وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠] (٤٦) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابِريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بن إياس السَّعْديّ المروزي، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صَدُوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع ١٣٠ (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
[ ٢ / ١٥٥ ]
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه: يحيى، فبغداديّ، وقتيبة، فبغلانيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ) بفتح الميم، يقال: أَمِنَ زيدٌ الأسدَ أَمْنًا، وأَمِنَ منه، مثلُ سَلِمَ وزنًا ومعنًى، والأصل أن يُستعمَل في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف، ويُعَدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنته منه، قاله الفيّوميّ (^١). (جَارُهُ) يطلق الجار على عدّة معان، قال الفيّوميّ: جاوره مُجاورةً، وجِوَارًا، من باب قاتل، والاسم الْجُوَارُ بالضمّ: إذا لاصقه في السكن، وحكى ثَعْلبٌ عن ابن الأعرابيّ: الجارُ الذي يُجاورك بَيْتَ بَيْتَ، والجارُ الشريكُ في العقار مقاسمًا كان أو غير مقاسم، والجارُ الْخَفِيرُ، والجارُ الذي يُجير غيره، أي يُؤْمِنُهُ مما يَخَافُ، والجارُ المستجيرُ أيضًا، وهو الذي يَطْلُبُ الأمان، والجارُ الحليف، والجارُ الناصر، والجارُ الزوج، والجارُ أيضًا الزوجة، ويقال فيها أيضًا: جارةٌ، والجارةُ الضَّرَّة، قيل لها: جارةٌ؛ استكراهًا للفظ الضَّرَّة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلّها صالحة لأن تُراد في الحديث، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الجار هنا يصلح للمجاور لك في مسكنك، ويصلح للداخل في جوارك وحُرمتك؛ إذ كلّ واحد منهما يجب الوفاء
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١١٤.
[ ٢ / ١٥٦ ]
بحقّه، وتحرُم أذيّته تحريمًا أشدّ من تحريم أذى مطلق المسلمين. انتهى (^١).
(بَوَائِقَهُ") جمع بائقة: وهي الغائلة، والداهية، والفتك، قاله النوويّ (^٢)، وقال القرطبيّ: هي الداهية التي توبق صاحبها، أي تُهلكه. انتهى (^٣). وقال الفيّوميّ: البائقة: النازلة، وهي الداهية، والشرّ الشديد، وباقت الداهيةُ: إذا نَزَلت، والجمع البوائق. انتهى (^٤).
قال النوويّ ﵀: في معنى "لا يدخل الجنة" جوابان يَجريان في كلّ ما أشبه هذا:
[أحدهما]: أنه محمولٌ على من استحلّ الإيذاء، مع علمه بتحريمه، فهذا كافرٌ لا يدخلها أصلًا.
[والثاني]: معناه: جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فُتحت أبوابها لهم، بل يؤخّر، ثم قد يُجازَى، وقد يُعفى عنه، فيدخلها أوّلًا، وإنما تأوّلنا هذين التأويلين؛ لأنا قدّمنا أن مذهب أهل الحقّ أن من مات على التوحيد مصرًّا على الكبائر، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، فأدخله الجنّة أوّلًا، وإن شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة، والله تعالى أعلم (^٥).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: إن من كان مُضرًّا لجاره، كاشفًا لعوراته، حريصًا على إنزال البوائق به كان ذلك منه دليلًا إما على فساد اعتقاد ونفاق، فيكون كافرًا، ولا شكّ في كونه لا يدخل الجنّة، وإما على استهانة بما عظّم الله تعالى من حُرْمة الجار، ومن تأكيد عهد الجوار، فيكون فاسقًا فِسْقًا عظيمًا، ومرتكب كبيرة، يُخاف عليه من الإصرار عليها أن يُختم عليه بالكفر، فإن المعاصي بريد الكفر، فيكون من الصنف الأول، وإن سَلِمَ من ذلك، ومات غير تائبٍ، فأمره إلى الله تعالى، فإن عاقبه بدخول النار لم يدخُل الجنة حين يدخلها من لم يكن كذلك، أو لا يدخل الجنّة الْمُعدَّة لمن قام بحقوق جاره، وعلى هذا القانون ينبغي أن يُحْمَلَ ما في هذا الباب مما قال
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٢٨.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ١٧.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٢٨.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٦٦.
(٥) "شرح مسلم" ٢/ ١٧.
[ ٢ / ١٥٧ ]
النبيّ - ﷺ -: إن فاعله لا يدخل الجنّة، مما ليس بشرك؛ للأدلة المتقدّمة، ولما يأتي في أحاديث الشفاعة. انتهى (^١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا انفرد به مسلم، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٠/ ١٨٠] (٤٦) بهذا الإسناد فقط.
و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٣)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١٢١)، و(أبو نعيم) في "المسند المستخرج" (١٢٨)، و(أبو عوانة) في "صحيحه" (١/ ٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم إيذاء الجار.
٢ - (ومنها): بيان كون إيذاء الجار من الكبائر.
٣ - (ومنها): نفي الإيمان عمّن لا يأمن جاره بوائقه، وأخرج البخاريّ من حديث أبي شُرَيح الْخُزاعيّ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يَأْمَنُ جاره بوائقه".
قال ابنُ بطال رحمه الله تعالى: في هذا الحديث تأكيدُ حَقِّ الجار؛ لقسمه - ﷺ - على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفيُ الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شكّ أن العاصي غير كامل الإيمان.
وقال ابن أبي جمرة ﵀: إذا أُكِّد حَقّ الجار مع الحائل بين الشخص وبينه، وأُمر بحفظه، وإيصال الخير إليه، وكفّ أسباب الضرر عنه، فينبغي له
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٢٨.
[ ٢ / ١٥٨ ]
أن يُرَاعِي حَقَّ الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يُسَرّان بوقوع الحسنات، وَيَحْزَنَان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحقّ من كثير من الجيران. انتهى ملخصًا (^١).
٤ - (ومنها): أن من يؤذي جاره يُحْرَم من دخول الجنّة إما تحريمًا أوّليًّا، أو تحريمًا مؤبَّدًا على التوجيه الذي أسلفناه.
٥ - (ومنها): من يُكْرِم جاره، ويقوم بمصالحه، مع مراعاة سائر الحقوق يكون مؤمنًا كامل الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.