وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨] (٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ").
هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، وهو مسلسلٌ بالبصريين أيضًا، وقد سبق الكلام عليه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ -، وفي رواية النسائيّ: "قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا"،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٧٦.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ٧٦.
[ ٢ / ١٤٦ ]
فصرّح قتادة بالسماع (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) وفي الرواية التالية: "لا يؤمن عبدٌ"، والمراد به نفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيضٌ في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان.
[فإن قيل]: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت ببقية الأركان.
[أجيب]: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: "لأخيه المسلم"، ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي، عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: "لا يبلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان"، ومعنى الحقيقة هنا الكمال؛ ضرورةَ أن من لم يتصف بهذه الصفة، لا يكون كافرًا. قاله في "الفتح" (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: "لا يؤمن": أي لا يَكْمُل إيمانه؛ إذ مَن غَشّ المسلم، ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافرًا بذلك، كما بيّنّاه غير مرّة، وعلى هذا فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل من كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكره لنفسه، ويتضمّن أن يفضّلهم على نفسه؛ لأن كلّ أحد يحبّ أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما يُحبّ لنفسه، فقد أحبّ أن يكون غيره أفضل منه، وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض لَمّا قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أدّيت لله الكريم النصيحة، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك؟. انتهى (^٢).
(حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) بنصب "يُحِبَّ"؛ لأن "حتى" جارة، و"أن" بعدها مضمرة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ"
ولا يجوز الرفع، فتكون "حتى" عاطفة، فلا يصح المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة.
[فإن قيل]: قوله: "لأخيه" ليس له عموم، فلا يتناول سائر المسلمين.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٨٣.
(٢) راجع: "المفهم" ١/ ٢٢٧.
[ ٢ / ١٤٧ ]
[وأجيب]: بأن معنى قوله: "لأخيه" للمسلمين؛ تعميمًا للحكم، أو يكون التقدير: لأخيه من المسلمين، فيتناول كلَّ أخ مسلم. قاله العينيّ (^١).
(- أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: لِجَارِهِ -) هكذا في رواية مسلم بالشكّ، وكذا هو في "مسند عبد بن حُميد" على الشكّ أيضًا، وهو في "صحيح البخاريّ" وغيره بلفظ "لأخيه" من غير شكّ (^٢).
(مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ") أي "من الخير" كما ثبت في رواية النسائيّ بإسناد صحيح، و"الخير": كلمة جامعة تَعُمُّ الطاعات، والمباحات الدنيوية، والأخروية، وتُخرِج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا، قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسّه، كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته، كالفضل والكمال، وإما بإحسانه، كجَلْب نفع، أو دفع ضرر. انتهى ملخصًا.
والمراد بالميل هنا الاختياري، دون الطبيعي، والْقَسْريّ، والمراد أيضًا أن يحب أن يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة، أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجوهر، أو العرض بمحلّين محال. قاله في "الفتح".
وقال في "عمدة القاري" ١/ ١٦٠ ما حاصله: المحبّة مطالعة المنّة من رؤية إحسان أخيه، وبرّه، وأياديه، ونعمه المتقدّمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقّها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوامّ قد تتغيّر بتغيّر الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحبّ، وإن نقصه نقصه. وأما محبّة الخواصّ، فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال؛ لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حقّ أخيه المسلم، فهذه المحبّة لا تتغيّر؛ لأنها لته تعالى، لا لأجل غَرَض دنيويّ. ويقال: المحبّة ههنا هي مجرّد تمنّي الخير لأخيه المسلم، فلا يَعْسُر ذلك إلا على القلب السقيم، غير المستقيم.
وقال القاضي عياض: المراد من قوله - ﷺ -: "حتى يحب لأخيه ما يحب
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٦١.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦.
[ ٢ / ١٤٨ ]
لنفسه" أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية، وحقيقته التفضيل؛ لأن كلّ واحد يحبّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبّ لأخيه مثله، فقد دخل هو من جملة المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقّه، ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة، أو حقّ بادر إلى الإنصاف من نفسه، وقد رُوي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك، فما أدّيت لله الكريم نصحه، فكيف وأنت تودّ أنهم دونك. انتهى.
وتعقّب الحافظ على القاضي عياض قوله: لأن كل واحد يحب أن يكون أفضل الناس، فقال: وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش، وكلها خصال مذمومة. انتهى "فتح" ١/ ٨٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة … إلخ" سيأتي الردّ على هذا، وأنه لا ينافي التواضع، آخر المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: من الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، من الشرّ، ولم يذكره؛ لأن حبّ الشيء، مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه؛ اكتفاء، أفاده الكرمانيّ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
_________________
(١) "شرح البخاريّ" ١/ ٩٥.
[ ٢ / ١٤٩ ]
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٩/ ١٧٨ و١٧٩] (٤٥) بهذين الإسنادين.
و(البخاريّ) في "الإيمان" (١٣)، وفي "الأدب المفرد" (١٢١)، و(الترمذيّ) في "صفة القيامة" (٢٥١٥)، و(النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١١٥، ٢٥١٥)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٦)، و(أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٧٣، و(الدارميّ) في "الرقاق" (٢٦٢٣)، و(أبو عوانة) في "صحيحه" (١/ ٣٠)، و(أبو نُعيم) في "المستخرج" (١٦٦ و١٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بعض خصال الإيمان، وذلك أن محبّة الإنسان لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه شعبة من شعب الإيمان، وعلامة على أنه مؤمن كامل الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالة على التواضع؛ لأنه إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه كان دليلًا على أنه بريء من الكبر، والحسد، والحقد، والغلّ، والغشّ، وغيرها من الأخلاق الدنيئة، والخصال الذميمة، بل هو متحلّ بالتواضع، واللِّين، والرفق، وإيثار إخوانه على نفسه، وغيرها من الأخلاق الكريمة، والشيم العظيمة.
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لَمّا نفى النبيّ - ﷺ - الإيمان عمن لم يُحب لأخيه ما يُحبّ لنفسه، دلّ على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن … " الحديث. وإنما يُحب الرجل لأخيه ما يُحبّ لنفسه إذا سلم من الحسد، والغلّ، والغشّ، والحقد، وذلك واجبٌ، كما قال النبيّ - ﷺ -: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا"، رواه مسلم، فالمؤمن أخو المؤمن، يحبّ له ما يُحبّ لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال - ﷺ -: "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر"، متّفقٌ عليه.
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين، أو غيره أحبّ أن يكون لأخيه نظيرها، من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إني
[ ٢ / ١٥٠ ]
لأمرّ بالآية من القرآن، فأفهمها، فأودّ أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم، وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: ودِدتُ أن الناس كلّهم تعلّموا هذا العلمَ، ولم يُنسب إليّ منه شيء.
فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ، أو دنيويّ، فهو مذموم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ الآية [القصص: ٨٣]، وقد قال عليّ - ﵁ - وغيره: هو أن لا يُحبّ أن يكون نعله خيرًا من نعل غيره، ولا ثوبه خيرًا من ثوب غيره.
وفي الحديث المشهور في "السنن": "من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار".
وأما الحديث الذي فيه أن رجلًا سأل النبيّ - ﷺ -، فقال: إني أحبّ الجمال، وما أحبّ أن يفوقني أحدٌ بشراك نعلي، فقال له النبيّ - ﷺ -: "ليس هذا من الكبر"، فإنما فيه أنه أحبّ أن لا يعلو عليه أحدٌ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس، بل يَصْدُق هذا أن يكون مساويًا لأعلاهم، فما حصل بذلك محبّة العلوّ عليهم، والانفراد عنهم، فإن حصل لأحد فضيلة خصّصه الله تعالى بها عن غيره، فأخبر بها على وجه الشكر، لا على وجه الفخر، كان حسنًا، كان النبيّ - ﷺ - يقول: "أنا سيّد ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول شافع، ولا فخر". رواه مسلم، ورواه البخاريّ بلفظ مغاير لهذا، وقال ابن مسعود - ﵁ -: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل، لأتيته. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ … إلخ فيه نظرٌ لا يخفى، فكيف يكون هذا مذمومًا، وقد جاء فيه تنافس الأنبياء والصالحين فيه، فقد قال الله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] الآية، ومعلوم أن طلبه لملك لا ينبغي لغيره محبة للانفراد به، وقال تعالى في دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ومعلوم أن من يحب أن يكون إمامًا يحب أن يكون رئيسًا في الخير على غيره.
ومن الغريب الاستدلال على ذلك بآية ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
_________________
(١) راجع: "شرح البخاريّ لابن رجب" ١/ ٤٥ - ٤٧.
[ ٢ / ١٥١ ]
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية؛ إذ هي لا تدلّ على ذلك، وإنما المراد بالعلو فيها علوّ التكبّر والتجبّر، لا علوّ الإصلاح والزعامة في الحقّ، ودونك ما قاله المفسّرون في معنى الآية المذكورة:
قال الإمام ابن كثير ﵀: يُخبر تعالى أن الدار الآخرة، ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، أي تَرَفُّعًا على خلق الله، وتعاظمًا وتجبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم، كما قال عكرمة: العلُوُّ: التجبر، وقال سعيد بن جبير: العلو: البَغْيُ، وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلوّ في الأرض: التكبر بغير حقّ، والفسادُ: أخذ المال بغير حقّ، وقال ابن جريج: لا يريدون علوًّا في الأرض تعظمًا وتجبرًا، ولا فسادًا عملًا بالمعاصي.
وقال ابن جرير: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي سلام الأعرج، عن عليّ، قال: إن الرجل ليُعجِبه من شِراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إنه أُوحي إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد"، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمُّل فهذا لا بأس به، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أيضًا: أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنًا، ونعلي حسنةً، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال" (^١). انتهى كلام ابن كثير (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً؟، قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس".
(٢) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٠٣.
[ ٢ / ١٥٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الآية ليست بحجة لما زُعِمَ من أن قصد التفرد عن الناس بخير من الخيور مذموم، فإن المفسّرين على أن المراد بالعلو فيها هو علوّ التجبّر والطغيان والبغي، لا علوّ الصلاح والإصلاح.
ومما يُتعجّب منه أنه ذكر أثر عليّ - ﵁ - في تفسيره الآية، وفي سنده أشعث السمّان (^١) متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم، فكيف يثبت أثره، ويُحتجّ به، وقد أجاب عنه ابن كثير على تقدير ثبوته؟.
والحاصل أن محبة الإنسان لنفسه أن يكون إمامًا في الخير، ونحوه لا ينافي حديث الباب، ولا ينافي أيضًا التواضع، وكيف وهو أمنيّة عباد الله الصالحين، ففي "الصحيحين" أنه - ﷺ - لَمّا قال: "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" بات الصحابة يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، ثم غَدَوا عليه، وكلهم يريد أن يعطاها، حتى قال عمر - ﵁ -: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وفيهما أيضًا أنه - ﷺ - لما قال لأهل نجران: "لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين" فاستشرف لها أصحاب رسول الله - ﷺ -، إلى غير ذلك مما يدلّ على محبّة كلّ منهم تقدّمه على الآخرين في الخير، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٩] (…) - (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ، حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ").
_________________
(١) وفي تفسير ابن أبي حاتم: حدثني أشعث بن يزيد الدمشقيّ، وترجمه في "لسان الميزان" ١/ ٧٠٦ فليُنظر.
[ ٢ / ١٥٣ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٢ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: الحسين بن ذَكْوَان الْمُعَلِّم الْعَوْذِيّ - بفتح المهملة، وسكون الواو، بعدها معجمة - البصريّ الْمُكْتِبُ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦].
رَوَى عن عطاء، ونافع، وقتادة، وعبد الله بن بُريدة، ويحيى بن أبي كثير، وبُدَيل بن مَيْسَرة، وسليمان الأحول، وعِدَّة.
ورَوَى عنه إبراهيم بن طَهْمَان، وشعبة، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، والقطان، وغندر، وابن أبي عَدِيّ، ويزيد بن زُريع، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال ابنُ أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، والنسائيّ، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: مَن أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي، ثم الأوزاعي، وحسين المعلم، وقال أبو داود: لم يرو حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - شيئًا، وقال الدارقطنيّ: من الثقات، وقال ابن سعد، والعجليّ، وأبو بكر البزار: بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن المديني: لم يرو الحسين المعلم عن ابن بريدة، عن أبيه إلا حرفًا واحدًا، وكلُّها عن رجال أُخَر.
قال الحافظ: هذا يوافق قول أبي داود المتقدم، إلا في هذا الحرف المستثنى، وكأنه الحديث الذي تَعَقَّب به المزيّ قولَ أبي داود بأن أبا داود رَوَى في "السنن" من حديث حسين، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -: "مَنِ استعملناه على عَمَل، فرزقناه رِزْقًا … " الحديث.
وقال أبو جعفر العُقَيليّ: ضعيف مضطرب الحديث، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبو بكر بن خلاد، سمعت يحيى بن سعيد، هو القطان، وذكر حسينًا المعلم، فقال: فيه اضطراب.
وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة (١٤٥).
[ ٢ / ١٥٤ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
والباقون تقدّموا قريبًا، والسند مسلسل بالبصريين، كالأسانيد الماضية، وشرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.