى أسانيده، كما سبق بيانه في "شرح المقدّمة"، وهذا هو (٥) من رباعيات الكتاب.
[ ٢ / ١٣٦ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول لم يُخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه زُهير، فإنه نسائيّ، ثم بغداديّ، وأما شيبان، فإنه أُبُلّيّ، وهي من البصرة، قال في "القاموس": وأُبُلَّة، كعُتُلّة: موضع بالبصرة، أحد جِنان الدنيا (^١)، وأما ضبط السيوطيّ له في "لبّ اللباب" ١/ ٣٥ بضم الهمزة، وفتح الموحّدة، فإنه محلّ نظر، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة.
٥ - (ومنها): قوله في السند الأول: حدّثني زهير، وفي الثاني: حدّثنا شيبانُ، إشارة إلى أنه سمعه من شيخه زُهير وحده، ومن شيخه شيبان مع غيره، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِيءٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
٦ - (ومنها): أن فيه "إسماعيل ابن عُلَيّة" فـ"عليّة" أمه، ولذا تكتب همزة الوصل في "ابن"؛ لعدم توفّر شروط حذفها، وهي التي نظمها الأجهوريّ بقوله:
احْذِفْ مِنِ "ابْنٍ" أَلِفًا إِنْ وَقَعَا … فِي وَسَطِ اسْمَيْنِ تَكُنْ مُتَّبِعَا
إِلَّا إِذَا أُضِيفَ لَلضَّمِيرِ … فَالأَلِفَ اكْتُبْ فِيهِ يَا سَمِيرِي
وَمِثْلُهُ إِنِ اسْمُهُ قَدْ حُذِفَا … كـ "أَكْرَمَ ابْنُ عُمَرٍ مَنْ أَنْصَفَا"
قُلْتُ وَفِي اسْتِثْنَاءِ ذَيْنِ نَظَرُ … إِذْ لَيْسَ بَيْنَ اسْمَيْنِ مَنْ يُذَكَّرُ
كَذَاكَ مَكْتُوبٌ بِصَدْرِ السَّطْرِ … أَوْ مَا نَسَبْتَهُ لِجَدٍّ فَادْرِ
أَوْ مَنْ لِغَيْرِ أَبِيهِ قَدِ انْتَسَبْ … كَخَالِهِ فَالْحُكْمُ ذَا لَهُ وَجَبْ
وَمَا بِهِ لِصِفَةٍ قَدْ عُدِلَا … لِخَبَرٍ كَذَلِكَ اللَّذْ فُصِلَا
مَوْصُوفُهُ مِنْهُ وَمَا يُثَنَّى … أَوْ عَدْلُ الاسْتِفْهَامِ صَدَّ عَنَّا
_________________
(١) راجع: "القاموس" ص ٨٦٣.
[ ٢ / ١٣٧ ]
قَدْ قَالَ ذَا الشَّامِي وَبَعْضٌ "ابْنَةُ" … كـ "الابْنِ" فِي ذَا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ (^١)
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أنس) بن مالك - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ -) بدل "عبدٌ"، وفي الرواية التالية: "أحدكم"، قال في "الفتح": قوله: "الرجل" أشمل من جهة، و"أحدكم" أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيليّ: "لا يؤمن أحدٌ". انتهى.
(حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ) هو أفعل تفضيل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل وفُصِل بينه وبين معموله بقوله: (إِلَيْهِ) لأن الممتنع الفصل بأجنبيّ، لا مطلقًا، مع أنه يُتوسّع في الظرف ما لا يُتوسَّع في غيره قاله الكرماني (^٢)، (مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ") من عطف العامّ على الخاصّ، وهل تدخل النفس في هذا العموم؟ الظاهرُ دخولها، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي.
قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ رحمه الله تعالى: لم يُرِد به حُبَّ الطبع، بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه لا تَصْدُق في حبي حتى تُفْنِي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. انتهى.
قال الطيبيّ: قوله: "ولا سبيل إلى قلبه" ليس بمطلق، وذلك أن المحبّ ينتهي في المحبّة إلى أن يتجاوز عن الهوى، فيؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه، فضلًا عن محبة ولده، بل يُحتا أعداء نفسه؛ لمشابهتهم بمحبوبه، قال الشاعر [من البسيط]:
أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمُ … إِذْ صَارَ حَظِّيَ مِنْكَ حَظِّيَ مِنْهُمُ (^٣)
_________________
(١) راجع: "تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب" ١/ ١٥.
(٢) "شرح البخاري" ١/ ٩٧.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٤٣.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وقال ابن بَطّال، والقاضي عياض وغيرهما رحمهم الله تعالى: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام، كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة، كمحبة الولد، ومحبة مُشاكلة واستحسان، كمحبة سائر الناس، فجمع النبيّ - ﷺ - أصناف المحبة في محبته.
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث أن من استكمل الإيمان عَلِمَ أن حَقَّ النبيِّ - ﷺ - آكد عليه من حَقِّ أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به - ﷺ - استُنْقِذنا من النار، وهُدِينا من الضلال.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ومن محبته نُصْرَة سنته، والذّبّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل مالَهُ ونفسه دونه، قال: وإذا تَبَيَّن ما ذكرناه تبيّن أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبيّ - ﷺ -، ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه، فليس بمؤمن. انتهى، ذكره النوويّ في "شرحه" (^١).
وقال في "الفتح": والمراد بالمحبة هنا حبّ الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال الطيبي: فيه إشعارٌ بالموازنة والترجيح، وتلميح إلى قضية النفس الأمّارة، واللوّامة، والمطمئنة، فإن الأمّارة مائلة إلى اللذّات، وحبّ العاجلة، والمطمئنّة مقابلة بها، مرجّحة لحبّ الآجلة، فإن من رَجَّح جانب الأمّارة كان حب أهله ووالده راجحًا على حبه - ﷺ -، ومن رجّح جانب المطمئنة كان حكمه بالعكس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، ولا ارتياب أن من دخل في زمرة عباده المرتَضَين، وانخرط في سلك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين لا يُحبّ أن ينكُص على عقبيه، فيُرجّح جانب الأهل والأولاد على جانبه - ﷺ -، وهذا محال، وفي هذا التقرير أيضًا معنى قوله: "وجد حلاوة الإيمان"، وذلك أن النفس الأمارة موءوفة، كمن غلبت عليه الصفراء، فإنه لا يجد حلاوة العسل، فإذا صحّت واطمأنت زال عنه ذلك المرض، فيجد حلاوة الإيمان. انتهى كلام الطيبيّ (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ١٥ - ١٦.
(٢) "الكاشف" ٢/ ٤٤٣.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال.
وتعقبه صاحب "المفهم" بأن ذلك ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس مستلزمًا للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر - ﵁ - الذي رواه البخاريّ في "الأيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام: كنا مع النبيّ - ﷺ -، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ - ﷺ -: "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبيّ - ﷺ -: "الآن يا عمر" (^١). انتهى.
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض على المرء أن لو خُيِّر بين فقدِ غرض من أغراضه، أو فقدِ رؤية النبي - ﷺ -، أن لو كانت ممكنةً، فإن كان فقدها، أن لو كانت ممكنة أشد عليه، من فقدِ شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) قال في "الفتح" ١٣/ ٣٧٥: أي الآن عرفت، فنطقت بما يجب، وأما تقرير بعض الشرّاح: الآن صار إيمانك معتدًّا به، إذ المرء لا يُعتدّ بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول - ﷺ -، ففيه سوء أدب في العبارة، وما أكثر ما يقع مثل هذا في كلام الكبار عند عدم التأمل، والتحرّز، لاستغراق الفكر في المعنى الأصليّ، فلا ينبغي التشديد في الإنكار على من وقع ذلك منه، بل يُكتفى بالإشارة إلى الردّ، والتحذير من الاغترار به؛ لئلا يقع المنكر في نحو مما أنكره. انتهى.
[ ٢ / ١٤٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٨/ ١٧٦ و١٧٧] (٤٤) بهذه الأسانيد.
وأخرجه (البخاريّ) في "الإيمان" (١٥)، و(النسائيّ) في "الإيمان" (١٩/ ٥٠١٥ و٥٠١٦)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٧)، و(أحمد) في "باقي مسند المكثرين" (١٢٤٠٣ و١٢٧٣٩ و١٣٤٩٩)، و(الدارميّ) في "الرقاق" (٢٦٢٤)، و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٦٤ و١٦٥)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٢٢)، و(أبو عوانة) في "صحيحه" (١/ ٣٣)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٢٨٤ و٢٨٥ و٢٨٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن حبّ الرسول الكريم - ﷺ - علامة على كمال إيمان العبد.
٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": في هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما نفسه، وإما غيرها. أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة من الآفات، وهذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفعٍ مَا على وجوهه المختلفة، حالًا ومآلًا، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول - ﷺ -، الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي في النعيم السرمدي، وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يُثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، بحسب استحضار ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة - ﵃ -، من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٨٦.
[ ٢ / ١٤١ ]
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: محبّة النبيّ - ﷺ - من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبّة الله ﷿، وقد قرنها الله تعالى بها، وتوعّد من قدّم عليهما محبّة شيء من الأمور المحبوبة طبعًا من الأقارب، والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٤].
ولَمّا قال عمر - ﵁ - للنبيّ - ﷺ -: أنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلا من من نفسي، فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحبّ إليك من نفسك"، فقال عمر - ﵁ -: والله لأنت الآن أحبّ إليّ من نفسي، قال: "الآن يا عمر" (^١).
فيجب تقديم محبّة الرسول - ﷺ - على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما يُحبّه الإنسان غاية المحبّة، وإنما تتمّ المحبّة بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١].
وسُئل بعضهم عن المحبّة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبّة الرسول - ﷺ - على محبّة كلّ مخلوق أنه إذا تعارضت طاعة الرسول - ﷺ - في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدّم طاعة الرسول - ﷺ -، وامتثال أوامره على ذلك الداعي، كان دليلًا على صحة محبّته للرسول - ﷺ -، وتقديمها على كلّ شيء، وإن قدّم على طاعته،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، ونصّه: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، قال: حدثني أبو عَقِيل زَهْرَة بن مَعْبَد، أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبيّ - ﷺ -، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ - ﷺ -: "لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبيّ - ﷺ -: "الآن يا عمر".
[ ٢ / ١٤٢ ]
وامتئال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا، دلّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التّامّ الواجب عليه.
وكذلك القول في تعارض محبّة الله، ومحبّة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول - ﷺ - تبعٌ لمحبّة مُرسله ﷿. هذا كلّه في امتثال الواجبات، وترك المحرّمات.
فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبّة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبّة إلى هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبّتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
(ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبي ﵀: هذا الحديث على إيجازه يتضمّن ذكر أصناف المحبّة، فإنها ثلاثة: محبة إجلال وإعظام، كمحبّة الوالد، والعلماء، والفضلاء؛ ومحبة رحمة، وإشفاق، كمحبة الولد؛ ومحبة مشاكلة، واستحسان، كمحبة غير من ذكرنا، وإن محبة رسول الله - ﷺ - لا بدّ أن تكون راجحة على ذلك كلّه، وإنما كان ذلك؛ لأن الله تعالى قد كمّله على جميع جنسه، وفضّله على سائر نوعه بما جبله عليه من المحاسن الظاهرة، والباطنة، وبما فضله من الأخلاق الحسنة، والمناقب الجميلة، فهو أكمل مَن وطِئ الثرى، وأفضل من ركب ومشى، وأكرم من وافى القيامة، وأعلاهم منزلة في دار الكرامة.
قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبيّ - ﷺ -، ومنزلته على كلّ والد، وولد، ومُحسنٍ، ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن.
قال القرطبيّ: وظاهر هذا القول أنه صرف محبة النبيّ - ﷺ - إلى اعتقاد
_________________
(١) "شرح البخاريّ " لابن رجب ١/ ٤٩.
[ ٢ / ١٤٣ ]
تعظيمه، وإجلاله، ولا شكّ في كفر من لا يعتقد عليه (^١)، غير أن تنزيل هذا الحديث على ذلك المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظميّة ليس بالمحبّة، ولا الأحبيّة، ولا مستلزمًا لها، إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام أمر، أو شخص، ولا يجد محبّته؛ ولأن عمر - ﵁ - لَمّا سمع قول رسول الله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وولده، ووالده، والناس أجمعين"، قال عمر: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من كل شيء، إلا نفسي، فقال: "ومن نفسك يا عمر"، قال: ومن نفسي، فقال: "الآن يا عمر" (^٢). وهذا كلّه تصريحٌ بأن هذه المحبّة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل إلى المعتقد، وتعظيمه، وتعلّق القلب به، فتأمّل هذا الفرق، فإنه صحيح، ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس.
وعلى هذا المعنى الحديثُ - والله أعلم -: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل، وأرجحيّته للنبيّ - ﷺ - لم يكمل إيمانه.
قال: على أني أقول: إن كل من صدّق بالنبي - ﷺ -، وآمن به إيمانًا صحيحًا، لم يَخْلُ عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبيّ - ﷺ -، غير أنهم في ذلك متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، كما قد اتّفق لعمر - ﵁ - حتى قال: من نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ - ﷺ -: لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ … الحديث. وكما قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبّ إليّ من رسول الله، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه (^٣). ولا شكّ في أن حظّ أصحابه - ﷺ - من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها.
_________________
(١) هكذا عبارة "المفهم"، وفيها ركاكة، ولعل الأولى: "ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك"، والله تعالى أعلم.
(٢) رواه أحمد ٤/ ٣٣٦. وقد تقدم من رواية البخاريّ بنحوه.
(٣) رواه مسلم (١٢١).
[ ٢ / ١٤٤ ]
ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكّر بالنبي - ﷺ -، أو بشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره على أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هذا، ويجده وجدانًا لا شكّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبّة حتى لا يوجد منها حَبّة.
فنسأل الله تعالى الكريم أن يمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ").
إسناد هذا الحديث تقدّم قبل حديثين، وكذلك شرح الحديث، وبيان مسائله المتعلّقة به سبق تحقيقها في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (مِنْ وَلَدِه، وَوَالِدِهِ) قدّم الولد في رواية المصنّف على الوالد لمزيد الشفَقَة، وقدّم الوالد في رواية البخاريّ؛ نظرًا للأكثريّة؛ لأن كلّ أحد له والد من غير عكس.
وقوله: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) من عطف العام على الخاصّ، قال في "الفتح": وذِكرُ الولد والوالد، أَدْخَلُ في المعنى؛ لأنهما أعزّ على العاقل من
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
[ ٢ / ١٤٥ ]
الأهل والمال، بل ربما يكونان أعزّ من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا.
وهل تدخل الأم في لفظ "الوالد"؟، أن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال: اكتُفِيَ بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر على سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته، وذكرُ الناس بعد الوالد والولد، من عطف العام على الخاص، وهو كثير، وقدّم الوالد على الولد في رواية؛ لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدّم الولد في أخرى؛ لمزيد الشفقة. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية شعبة عن قتادة هذه مأمون فيها من تدليس قتادة؛ لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائيّ (٥٠١٥) (^٢)، والله تعالى أعلبم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.