وبسندنا المتّصل الذي سبق في أَوَّل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٨] (١١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْه، عَنْ أبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَاثِرُ الرَّأْس، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِه، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، فَقَالَ: "هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) الْبَغلاني، ثقة ثبت [١٠] مات سنة (٢٤٠) عن (٩٠) سنة، (ع) ٥/ ٤٩.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الفقيه، رأس الْمُتْقِنين، وكبير المتثبّتين [٧] مات سنة (١٧٩) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٢ - ٣٨٥.
٣ - (أَبُو سُهَيْلٍ) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، حَلِيف بني تيم، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وغيرهم.
ورَوَى عنه الزهري، وهو من أقرانه، وابن أخيه مالك بن أنس إمام دار
[ ١ / ٢٠١ ]
الهجرة، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، ومحمد بن طلحة التيمي، وعبد العزيز الدَّرَاوَرْدي، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال الواقديّ: كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة، هَلَك في إمارة أبي العباس.
وفي "التقريب": ثقة [٤]، مات بعد (١٤٠).
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٢) و(٨٩) و(١٧٩٣) و(١٧٩٤).
٤ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أنس، ويقال: أبو محمد، جَدُّ مالك بن أنس الفقيه، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وطلحة، وعَقيل بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وربيعة بن مُحْرِز، كاتب عمر، وكعب الأحبار.
وروى عنه أبناؤه: أنس، والربيع، ونافع، وسليمان بن يسار، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيمي.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وقال: فَرَضَ له عثمان. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحة.
قال ابنه الربيع: مات أبي حين اجتمع الناس على عبد الملك - يعني سنة أربع وسبعين -.
[تنبيه]: وَهِمَ عبد الغني في "الكمال" تبعًا لابن سعد، عن الواقديّ، قال: إنه مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبعين، أو اثنتين وسبعين سنة.
وتعقّبه المنذريّ بأن سماعه من طلحة مُصَرَّحٌ به في "الصحيح"، وطلحةُ قُتِل سنة ست وثلاثين، وعلى ما ذكره يكون مولده سنة أربعين، فكيف يمكن سماعه؟ ثم قال: فلعله كان الوهم في سنّه والصواب تسعين بتقديم التاء، انتهى.
قال الحافظ: وهو مشكل أيضًا، فقد صَحَّ سماعه من عمر - ﵁ -، فإنه قال: شَهِدتُ عمر عند الجمرة، وذكر قِصَّة، أوردها ابن سعد بسند جيد،
[ ١ / ٢٠٢ ]
والصواب ما تقدّم (^١)، وكذا ذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين".
أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٢) و(٨٩) و(٣٣٧) و(١٧٩٤) و(٢٩٦٧).
٥ - (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب القرشي التيميّ، أبو محمد المدنّي، يجتمع مع النبيّ - ﷺ - في الأب السابع مثل أبي بكر - ﵁ -، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأمه الصعبة أخت العلاء بن الحضرمي، من المهاجرات، غاب عن بدر، فضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره، وشَهدَ أُحُدًا وما بعدها، وكان أبو بكر - ﵁ - إذا ذَكَرَ يوم أحد قال: ذاك يوم كُلُّه لطلحة، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمس الذين أسلموا على يد أبي بكر - ﵁ -، والستّة الذين هم أصحاب الشورى الذين تُوفّي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، وهو ممن ثبت مع النبيّ - ﷺ - يوم أحد، ووقاه بيده ضربة قُصِد بها، وقيل: جُرح في ذلك اليوم خمسًا وسبعين جراحةً، وشُلّت أصبعاه، وسمّاه النبيّ - ﷺ - طلحة الخير، وطلحة الجود.
رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعمر، وروى عنه أولاده: محمد، وموسي، ويحيي، وعمران، وعيسي، وإسحاق، وعائشة، وابن أخيه عبد الرَّحمن بن عثمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، والسائب بن يزيد، وقيس بن أبي حازم، ومالك بن أوس بن الحدثان، وأبو عثمان النَّهْديّ، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، وربيعة بن عبد الله بن الْهُدَير، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وقيل: لم يسمع منه، وغيرهم.
قال أبو أسامة: عن طلحة بن يحيى: أخبرني أبو بردة، عن مسعود بن خِرَاش قال: بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة، فإذا أناس كثير يتبعون أناسًا، قال: فنظرت، فإذا شابّ مُوثَقٌ يده إلى عنقه، فقلت: ما شان هؤلاء؟ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله قد صَبَأَ. وقال محمد بن عُمر بن علي: آخى
_________________
(١) أي كونه مات سنة (٧٤).
[ ١ / ٢٠٣ ]
النبي - ﷺ - بمكة بينه وبين الزبير. ورُوي عن الزهري قال: آخى النبي - ﷺ - بالمدينة بين طلحة وأبي أيوب، خالد بن زيد. وقال قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة شَلاء وَقَى بها رسول الله - ﷺ -. وقال ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمير، عن قَبِيصة بن جابر: صحبت طلحة بن عبيد الله، في رأيت رجلًا أعطى لجزيلِ مالٍ من غير مسألة منه. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، عن حُصَين في حديث عَمْرو بن جاوان قال: فالتقى القوم - يعني يوم الجمل - فكان طلحة من أول قتيل. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: كان مروان مع طلحة والزبير يوم الجمل، فلما شَبّت الحرب قال مروان: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فَرَمَى طلحة بسهم، فأصاب ركبته، فمات منه. وقال أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة، مولى طلحة قال: دخلت على عليّ مع عمران بن طلحة، بعدما فَرَغ من أصحاب الجمل، فَرَحَّب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]. وقال ابن سعد: أخبرني مَن سَمِع أبا جناب الكلبيّ يقول: حدثني شيخ من كلب، قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قَتَلَ طلحة، ما تركتُ أحدًا من ولد طلحة إلَّا قتلته بعثمان. وقال الحميدي في "النوادر" عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن مروان قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد، فقال له الوليد: ما دخلت عليّ قطّ إلَّا هَمَسْتُ بقتلك، لولا أن أبي أخبرني أن مروان قَتَل طلحة. وقال أبو عمر بن عبد البر: لا يَختَلِف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة.
قال خليفة بن خياط: كانت وقعة الجمل بناحية الطّفّ، يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين، وقُتِل فيها طلحة في المعركة، أصابه سهم غَرْبٌ فقتله. وقال المدائني: مات وهو ابن (٦٠) سنة، وقال أبو نعيم: وهو ابن (٦٣) سنة، وقيل: غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (٣٨) اتّفق الشيخان على حديث واحد، وهو هذا الحديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم في هذا الكتاب
[ ١ / ٢٠٤ ]
بأربعة أحاديث، برقم (١٢) و(٧٦٩) وأعاده بعده (٧٧٠) و(٢٠٦٧) و(٤٣٥٦) و(٤٤٣٥) (^١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، وهي قرية ببلخ، لكن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك رحمه الله تعالى.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو سهيل عن أبيه.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالأقارب، لأن مالكًا يرويه عن عمّه، وهو عن أبيه، عن حليفه، فإن مالك بن أبي عامر حليف لطلحة - ﵁ -، كما سبق التنبيه عليه، فهو مسلسل بالأقارب، كما هو مسلسل بالبلد.
٦ - (ومنها): قتيبة من أفراد الكتب الستّة، إذ لا يوجد من اسمه قتيبة غيره، ويقال: إنه لقب، واسمه عليّ، قاله أبو عبد الله بن منده، وقيل: يحيى، قاله ابن عديّ، ويقال له: "الثقفيّ"؛ لأنه مولاهم؛ قيل: إن جدّه كان حَمِيلًا، وكان مولى للحجاج بن يوسف الثقفيّ.
٧ - (ومنها): أن طلحة، وأبا سهيل، وأباه هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدة ما رواه عنهم المصنّف فيه.
٨ - (ومنها): أن طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عُبيد الله اثنان، هذا أحدهما، والثاني تيميّ أيضًا، ويقال له أيضًا: طلحة الخير، فأشكل على الناس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) نافع بن مالك (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) - ﵁ - (يَقُولُ: جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، قيل: إن هذا
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٣/ ٤٣٠ - ٤٣٢، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١، و"عمدة القاري" ١/ ٢٦٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
الرجل هو ضِمَام بن ثعلبة الذي سمّاه البخاري في حديث أنس - ﵁ - المذكور بعد هذا، وإن الحديثين حديث واحد، قال القرطبّي رحمه الله تعالى: وهذا فيه بُعد؛ لاختلاف مساقهما، وتباين الأسئلة فيهما، ولزيادة الحجّ في حديث أنسّ - ﵁ -، ويَبعُد الجمع بينهما، فالأولى أن يقال: هما حديثان مختلفان، وكذلك القول في كلّ ما يَرِد من الأحاديث التي فيها الأسئلة المختلفة، كحديث أبي أيوب وجابر وغيرهما مما يُذكَر بعد هذا، وقد رام بعض العلماء الجمع بينها، وزَعَم أنَّها كلّها حديث واحد، فادّعى فَرَطًا، وتكلّف شَطَطًا، من غير ضرورة نقليّة ولا عقليّة. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
(مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) متعلّق بصفة لـ "رجل"، و"النَّجْدُ" - بفتح النون، وسكون الجيم -: المرتفع من الأرض والْغَوْرُ: المنخفِضُ منها، وهما بحكم العرف جهتان مخصوصتان (^٢).
وقال الفيوميّ رحمه الله تعالى: "النَّجْدُ": ما ارتفع من الأرض، والجمعُ نُجُود، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس، وبالواحد سُمّي بلادٌ معروفة من ديار العرب مما يَلي العِرَاقَ، وليست من الحجاز، وإن كانت من جَزِيرة العرب، قال في "التهذيب": كلُّ ما وراء الْخَنْدق الذي خَنْدَقه كسرى على سواد العراق، فهو نَجْدٌ إلى أن تَمِيل إلى الحرّة، فإذا مِلتَ إليها فأنت في الحِجَاز، وقال الصَّغَاني: كلُّ ما ارتفع من تِهَامةَ إلى أرض العراق فهو نَجْدٌ. انتهى كلام الفيّوميّ (^٣).
(ثَائِرُ الرَّأسِ) مرفوع على أنه صفة لـ "رجل"، ويجوز نصبه على الحال، وقال الطيبيّ ﵀: يُنصبُ على الحال من "رجل" لوصفه، والرفع فيه حسن على الصفة لولا الرواية بالنصب (^٤).
[فإن قلت]: إن شرط الحال التنكير، و"ثائر" مضاف، فكيف يقع حالًا؟ وأيضًا إذا كان صاحب الحال نكرة وجب تقديم الحال عليه.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥٧.
(٢) "المفهم" ١/ ١٥٧.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٣.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥٩.
[ ١ / ٢٠٦ ]
[أجيب]: عن الأول بأن إضافته لفظيّة، لا تفيده معرفة؛ لكونه وصفًا، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ "يَفْعَلُ" … وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيرِهِ لَا يُعْزَلُ
كَـ "رُبَّ رَاجِينَا عَظِيمِ الأَمَلِ … مُرَوَّعِ الْقَلْبِ قَلِيلِ الْحِيَلِ"
وَذِي الإِضَافَةُ اسْمُهَا لَفْظِيَّهْ … وَتِلْكَ مَحْضَةٌ وَمَعْنَوِيَّهْ
وأجيب عن الثاني بأنه يجوز تأخير الحال عن النكرة إذا تخصّصت بالوصف، كقوله - ﷿ -: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥] الآية، أو بالإضافة، نحو "جاء غلام رجل قائمًا"، أو وقعت بعد نفي كقوله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤] وهنا اتّصف النكرة بقوله: "من أهل نجد"، قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِ امرُؤٌ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلًا"
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى "ثائر الرأس": منتَفِشُ الشعر، مرتفِعُهُ، من قولهم: ثار الشيء يثور: إذا ارتفع، ومنه ثارت الفتنة، وهذه صفة أهل البادية غالبًا. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": المراد: أن شعره مُتَفَرِّقٌ من ترك الرفاهية، ففيه إشارة إلى قُرْب عهده بالوِفَادة، وأوقع اسم الرأس - على الشعر، إما مبالغةً، أو لأن الشعر منه ينبت. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": أطلق اسم الرأس على الشعر إما لأن الشعر منه ينبت، كما يُطلق اسم السماء على المطر؛ لأنه ينزل من السماء، وإما لأنه جَعَل نفس الرأس ذا ثَوَران على طريق المبالغة، أو يكون من باب حذف المضاف لقرينة العقل. انتهى (^٣).
(نَسْمَعُ) رُوي هو وقوله: "نَفْقَهُ" بالنون المفتوحة فيهما، ورُوي بالياء المثنّاة من تحتُ المضمومة فيها، والأول هو الأشهر الأكثر الأعرف. قاله النوويّ (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥٧.
(٢) "الفتح" ١/ ١٣١.
(٣) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٧.
(٤) "شرح النوويّ" ١/ ١٦٦.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال القرطبيّ: رويناه "يُسْمَعُ"، و"يُفْقَهُ" بالياء المثنّاة من تحتُ - مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله، ونائب فاعله قوله: "دويّ صوته". وبالنون فيهما مبنيًّا للفاعل، و"دويَّ صوته" منصوب على المفعوليّة، وكلاهما واضح الصحّة. انتهى بزيادة (^١).
(دَوِيَّ صَوْتِهِ) أي: بعده في الهواء، ومعناه شدّة صوتٍ لا يُفهَمُ، وهو بفتح الدال، وكسر الواو، وتشديد الياء هذا هو المشهور، وحَكَى صاحب "المطالع" فيه ضمّ الدال أيضًا. قاله النوويّ (^٢).
وقال في "الفتح": "الدَّوِيُّ" - بفتح الدال، وكسر الواو، وتشديد الياء - كذا في روايتنا، وقال القاضي عياض: جاء عندنا في البخاري بضم الدال، قال: والصواب الفتح، وقال الخطابي: صوت مرتفع مُتَكَرِّرٌ، ولا يُفْهَم، وإنما كان كذلك؛ لأنه نادى من بُعْد (^٣).
وقال في "العمدة": يقال الدويّ: بُعدُ الصوت في الهواء، وعُلُوّه، ومعناه: صوتٌ شديدٌ لا يُفهَم منه شيءٌ كدويّ النحل، وقال الشيخ قطب الدين: هو شدّة الصوت وبُعْده في الهواء، مأخوذ من دَوِيّ الرعد، ويقال: هو شدّة صوت لا يُفهَم، فلما دنا فُهِم كلامه، فلهذا قال: "فإذا هو يسأل"، وقال الجوهريّ: دَويّ الريح حَفِيفها، وكذلك دويّ النحل والطائر، ويقال: دَوَّى النحلُ تدويةً، وذلك إذا سمعتَ لِهَدِيره دويًّا، والدويّ أيضًا السحاب ذو الرعد المرتجس. انتهى (^٤).
(ولَا نَفْقَهُ) من الفقه، من باب تَعِبَ، وهو الفهم، قال الله تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٨]: أي: يفهموا (مَا يَقُولُ) "ما" موصولة مفعول به لـ "نفقه"، و"يقول" صلتها، والعائد محذوف، أي: يقوله، إنما لم يفهموه لأنه نادى من بعيد، فلما دنا فَهِموه، كما بيّنه قوله: (حَتَّى دَنَا) من الدنوّ، وهو القرب، أي: إلى أن قَرُب، فـ "حتَّى" هنا للغاية بمعنى "إلى" (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا) هي "إذا" الفجائيّة، وهي تختصّ بالجمل الاسميّة، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٥٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١/ ١٦٦.
(٣) "الفتح" ١/ ١٣١.
(٤) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٦.
[ ١ / ٢٠٨ ]
الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، وهي حرف عند الأخفش، واختاره ابن مالك، وظرف مكان عند المبرّد، واختاره ابن عصفور، وظرف زمان عند الزجّاج، واختاره الزمخشريّ (^١) (هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ)، أي: فرائضه التي فُرِضت على من وحّد الله تعالى، وصدّق رسوله - ﷺ -، ولهذا لم يَذكُر فيه الشهادتين؛ لأنه - ﷺ - عَلِمَ أن الرجل يسال عن شرائع الإسلام، ويُمكن أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادتين، فلم يسمعها طلحة - ﵁ - لبعد موضعه منه، وهذا القول أمثل وأجمع، قاله الطيبيّ.
وقال في "الفتح": قوله: "فإذا هو يسأل عن الإسلام": أي عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة؛ لأنه عَلِمَ أنه يعلمها، أو عَلِمَ أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذَكَرَها ولم ينقلها الراوي؛ لشهرتها، وإنما لم يَذكُر الحج إما لأنه لم يكن فُرِضَ بَعْدُ، أو الراوي اختصره، ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه البخاريّ في "الصيام" من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، في هذا الحديث قال: "فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام"، فدَخَل فيه باقي المفروضات، بل والمندوبات. انتهى (^٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) يجوز في "خمس" الرفع، والنصب، أما الرفع فعلى أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: هي خمسُ صلوات، وأما النصب فعلى أنه مفعول لفعل مقدَّر، أي: خُذْ خمسَ صلوات، وجوّز العينّي الجرّ على أنه بدل من "الإسلام"، وفيه نظرٌ.
وفي رواية للبخاريّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سُهيل أنه قال في سؤاله: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال، ويستفاد من قوله: "في اليوم والليلة": أنه لا يجب شيء من الصلوات في كلّ يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحي، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب (^٣).
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٧.
(٢) "الفتح" ١/ ١٣١.
(٣) "الفتح" ١/ ١٣٢.
[ ١ / ٢٠٩ ]
(فَقَالَ) أي: الرجل المذكور (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟) "هل" للاستفهام، و"غيرها" بالرفع مبتدأ، و"عليّ" خبره (قَالَ) - ﷺ - ("لَا)، أي: لا فرضَ عليك غيرها (إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ) استثناء من قوله: "لا"، و"تَطَّوَّعَ" بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين، فأُدغِمت إحداهما في الأخرى، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبيَّنُ الْعِبَرْ"
وقد اختُلف في هذا الاستثناء، فقيل: متّصلٌ، وقيل: منقطع، فمن قال بالأول: قال: يجب الإتمام بالشروع في التطوّع، ومن قال بالثاني قال: لا يجب، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
وفيه ردٌّ على الإصطخريّ من الشافعيّة في قوله بفرضيّة صلاة العيدين على الكفاية، وعلى الحنفية في قولهم بوجوب الوتر.
(وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) برفع "صيام"، ونصبه، كما سبق بيانه، ولفظ البخاريّ "وصيام رمضان" بدون ذكر "شهر"، وفيه جواز إطلاق "رمضان"، خلافًا لمن كره ذلك (فَقَالَ) الرجل ("هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟)، أي: هل يجب عليّ صومٌ غير شهر رمضان؟ (فَقَالَ) الرسول ع - ﷺ -: ("لَا)، أي: لا يجب عليك غيره (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ)، وفي رواية البخاريّ: "قال: و"ذكره له إلخ"، أي: قال الراوي، وهو طلحة بن عُبَيْدِ الله - ﵁ -: وذكر النبيّ - ﷺ - لذلك الرجل الزكاة.
وإنما قال: "وذكر إلخ"، لعله نسي ما نصّ عليه الرسول - ﷺ - والتبس عليه، فأتى بهذه الصيغة المحتملة، وفي رواية أبي داود: "وذكر له - ﷺ - الصدقة"، والمراد منها الزكاة أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ هو الأولى في الرواية، فإذا التبس على الراوي لفظه أشار إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هنا.
وفي رواية للبخاريّ: قال: أخبرني بما فَرَضَ الله عليّ من الزكاة، قال: فأخبره رسول - ﷺ - بشرائع الإسلام".
فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياءَ أُجمِلَت، منها بيانُ نُصُبِ الزكاة، فإنها لم تُفَسَّر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه
[ ١ / ٢١٠ ]
شُهْرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيانُ أن المتمسك بالفرائض نَاجٍ، وإن لم يَفْعَلِ النوافل. قاله في "الفتح" (^١).
(فَقَالَ) الرجل (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟)، أي: هل يجب عليّ أداء شيء من المال غير الزكاة؟ (قَالَ) - ﷺ - " (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ) الراوي، وهو طلحة - ﵁ -، كما أسلفته آنفًا (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وهو التولّي، أي: ذهب مولِّيًا دُبُرَه إليهم (الرَّجُلُ) أي: السائل الذي مرّ ذكره في قوله: "جاء رجلٌ إلخ"؛ لأن النكرة إذا أُعيدت معرفةً كانت عين الأولي، كما قال في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدًا … "لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدًا
(وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من "الرجلُ"، (وَاللهِ) وفي رواية للبخاريّ في "الصيام": "فقال: والذي أكرمك"، وفيه جواز الحلف في الأمر المهمّ (لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) الذي علّمتنيه شيئًا غيره (وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ) من باب قتل، من النقص ثلاثيًّا، وفي لغة ضعيفة من الإنقاص رباعيًّا.
قال في "المصباح": نَقَصَ نَقْصًا، من باب قتل، ونُقْصَانًا، وانتقصَ: ذهب منه شيءٌ بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ يتعدّي، ولا يتعدّي، هذه هي اللغة الفصحَى، وبها القرآن في قوله - ﷿ -: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقَصتُ زيدًا حقّه، وانتقصته مثله، انتهى (^٢).
قال الجامع: وما هنا يحتمل الوجهين، اللزوم، كهذه الرواية، والتعدّي، كرواية إسماعيل بن جعفر عند البخاريّ في "الصوم" بلفظ "ولا أنقُصُ مما فرض الله على شيئًا".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَفْلَحَ" أي: فاز، وظَفِرَ ببُغيته، من الإفلاح، وهو الفوز والبقاء، وقيل: هو الظفر، وإدراك البُغْية، وقيل: إنه عبارة عن أربعة
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٣٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢١.
[ ١ / ٢١١ ]
أشياء: بقاء بلا فناء، وغَنَاءٌ بلا فَقْر، وعِزٌّ بلا ذُلّ، وعلمٌ بلا جهل، قالوا: ولا كلمةَ في اللغة أجمع للخيرات منه، والعرب تقول لكلّ من أصاب خيرًا: مُفْلِح، وقال ابن دُريد: أفلح الرجل، وأنجح: أدرك مطلوبه (^١).
(إِنْ صَدَقَ) جواب "إن" محذوف دلّ عليه السابق، أي: أفلح، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية بعد هذا: "أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجَنَّة وأبيه إن صدق"، ولأبي داود مثله، لكن بحذف "أو"، وسيأتي الجواب عن تعارضه مع النصوص الواردة في النهي عن الْحَلِف بالآباء في شرح الحديث التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١/ ١٠٨) عن قتيبة، عن مالك - و(١/ ١٠٩) عن يحيى بن أيوب، وقتيبة كلاهما عن إسماعيل بن جعفر - كلاهما (مالك، وإسماعيل) عن أبي سُهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله - ﵁ -.
و(البخاريّ) في (١/ ١٨) و(٣/ ٢٣٥) عن إسماعيل بن عبد الله - و(٣/ ٣٠) و(٩/ ٢٩) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك به، و(٣/ ٣٠) و(٩/ ٢٩) عن قتيبة به.
و(أبو داود) في "سننه" (٣٩١) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك به، و(٣٩٢) و(٣٢٥٢) عن سليمان بن داود العَتَكيّ، عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل بن مالك به.
و(النسائيّ) (١/ ٢٢٦) وفي "الكبرى" (٣١١) عن قتيبة به، و(٨/ ١١٨) عن محمد بن سلمة، عن القاسم، عن مالك به، و(٤/ ١٢٠) عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر به.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٦.
[ ١ / ٢١٢ ]
و(مالك) في "الموطأ" (١٢٦) عن أبي سهيل به، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٢) عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن مالك به، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٨٦) عن يحيى بن حسّان، عن إسماعيل بن جعفر به، و(ابن خُزيمة) في "صحيحه" (٣٠٦) عن علي بن حُجر عن إسماعيل بن جعفر به و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧ و٨٨ و٨٩ و٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصلاة أحد أركان الإسلام، وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة، قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام التي أُطلقت في باقي الأحاديث هي الصلوات الخمس، وأنها في كلّ يوم وليلة على كلِّ مُكَلَّفٍ بها، وقوله: "بها" احترازٌ من الحائض والنفساء، فإنها مُكَلَّفةٌ بأحكام الشرع إلَّا الصلاة، وما أُلحق بها، مما هو مُقَرَّرٌ في كتب الفقه، انتهى (^١).
٢ - (ومنها): أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، واختَلَفَ قول الشافعيّ رحمه الله تعالى في نسخه في حق رسول الله - ﷺ -، والأصح نسخه.
٣ - (ومنها): أن صلاة الوتر ليست بواجبة، وأن صلاة العيد أيضًا ليست بواجبة، وهذا مذهب الجماهير، وذهب أبو حنيفة - ﵀ -، وطائفة إلى وجوب الوتر، وذهب أبو سعيد الإصطخريّ من أصحاب الشافعيّ إلى أن صلاة العيد فرض كفاية، وكذا لا تجب ركعتا الفجر، ولا صلاة الضحى، ولا الركعتان بعد المغرب، كما قيل بكلّ، فهذا الحديث ردّ عليهم جميعًا.
٤ - (ومنها): أن الصوم ركنٌ من أركان الإسلام، وأنه في السنة شهر واحد، وهو شهر رمضان وأنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره، سوى رمضان، وهذا مجمع عليه، واختَلَفَ العلماء، هل كان صوم عاشوراء واجبًا قبل إيجاب رمضان أم كان الأمر به ندبًا، وهما وجهان لأصحاب الشافعيّ، أظهرهما لم يكن واجبًا، والثاني كان واجبًا، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٦٨.
[ ١ / ٢١٣ ]
الصحيح، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة على من ملك نصابًا، وتمّ عليه الحول.
٦ - (ومنها): بيان استحباب السفر والارتحال من بلد إلى بلد؛ لأجل تعلم علم الدين، وسؤال أهل العلم.
٧ - (ومنها): جواز الحلف في الأمر المهمّ، وإن لم يُستحلف، حيث إن هذا الرجل قال بحضرة النبيّ - ﷺ -: "والله لا أزيد على هذا إلخ"، فلم يُنكر عليه النبيّ - ﷺ - ذلك.
٨ - (ومنها): الاكتفاء في إيمان الشخص بالاعتقاد الجازم من غير نظر، ولا استدلال" خلاف ما قرّره علماء الكلام من وجوب النظر والاستدلال، وهو مذهب باطلٌ، مخالف لما جاء به النبيّ - ﷺ -، ودلّت عليه النصوص.
وقول العيني - بعد ذكره ما ذُكر -: لكن يحتمل أن ذلك صحّ عنده بالدليل، وإنما أشكلت عليه الإحكام، فمما لا يُلتفت إليه، فالصواب في المسألة أن وجوب النظر والاستدلال على طريقة المتكلّمين مما لا دليل عليه في الشرع، بل هو من محدثات الأمور، ومن الضلال، وقد أشبعت الكلام في هذا في منظومتي المسمّاة بـ "التحفة المرضيّة"، وشرحها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ -: "أفلح إن صدق" دليلٌ على أنه إن لم يصدُق فيما التزم لا يُفلح، ففيه ردّ على المرجئة القائلين: لا تضرّ المعاصي مع الإيمان، وإن ترك الأعمال.
١٠ - (ومنها): أن من أتى بالخصال المذكورة، وواظب عليها صار مفلحًا.
١١ - (ومنها): أن فيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل، وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخلف مخالفته في المستقبل، فيجب على هذا أن يكون الصدق في الخبر الماضي، والوفاء في المستقبل، وفي هذا الحديث ما يرُدُّ عليه، مع قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٢١٤ ]
(المسألة الرابعة):
إن قلت: إن إثبات الفلاح له في عدم النقص واضح، فكيف يصحّ ذلك في عدم الزيادة؟
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: هذا الفلاح راجع إلى قوله: "لا أنقُص" خاصةً، والأظهر أنه عائد إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يَزِد ولم ينقص كان مُفْلِحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه فهو مُفْلِح، وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يُعْرَف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب، فلأن يُفلِح بالواجب والمندوب أولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
إن قيل: كيف قال: "لا أزيد على هذا"، وليس في هذا الحديث جميع الواجبات، ولا المنهيّات الشرعية، ولا السنن المندوبات؟
فالجواب: أنه جاء في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث زيادةٌ توضح المقصود، قال: "فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى عليّ شيئًا"، فعلى عموم قوله: "بشرائع الإسلام"، وقوله: "مما فَرَض الله عليّ " يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعها، وقيل: يحتمل أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغيير صفته، كأنه يقول: لا أصلي الظهر خمسًا، وهذا تأويل ضعيف، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يُخِلُّ بشيء من الفرائض، وهذا مُفْلِحٌ بلا شكّ، وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومةً، وتُرَدّ بها الشهادة، إلَّا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مُفْلِحٌ ناجٍ (^١)، وأما قول ابن بطال: يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود فرائض النهي، فتعقبه الحافظ، قائلًا: هذا عجيب منه؛ لأنه جزم بأن السائل ضمام، وأقدم ما قيل فيه أنه وَفَدَ سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات وَاقِعًا قبل ذلك انتهي، وهو تعقب جيّد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٦٧.
[ ١ / ٢١٥ ]
(المسألة السادسة):
(اعلم): أنه لم يأت في هذا الحديث ذكرُ الحجّ، ولا جاء ذكره في حديث جبريل - ﵇ - من رواية أبي هريرة - ﵁ -، وكذا في غير هذا من هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكَر في بعضها الزكاة، وذَكَر في بعضها صلَة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكرُ الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونقصًا، وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله تعالى عنها بجوابٍ، لَخّصَهُ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، وهَذَّبَهُ، فقال: ليس هذا باختلافٍ صادرٍ من رسول الله - ﷺ -، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قَصر، فاقتصر على ما حفظه، فأدّاه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يُشعِر بأنه الكلُّ، فقد بأن بما أَتَى به غيره من الثقات أَنَّ ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه.
ألا ترى أن حديث النعمان بن قَوْقَل الآتي قريبًا، اختَلَفَتِ الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحدٌ، وهو جابر بن عبد الله - ﵄ - في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح، لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة، من أَنَّا نَقْبَلُها. هذا آخر كلام الشيخ ابن الصلاح، وهو - كما قال النوويّ - تقرير حسن والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة):
اختُلف في الاستثناء المذكور في قوله: "إلَّا أن تَطّوّع"، هل هو استثناء منقطع، ومعناه: لكن يستحب لك أن تطوع، كما اختاره الشافعيّة، أم استثناء متصل، كما اختاره الحنفيّة، والمالكيّة؟:
قال في "الفتح": استُدِلَّ بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه؛ تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل.
قال القرطبي: لأنه نَفَى وجوبَ شيء آخر إلَّا ما تطوع به، والاستثناء من
[ ١ / ٢١٦ ]
النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد إلَّا أن تشرع في تطوع، فيلزمك إتمامه. وتعقّبه الطيبيّ بأن ما تمسك به مغالطة؛ لأن الاستثناء هنا من غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلَّا إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد عُلِمَ أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلًا، كذا قال.
وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما رَوَى النسائيّ وغيره: أن النبيّ - ﷺ - كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تُفطر يوم الجمعة بعد أن شَرَعَت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام، إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي.
[فإن قيل]: يَرِدُ الحجّ، قلنا: لا؛ لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضيّ في فاسده، فكيف في صحيحه، وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله، كفرضه، والله تعالى أعلم.
قال الجامع: قوله: امتاز بلزوم المضيّ في فاسده فيه نظر؛ لأنه لا دليل على هذا، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
قال: على أن في استدلال الحنفية نظرًا؛ لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع، لتباينهما، وأيضًا فإن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل مسكوت عنه. انتهى كلام صاحب "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن من شَرَعَ في نفل الصلاة يلزمه إتمامه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما إذا أفسده، فليس عليه القضاء، لعدم دليل يدلّ على ذلك، وأما من شَرَع في نفل الصوم فله الفطر، لما تقدّم أنه - ﷺ - كان ينوي صومًا، ثم يُفطر، ولحديث الجويرية - ﵄ - المتقدّم، ولا يجب عليه القضاء، لما رواه البخاريّ من حديث
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٣٢.
[ ١ / ٢١٧ ]
أبي جُحيفة - ﵁ - قال: "آخى النبيّ - ﷺ - بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قال: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كلّ، فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل … الحديث، فقد استحسن - ﷺ - فعل سلمان، ولم يُلزم أبا الدرداء بالقضاء.
وأما الأحاديث التي تدلّ على أنه - ﷺ - أمر بالقضاء يومًا مكانه فكلّها ضعيفة، لا تقوم بها الحجة.
والحاصل أن الصلاة يلزم إتمامها بالشروع للآية السابقة، ولا يلزم قضاؤها بالإفساد؛ لعدم الدليل، وأما الصوم وإن كانت الآية تشمله إلَّا أن الأدلّة خصَّصته، كالأحاديث السابقة، وكقوله - ﷺ -: "الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، وهو حديث صحيح (^١) فلا يلزم إتمامه، ولا قضاؤه.
وأما قياس الصلاة عليه في هذا التخصيص، كما قاله الحافظ، فغير واضح، فتأمل.
وأما ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ - من أن من احتجّ بهذه الآية على منع إبطال النوافل بعد الشروع، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثرين على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، وقال آخرون: لا تبطلوا بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يَفْرِضْهُ اللهُ عليه، ولا أوجبه على نفسه بنذر أو غير، لامتنع عليه الإفطار إلَّا بما يُبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. انتهى.
فمردود بكون العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما قاله الشوكانِيّ رحمه الله تعالى، وبأن ما ذكروه من الصوم إنما جاز الفطر فيه - وإن كانت الآية تشمله - للنصوص الواردة بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده"، والحاكم من حديث أم هانئ - ﵄ -. انظر: "صحيح الجامع" للشيخ الألبانيّ ٢/ ٧١٧ رقم (٣٨٥٤).
[ ١ / ٢١٨ ]
[تنبيه]: تعقّب العينيّ ما استدلّ به صاحب "الفتح" من الحديثين المذكورين، فقال: قلت: من العجب أنه لم يَذكُر الأحاديث الدالّة على إلزام الشروع في العبادة بالإتمام، وعلى القضاء بالإفساد.
وقد روى أحمد في "مسنده" عن عائشة - ﵂ - قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأُهديت لنا شاة، فأكلنا منها، فدخل علينا النبيّ - ﷺ - فأخبرناه، فقال: "صوما يومًا مكانه"، وفي لفظ آخر: "أمر بالقضاء"، والأمر للوجوب، فدلّ على أن الشروع مُلزم، وأن القضاء بالإفساد واجب.
وروى الدارقطنيّ عن أم سلمة أنَّها صامت يومًا تطوّعًا، فأفطرت، فأمرها النبيّ - ﷺ - أن تقضي يومًا مكانه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب العيني على صاحب "الفتح" مجرّد تعصّب، لأن الحديثين اللذين احتجّ بهما ضعيفان (^١)، ولا يقاومان الحديثين اللذين احتجّ بهما هو، فإنهما صحيحان، لكن التعصّب يُعمي ويصمّ، وعلى تقدير صحة ما احتجّ به يُحْمَل على الاستحباب، جمعًا بين الأدلّة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومعتمد العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٠٩] (…) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَفلَحَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ"، أَوْ "دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ").
_________________
(١) لقد أجاد الكلام في هذين الحديثين وأمثالهما مما استدل به الموجبون للقضاء ابن الجوزيّ، وابن عبد الهادي رحمهما الله تعالى في "التحقيق"، و"تنقيح التحقيق"، فراجعه تستفد ٥/ ٢١٢ - ٢٢٠.
[ ١ / ٢١٩ ]
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبِ) الْمَقَابريّ - بفتح الميم، والقاف، بعدها موحّدة مكسورة - أبو زكريّا البغداديّ العابد، ثقة [١٠].
رَوَى عن إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن المبارك، وهشيم، ومروان بن معاوية، وخلف بن خليفة، وإسماعيل بن علية، وابن وهب، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري في "خلق أفعال العباد" عن محمد بن عبد العزيز بن المبارك المخرميّ، عنه، والنسائيّ في "مسند علي"، عن أبي بكر بن علي المروزي، عنه، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال الميموني عن أحمد: رجل صالح، يُعرَف به، صاحب سكوت ودَعَة. وقال علي بن المديني، وأبو حاتم: صدوق. وقال أبو شعيب الْحَرّاني: يحيى بن أيوب كان من خيار عباد الله تعالى. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحسين بن فَهْم: يَنْزِل عسكر المهديّ، وكان ثقةً ورِعًا مسلمًا، يقول بالسنة، ويعيب على من يقول بقوله جهم، تُوُفّي في شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد موسى بن هارون: ومولده فيما أخبرني سنة سبع وخمسين ومائة، وقال غيرهم: مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
وله في هذا الكتاب (١٣٠) حديثًا.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ مولاهم، أبو إسحاق المدني القارئ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن أبي طُوَالة، وعبد الله بن دينار، وربيعة، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وإسرائيل بن يونس، وابن عجلان، وأبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، وغيرهم.
وروى عنه محمد بن جهضم، ويحيى بن يحيى بن النيسابوري، وأبو الربيع الزهراني، وسريج بن النعمان، وقتيبة ويحيى بن أيوب المقابري، وعلي بن حُجْر، وجماعة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
قال أحمد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن معين: ثقة، وهو أثبت من ابن أبي حازم، والدَّراورديّ، وأبي ضَمْرة. وقال ابن سعد: ثقة، وهو من أهل المدينة، قدم بغداد، فلم يزل بها حتى مات، وهو صاحب الخمسمائة حديث التي سمعها منه الناس. وقال ابن المديني: ثقة. وقال ابن معين فيما حكاه ابن أبي خيثمة، ثقة مأمون، قليل الخطإ، صدوق. وقال الخليلي في "الإرشاد": كان ثقةً، شارك مالكًا في أكثر شيوخه، وكذا قال الحاكم. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال الهيثم بن خارجة: مات ببغداد سنة (١٨٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٧) أحاديث.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (بهذا الحديث نحو حديث مالك) أي: حدّث إسماعيل بن جعفر بحديث طلحة لجنه المذكور نحو حديث مالك بن أنس المتقدم قبله، وقد سبق بيان الفرق بين قوله: "نحوه"، وقوله: "مثله"، وأن الأول إذا اتفق المعنى دون اللفظ، بخلاف الثاني، فإن اللفظ واحد هكذا قيل، وهو محل تأمل ونظر.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر التي أشار إليها المصنّف رحمه الله تعالى أخرجها الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان" ١/ ٢٨٠ فقال:
(١٣٥) أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا الحسن بن محمد، أبو علي الزعفراني، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: وثنا عاصم بن علي بن عاصم، ثنا إسماعيل بن جعفر.
(ح) وأنبأ إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود، ثنا داود بن رشيد.
(ح) وأنبأ محمد بن إبراهيم بن مروان، ثنا زكرياء بن يحيى بن إياس، ثنا قتيبة بن سعيد البغلاني.
(ح) وأنبأ محمد بن محمد بن يوسف، ثنا محمد بن نصر، ثنا أبو عمرو الدُّوريّ، حفص بن عمر، وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن شاذان النيسابوريّ، ثنا علي بن حُجْر بن إياس المروزي، قالوا: أنبأ إسماعيل بن
[ ١ / ٢٢١ ]
جعفر، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله: أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فَرَضَ الله عليّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلَّا أن تَطّوّع شيئًا"، فقال: أخبرني ما فرض الله عليّ من الصيام؟ قال: "صيام شهر رمضان، إلَّا أن تَطّوّع"، فقال: أخبرني ما فَرَضَ الله عليّ من الزكاة؟ قال: فأخبره بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك، لا أتطَوّع شيئًا، ولا أنقص مما فَرَضَ الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "أفلح وأبيه، إن كان صدق، أو دخل الجَنَّة وأبيه، إن كان صدق". انتهى.
وقوله - ﷺ -: (أفلح وأبيه، إن صدق) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه، مع قوله - ﷺ -: "من كان حالفًا، فَلْيَحْلِف بالله"، وقوله - ﷺ -: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم".
وجوابه: أن قوله - ﷺ -: "أفلح وأبيه"، ليس هو حَلِفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تُدخِلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقةَ الحلف، كما جَرَى على لسانها عَقْرَى حَلْقَى، وما أشبه ذلك، والنهيُ إنما وَرَدَ فيمن قصد الحلف؛ لما فيه من إعظام المحلوف به، ومضاهاته به الله - ﷾ -، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فهذا هو الجواب المرضيّ.
وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، أو فيه إضمار اسم الربّ، كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو خاصّ، ويحتاج إلى دليل.
وحَكَى السهيليُّ عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنما كان "والله"، فقُصِرت اللَّامان، واستنكر القرطبي هذا، وقال: إنه يَخْرِمُ الثقة بالروايات الصحيحة.
وغَفَلَ القرافيّ، فادَّعَى أن الرواية بلفظ "وأبيه" لم تصحّ؛ لأنَّها ليست في "الموطإ"، وكأنه لم يَرْتَضِ الجوابَ، فعَدَلَ إلى ردّ الخبر، وهو صحيحٌ لا مِرْيَةَ فيه، وأقوى الأجوبة الأولان.
وقال ابن بطال: دَلّ قوله: "أفلح إن صدق"، على أنه إن لم يَصْدُق فيما التزم لا يفلح، وهذا بخلاف قول المرجئة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
[فإن قيل]: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذُكِر، مع أنه لم يَذكُر المنهيات؟
أجاب ابن بطال باحتمال أن يكون ذلك وَقَعَ قبل ورود فرائض النهي.
قال الحافظ: وهو عجيب منه؛ لأنه جَزَم بأن السائل ضمام، وأَقْدَم ما قيل فيه أنه وَفَد سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات واقعًا قبل ذلك.
والصواب أن ذلك داخل في عموم قوله: "فأخبره بشرائع الإسلام"، كما أشرنا إليه.
[فإن قيل]: فكيف أقرّه على حلفه، وقد وَرَد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟
[أجيب]: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلحٌ، وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه.
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التصديق والقبول، أي: قَبِلتُ كلامك قبولَا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول.
وقال ابن الْمُنَيّر: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ؛ لأنه كان وافد قومه، ليتعلم ويعلمهم.
قال الحافظ: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإن نَصّها لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فَرَضَ الله عليّ شيئًا.
وقيل: مراده بقوله: "لا أزيد ولا أنقص": أي لا أُغَيّر صفة الفرض، كمن ينقص الظهر مثلًا ركعةً، أو يزيد المغرب.
وفيه أنه يَعْكُر عليه أيضًا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى: أقرب التأويلات عندي الاحتمال الأول، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٣٣.
[ ١ / ٢٢٣ ]