وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١] (٤٧) - (حَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٥٤٦.
[ ٢ / ١٥٩ ]
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقة حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ يهم قليلًا، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه المشهور، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - المذكور في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة ممن اشتهر بكنيته، وقد اختُلف في اسمه، كما بيّنته آنفًا، وقيل: اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، خبره جملة "فليقل … إلخ" (كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال الأبيّ: هو من خطاب التهييج، أي من صفة المؤمن، لا أنه شرط حقيقة. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ١/ ١٥١.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وقال الطوفيّ: ظاهر الحديث انتفاء الإيمان عمن لم يتّصف بما ذُكر، وليس مرادًا، بل أريد به المبالغة، كما يقول القائل: إن كنت ابني فأطعني؛ تهييجًا له على الطاعة، لا أنه بانتفاء طاعته ينتفي كونه ابنه. ذكره في "الفتح" (^١).
وقال في موضع آخر: المراد به الإيمان الكامل، وخَصَّه "بالله، واليوم الآخر" إشارةً إلى المبدأ والمعاد، أي مَنْ آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات (^٢). (فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ) بضم الميم (^٣)، أي ليسكت، يقال: صَمَت يصمُتُ من باب نصر، صَمْتًا وصُمُوتًا وصُمَاتًا بالضمّ فيهما: أي سَكَتَ، قال الجوهريّ: ويقال: أصمت بمعنى صَمَتَ، والتصميتُ: السكوتُ، والتصميت أيضًا: التسكيتُ.
ومعنى الحديث: أن من يريد التكلّم بشيء ينبغي له أن ينظر، فإن لم يَرَ فيه ضررًا على أحد تكلّم، وإن رأى فيه ذلك، أو شكّ فيه سكت.
وقد استُشْكِل التخيير الذي في قوله: "فليقل خيرًا أو ليصمت"؛ لأن المباح إذا كان في أحد الشقين، لَزِمَ أن يكون مأمورًا به، فيكون واجبًا، أو منهيًّا، فيكون حرامًا.
والجواب عن ذلك: أن صيغة أفعل في قوله: "فليقل"، وفي قوله: "ليسكت" لمطلق الإذن الذي هو أعمّ من المباح وغيره، نعم يلزم من ذلك أن يكون المباح حسنًا؛ لدخوله في الخير.
ومعنى الحديث: أن المرء إذا أراد أن يتكلم، فليفكر قبل كلامه، فإن عَلِم أنه لا يترتب غليه مفسدة، ولا يجرّ إلى محرّم ولا مكروه، فليتكلم، وإن كان مباحًا فالسلامة في السكوت؛ لئلا يَجُرَّ المباح إلى المحرم والمكروه، وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ - الطويل الذي صححه ابن حبان: "وَمَن حَسَبَ كلامَهُ من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يَعْنِيه"، قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٥٤.
(٢) "فتح" ١٠/ ٥٤٨.
(٣) فما نقله في "الفتح" عن الطوفيّ من قوله: "سمعناها بكسرها، وهو القياس، كضرب يضرب" يحتاج إلى إثبات أهل اللغة له، فليُتأملْ.
(٤) "فتح" ١٠/ ٦٥٤.
[ ٢ / ١٦١ ]
وقال النوويّ في "شرحه": معناه أنه إذا أراد أن يتكلم، فإن كان ما يتكلم به خيرًا محقّقًا، يثاب عليه، واجبًا أو مندوبًا، فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير، يثاب عليه، فليمسك عن الكلام، سواءٌ ظهر له أنه حرام أو مكروه، أو مباحٌ مستوي الطرفين، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
واختلف العلماء في أنه هل يُكتَب جميع ما يَلْفِظ به العبد، وإن كان مباحًا لا ثواب فيه ولا عقاب؛ لعموم الآية، أم لا يُكتب إلا ما فيه جزاء، من ثواب أو عقاب؟ وإلى الثاني ذهب ابن عباس - ﵄ - وغيره من العلماء، وعلى هذا تكون الآية مخصوصةً، أي ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء، وقد نَدَب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات؛ لئلا ينجرّ صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات.
وقد أخذ الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى معنى الحديث، فقال: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرَرٌ، أو شَكّ فيه أمسك. انتهى كلام النوويّ (^١).
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِر، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) وكذا هو في حديث أبي شُرَيح بلفظ: "فليكرم جاره"، وفي رواية أبي هريرة التالية: "فلا يؤذ جاره"، وفي الرواية الثالثة: "فَلْيُحْسِن إلى جاره".
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لَزِمه إكرام جاره وضيفه، وبِرّهما، وكل ذلك تعريفٌ بحقّ الجار، وحَثّ على حفظه، وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إليه في كتابه العزيز، وقال - ﷺ -: "ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه"، متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ورد تفسير الإكرام والإحسان للجار، وترك أذاه في عِدَّة أحاديث أخرجها الطبرانيّ، من حديث بَهْز بن حَكِيم، عن أبيه، عن
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ١٩.
[ ٢ / ١٦٢ ]
جَدّه، والْخَرَائطيّ في "مكارم الأخلاق" من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وأبو الشيخ في "كتاب التوبيخ" من حديث معاذ بن جبل، قالوا: يا رسول الله ما حَقُّ الجار على الجار؟ قال: "إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مَرِضَ عُدتَهُ، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عُدتَ عليه، وإن أصابه خير هَنَّيْتَهُ، وإن أصابته مصيبة عَزَّيته، وإذا مات اتَّبَعْتَ جنازتَهُ، ولا تستطيل عليه بالبناء، فَتَحْجُب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قِدْرِك، إلا أن تَغْرِف له، وإن اشتريت فاكهةً، فأهد له، وإن لم تَفْعَل فأدخلها سِرًّا، ولا تُخْرِج بها ولدك؛ لِيُغِيظ بها ولده"، وألفاظهم متقاربة، والسياق أكثره لعمرو بن شعيب، وفي حديث بَهْز بن حكيم: "وإن أَعْوَز سترته"، وأسانيدهم واهية، لكن اختلاف مخارجها يُشْعِر بأن للحديث أصلًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُشعر بأن للحديث أصلًا" فيه نظر لا يخفى؛ إذ الأسانيد الواهية لا يتقوّى بعضها ببعض، فكيف تشعر بثبوت أصل الحديث؟ فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ثم الأمر بالإكرام يَختَلِف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرضَ عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مستحبًّا، وَيجْمَع الجميع أنه من مكارم الأخلاق. انتهى (^١).
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِر، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) زاد في حديث أبي شُرَيح: "جائزته، قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافةُ ثلاثة أيام … " الحديث.
و"الضيف": يُطلق على الواحد، وغيره بلفظ واحد؛ لأنه في الأصل مصدر من ضافه ضَيْفًا، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضيافٌ، وضِيفانٌ، وأضفته، وضَيَّفتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيته، والاسم الضيافة، قال ثعلبٌ: ضفته: إذا نزلتَ به، وأنت ضَيفٌ عنده، وأضفته بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفًا، وأضفته إضافةً: إذا لجأ إليك من خوف، فأجرتَهُ، واستضافني، فأضفتُهُ: استجارني، فأجرته، وتضيّفني، فضيّفته: إذا
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥٤٨.
[ ٢ / ١٦٣ ]
طلب الْقِرَى، فقَرَيته، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأضافه إلى الشيء: ضمّه إليه، وأماله، قاله الفيّوميّ (^١).
الضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، ومن خلق النبيين عليهم الصلاة والسلام، والصالحين، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات: ٢٤] قيل: أكرمهم إبراهيم ﵇ بتعجيل قراهم، والقيام بنفسه عليهم، وطلاقة الوجه.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد أوجبها الليث ليلةً واحدةً، واحتج بالحديث: "ليلةُ الضيف حقّ واجبٌ على كل مسلم" (^٢)، وبحديث عقبة: "إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بحقّ الضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم".
وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق، وحجتهم قوله - ﷺ -: "جائزتُهُ يومٌ وليلةٌ"، والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار، وقوله - ﷺ -: "فليكرم"، و"ليحسن" يدل على هذا أيضًا، إذ ليس يُسْتَعمَل مثله في الواجب، مع أنه مضموم إلى الإكرام للجار، والإحسان إليه، وذلك غير واجب، وتأولوا الأحاديث أنها كانت في أول الإسلام؛ إذ كانت المواساة واجبة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى على من تأمّل أن ما أوّل به عامّة الفقهاء غير واضح، فالحقّ ما قاله الليث رحمه الله تعالى من وجوب الضيافة؛ لظهور حجّته، بل سيأتي ترجيح القول بوجوبها ثلاثة أيام، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
واختلفوا هل الضيافة على الحاضر والبادي أم على البادي خاصة؟ فذهب الشافعي ﵀، ومحمد بن عبد الحكم إلى أنها عليهما، وقال مالك، وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي؛ لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٦.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٣٠ و١٣٢ و١٣٣، وأبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ١٦٤ ]
ومواضع النُّزُول، وما يُشتَرَى من المأكل في الأسواق، وقد جاء في حديث: "الضيافة على أهل الْوَبَر، وليست على أهل الْمَدَر"، لكن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع، وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجًا، وخيف عليه، وعلى أهل الذمة إذا اشتُرِطَت عليهم. انتهى كلام القاضي عياض (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أيضًا أن ما ذهب إليه الشافعيّ، وابن عبد الحكم من وجوب الضيافة على أهل الحاضر والبادي هو الأرجح؛ لعموم الأدلّة، وضعف متمسَّك من خالفهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢١/ ١٨١ و١٨٢ و١٨٣] (٤٧) بهذه الأسانيد.
و(البخاريّ) في "كتاب الأدب" (٦٠١٨) وفي "الرقاق" (٦٤٧٥)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥١٥٤)، و(الترمذيّ) في "صفة القيامة" (٢٥٠٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٧ و٢٦٩ و٤٣٣ و٤٦٣)، و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٦٩ و١٧٠ و١٧١ و١٧٢ و١٧٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٦ و٥١٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٢٩٨ و٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٦٤)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٤١٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن هذه الأمور المذكورة في هذا الحديث من شعب الإيمان.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٢٨٦ - ٢٨٩.
[ ٢ / ١٦٥ ]
٢ - (ومنها): الأمر بلزوم الصمت إلا عن الخير، فإذا أراد أن يتكلّم بشيء ينبغي له أن يفكّر في ذلك، فإن كان ما يتكلّم به خيرًا يثاب عليه، واجبًا كان أو مندوبًا فليتكلّم به، وإن لم يظهر له خيريّته، سواء ظهر له أنه حرام، أو مكروه، أو مباح، فليُمسك عنه، فالكلام المباح مأمور بتركه، مخافة انجراره إلى الحرام.
٣ - (ومنها): الأمر بإكرام الجار.
٤ - (ومنها): الأمر بإكرام الضيف، وسيأتي تحقيق الخلاف في وجوبه وعدمه.
٥ - (ومنها): هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن القول كلّه إما خير، وإما شرّ، وإما آيلٌ إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فَأَذِن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شرّ، أو يؤول إلى الشرّ فأُمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت.
وقد أخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ في "الزهد" من حديث أبي أمامة - ﵁ - نحو حديث الباب، بلفظ: "فليقل خيرًا لِيَغْنَم، أو ليسكت عن شرّ لِيَسْلَم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٦ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": قد اشتمل حديث أبي هريرة وأبي شُريح رضفا المذكوران في الباب على أمور ثلاثة، تجمع مكارم الأخلاق الفعلية والقولية، أما الأولان فمن الفعلية، وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة، والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة، وحاصله من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله، قولًا بالخير، وسكوتًا عن الشرّ، وفعلًا لما ينفع، أو تركًا لما يَضُرُّ، وفي معنى الأمر بالصمت عِدّة أحاديث:
منها: حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقد تقدما.
وللطبرانيّ عن ابن مسعود - ﵁ -: قلت: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ فذكر فيها: "أن يسلم المسلمون من لسانك".
ولأحمد، وصححه ابن حبان من حديث البراء - ﵁ - رفعه في ذكر أنواعٍ من البر قال: "فإن لم تُطِقْ ذلك، فكُفّ لسانك إلا من خير".
[ ٢ / ١٦٦ ]
وللترمذي من حديث ابن عمر - ﵄ -: "مَن صَمَتَ نَجَا"، وله من حديثه: "كثرةُ الكلام بغير ذكر الله تُقسِي القلب"، وله من حديث سفيان الثقفي - ﵁ -: قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تخاف عليّ؟ قال: "هذا"، وأشار إلى لسانه، وللطبراني مثله من حديث الحارث بن هشام - ﵁ -، وفي حديث معاذ - ﵁ - عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ: "أَخْبِرني بعمل يدخلني الجنة … " فذكر الوصية بطولها، وفي آخرها: "ألا أُخبرك بملاك ذلك كله؟ كُفَّ عليك هذا"، وأشار إلى لسانه … الحديث.
وللترمذي من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك". انتهى (^١).
٧ - (ومنها): ما قاله العلامة، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد المغربيّ: جِمَاعُ آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث:
قول النبيّ - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُت"، وقوله - ﷺ -: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقوله - ﷺ - للذي اختصر له الوصية: "لا تغضب"، وقوله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وقال أبو القاسم القشيريّ رحمه الله تعالى: الصمت بسلامة هو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال، قال: وسمعت أبا عليّ الدقّاق يقول: من سكت عن الحقّ فهو شيطان أخرس، قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت، فلما عَلِمُوا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظّ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات. وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: من عَدَّ كلامه من عمله، قَلَّ كلامه فيما لا يعنيه. وعن ذي النون رحمه الله تعالى: أصون الناس لنفسه أمسكهم للسانه، ذكره النوويّ في "شرحه" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥٤٩.
(٢) شرح مسلم" ٢/ ١٩ - ٢٠.
[ ٢ / ١٦٧ ]
(المسألة الرابعة): قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه": "باب حقُّ الجوار في قرب الأبواب"، ثم أورد فيه حديث عائشة - ﵂ -، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أُهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا".
قال في "الفتح": قوله: "أقربِهما" أي: أشدِّهما قُرْبًا، قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يَرَى ما يدخل بيتَ جاره من هدية وغيرها، فيتشوّف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابةً لِمَا يَقَعُ لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة.
وقال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا، ويؤخذ من الحديث أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى، وفيه تقديم العلم على العمل.
واختُلِفَ في حَدِّ الجوار، فجاء عن عليّ - ﵁ -: "من سَمِعَ النداء فهو جارٌ"، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: حَدُّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب، وعن الأوزاعي مثله، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" مثله عن الحسن، وللطبراني بسند ضعيف، عن كعب بن مالك، مرفوعًا: "ألا إن أربعين دارًا جار"، وأخرج ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: "أربعون دارًا عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه، ومن بين يديه"، وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث بكلام حسن طويل، لكنه مشتمل على نفائس العلوم، ودقائق الفهوم، أحببت إيراده في مسائل، وإن كان كثير منه سبق ذكره، إلا أن فيه زوائد سديدة، وعوائد مفيدة.
(المسألة الخامسة): في قوله - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر … إلخ"، فإنه يدلّ على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٥٤٩ - ٥٥٠.
[ ٢ / ١٦٨ ]
الأعمال تدخل في الإيمان، وقد فسّر النبيّ - ﷺ - الإيمان بالصبر والسماحة، قال الحسن: المراد بالصبر عن المعاصي، والسماحة بالطاعة.
وأعمال الإيمان تارةً تتعلق بحقوق الله، كأداء الواجبات، وترك المحرمات، ومن ذلك قول الخير، والصمت عن غيره.
وتارةً تتعلق بحقوق عباده، كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكفّ عن أذاه، فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن:
[أحدها]: قول الخير، والصَّمْتُ عما سواه، وقد رَوَى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: "هل تملك لسانك؟ " قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: "فهل تملك يدك؟ " قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: "فلا تقل بلسانك إلا معروفًا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير" (^١).
وقد وَرَد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان، كما في "المسند" عن أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يستقيم إيمان عبد، حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه" (^٢).
وخَرّج الطبرانيّ من حديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان، حتى يَخْزُن من لسانه" (^٣).
وخرّج الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إنك لن تزال سالِمًا ما سكت، فإذا تكلمت كُتِب لك أو عليك" (^٤).
وفي "مسند الإمام أحمد" عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، عن
_________________
(١) رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٨١٨)، وذكره الهيثميّ في "المجمع" ١٠/ ٣٠٠، وحسّن إسناده.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ ورجال إسناده ثقات، إلا أن فيه عنعنة قتادة.
(٣) أخرجه في "الأوسط" و"الصغير"، قال الهيثميّ في "المجمع" ١٠/ ٣٠٢: فيه داود بن هلال، ذكره أبو حاتم، ولم يذكر فيه ضعفًا، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه في "الكبير" ٢٠/ ١٣٧، قال الهيثميّ: رواه الطبرانيّ بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. "مجمع" ١٠/ ٣٠٠.
[ ٢ / ١٦٩ ]
النبيّ - ﷺ - قال: "من صَمَتَ نَجَا" (^١).
وفي "الصحيحين " عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يَزِلّ بها في النار، أبعدَ ما بين المشرق والمغرب".
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يَرَى بها بأسًا يَهْوِي بها سبعين خريفًا في النار" (^٢).
وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقِي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يَهْوِي بها في جهنم".
وخَرّج الإمام أحمد من حديث سُليمان بن سُحَيم، عن أمه، قالت: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيتكلم بالكلمة، فيتباعد بها أبعد من صنعاء" (^٣).
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث بلال بن الحارث، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه" (^٤).
وعن أم حبيبة - ﵂ -، عن النبي - ﷺ - قال: "كلام ابن آدم عليه، لا له إلا ذكر الله ﷿، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (^٥).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ١٥٩ و١٧٧، والترمذيّ (٢٥٠١)، والدارميّ ٢/ ٢٩٩.
(٢) صححه ابن حبان (٥٧٠٦).
(٣) في سنده عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس.
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٩، والترمذيّ (٢٣١٩) وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٢٨٠).
(٥) أخرجه الترمذيّ (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤)، وحسنه الترمذيّ، مع أن في سنده أم صالح بنت صالح لا يعرف حالها.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقوله - ﷺ -: "فليقل خيرًا، أو ليصمت" أَمْرٌ بقول الخير، وبالصمت عما عداه، وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمتُ عنه، بل إما أن يكون خيرًا، فيكون مأمورًا بقوله، وإما أنه غيرَ خير، فيكون مأمورًا بالصمت عنه، وحديثُ معاذ، وأم حبيبة يدلان على هذا.
وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -، ولفظه: إن النبي - ﷺ - قال له: "يا معاذ ثَكِلَتْك أمُّك، وهل تقول شيئًا إلا وهو لك أو عليك".
وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يَكتُب الحسنات، والذي عن شماله يَكْتُب السيئات، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من حديث أبي أمامة - ﵁ - بإسناد ضعيف (^١).
وفي "الصحيح" عن النبيّ - ﷺ -: "إذا كان أحدكم يصلي، فإنه يناجي ربه، والملك عن يمينه"، ورُوي من حديث حذيفة - ﵁ - مرفوعًا: "إن عن يمينه كاتب الحسنات" (^٢).
واختلفوا هل يُكتَب كل ما يُتَكَلَّم به، أم لا يُكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب؟ على قولين مشهورين.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يُكتب كلُّ ما تكلم به من خير أو شرّ، حتى إنه ليكتب قوله: أكلتُ، وشربتُ، وذهبت، وجئت، حتى إذا كان يومُ الخميس عُرِض قولُه وعملُه، فأُقِرَّ ما كان فيه من خير أو شرّ، وأُلقي سائره، فذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩].
وعن يحيى بن أبي كثير قال: رَكِبَ رجلٌ الحمارَ، فعَثَر به، فقال: تَعِسَ
_________________
(١) رواه الطبرانيّ (٧٧٦٥ و٧٧٨٧ و٧٩٧١) ولفظه: "صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال، فإذا عَمِل حسنةً أثبتها، وإذا عمل سيئةً قال له صاحب اليمين: امكُث ستّ ساعات، فإن استغفر لم يكتب عليه، وإلا أثبت عليه سيئة"، وقال الهيثميّ في "المجمع" ١٠/ ٢٠٨: رواه الطبرنيّ بأسانيد، ورجال أحدها وُثّقوا.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٤ بإسناد صحيح.
[ ٢ / ١٧١ ]
الحمار، فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي من السيئات فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين من شيء فاكتبه، فأثبت في السيئات "تعس الحمار" (^١).
وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة فهو سيئة، وإن كان لا يعاقَب عليها، فإن بعض السيئات قد لا يعاقب عليها، وقد تقع مُكَفَّرَة باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد خَسِرَه صاحبها، حيث ذهبت باطلًا، فيحصل له بذلك حسرةٌ في القيامة، وأَسَفٌ عليه، وهو نوع عقوبة.
وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "ما من قوم يقومون من مجلس، لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جِيفة حمار، وكان لهم حسرةً" (^٢)، وخرّجه الترمذيّ، ولفظه: "ما جلس قوم مجلسًا، لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم - ﷺ - إلا كان عليهم تِرَةً، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم"، وفي رواية لأبي داود، والنسائي: "من قعد مقعدًا، لم يذكر الله فيه، إلا كان عليه من الله تِرَةً، ومن اضطجع مُضْطَجَعًا، لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله تِرَة"، زاد النسائي: "ومن قام مقامًا، لم يذكر الله فيه، كان عليه من الله تِرَة"، وخرّج أيضًا من حديث أبي سعيد - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "ما من قوم يجلسون مجلسًا، لا يذكرون الله فيه، إلا كان عليهم حسرةً يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة" (^٣).
وقال مجاهد: ما جلس قوم مجلسًا، فتفرّقوا قبل أن يذكروا الله، إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة، وكان مجلسهم يَشْهَد عليهم بغفلتهم، وما جلس قوم مجلسًا، فذكروا الله قبل أن يتفرقوا، إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك، وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم.
وقال بعض السلف: يُعْرَض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكلُّ
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٥، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٧٦.
(٢) صححه الحاكم ١/ ٤٩٢، وابن حبان (٥٩٠ و٥٩٢).
(٣) أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٤٠٩) و(٤١٠)، وصححه ابن حبان (٥٩٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢ / ١٧٢ ]
ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات، وخرّجه الطبراني، من حديث عائشة - ﵂ -، مرفوعًا: "ما من ساعة تمر بابن آدم، لم يذكر الله فيها بخير، إلا تحسَّر عندها يوم القيامة" (^١).
فمن هنا يُعْلَم أن ما ليس بخير من الكلام، فالسكوت عنه أفضل من التكلم به، اللَّهم إلا ما تدعو إليه الحاجة، مما لا بُدّ منه.
وقد رُوي عن ابن مسعود - ﵁ - قال: إياكم وفضول الكلام، حسبُ امرئ ما بَلَغَ حاجته، وعن النخعي قال: يَهْلِك الناس في فضول المال والكلام.
وأيضًا: فإن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه، يوجب قساوة القلب، كما في الترمذي من حديث ابن عمر، مرفوعًا: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس عن الله القلب القاسي" (^٢).
وقال عمر - ﵁ -: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به.
وخرجه العقيليّ من حديث ابن عمر، مرفوعًا بإسناد ضعيف.
وقال محمد بن عجلان: إنما الكلام أربعة: أن تذكر الله، وتقرأ القرآن، وتُسْأَل عن علم، فتخبر به، أو تَكَلَّم فيما يعنيك من أمر دنياك.
وقال رجل لسلمان - ﵁ -: أوصني، قال: لا تتكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت فتكلم بحقّ، أو اسكت.
وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - يأخذ بلسانه، ويقول: هذا أوردني الموارد (^٣).
_________________
(١) رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، وقال الهيثمي في "المجمع": فيه عمرو بن الحصين العقيليّ، وهو متروك.
(٢) أخرجه الترمذيّ (٢٤١١) وفي سنده إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، وقال عنه في "التقريب": صدوق، روى مراسيل، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.
(٣) رواه مالك ٢/ ٩٨٨.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقال ابن مسعود - ﵁ -: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحقّ بطول سَجْنٍ من اللسان، وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت، وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم إنك ما سكت فأنت سالم، فإذا تكلمت فخذ حَذَرَك، إما لك وإما عليك.
وهذا باب يطول استقصاؤه، والمقصود أن النبيّ - ﷺ - أمر بالكلام بالخير، والسكوت عما ليس بخير.
وخرّج الإمام أحمد، وابن حبان من حديث البراء بن عازب - ﵄ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله علمني عملًا يُدخلني الجنة … فذكر الحديث، وفيه قال: "فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تُطق ذلك فكُفّ لسانك إلا من خير" (^١).
فليس الكلام مأمورًا به على الإطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لا بُدّ من الكلام بالخير، والسكوت عن الشرّ.
وكان السلف كثيرًا يَمدحون الصَّمْتَ عن الشرّ، وعما لا يَعْنِي؛ لشدّته على النفس، ولذلك يقع الناس فيه كثيرًا، فكانوا يعالجون أنفسهم، ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.
قال الفضيل بن عياض: ما حَجٌّ، ولا رباط، ولا جهاد أشدّ من حبس اللسان، ولو أصبحتَ يُهِمُّك لسانك أصبحت في همّ شديد، وقال: سَجْنُ اللسان سجن المؤمن، ولو أصبحت يُهمك لسانك أصبحت في غم شديد.
وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه: إن كان الكلام من فضة، فإن الصمت من ذهب، فقال: معناه: لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب.
وهذا يرجع إلى أن الكفّ عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات.
وتذاكروا عند الأحنف بن قيس أيما أفضلُ، الصمت أو النطق؟ فقال قوم: الصمت أفضل، فقال الأحنف: النطق أفضل؛ لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، والنطق الحسن ينتفع به من سمعه.
_________________
(١) صححه ابن حبان (٣٧٤).
[ ٢ / ١٧٤ ]
وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبد العزيز ﵀: الصامت على علم كالمتكلم على علم، فقال عمر: إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالًا، وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، وكيف بفتنة النطق؟ فبكى عمر عند ذلك بكاءً شديدًا.
ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يومًا، فَرَقَّ الناس، وبَكَوا، فقطع خطبته، فقيل له: لو أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به، فقال عمر: إن القول فتنة، والفعل أولى بالمؤمن من القول.
وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي جعفر، فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحد الحكماء: إذا كان المرء يحدث في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت، وإن كان ساكتًا فأعجبه السكوت فليحدث، وهذا حسنٌ، فإن من كان كذلك كان سكوته وحديثه بمخالفة هواه، وإعجابه بنفسه، ومَن كان كذلك كان جديرًا بتوفيق الله إياه، وتسديده في نطقه وسكوته؛ لأن كلامه وسكوته يكون لله ﷿.
وفي مراسيل الحسن ﵀ عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: علامة الطُّهر أن يكون قلب العبد عندي متعلقًا، فإذا كان كذلك لم ينسني على حال، وإذا كان كذلك مننت عليه بالاشتغال بي كيلا ينساني، فإذا نسيني حَرَّكت قلبه، فإن تكلم تكلم لي، وإن سكت سكت لي، فذلك الذي تأتيه المعونة من عندي. خرّجه إبراهيم بن الجنيد.
وبكل حال فالتزام الصمت مطلقًا، واعتقاده قربةً إما مطلقًا، أو في بعض العبادات، كالحج والاعتكاف والصيام منهي عنه.
ورُوِي من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نَهَى عن صيام الصمت، وخرّج الإسماعيلي من حديث علي - ﵁ -: نهانا رسول الله - ﷺ - عن الصمت في العكوف، وفي "سنن أبي داود" من حديث عليّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا صُمَات يوم إلى الليل".
وقال أبو بكر الصديق - ﵁ - لامرأة حَجّت مصمتة: إن هذا لا يَحِلّ، هذا من عمل الجاهلية، وروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: صوم الصَّمْت حرام. انتهى ما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى في الجزء الأول من
[ ٢ / ١٧٥ ]
الحديث (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في الأمر الثاني مما أمر به النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث المؤمنين، وهو إكرامُ الجار، وفي بعض الروايات النهي عن أذى الجار، فأما أذى الجار فمحرم؛ لأن الأذى بغير حقّ محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريمًا.
وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه سئل: أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك"، قيل: ثم أيُّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قيل: ثم أيُّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك".
وفي "مسند الإمام أحمد" عن المقداد بن الأسود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما تقولون في الزنا؟ " قالوا: حرام، حَرَّمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله - ﷺ -: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره"، قال: "فما تقولون في السرقة؟ " قالوا: حرام حرّمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره".
وفي "صحيح البخاري" عن أبي شُرَيح - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه"، وخرّجه الإمام أحمد وغيره، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
وخرّج الإمام أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا قال: قيل: يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيءٌ، تؤذي جيرانها، سَلِيطةٌ، قال: "لا خير فيها، هي في النار"، وقيل له: إن فلانة
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ٢/ ٣٣٢ - ٣٤٣.
[ ٢ / ١٧٦ ]
تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار (^١)، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدًا، قال: "هي في الجنة"، ولفظ الإمام أحمد: "ولا تؤذي بلسانها جيرانها" (^٢).
وخرّج الحاكم من حديث أبي جحيفة - ﵁ - وصححه، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يشكو جاره، فقال له: "اطرَح متاعك في الطريق"، قال: فجعل الناس يمرّون به، ويلعنونه، فجاء إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من الناس، قال: "وما لقيت؟ " قال: يلعنوني، قال: "فقد لعنك الله قبل الناس"، قال: "يا رسول الله، فإني لا أعود"، وخرّجه أبو داود بمعناه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، ولم يذكر فيه: "فقد لعنك الله قبل الناس" (^٣).
وخرّج الخرائطي من حديث أم سلمة - ﵁ -، قالت: دخلت شاة لجارة لنا، فأخذت قرصة لنا، فقصت إليها فأخذتها من بين لحييها، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنه لا قليلَ من أذى الجار" (^٤).
فأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمور به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقّه على العبد، وحقوق العباد على العباد أيضًا، وجَعَل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع:
[أحدها]: مَن بينه وبين الإنسان قرابة، وخَصّ منهم الوالدين بالذكر؛
_________________
(١) "الأثوار جمع ثَوْر، وهو القطعة العظيمة من الأقط.
(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٤٠)، والبخاريّ في "الأدب المفرد" (١١٩)، وصححه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١٦٦ ووافقه الذهبيّ، مع أن فيه أبا يحيى مولى جعدة بنت هُبيرة، لم يرو عنه غير الأعمش.
(٣) صححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.
(٤) رواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٢٣/ ٥٣٥، وذكره الهيثميّ في "المجمع" ٨/ ١٧٠، وقال: رجاله ثقات.
[ ٢ / ١٧٧ ]
لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه، فإنهما كانا السبب في وجود الولد، ولهما حق التربية والتأديب، وغير ذلك.
[الثاني]: مَن هو ضعيف محتاج إلى الإحسان، وهو نوعان: من هو محتاج؛ لضعف بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج؛ لقلة ماله، وهو المسكين.
[والثالث]: من له حقّ القرابة، والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جار ذو قربى، وجار جُنُب، وصاحبٌ بالجنب.
وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار الذي له قرابة، والجار الجنُب: الأجنبي، ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخل الرفيق في السفر في الجار الجنب، وقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول في دعائه: "أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة، فإن جار البادية يتحول" (^١).
ومنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار المسلم، والجار الجنب: الكافر، وفي "مسند البزار" من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: "الجيران ثلاثة: جار له حقّ واحد، وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًّا، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك، لا رَحِمَ له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم، ذو رَحِمٍ، فله حق الإسلام، وحق الجوار، وحق الرحم" (^٢).
وقد رُوي هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة، ولا تخلو كلها من مقال.
وقيل: الجار ذو القربى: هو القريب الملاصق، والجار الجنب: البعيد الجوار.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٤٦، والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٧)، والنسائيّ ٨/ ٢٧٤، وصححه ابن حبان (١٠٣٣)، والحاكم ١/ ٥٣٢ ووافقه الذهبيّ.
(٢) رواه البزار (١٨٩٦)، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٠٧ من طريق الحسن البصري، عن جابر، ولم يسمع منه، وقال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٤: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثيّ، وهو وضّاع.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وفي "صحيح البخاري" عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما بابًا".
وقال طائفة من السلف: حَدّ الجوار أربعون دارًا، وقيل: مُستدار أربعين دارًا من كل جانب.
وفي مراسيل الزهري أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - يشكو جارًا له، فأمر النبي - ﷺ - بعض أصحابه أن ينادي: ألا إن أربعين دارًا جار، قال الزهري: وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني ما بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله.
وسئل الإمام أحمد عمن يطبُخ قدرًا، وهو في دار السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين، أو أربعين نفسًا، يعني أنهم سكان معه في الدار، قال: يبدأ بنفسه، وبمن يعول، فإن فضل أعطى الأقرب إليه، وكيف يمكنه أن يعطيهم كلَّهم؟، قيل له: لعلّ الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر، ليس له عنده موقع، فرأى أنه لا يبعث إليه.
وأما الصاحب بالجنب: ففسَّره طائفة بالزوجة، وفسره طائفة منهم ابن عباس بالرفيق في السفر، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر، وإنما أرادوا أن صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وقال ابن زيد: هو الرجل يَعْتَريك، ويُلِمُّ بك لتنفعه، وفي "المسند"، والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - قال: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره" (^١).
الرابع: من هو واردٌ على الإنسان، غير مقيم عنده، وهو ابن السبيل، يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر، وفسّره بعضهم بالضيف، يعني به ابن السبيل، إذا نزل ضيفًا على أحد.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٦٧ و١٦٨، والترمذيّ (١٩٤٤)، والبخاريّ في "الأدب المفرد" (١١٥)، وصححه ابن حبان (٥١٨ و٥١٩)، والحاكم ٢/ ١٠١ و٤/ ١٦٤ ووافقه الذهبيّ.
[ ٢ / ١٧٩ ]
والخامس: ملك اليمين، وقد وَصّى النبي - ﷺ - بهم كثيرًا، وأمر بالإحسان إليهم، ورُوي أن آخِر ما وصّى به عند موته الصلاة، وما ملكت أيمانكم (^١).
وأدخل بعض السلف في هذه الآية ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم.
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي "الصحيحين" عن عائشة، وابن عمر - ﵃ - عن النبي - ﷺ -: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه".
فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته، وفي "المسند" عن عمر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يشبع المؤمن دون جاره" (^٢)، وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال: "ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع" (^٣)، وفي رواية أخرى عن ابن عباس - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال: "ما آمن من بات شبعان، وجاره طاويًا" (^٤).
وفي "المسند" عن عقبة بن عامر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: "أول خصمين يوم القيامة جاران" (^٥).
وفي كتاب "الأدب" للبخاريّ عن ابن عمر - ﵄ -: "كم من جارٍ متعلّقٌ
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٧، وابن ماجه (٢٦٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٦٠٥).
(٢) رواه أحمد ١/ ٥٥، ومن طريقه الحاكم ٤/ ١٦٧، وفي إسناده انقطاع.
(٣) صححه الحاكم ٤/ ١٦٧ ووافقه الذهبيّ.
(٤) رواه ابن عديّ في "الكامل" ٢/ ٦٣٧ وفي سنده حكيم بن جبير ضعيف، وله شاهد من حديث أنس عند الطبرانيّ في "الكبير" (٧٥١) وفيه محمد بن سعيد الأثرم ضعفه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وله طريق آخر عند البزار (١١٩) وفيه علي بن زيد بن جُدعان، ضعيف، وحسّنه الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٧، والمنذريّ في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٣٥٨.
(٥) رواه أحمد ٤/ ١٥١، والطبراني في "الكبير" ١/ ٨٥٢ بإسناد حسن، ورواه الطبرانيّ ١٧/ ٨٣٦ بإسناد آخر، وقال الهيثمي في "المجمع": رواه أحمد والطبرانيّ، وأحد إسنادي الطبرانيّ رجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ١٨٠ ]
بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه" (^١).
وخرّج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف، من حديث عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: "من أغلق بابه دون جاره؛ مخافةً على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لا يَأْمَن جاره بوائقه، أتدري ما حقّ الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عُدت عليه، وإذا مَرِض عُدته، وإذا أصابه خير هَنّيته، وإذا أصابته مصيبة عَزّيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتَحْجُب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بِقُتَار قِدْرك (^٢)، إلا أن تَغْرِف له، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سِرًّا، ولا يَخْرُج بها ولدك؛ ليُغِيظ بها ولده".
ورفعُ هذا الكلام منكر، ولعله من تفسير عطاء الخراساني.
وقد رُوي أيضًا عن عطاء، عن الحسن، عن جابر، مرفوعًا: "أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقُتَار قِدرك إلا أن تَقْدَح له منها".
وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر - ﵁ - قال: "أوصاني خليلي - ﷺ -: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك، فأَصِبهم منها بمعروف"، وفي رواية أن النبي - ﷺ - قال: "يا أبا ذر إذا طبخت مرقةً، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك".
وفي "المسند"، والترمذيّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه ذبح شاة، فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (^٣).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يمنعنّ أحدكم جاره أن يَغْرِز خشبةً في جداره"، ثم يقول أبو هريرة - ﵁ -: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم.
_________________
(١) رواه البخاريّ في "الأدب المفرد" (١١١) وفي سنده ليث بن أبي سُليم، ضعيف.
(٢) "القُتَار" كالدخان وزنًا ومعنى، قاله في "المصباح".
(٣) حديث صحيح.
[ ٢ / ١٨١ ]
ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه، أن يمكِّن جاره من وضع خشبة على جداره، إذا احتاج الجار إلى ذلك، ولم يَضُرَّ بجداره؛ لهذا الحديث الصحيح، وظاهر كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده، بما لا يضر به، إذا عَلِمَ حاجته. قال المرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: إني لأسمع السائل في الطريق يقول: إني جائع، فقال: قد يصدُق وقد يَكذِب، قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنه يجوع؟، قال: تواسيه، قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تطعمه شيئًا، ثم قال: الذي جاء في الحديث إنما هو الجار.
وقال المرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: الأغنياء يجب عليهم المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئًا على شيء، كيف لا يجب عليهم؟ قلت: فإذا كان للرجل قميصان - أو قلت: جُبّتان - يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلًا.
وهذا نص منه في وجوب المواساة من الفضائل، ولم يَخُصّه بالجار، ونصه الأول يقتضي اختصاصه بالجار.
وقال في رواية ابن هانئ في السُّؤَّال يكذبون: أحبُّ إلينا لو صدقوا، ما وَسِعَنا إلا مواساتهم. وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران وغيرهم.
وفي "الصحيح" عن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "أطعموا الجائع، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني".
وفي "المسند"، وصحيح الحاكم عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: "أيما أهل عَرَصَةٍ أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله ﷿" (^١).
ومذهب أحمد ومالك أنه يُمنَع الجار أن يَتَصَرَّف في خاص ملكه بما يَضُرّ بجاره، فيجب عندهما كَفُّ الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضرّ به، ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه، ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه، ولا ضرر عليه في بذله، وأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يقابله بالأذى، قال الحسن: ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى.
_________________
(١) صححه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على "المسند"، راجعه رقم (٤٨٨٠).
[ ٢ / ١٨٢ ]
ويُرْوَى من حديث أبي ذر - ﵁ -: "إن الله يحب الرجل، يكون له الجار يؤذيه جِوَارُهُ، فيصبر على أذاه، حتى يفرق بينهما موتٌ، أو ظَعْنٌ"، خرّجه الإمام أحمد (^١).
وفي مراسيل أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ: أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - يشكو إليه جاره، فقال له النبي - ﷺ -: "كُفّ أذاك عنه، واصبر لأذاه، فكفى بالموت مُفَرِّقًا"، خرّجه ابن أبي الدنيا (^٢). انتهى ما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في الأمر الثالث مما أمر به النبي - ﷺ - المؤمنين في هذا الحديث، وهو إكرام الضيف، والمراد إحسان ضيافته.
وفي "الصحيحين" من حديث أبي شُرَيح - ﵁ - قال: "أبصرت عيناي رسول الله - ﷺ -، وسمعته أذناي حين تكلم به، قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزتَهُ"، قالوا: وما جائزته؟ قال: "يوم وليلة"، قال: "والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة".
وخرّج مسلم من حديث أبي شُرَيح أيضًا، عن النبي - ﷺ - قال: "الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يَثْوِيَ عنده حتى يُؤَثِّمه"، قالوا: يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال: "يقيم، ولا شيء له يَقْرِيه به".
وخرّج الإمام أحمد، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، قالها ثلاثًا، قالوا: وما إكرام الضيف يا رسول الله؟ قال: "ثلاثةُ أيام، فما جَلَس بعد ذلك فهو صدقة" (^٣).
_________________
(١) "المسند" ٥/ ١٥١، وفيه ابن الأحمس مجهول.
(٢) وفي إسناده رشدين بن سعد، ضعيف.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٧٦ من طريق ابن لهيعة، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد - ﵁ -، وهذا إسناد ضعيف، فابن لهيعة سيء الحفظ، ودرّاج ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، ورواه بلفظ: "الضيافة ثلاثة أيام … " أحمد ٣/ ٨ و٢١ و٣٧ و٦٤ و٨٦، وأبو يعلى (١٢٤٤ و١٢٨٧)، والبزار (١٩٣١ و١٩٣٢)، وصححه ابن حبان (٥٢٨١)، وقال الهيثميّ في "المجمع": رواه أحمد هكذا مطولًا ومختصرًا بأسانيد، وأبو يعلى، والبزار، وأحد أسانيد رجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة أيام، ففرَّق بين الجائزة والضيافة، وأكّد الجائزةَ، وقد ورد في تأكيدها أحاديث أُخَرُ، فخرّج أبو داود، من حديث الْمِقْدَام بن معد يكرب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "ليلةُ الضيف حقٌّ على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك"، وخرّجه ابن ماجه، ولفظه: "ليلةُ الضيف حقٌّ على كل مسلم" (^١).
وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث المقدام أيضًا، عن النبي - ﷺ - قال: "أيما رجل أضاف قومًا، فأصبح الضيفُ محرومًا، فإن نَصْرَهُ حقٌّ على كل مسلم، حتى يأخذ بِقِرَى ليلةٍ من زرعه وماله".
وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا، فننزل بقوم، لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله - ﷺ -: "إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف، الذي ينبغي لهم".
وخرّج الإمام أحمد، والحاكم، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محرومًا، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه" (^٢).
وقال عبد الله بن عمرو: من لم يُضِفْ فليس من محمد - ﷺ -، ولا من إبراهيم ﵇، وقال عبد الله بن الحارث بن جَزْء - ﵁ -: من لم يُكرم ضيفه، فليس من محمد - ﷺ -، ولا من إبراهيم ﵇، وقال أبو هريرة - ﵁ - لقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يُضِيفوه، فتنحى، ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يجيبوه، فقال لهم: لا تُنْزِلون الضيف، ولا تجيبون الدعوة، ما أنتم من الإسلام على شيء، فَعَرَفه رجل منهم، فقال له: انزل عافاك الله، قال: هذا شرّ وشرّ، لا تُنْزِلون إلا من تعرفون.
_________________
(١) إسناده صحيح.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٨٠، وصححه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ١٣٢، ووافقه الذهبيّ.
[ ٢ / ١٨٤ ]
ورُوي عن أبي الدرداء - ﵁ - نحو هذه القضية، إلا أنه قال لهم: ما أنتم من الدين إلا على مثل هذه، وأشار إلى هدبة في ثوبه.
وهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يومًا وليلةً، وهو قول الليث، وأحمد، وقال أحمد: له المطالبة بذلك إذا منعه؛ لأنه حقّ له واجب، وهل يأخذ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟، على روايتين منصوصتين عنه.
وقال حُمَيد بن زنجويه: ليلة الضيف واجبة، وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرًا، إلا أن يكون مسافرًا في مصالح المسلمين العامة، دون مصلحة نفسه.
وقال الليث بن سعد: لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أن يأكل، وإن لم يعلم أن سيده أذن؛ لأن الضيافة واجبة، وهو قياس قول أحمد؛ لأنه نَصّ على أنه يجوز إجابة دعوة العبد المأذون له في التجارة، وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك، وروي ذلك عن النبي - ﷺ - أيضًا، فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه ابتداءً جاز إجابة دعوته، فإضافته لمن نَزَل به أولى.
ومنع مالك، والشافعيّ، وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده، ونَقَل على بن سعيد عن أحمد ما يدلّ على وجوب الضيافة للغزاة خاصّة بمن مَرّوا بهم ثلاثة أيام، والمشهور عنه الأول، وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم، واختَلَفَ قوله: هل تجب على أهل الأمصار والقرى، أم تختص بأهل القرى، ومن كان على طريق يمر بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه، والمنصوص عنه أنها تجب للمسلم والكافر، وخَصّ كثير من أصحابه الوجوب للمسلم، كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين على إحدى الروايتين، فأما اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث فهما تمام الضيافة، والنصوص عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى، وقال: قد فَرّق بين الجائزة والضيافة، والجائزةُ أوكد، ومن أصحابنا - يعني الحنبليّة - من أوجب الضيافة ثلاثة أيام، منهم أبو بكر بن عبد العزيز، وابن أبي موسى، والآمدي، وما بعد الثلاث فهو صدقة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، فإن ظواهر النصوص تدلّ له، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٨٥ ]
قال: وظنّ بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى، وردّه أحمد بقوله - ﷺ -: "الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة"، ولو كان كما ظَنّ هذا لكان أربعة.
قلت (^١): ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، والمراد في تمام الأربعة.
وهذا الحديث الذي احتَجّ به أحمد قد تقدم من حديث أبي شُرَيح - ﵁ -، وخرّجه البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن قِرَى الضيف"، قيل: يا رسول الله، وما قِرَى الضيف؟ قال: "ثلاثة، فما كان بعدُ فهو صدقة".
قال حُميد بن زنجويه: عليه أن يتكلف له في اليوم والليلة، من الطعام أطيب ما يأكله هو وعياله، وفي تمام الثالث يطعمهم من طعامه، وفي هذا نظر، وسنذكر حديث سلمان - ﵁ - بالنهي عن التكلّف للضيف.
ونَقَل أشهب عن مالك قال: جائزته يوم وليلة، يكرمه، ويتحفه، ويخصّه يومًا وليلة، وثلاثة أيام ضيافة.
وكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نَزَل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن يُنفَقَ عليه من ماله، ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث؛ لأنه قَضَى ما عليه، وفَعَلَ ذلك الإمام أحمد ﵀.
وقوله - ﷺ -: "لا يحل له أن يَثْوِيَ عنده حتى يُحْرِجه"، يعني يقيم عنده حتى يُضَيِّق عليه، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة، أم فيما زاد عليها؟ فأما فيما ليس بواجب فلا شكّ، وأما ما هو واجب، وهو اليوم والليلة (^٢)، فَيُبْنَى على أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئًا، أم لا تجب إلا على من وَجَدَ ما يُضيف به؟ فإن قيل: إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به، وهو قول طائفة من أهل الحديث، منهم حُمَيد بن زنجويه، لم يَحِلّ للضيف أن يستضيف
_________________
(١) القائل ابن رجب.
(٢) قد سبق ترجيح القول بوجوبها ثلاثة أيام، فلا تغفل.
[ ٢ / ١٨٦ ]
من هو عاجز عن ضيافته، وقد رُوِي من حديث سلمان - ﵁ - قال: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا (^١)، فإذا نُهِي الْمُضِيف أن يتكلف للضيف ما ليس عنده دلّ على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف، إلا بما عنده، فإذا لم يكن عنده فَضْلٌ لم يلزمه شيء، وأما إذا آثر على نفسه، كما فَعَل الأنصاري الذي نَزَل فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فذلك مَقَام فضل وإحسان، وليس بواجب، ولو عَلِم الضيف أنهم لا يُضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يتأذون بذلك، لم يجز له استضافتهم حينئذ؛ عملًا بقوله - ﷺ -: "ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يُحرِجه" (^٢).
وأيضا فالضيافة نفقة واجبة، ولا تجب إلا على من عنده فضل عن قوته وقوت عياله، كنفقه الأقارب، وزكاة الفطر.
وقد أنكر الخطابي تفسير تأثيمه بأن يقيم عنده، ولا شيء له يَقريه به، وقال: أراه غَلَطًا، وكيف يأثم في ذلك، وهو لا يتسع لقراه، ولا يجد سبيلًا إليه؟ وإنما الكلفة على قدر الطاقة، قال: وإنما وجه الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث؛ لئلا يَضِيق صدره بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه الْمَنّ والأذى، فيبطل أجره.
وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد صَحَّ تفسيره في الحديث بما أنكره، وإنما وجهه أنه أقام عنده، ولا شيء له يَقرِيه به، فربما دعاه ضِيق صدره به، وحَرَجه إلى ما يأثم به في قول أو فعل، وليس المراد أنه يأثم بترك قراه، مع عجزه عنه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) رواه أحمد ٥٤٤١، والطبرانيّ في "الكبير" (٦٠٨٣ و٦٠٨٤ و٦٠٨٥ و٦١٨٧). قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٧٩: أحد أسانيد "الكبير" رجاله رجال الصحيح.
(٢) متفقٌ عليه.
(٣) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٣٣٢ - ٣٦٠.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي حَصِيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفي، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنفيّ مولاهم الكوفي، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَبُو حَصِيْنٍ) عثمان بن عاصم بن حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبت سُنّيّ، وربّما دلّس [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والصحابي ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فلم يُخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بذوي الكنى، وهذا من غرائب الأسانيد.
٥ - (ومنها): أن أبا حَصِين بالفتح مكبّرًا لا يوجد له مشارك في كنيته في "الصحيحين"، وقلت في ذلك نظمًا:
[ ٢ / ١٨٨ ]
أَبَا حَصِينِ (^١) الأَسَدِيِّ كَبِّرِ لَدَى … "الصَّحِيحَيْنِ" سِوَاهُ صغِّرِ
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
وأما شرح الحديث، وبيان مسائله، فقد مرّت مستوفاةً في الحديث الماضي.
وقوله: (فلا يؤذي جاره) قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا وقع في الأصول: "يؤذي" بالياء في آخره، وروينا في غير مسلم: "فلا يؤذ" بحذفها، وهما صحيحان، فحذفها للنهي، وإثباتها على أنه خبر، يراد به النهي، فيكون أبلغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] على قراءة مَن رَفَع، ومنه قوله - ﷺ -: "لا يبيعُ أحدكم على بيع أخيه"، ونظائره كثيرة، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما أشار إليه النوويّ رحمه الله تعالى أن "لا" في رواية المصنّف رحمه الله تعالى نافية، والفعل مرفوع، وفي رواية غيره ناهية، والفعل مجزوم بها، ورواية الرفع أبلغ في المعنى؛ لأن النفي إعدام للشيء من أصله، والنهي إعدام لحكمه مع وجوده، وإعدام الأصل أبلغ من إعدام الحكم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣] (…) - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ أَيِ حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
_________________
(١) بترك التنوين، للوزن.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٢٠.
[ ٢ / ١٨٩ ]
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهرَان الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث.
وقوله: (بمثل حديث أبي حَصِين … إلخ) يعني أن حديث الأعمش مثل حديث أبي حصين، إلا أنه قال الأعمش: "فليُحسن إلى جاره" بدل قول أبي حصين: "فلا يؤذ جاره".
[تنبيه]: لفظ حديث الأعمش هذا ساقه أبو نعيم في "المسند المستخرج" (٢/ ١٣٥):
(١٧٢) - حدثنا أبو أحمد، محمد بن أحمد بن الغطريفي، ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عيسى بن يونس، (ح) وحدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن إسحاق ابن راهويه، ثنا أبي، ثنا عيسى بن يونس، (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا قاسم بن زكريا، ثنا يوسف القطان، ثنا جرير، قالا: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليسكت".
وقال عيسى بن يونس: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤] (٤٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيعًا، عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، أَنَّهُ سَمِعَ
[ ٢ / ١٩٠ ]
نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِه، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ المذكور قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبت حافظ حجة [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (عَمْرُو) بْنُ دِينَارٍ الأثرم الْجُمَحِيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبت [٤].
رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، وجماعة.
وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب، وابن جريج، وجعفر الصادق، ومحمد بن جُحَادة، ومالك، وشعبة، وداود بن عبد الرحمن العطار، ورَوْح بن القاسم، وجماعة.
قال محمد بن علي الْجُوزَجَاني، عن أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يُقَدِّم على عمرو بن دينار لا الحَكَمَ، ولا غيرَهُ - يعني في التثبت -، وقال ابن المديني، عن ابن مهديّ، عن شعبة مثل ذلك، وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يذكر عن ابن أبي نَجِيح قال: ما كان عندنا أحد أفقه، ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء، ولا مجاهد، ولا طاوس، وقال
[ ٢ / ١٩١ ]
الحميدي وغيره، عن سفيان: قلت لمسعر: مَنْ رأيت أشد إتقانًا للحديث؟ قال: عمرَو بنَ دينار، والقاسمَ بنَ عبد الرحمن، وقال إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان: قالوا لعطاء: بمن تأمرنا؟ قال: بعمرو بن دينار، وقال عبد الرحمن بن الحكم عن ابن عيينة: ثنا عمرو بن دينار، وكان ثقةٌ ثقةٌ، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلي من عشرين حديثًا من غيره، وقال علي بن الحسن النسائي عن ابن عيينة: مَرِضَ عمرو، فعاده الزهريّ، فبما قام الزهري، قال: ما رأيت شيخًا أنصّ للحديث الجيد من هذا الشيخ، وقال عليٌّ عن القطان: عمرو بن دينار أثبت عندي من قتادة، قال صالح بن أحمد: فذكرتُ ذلك لأبي، فقال مثله، قال صالح: وقال أبي: عمرو أثبت الناس في عطاء، وقال النسائي: ثقةٌ ثبت، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال ابن عيينة، وعمرو بن جرير: كان ثقةٌ ثبتًا كثير الحديث، صدوقًا عالمًا، وكان مفتي أهل مكة في زمانه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: جاوز السبعين، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يسمع من البراء بن عازب، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زُرْعة: لم يسمع من أبي هريرة، وقال الترمذي: قال البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثه عن عمر في البكاء على الميت، قال الحافظ: مقتضى ذلك أن يكون مدلسًا، وقال الذهبي: ما قيل عنه من التشيع باطل.
قال أحمد: مات سنة (٥) أو (١٢٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢٥) حديثًا.
٥ - (نافع بن جُبير) بن مُطعم بن عَدِيّ بن نَوْفَل بن عبد مناف النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣]، مات سنة (٩٩) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٢.
٦ - (أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ) الْكَعْبيّ، اختُلف في اسمه، فقيل: خُويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خُوَيلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: كعب بن عمرو، والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزّى بن معاوية بن الْمُحْتَرش بن عمرو بن مازن بن عديّ بن عمرو بن ربيعة.
[ ٢ / ١٩٢ ]
أسلم قبل الفتح (^١)، وكان معه لواء خُزاعة يوم الفتح، مات سنة ثمان وستين على الصحيح (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن ابن عيينة أثبت من روى عن عمرو بن دينار.
٤ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو عن نافع.
٥ - (ومنها): أن عمرو بن دينار، هذا أول محل ذكره، وجملة ما رواه المصنّف لعمرو (١٢٦) حديثًا.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، حتى اختلُف في اسمه على عدّة أقوال، كما أسلفته آنفًا.
٧ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي شُريح في الكتب الستّة أربعة:
١ - أحدهم: هذا المترجم هنا.
٢ - والثاني: أبو شُريح الكنديّ، واسمه هانئ بن يزيد الْمَذْحِجيّ، صحابيّ نزل الكوفة، وحديثه عند البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبي داود، والنسائيّ.
٣ - والثالث: أبو شُريح المعافريّ، واسمه عبد الرحمن بن شُريح بن عبيد الله الإسكندرانيّ، من الطبقة السابعة، ثقة فاضل، أخرج له الجماعة.
٤ - والرابع: أبو شُريح يروي عن أبي مسلم العبديّ، مقبول، من السادسة، حديثه عند ابن ماجه فقط.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا ستة أحاديث:
_________________
(١) هكذا في "الإصابة" ٧/ ١٧٣، والذي في "تهذيب التهذيب"، و"تحفة الأشراف": أسلم يوم الفتح، والظاهر أن ما في "الإصابة" هو الصواب، فتأمل.
[ ٢ / ١٩٣ ]
١ - حديث الباب عند الجماعة.
٢ - وحديث: "إن مكة حرّمها الله … " الحديث، عند الشيخين، والترمذيّ، والنسائيّ.
٣ - وحديث: "ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل … " الحديث مختصر، عند أبي داود، والترمذيّ.
٤ - وحديث: "من أُصيب بقتل أو خَبْل … " الحديث عند أبي داود، وابن ماجه.
٥ - وحديث: "والله لا يؤمن … " عند البخاريّ فقط.
٦ - وحديث: "اللهم إني أحرِّج حقّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة" عند النسائي فقط، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فقد تقدّم في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وإنما أتكلّم هنا في مسألتين فقط:
(المسألة الأولى): حديث أبي شُريح الخزاعيّ - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢١/ ١٨٤] (٤٨) من طريق نافع بن جُبير، عن أبي شُريح، وسيأتي في "كتاب اللقطة" مكرّرًا من طريق سعيد المقبريّ، عنه - إن شاء الله تعالى -.
و(البخاريّ) في "كتاب الأدب" (٨/ ١٣ و٣٩) وفي "الرقاق" (٨/ ١٢٥)، وفي "الأدب المفرد" (١٠٢)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٤٨)، و(الترمذيّ) في "البرّ" (١٩٦٧ و١٩٦٨)، و(النسائيّ) في "الرقاق" من "الكبرى" (٤١٦)، و(ابن ماجه) في "الأدب" (٣٦٧٢) و(٣٦٧٥).
و(مالك) في "الموطأ" (٢٦٨٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٥٧٥ و٥٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣١ و٦/ ٣٨٤ و٣٨٥)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (٤٨٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٠٤١ و٢٠٤٢)، و(أبو نعيم) في "المسند المستخرج" (١٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢ / ١٩٤ ]