وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٥] (٤٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ.
(ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْه، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِه، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (سُفْيَانَ) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ إمامٌ، وربما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجَدليّ - بفتح الجيم، والدال - الْعَدْوانيّ (^١)، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ، رمي بالإرجاء [٦].
رَوَى عن طارق بن شهاب، والحسن بن محمد بن الحنفية، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم بن جرير، وسعيد بن جبير.
ورَوَى عنه الأعمش، وشعبة، والثوريّ، ومسعر، ومالك بن مِغْول، وأبو الْعُمَيس، ورَقَبة بن مَصْقَلة، وإدريس بن يزيد الأوديّ، وغيرهم.
قال عليّ، عن يحيى: كان مرجئًا، وهو أثبت من أبي قيس، وقال
_________________
(١) بفتح العين المهملة، وسكون الدال: نسبة إلى عَدْوان قبيلة من قيس عَيلان. انتهى "لب اللباب" ٢/ ١٠٩.
[ ٢ / ١٩٥ ]
صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ في الحديث، وقال أحمد، عن سفيان: كانوا يقولون: ما رَفَع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله، وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال أبو داود: كان مرجئًا، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وكان يرى الإرجاء، وعن أبي داود، عن شعبة، أنه ذكره، فجعل يُلَيِّنه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو نعيم، والبخاريّ، ومُطَيَّن: مات سنة عشرين ومائة، وكذا أَرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقةً ثبتًا، له حديث صالح، وقال العجليّ: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ ثقةٌ، وكان مرجئًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - رقم (١١٣١): "كان يوم عاشوراء يومًا تعظمه اليهود … " وأعاده بعده، وحديثه أيضًا رقم (١٢٢١): "بم أهللت … " وأعاده بعده أيضًا، وحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - رقم (٣٠١٧) "إني لأعلم حيث نزلت … " وأعاده بعده مرتين.
٤ - (طَارِقُ بْنُ شِهَاب) بن عبد شمس بن هلال بن سَلَمَة بن عَوْف بن جُشَم بن عمرو بن لؤي بن رُهْم بن معاوية بن أسلم بن أحمس الْبَجَليّ الأَحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، رأى النبيّ - ﷺ -، ويقال: لم يسمع منه [٢].
رأى النبي - ﷺ -، وروى عنه مرسلًا، وعن الخلفاء الأربعة، وبلال، وحذيفة، وخالد بن الوليد، والمقداد، وسعد، وابن مسعود، وأبي موسى، وأبي سعيد، وكعب بن عُجْرة، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وقيس بن مسلم، ومُخَارق الأحمسيّ، وعلقمة بن مَرْثَد، وسماك بن حرب، وجماعة.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال أبو داود: رأى النبي - ﷺ -، ولم يسمع منه شيئًا، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليست له صحبةٌ، والحديث الذي رواه: "أيُّ الجهاد أفضل؟ … " مرسل، قلت له: قد أدخلته في مسند الوُحْدان؟ قال: لِمَا حُكِي من رؤيته النبيّ - ﷺ -، وقال العجليّ: طارق بن شهاب الأحمسيّ من أصحاب عبد الله، وهو ثقةٌ.
وقال في "الإصابة" (٣/ ٤١٣) بعد ذكر حكاية أبي حاتم المذكورة ما
[ ٢ / ١٩٦ ]
نصّه: قلت: إذا ثبت أنه لقي النبيّ - ﷺ -، فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه، فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح، وقد أخرج له النسائي عِدّة أحاديث، وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته، وقال أبو داود الطيالسيّ: حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: رأيت النبيّ - ﷺ -، وغزوت في خلافة أبي بكر، وهذا إسناد صحيح، وبهذا الإسناد قال: قَدِمَ وَفْدُ بَجِيلة على النبيّ - ﷺ -، فقال: "ابدءوا بالأحمسيين" (^١)، ودعا لهم، وأخرج البغويّ من طريق شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق، قال: رأيت النبيّ - ﷺ -، وغزوت في خلافة أبي بكر. انتهى المقصود من "الإصابة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الحقّ ثبوت الصحبة لطارق، وقد أثبتها له أبو نُعيم، وابن منده، وابن حبّان، وابن قانع، وابن عبد البرّ، والعسكريّ، وابن حزم في "المحلّى" (٢/ ١٤٥)، وتبعهم من المتأخّرين أحمد محمد شاكر، والألباني، وغيرهم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال خليفة وغيره: مات سنة اثنتين وثمانين، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (٣)، وقال ابن نُمَير: سنة (٤)، وحَكَى ابن أبي خيثمة، عن ابن معين أنه مات سنة (١٢٣)، وهو وَهَمٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب الأحاديث الأربعة التي ذُكرت في ترجمة قيس قبله.
٥ - (أَبُو سَعِيد) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
والباقون تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" ٤/ ٣١٥. قال الهيثمي في "الجمع" ١٠/ ٥٢: رواه أحمد، وروى الطبراني بعضه، إلا أنه قال: "ابدءوا بالأحمسيين قبل القيسيين"، ورجالهما رجال الصحيح.
[ ٢ / ١٩٧ ]
٢ - (ومنها): أن فيه التحديث والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتّصال، على الراجح في "عن" من غير المدلّس.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فلم يُخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أن السند الأول مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وأما الثاني فمسلسل بالبصريين إلى شعبة.
٥ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرّ البحث فيها مستوفًى.
٧ - (ومنها): أن فيه قيسًا وطارقًا هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لهما أربعة أحاديث فقط، كما أسلفت بيانه آنفًا.
٨ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قيس عن طارق على ما قالوا، لكن الراجح صحبة طارق، فيكون فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ.
٩ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
١٠ - (ومنها): قوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) إشارة إلى أن شيخيه لم يتّفقا في لفظ الحديث، وإنما اتّفقا في المعنى فقط، وهذا الذي ساقه هنا لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما شيخه محمد بن المثنّى، فرواه بمعناه، وهذه المسألة قد ذُكرت في كتب المصطلح، وقد قدّمنا تحقيقها في مقدّمة شرح المقدّمة مستوفًى، فراجعه (١/ ٤٦ - ٤٨) تستفد، وبالله تعالى التوفيق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ) بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة
[ ٢ / ١٩٨ ]
خمس وستين في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، ولا تثبت له صحبةٌ.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان": قال القاضي عياض ﵀: اختُلف في هذا، فوقع هنا ما نراه، وقيل: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان - ﵁ -، وقيل: عمر بن الخطاب - ﵁ -، لَمّا رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُد منزله، وقيل: أول من فعله معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير - ﵁ -، والذي ثبت عن النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - ﵁ - تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عَدّه بعضهم إجماعًا - يعني والله أعلم - بعد الخلاف، أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية، بعد إجماع الخلفاء، والصدر الأول.
وفي قوله بعد هذا: "أما هذا فقد قضى ما عليه"، بمحضر من ذلك الجمع العظيم، دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان، وبيّنه أيضًا احتجاجه بقوله: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من رأى منكرًا فليغيره"، ولا يسمى منكرًا لو اعتقده، ومن حضر، أو سبق به عمل، أو مضت به سنّة، وفي هذا دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وأن ما حُكِي عن عمر، وعثمان، ومعاوية - ﵃ - لا يصح، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان": هذا أصحّ ما رُوي في أول من قدّم الخطبة على الصلاة، وقد روي أول من فعل ذلك عمر، وقيل: عثمان، وقيل: ابن الزبير، وقيل: معاوية - ﵃ -. قال: وبعيد أن يصحّ شيء من ذلك عن مثل هؤلاء؛ لأنهم شاهدوا رسول الله - ﷺ -، وصلّوا معه أعيادًا كثيرةً، والصحيح المنقول عنه، والمتواتر عند أهل المدينة تقديم الصلاة على الخطبة، فكيف يعدل أحد منهم عمّا فعله النبيّ - ﷺ -، وداوم عليه إلى أن تُوفّي؟ فإن صحّ عن واحد من هؤلاء
_________________
(١) شرح مسلم" ٢/ ٢١.
[ ٢ / ١٩٩ ]
أنه قدّم ذلك، فلعلّه إنما فعله لما رأى من انصراف الناس عن الخطبة، تاركين لسماعها، مستعجلين، أو ليُدرك الصلاة من تأخّر، وبعُد منزله، ومع هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تُترك سنة رسول الله - ﷺ - لمثل ذلك، وأولئك الملأ أعلم، وأجلّ من أن يصيروا إلى ذلك. والله أعلم.
وأما مروان، وبنو أميّة، فإنما قدّموا لأنهم كانوا في خُطبهم ينالون من عليّ - ﵁ -، ويُسمعون الناس ذلك، فكان الناس إذا صلَّوا معهم انصرفوا عن سماع خُطبهم لذلك، فلمّا رأى مروان ذلك، أو من شاء الله من بني أميّة قدّموا الخطبة ليُسمِعوا الناس من ذلك ما يَكرهون، والصواب تقديم الصلاة على الخطبة، كما تقدّم، وقد حَكَي بعض علمائنا الإجماع. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
(فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": هذا الرجل لا أعرفه (^٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد - ﵁ -، عن إنكار هذا المنكر، حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد، لم يكن حاضرًا أوّلَ ما شَرَع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد، وهما في الكلام.
ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة، بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يَخَفْ ذلك الرجل شيئًا؛ لاعتضاده بظهور عشيرته، أو غير ذلك، أو أنه خاف، وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب. ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار، فبدره الرجل، فعضده أبو سعيد، والله أعلم. ثم إنه جاء في الحديث الآخر، الذي اتفق البخاري ومسلم رحمهما الله على إخراجه، في "باب صلاة العيد" أن أبا سعيد - ﵁ - هو الذي جذب بيد مروان، حين رآه يصعد المنبر، وكانا جاءا معًا، فردّ عليه مروان بمثل ما ردّ هنا على الرجل، فيحتمل أنهما قضيتان: إحداهما لأبي سعيد، والأخرى للرجل، بحضرة أبي سعيد، والله أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٥٧.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وأما قوله: "فقد قضى ما عليه"، ففيه تصريح بالإنكار أيضًا من أبي سعيد. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فقام إليه رجل … إلخ": مقتضى هذا السياق أن المنكر على مروان رجلٌ غير أبي سعيد، وأن أبا سعيد مُصوّبٌ للإنكار، مستدلّ على صحّته، وفي الرواية الأخرى أن أبا سعيد هو المنكر، والمستدلّ، ووجه التوفيق بينهما أن يقال: إن كلّ واحد من الرجل وأبي سعيد أنكر على مروان، فرأى بعض الرواة إنكار الرجل، ورأى بعضهم إنكار أبي سعيد، وقيل: هما واقعتان في وقتين، وفيه بُعْدٌ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استبعده القرطبيّ من حمله على تعدد الواقعة، قد قوّاه الحافظ في "الفتح"، وذكر أيضًا أن يكون الرجل هو أبا مسعود الأنصاريّ - ﵁ -؛ لأنه كان حاضرًا تلك الواقعة، كما بيّنه عبد الرزاق في روايته.
والحاصل أن الحمل على تعدد الواقعة أقرب الاحتمالات، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) الرجل منكرًا على مروان في تغييره السنّة (الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) أي إن السنّة أن تقدّم صلاة العيد على خطبته؛ لأنه - ﷺ - وكان يفعل ذلك، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - ويخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأوّلُ شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مُقَابِلَ الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يَقْطَع بَعْثًا قطعه، أو يأمر بشيء أَمَر به، ثم ينصرف … " الحديث.
(فَقَالَ) أي مروان ردًّا على الرجل (قَدْ تُرِكَ) بالبناء للمفعول (مَا) موصولة أي استقرّ (هُنَالِكَ) في ذلك الزمان من تقديم الصلاة على الخطبة.
[تنبيه]: قوله: "هنالك" ظرف زمان، فإنها وإن كان الغالب أن تُستعمل ظرف مكان، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٢١ - ٢٢.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٣٢.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَبِـ "هُنَا" أَوْ "هَهُنَا" أَشِرْ إِلَى … دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِلَا
فِي الْبُعْدِ أَوْ بِـ "ثَمَّ" فُهْ أَوْ "هَنَّا" … وَبِ "هُنَالِكَ" انْطِقَنْ أَوْ "هِنَا"
إلا أنها تأتي أيضًا للزمان، فقد ذكر ابن مالك في "التسهيل" أن "هناك"، و"هنالك"، و"هَنَّا" بالتشديد قد يشار بها للزمان، نحو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، أي في يوم نحشرهم، وقوله [من الكامل]:
وَإِذَا الأُمُورُ تَشَابَهَتْ … فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ الْمَفْزَعُ
أي في وقت تشابه الأمور، وقوله:
حَنَّتْ نَوَارِ وَلَاتَ هَنَّا حَنَّتِ
أي ولات في ذلك الوقت حنين. انتهى (^١).
(فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ - (أَمَّا) حرف شرط وتوكيد، وتفصيل (هَذَا) أي الرجل المنكر على مروان (فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ) أي الذي وجب القيام به عليه، وهو الإنكار بلسانه، حيث لا يستطيع الإنكار بيده؛ لكون مروان هو الأمير، ثم ذكر أبو سعيد - ﵁ - قوله، فقال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ) شرطيّة، ويحتمل أن تكون موصولةً، دخلت الفاء في خبرها؛ لشبهها بالشرط في العموم، وغيره، كما هو موضّح في محلّه (رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) إذا كان مما يَحتاج في تغييره إلى اليد، مثل كسر أواني الخمر، وآلات اللهو؛ كالمزامير، والأوتار، والطبل، وكمنع الظالم من الضرب، والقتل، وغير ذلك، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ) أي إن لم يستطع تغييره بيده، فليُنكره بلسانه، بأن يقول ما يُرْتجَى نفعه، من لِين، أو إغلاظ، حسبما يكون أنفع، فقد يُبْلَغ بالرفق، والسياسة، ما لا يُبْلَغ بالسيف والرياسة، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) أي فليُغيره بقلبه، ومعناه أن يكره ذلك الفعل بقلبه، ويَعْزِم على أن لو قدر على تغييره لغيّره (وَذَلِكَ) أي الاكتفاء بالكراهة بالقلب (أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) أي أضعف خصال الإيمان.
يعني أن تغيير المنكر بقلبه، وهو إنكاره آخر خصلة من الخصال المتعيّنة على المؤمن في تغيير المنكر، فلم يبق بعدها للمؤمن مرتبة أخرى في تغييره،
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ١/ ٩٣ - ٩٤.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ولذلك قال في الرواية الأخرى: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل" (^١)، أي لم يبق وراء هذه المرتبة رتبة أخرى. أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "أضعف الإيمان": أي أضعف أعمال الإيمان المتعلّقة بإنكار المنكر في ذاته، لا بالنظر إلى غير المستطيع، فإنه بالنظر إليه تمام الوسع والطاقة، وليس عليه غيره. انتهى.
[تنبيه]: قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: فيه سؤالان:
(الأول): ما العامل في المجرورين الأخيرين؟.
(الثاني): قوله: أضعف الإيمان مشكلٌ؛ لأنه يُذمّ فاعله، وأيضًا فقد يعظم إيمان الشخص، وهو لا يستطيع التغيير بيده، فلا يلزم من العجز عن التغيير ضعف الإيمان، لكنه قد جعله أضعف الإيمان، فما الجواب؟.
قال: الجواب عن الأول أنه لا يجوز أن يكون العامل "يُغَيِّرْه" المنطوق به؛ لأنه لو كان كذلك، لكان المعنى: فليغيّره بلسانه، وقلبه، لكن التغيير لا يتأتّى باللسان، ولا بالقلب، فيتعيّن أن يكون العامل فليُنكره بلسانه، وليكرهه بقلبه، فيثبت لكلّ واحد من الأعضاء ما يناسبه.
وعن الثاني: أن المراد بالإيمان هنا الإيمان المجازيّ (^٣) الذي هو الأعمال، ولا شكّ أن التقرّب بالكراهة، ليس كالتقرّب بالذي ذكره قبله، ولم يُذكر ذلك للذمّ، وذُكر ليعلَم المكلّف حَقَارة ما حصل في هذا القسم، فيرتقي إلى غيره. انتهى كلام ابن عبد السلام. نقله السيوطيّ في شرح النسائيّ (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.
_________________
(١) هو في حديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي بعد هذا.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٣٤.
(٣) التعبير بالإيمان المجازيّ فيه نظر لا يخفى، فتبصّر.
(٤) راجع: "زَهْر الرُّبَى في شرح المجتبى" ٨/ ١١٢ - ١١٣.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٢/ ١٨٥ و١٨٦] (٤٩) بهذه الأسانيد فقط.
و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٤٠) و"الملاحم" (٤٣٤٠)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢١٧٢)، و(النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١١١)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (١٢٧٥) و"الفتن " (٤٠١٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٩٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠ و٣/ ٥٢)، و(أبو نُعيم) في "المسند المستخرج" (١٧٥ و١٧٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون تغيير المنكر من الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان أن الإيمان يزيد وينقص، ووجه الاستدلال به أنه - ﷺ - جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، فهو يدلّ على ما قبله، وهو الإنكار بالقول، قويّ الإيمان، والذي قبله، وهو الإنكار باليد أقوى منه، وهذا هو التفاوت.
٣ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: "فليغيّره" أمر، وهو للوجوب، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ودعائم الإسلام، بالكتاب، والسنّة، وإجماع الأمة، ولا يُعتدّ بخلاف الرافضة في ذلك؛ لأنهم إما مكفَّرون، وإما مبدَّعون، فلا يُعتدّ بخلافهم؛ لظهور فسقهم. قاله القرطبيّ.
٤ - (ومنها): أن وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الكفاية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فقد عبّر بـ "من" التبعيضيّة، إشارة إلى أنه واجب كفائيّ، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن شرط وجوبه أمران:
(أحدهما): العلم بكون ذلك الفعل معروفًا، أو منكرًا؛ لأن ذلك لا يتأتّى للجاهل.
(والثاني): القدرة عليه؛ لأنه قال: "فإن لم يستطع … إلخ"، فدلّ على
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أن غير المستطيع لا يجب عليه، وإنما عليه أن ينكر بقلبه. والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأوّلها الإنكار باليد، والثاني الإنكار باللسان، والثالث، وهو الأخير الإنكار بالقلب.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من خاف على نفسه القتل، أو الضرب سقط عنه تغيير المنكر، وهو مذهب المحقّقين سلفًا وخلفًا، وذهبت طائفة من الغُلاة إلى أنه لا يسقط، وإن خاف ذلك (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تكلّم النوويّ رحمه الله تعالى على هذا الحديث في "شرحه" بكلام نفيسٍ، ملخّص مما قاله المحقّقون، أحببت إيراده هنا، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن ذكره مجموعًا في موضع واحد أعون على استيعابه، وأسرع لاستحضاره:
قال رحمه الله تعالى: وأما قوله - ﷺ -: "فليغيره": فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تَطَابق على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يُعتَدّ بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي، إمام الحرمين: لا يُكتَرث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء.
ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة، وأما قول الله ﷿: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٥]، فليس مخالفًا لما ذكرناه؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كُلّفتم به، فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان كذلك، فمما كُلِّف به الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطَب، فلا عَتْبَ بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي، لا القبول، والله أعلم.
_________________
(١) راجع: "المفهم" ١/ ٢٣٤.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
ثم إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس، سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه، بلا عذر، ولا خوف.
ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يَعْلَم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يَرَى زوجته، أو ولده، أو غلامه على منكر، أو تقصير في المعروف.
قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي، لا القبول، وكما قال الله ﷿: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨]، ومَثَّل العلماء هذا بمن يرى إنسانًا في الحمام، أو غيره، مكشوف بعض العورة، ونحو ذلك، والله أعلم.
قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كاملَ الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كان مُخِلًّا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخلّ بأحدهما، كيف يباح له الإخلال بالآخر؟.
قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير ولاية، والله أعلم.
ثم إنه إنما يأمر وينهى، من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة، كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر، ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم
[ ٢ / ٢٠٦ ]
يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين (^١)، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنّة، أو وقوع في خلاف آخر.
وذكر أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصري الشافعيّ في كتابه "الأحكام السلطانية" خلافًا بين العلماء في أن من قلّده السلطان الْحِسْبة، هل له أن يَحمِل الناس على مذهبه، فيما اختَلَف فيه الفقهاء، إذا كان المحتسِب من أهل الاجتهاد، أم لا يغيّر ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع، بين الصحابة والتابعين، فمن بعدهم ﵃ أجمعين، ولا ينكر محتسِب، ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه، إذا لم يخالف نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًّا والله أعلم.
(واعلم): أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ضُيّع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان، إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر ومِلاكه، وإذا كثر الخبث عَمّ العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم، أوشك أن يعمّهم الله تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
فينبغي لطالب الآخرة، والساعي في تحصيل رضا الله ﷿، أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويُخلِص نيته، ولا
_________________
(١) بل المحققون على أن هذه المسألة فيها تفصيل، وقد حققته في "التحفة المرضيّة"، وشرحها "المنحة الرضيّة" في الأصول، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
يهابَنّ من ينكر عليه؛ لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
(واعلم): أن الأجر على قدر النَّصَب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودّته، ومداهنته، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته، توجب له حرمة وحقًّا، ومن حقه أن ينصحه، ويَهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارّها، وصديق الإنسان ومحبه، هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدّى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدُوُّه من يسعى في ذهاب، أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما كان إبليسَ عدوًا لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين؛ لسعيهم في مصالح آخرتهم، وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم توفيقنا، وأحبابنا، وسائر المسلمين لمرضاته، وأن يعمّنا بجوده ورحمته، والله أعلم.
وينبغي للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، أن يَرفُقَ، ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
ومما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب: ما إذا رأى إنسانًا يبيع متاعًا معيبًا، أو نحوه، فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعَرِّفون المشتري بعيبه، وهذا خطأ ظاهر، وقد نصّ العلماء على أنه يجب على من عَلِم ذلك، أن ينكر على البائع، وأن يُعلم المشتري به، والله أعلم. وأما صفة النهي، ومراتبه، فقد قال النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح: "فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه"، فقوله - ﷺ -: "فبقلبه" معناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة، وتغيير منه للمنكر، ولكنه هو الذي في وسعه، وقوله - ﷺ -: "وذلك أضعف الإيمان"، معناه - والله أعلم - أقله ثمرة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصلٌ في صفة التغيير، فَحَقُّ المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولًا كان أو فعلًا،
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فيكسر آلات الباطل، ويُريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، ويَنزع الغُصوب، ويَرُدُّها إلى أصحابها بنفسه، أو يأمر بذلك إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم الْمَخُوف شرّه؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل؛ لهذا المعنى، ويُغلظ على المتمادي في غيه، والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثّر إغلاظُهُ منكرًا أشدَّ مما غَيَّرَهُ؛ لكون جانبه محميًا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده، يسبب منكرًا أشد منه، من قتله، أو قتل غيره، بسببه، كَفَّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك، غَيَّر بقلبه، وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث - إن شاء الله تعالى - وإن وَجَد من يستعين به على ذلك، استعان ما لم يؤدّ ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، ولْيَرْفع ذلك إلى من له الأمر، إن كان الْمُنْكَر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه، هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتل ونِيل منه كل أَذًى، هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى.
قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: ويسوغ لآحاد الرعية، أن يَصُدّ مرتكب الكبيرة، إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال، وشَهْر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك، ربط الأمر بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت، وظهر ظلمه وغشمه، ولم ينزجر حين زُجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحلّ والعقد التواطؤ على خلعه، ولو بشهر الأسلحة، ونصب الحروب، هذا كلام إمام الحرمين، وهذا الذي ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يُخَف منه إثارة مفسدة أعظم منه.
قال: وليس للآمر بالمعروف البحث، والتنقير، والتجسس، واقتحام الدُّور بالظنون، بل إن عَثَرَ على منكر غَيّره جهده، هذا كلام إمام الحرمين.
وقال أقضى القضاة الماورديّ: ليس للمحتسِب أن يبحث عما لم يَظْهَر من المحرَّمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها؛ لأمَارَة، وآثار ظهرت، فذلك ضربان:
[أحدهما]: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن
[ ٢ / ٢٠٩ ]
يُخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسَّس، ويُقدِم على الكشف، والبحث حَذَرًا من فوات ما لا يُستدْرَكُ، وكذا لو عَرَف ذلك غير المحتسِب من المتطوعة، جاز لهم الإقدام على الكشف، والإنكار.
[الضرب الثاني]: ما قَصُر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سَمِع أصوات الملاهي المنكرة من دار، أنكرها خارج الدار، لم يَهُجم عليها بالدخول، لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن.
وقد ذكر الماوردي في آخر "الأحكام السلطانية" بابًا حسنًا في الحسبة، مشتملًا على جُمَل من قواعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقد أشرنا هنا إلى مقاصده، وبسطت الكلام في هذا الباب؛ لعظم فائدته، وكثرة الحاجة إليه، وكونه من أعظم قواعد الإسلام، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، ولنفاسته نقلته برمّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقد شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى هذا الحديث شرحًا واسعًا استوعب فيه فوائد جمّة، وقواعد مهمّة، وإن كان كثير منها سبق في كلام النوويّ، والقرطبيّ، وغيرهما، إلا أن تحقيقات ابن رجب رحمه الله تعالى مما لا يخفى على اللبيب حسنها، وغزارتها، ولذلك أحببت إيرادها هنا؛ لأن الكتاب موضوع لاستيفاء ما يمكن إدخاله في شرح أحاديث الكتاب، إذ أصل وضعه لذلك؛ لأن "صحيح مسلم" قد سبق له شروح كثيرة، إلا أنه لم يقع له شرح جامع يحتوي على فوائده الإسناديّة، والمتنيّة، فقمت بقدر طاقتي لسدّ هذا الباب - بعون الله تعالى، وحسن توفيقه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ -.
قال رحمه الله تعالى في كتابه "جامع العلوم والحكم" (١/ ٣١٩):
هذا الحديث خرّجه مسلم، من رواية قيس بن مسلم، عن طارق بن
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" ٢/ ٢١ - ٢٦.
[ ٢ / ٢١٠ ]
شهاب، عن أبي سعيد - ﵁ -، ومن رواية إسماعيل بن رَجَاء، عن أبيه، عن أبي سعيد - ﵁ -.
قال: وقد رُوِي معناه من وجه آخر، فخرّجه مسلم، من حديث ابن مسعود - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب " الحديث.
ورَوَى سالم المرادي، عن عمرو بن هَرِم، عن جابر بن زيد، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاءٌ شديدٌ من سلطانهم، لا ينجو منه إلا رجلٌ عَرَف دين الله، فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله، فصدّق به وللأوّل عليه سابقةٌ، ورجلٌ عرف دين الله، فسكت عليه، فإن رأى من يعمل بخير أحبه عليه، وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه"، وهذا غريب، وإسناده منقطع.
وخرّج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جدًّا، عن مولى لعمر، عن عمر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "توشك هذه الأمة أن تهلك إلا ثلاثة نفر: رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه، فإن جَبُن بيده فبلسانه وقلبه، فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه".
وخرّج أيضًا من رواية الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، عن عليّ - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: "سيكون بعدي فِتَنٌ لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه"، قلت: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: "ينكرونه بقلوبهم"، قلت: يا رسول الله، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئًا؟ قال: "لا، إلا كما ينقص القطر من الصَّفَا"، وهذا الإسناد منقطع.
وخرّج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بإسناد ضعيف. فدَلَّت هذه الأحاديث كلُّها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم يُنكر قلبه المنكر دلّ على ذهاب الإيمان من قلبه.
وقد رُوِي عن أبي جحيفة - ﵁ - قال: قال علي - ﵁ -: "إن أول ما تُغلبون عليه من الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم
[ ٢ / ٢١١ ]
يَعْرِف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر نُكِسَ، فجعل أعلاه أسفله".
وسَمِعَ ابن مسعود - ﵁ - رجلًا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فقال ابن مسعود: هَلَكَ من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر.
يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك.
وأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة، وقال ابن مسعود - ﵁ -: يوشك من عاش منكم أن يَرَى منكرًا لا يستطيع له، غير أن يَعْلَمَ الله من قلبه أنه له كاره.
وفي "سنن أبي داود" عن الْعُرْس بن عَمِيرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض، كان من شَهِدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها" (^١).
فمن شَهِد الخطيئة فكرهها في قلبه، كان كمن لم يشهدها، إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها؛ لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال.
وخزَج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال "مَن حَضَر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها فأحبها، فكأنه حضرها" (^٢)، وهذا مثل الذي قبله.
فتَبَيَّن بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم، في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان، فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، فلا يُغَيِّروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه"، أخرجه أبو داود بهذا
_________________
(١) حديث حسن رواه أبو داود (٤٣٤٥).
(٢) رواه البيهقيّ ٧/ ٢٦٦، وابن عديّ في "الكامل" ٧/ ٢٦٨٦، وفيه يحيى بن أبي سليمان، وهو ليّن الحديث، لكن يشهد له حديث العُرْس - ﵁ - المذكور قبله.
[ ٢ / ٢١٢ ]
اللفظ، وقال: قال شعبة فيه: "ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أكثر ممن يعمله" (^١).
وخرّج أيضًا من حديث جرير - ﵁ - سمعت النبي - ﷺ - يقول: "ما من رجل يكون في قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا"، وخرّجه الإمام أحمد، ولفظه: "ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ، وأكثر ممن يعمله، فلم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب" (^٢).
وخرّج أيضًا من حديث عَدِيّ بن عَمِيرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عَذّب الله العامة والخاصة" (^٣).
وخرّج أيضًا هو وابنُ ماجه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تُنْكِره؟ فإذا لَقَّنَ الله عبدًا حجته قال: يا رب رَجَوتك، وفَرِقْتُ من الناس" (^٤).
فأما ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد - ﵁ - أيضًا، عن النبي - ﷺ - أنه قال في خطبته: "ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه"، وبَكَى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا، وخرّجه الإمام أحمد، وزاد فيه: "فإنه لا يُقَرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يُقال بحق، أو يذكّر بعظيم" (^٥).
_________________
(١) صححه ابن حبان (٣٠٤ و٣٠٥).
(٢) صححه ابن حبّان أيضًا (٣٠٠ و٣٠٢).
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٩٢ وفي إسناده رجل مجهول، وحسّنه الحافظ في "الفتح" ١٣/ ٤، وله شاهد من حديث العُرْس بن عميرة - ﵁ -، ورواه الطبرانيّ في "الكبير" ١٧/ ٣٤٣. قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٢٦٨: رجاله ثقات.
(٤) صححه ابن حبان (٧٣٦٨).
(٥) رواه أحمد ٣/ ٢٩، وابن ماجه (٤٠١٧)، وصححه ابن حبان (٧٣٦٨).
[ ٢ / ٢١٣ ]
وكذلك خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا يَحْقِرْ أحدكم نفسه"، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له: ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشيتُ الناس، فيقول الله: إياي كنت أحقَّ أن تخشى" (^١).
فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة، دون الخوف المسقط للإنكار.
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف، وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خِفْتَ أن يقتلك فلا، ثم عُدت، فقال لي مثل ذلك، ثم عُدت، فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بُدّ فاعلًا ففيما بينك وبينه.
وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان، فأمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذلك الذي تريد، فكن حينئذ رجلًا. وقد ذكرنا حديث ابن مسعود - ﵁ - الذي فيه: "يَخْلُف من بعدهم خُلُوف، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن … " (^٢) الحديث، وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد.
وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أَمَرَ رسول الله - ﷺ - فيها بالصبر على جور الأئمة.
وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نَصّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد، أن يزيل بيده ما فَعَلُوه من المنكرات، مثل أن يُريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يُبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان له قدرة على ذلك، وكلُّ ذلك جائز، وليس هو من
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٣٠ و٤٧ و٧٣، وابن ماجه (٤٠٠٨)، وفي سنده انقطاع، أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد، وأخرجه في ٣/ ٩١ من طريق أبي البختري، عن رجل، عن أبي سعيد.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه"، وهو الآتي بعد حديث أبي سعيد - ﵁ - هذا.
[ ٢ / ٢١٤ ]
باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم، الذي وَرَدَ النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشَى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف، فيُخْشَى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين.
نعم إن خَشِيَ في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم يَنْبَغِ له التعرض لهم حينئذ؛ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا متى خاف على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى سَقَطَ أمرهم ونهيهم.
وقد نَصَّ الأئمة على ذلك، منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، قال أحمد: لا يتعرض إلى السلطان، فإن سيفه مسلول، وقال ابنُ شُبْرُمة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كالجهاد يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرُم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك.
فإن خاف السَّبَّ، أو سماع الكلام السيئ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك، نَصَّ عليه الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى، وقَوِيَ عليه، فهو أفضل، نَصَّ عليه أحمد أيضًا، وقيل له: أليس قد جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" (^١)، أي يُعَرِّضها من البلاء ما لا طاقة له به؟ قال: ليس هذا من ذلك.
ويَدُلّ على ما قاله ما خرّجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ من حديث أبي سعيد - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٣٥٠٧) بلفظ: "لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه"، قيل: يا رسول الله، وكيف يذلّ نفسه؟ قال: "أن يتعرّض من البلاء لما لا يُطيق"، قال الهيثميّ: سنده جيّد. انتهى، وله شاهد من حديث حذيفة - ﵁ - عند أحمد ٥/ ٤٠٥، والترمذيّ (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦)، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو وإن كان ضعيف الحفظ، إلا أنه لا بأس به في الشواهد.
(٢) حديث صحيح.
[ ٢ / ٢١٥ ]
وخرّج ابن ماجه معناه، من حديث أبي أمامة - ﵁ - (^١).
وفي "مسند البزار" بإسناد فيه جهالة، عن أبي عُبيدة بن الجرّاح - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الشهداء أكرم على الله؟ قال: "رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر، فقتله"، وقد رُوِي معناه من وجوه أخرى كلها فيها ضعف.
وأما حديث: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه"، فإنما يَدُلّ على أنه إذا عَلِمَ أنه لا يطيق الأذى، ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للأمراء، وهذا حقّ، وإنما الكلام فيمن عَلِمَ من نفسه الصبر لذلك. قاله الأئمة، كسفيان، وأحمد، والفضيل بن عياض، وغيرهم.
وقد رُوِي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي داود: نحن نرجو إن أنكر بقلبه، فقد سَلِم، وإن أنكر بيده فهو أفضل.
وهذا محمول على أنه يَخاف، كما صَرَّح بذلك في رواية غير واحد.
وقد حَكَى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يَعْلَم أنه لا يَقْبَل منه، وصحَّحَ القول بوجوبه، وهذا قولُ أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرةً، وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
وقد وَرَدَ ما يُسْتَدَلُّ به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي سنن أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي ثعلبة الخشني - ﵁ - أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله - ﷺ -، فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتَناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعًا، وهَوً ئ متبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام" (^٢).
_________________
(١) سنده حسن.
(٢) صححه ابن حبان (٣٨٥)، ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعده.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وفي "سنن أبي داود" (^١)، عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن جلوس حول رسول الله - ﷺ - إذ ذكر الفتنة، فقال: "إذا رأيتم الناس مَرَجَت عهودهم، وخَفَّت أماناتهم، وكانوا هكذا"، وشبّك أصابعه، فقمت إليه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ فقال: "الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخُذْ بما تَعْرِف، ودَعْ ما تُنْكِرُ، وعليك بأمر خاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة".
وكذلك رُوِي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قالوا: لم يأت تأويلها بعدُ، إنما تأويلها في آخر الزمان.
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: إذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِستُم شِيَعًا، وذاق بعضُكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية.
وعن ابن عمر قال: هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يُقْبَل منهم، وقال جُبير بن نفير، عن جماعة من الصحابة قالوا: إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهَوىً مُتَّبَعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرُّك من ضلّ إذا اهتديت.
وعن مكحول قال: لم يأت تأويلها بعدُ، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرُّك من ضل إذا اهتديت.
وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا لها من ثقةٍ ما أوثقها! ومن سعة ما أوسعها!.
وهذا كُلُّهُ قد يُحْمَلُ على أن مَن عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر سقط عنه، وكلام ابن عمر يدُلُّ على أن من عَلِم أنه لا يُقْبَل منه لم يجب عليه، كما حُكِيَ روايةً عن أحمد، وكذا قال الأوزاعي: مُرْ مَن تَرَى أن يقبل منك.
_________________
(١) رقم (٤٣٤٢)، ورواه أحمد ٢/ ١٦٢، وحسّن إسناده الحافظان: المنذريّ، والعراقيّ، وصححه الحاكم ٤/ ٤٣٥ و٥٢٥، ووافقه الذهبيّ.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وقوله - ﷺ - في الذي ينكر بقلبه: "وذلك أضعف الإيمان" يدُلّ على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من خصال الإيمان، ويدُلُّ على أن مَن قَدَر على خصلة من خصال الإيمان، وفَعَلَها، كان أفضل ممن تركها عجزًا.
ويدل على ذلك أيضًا قوله - ﷺ - في حقّ النساء: "أما نقصان دينها؛ فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي"، يشير إلى أيام الحيض، مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدل على أن مَن قَدَر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه، والله تعالى أعلم.
وقوله - ﷺ -: "من رأى منكم منكرًا" يَدُلّ على أن الإنكار متعلق بالرؤية، فإن كان مستورًا فلم يره، ولكن عَلِمَ به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يَتَعَرَّض له، وأنه لا يُفتِّش عما استراب به، وعنه رواية أخرى أنه يَكْشِف الْمُغَطَّى إذا تحقّقه، ولو سَمِعَ صوت غِنَاءٍ محرّم، أو آلات الملاهي، وعَلِمَ المكان الذي هي فيه، فإنه ينكرها؛ لأنه قد تحقّق المنكر، وعَلِمَ موضعه، فهو كما رآه. نَصّ عليه أحمد، وقال: أمّا إذا لم يعلم مكانه، فلا شيء.
وأما تَسَوُّر الجدران على مَن عَلِم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره مثلُ سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهيّ عنه، وقد قيل لابن مسعود: إن فلانًا تَقْطُرُ لحيته خمرًا؟ فقال: نهانا الله عن التجسس.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب "الأحكام السلطانية": إن كان في المنكر الذي غَلَب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاكُ حرمةٍ يفوت استدراكها كالزنا والقتل، فله التجسس، والإقدام على الكشف والبحث، حَذَرًا من فوات ما لا يُستَدْرَك من انتهاك المحارم، وإن كان دون ذلك في الرتبة، لم يجز التجسس عليه، ولا الكشف عنه.
والمنكر الذي يجب إنكاره، ما كان مُجْمَعًا عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا مَن قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا، أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا، واستثنى القاضي في "الأحكام السلطانية" ما ضَعُفَ فيه الخلاف، وإن كان ذَرِيعةً إلى محظور متفَقٍ عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو
[ ٢ / ٢١٨ ]
ذريعة إلى ربا النَّساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا، وذُكر عن إسحاق بن شاقلا أنّه ذَكَر أن المتعة هي الزنا صراحًا.
وعن ابن بطة قال: لا يُفسَخ نكاحٌ حَكَم به قاض، إن كان قد تأوَّل فيه تأويلًا، إلا أن يكون قَضَى لرجل بعقد متعة، أو طَلَّقَ ثلاثًا في لفظ واحد، وحَكَم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال.
والمنصوصُ عن أحمد الإنكار على الملاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على مَن لَعِب بها بغير اجتهاد، أو تقليدٍ سائغ، وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يُحَدُّ شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحدّ أبلغ مراتب الإنكار، مع أنه لا يَفسُقُ عنده بذلك، فَدَلَّ على أنه يُنْكَرُ كل مختلف فيه ضَعُفَ الخلاف فيه؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يَخرُج فاعلُهُ المتأوِّل من العدالة بذلك، والله تعالى أعلم.
وكذلك نَصَّ أحمد على الإنكار على من لا يُتِمُّ صلاته، ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك.
(واعلم): أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تارةً يَحْمِل عليه رجاءُ ثوابه، وتارةً خوفُ العقاب في تركه، وتارةً الغضبُ لله على انتهاك محارمه، وتارةً النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاءُ إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه، من التعرُّض لعقوبة الله وغضبه، في الدنيا والآخرة، وتارةً يَحمل عليه إجلالُ الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهلٌ أن يُطاع فلا يُعْصَى، ويُذْكَر فلا يُنسَى، ويُشْكَر فلا يُكفَر، وأنه يُفْتَدَى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف (^١): وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِض بالمقاريض، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه: وَدِدتُ أني غَلَت بي وبك القدور في الله ﷿.
ومن لَحَظَ هذا المقام، والذي قبله، وإن عليه كلُّ ما يَلْقَى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي - ﷺ - لَمّا ضربه قومه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، متّفق عليه.
_________________
(١) هو زهير بن عبد الرحمن البابي، كما في "الحلية" ١٠/ ١٥٠.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وبكل حال يَتَعَيّن الرفق في الإنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، إلا مَن كان فيه ثلاث خصال: رفيقٌ بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدلٌ بما يأمر، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمر، عالمٌ بما ينهى.
وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مُداراة، ورِفْقِ الأمر بالمعروف بلا غِلْظَة، إلا رجلٌ مُعْلِنٌ بالفسق، فلا حرمة له، قال: وكان أصحاب ابن مسعود - ﵁ - إذا مَرُّوا بقوم يرون منهم ما يكرهون، يقولون: مَهْلًا رحمكم الله، مَهلًا رحمكم الله.
وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يَكْرَه لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بطوله، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦] (… (-) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، فِي قِصَّةِ مَرْوَانَ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور قبل حديثين.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ) بن ربيعة الزبيديّ - بضم الزاي - أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ، تَكَلّم فيه الأزديّ بلا حجة [٥].
[ ٢ / ٢٢٠ ]
رَوَى عن أبيه، وأوس بن ضمْعَج، وعبد الله بن أبي الْهُذيل، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو من أقرانه، وشعبة، والمسعوديّ، وفِطْر بن خليفة، وإدريس بن يزيد الأوديّ، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن فُضيل، عن الأعمش: كان يَجمع صبيان المكاتب، ويُحَدِّثهم لكي لا ينسى حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحَكَى هذا الذي قاله ابن فضيل، وقال اللالكائيّ: رأى المغيرة بن شعبة، قال الحافظ: كذا قرأته بخط مغلطاي، وقرأت بخط الذهبي: قال الأزديّ وحده: منكر الحديث.
أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٦٧٣) (^١): "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … "، وأعاده بعده، وحديث (٢٣٨٣): "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر … ".
٥ - (أَبُوهُ) رجاء بن ربيعة الزُّبيديّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن عليّ، وأبي سعيد الخدريّ، وابن عمر، والحسن بن عليّ، والبراء بن عازب، وزهير بن حِزَام.
وروى عنه ابنه إسماعيل، ويحيى بن هانئ بن عروة المراديّ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر ابن خلفون أن أحمد بن صالح - يعني العجلي - وغيره وثقوه.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ في "خصائص علي - ﵁ -"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب، وكذا عند أبي داود، وابن ماجه هذا الحديث فقط، وأخرج له المصنّف هنا متابعة.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وعن قيس بن مسلم إلخ) معطوف على "عن إسماعيل"، ومعناه أن الأعمش رواه عن إسماعيل، عن أبيه، وعن قيس بن مسلم، عن طارق، كلّ من والد إسماعيل وطارق يرويانه عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -.
وقوله: (في قصّة مروان، وحديثِ أبي سعيد إلخ) متعلّق بـ "حدّثنا"، و"في"
_________________
(١) رقم محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢ / ٢٢١ ]
بمعنى الباء، يعني أن رواية الأعمش بالطريقين المذكورين مشتملة على قصة مروان، وعلى حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - المرفوع، ولم تقتصر على أحدهما، كما اشتملت عليهما رواية شعبة، وسفيان المتقدّمة.
[تنبيه]: رواية الأعمش بالطريقين ساقها الإمامان أبو داود وابن ماجه في "سننهما" بإسناد المصنّف، فقال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى (١/ ٢٩٦):
(١١٤٠) حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري (ح) وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري، قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل، فقال: يا مروان، خالفت السنة، أخرجت المنبر في يوم عيد، ولم يكن يُخْرَج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد الخدريّ: مَن هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من رأى منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". انتهى.
وقال الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى (١/ ٤٠٦):
(١٢٧٥) حدثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد، قال: أخرج مروان المنبر يوم العيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل، فقال: يا مروان خالفت السنة، أخرجت المنبر يوم عيد، ولم يكن يُخرج به، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، ولم يكن يُبدأ بها، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من رأى منكرًا، فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٧] (٥٠) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْر، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
[ ٢ / ٢٢٢ ]
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَن الْحَارِث، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَر، عَنْ أَبي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ، بَعَثَهُ اللهُ فِي أَمَّةٍ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَاْخُذُونَ بِسُنَّتِه، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِه، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ".
قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَنَزَلَ بِقَنَاةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَألتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيث، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر هاشم بن القاسم البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، واسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسِّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبه، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد
[ ٢ / ٢٢٣ ]
عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٧ - (الْحَارِثُ) بن فُضيل الأنصاريّ الْخَطْميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن محمود بن لبيد، وجعفر بن عبد الله بن الحكم، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي قُرَاد، وغيرهم.
وروى عنه صالح بن كيسان، وعُمَير بن يزيد، أبو جعفر الخطمي، والدَّراوَرْديّ، وفُلَيح بن سليمان، وابن إسحاق، وابن عجلان، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقة، وكذا قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين، وقال مهنأ عن أحمد: ليس بمحفوظ الحديث، وقال أبو داود، عن أحمد: ليس بمحمود الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم) بن رافع بن سنان الأنصاريّ، والد عبد الحميد، وقيل: إن رافع بن سِنَان جدُّه لأمه، ثقة [٣].
رَوَى عنه، وعن عمه عمر بن الحكم، وأنس، ومحمود بن لَبِيد، وعقبة بن عامر، وعِلْباء السُّلَميّ، وله صحبة، وعبد الرحمن بن المسور بن مِخْرَمة، وعِدَّة.
وروى عنه ابنه، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وغيرهم.
قال البخاري في "التاريخ": رأى أنسًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: رَوَى عن أنس، إن كان حَفِظَه أبو بكر الحنفيّ، وقال: ثقةٌ، وجزم ابن يونس أن رافع بن سِنَان جده لأمه.
وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٥٣٣): "من بنى لله مسجدًا … "، وكرره مرتين، و(١٩٨٢): "لقد أنزل الله الآية … "، و(٢٠١٤): "غَطُّوا الإناء، وأَوْكُوا السقاء … "، و(٢٦٧٣): "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا … " و(٢٨٩٥): "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب … ".
٩ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ) بن مَخْرَمة بن نَوْفل بن أهيب بن
[ ٢ / ٢٢٤ ]
عبد مناف بن زُهْرة الزهريّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، ثقة (^١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وسعد بن أبي وقاص، وأبي رافع مَوْلى النبي - ﷺ -، وعنه ابنه جعفر، والزهريّ، وجعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ، وحبيب بن أبي ثابت، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: أمه أمةُ الله بنت شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفي بالمدينة سنة تسعين، وكان قليل الحديث، وكذا أَرَّخه غير واحد، رَوَى له المصنّف هذا الحديث فقط.
١٠ - (أَبُو رَافِعٍ) الْقِبْطيّ، مولى النبيّ - ﷺ -، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، يقال: إنه كان للعباس، فوهبه للنبي - ﷺ -، وأعتقه لَمّا بَشَّره باسلام العباس، وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أُحُدًا وما بعدها.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن ابن مسعود، وعنه أولاده: الحسن، ورافع، وعبيد الله، والمعتمر، ويقال: المغيرة، وسَلْمَى، وأحفاده: الحسن، وصالح، وعبيد الله، أولاد عليّ بن أبي رافع، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبو غَطَفَان بن طَرِيف الْمُرِّيّ، وعَمْرو بن الشَّرِيد بن سُوَيد الثقفيّ، وحُصين والد داود، وسعيد بن أبي سعيد، مولى ابن حَزْم، وشُرَحبيل بن سعد، وغيرهم.
قال الواقديّ: مات بالمدينة بعد قتل عثمان، وقيل: مات في خلافة عليّ، وهو قول ابن حبان، ويقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: يسار، وقيل: صالح، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قُزمان، وقيل: يزيد، وقيل: ثابت، وقيل: هُرمز، وقال ابن عبد البرّ: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم، وقال يحيى بن معين: اسمه إبراهيم، وقال مصعب الزبيريّ:
_________________
(١) قال عنه في "التقريب": مقبول، وعندي أنه ثقة؛ لأنه تابعيّ، روى عنه جماعة من الثقات، ووثقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ في "الكاشف" ٢/ ١٨٥: ثقة. انتهى. وأخرج له المصنّف هنا في الأصول، فتوثيق مثله ظاهرٌ، وتعفب الدكتور بشار عواد على الحافظ في مقبول، وقال: صدوق، حسن الحديث، انظر ما كتبه في: "تحرير التقريب" ٢/ ٣٤٨.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
اسمه إبراهيم، ولقبه بُريه، وهو تصغير إبراهيم، ونقل ابن شاهين عن أبي داود أنه كان اسمه قُزمان، فسُمّي بعده إبراهيم، وقيل: أسلم (^١).
وقال مصعب الزبيريّ: كان أبو رافع عبدًا لأبي أُحَيحة سعيد بن العاص، فأعتق بنوه نصيبهم، منهم خالد بن سعيد، فوهب نصيبه لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه، فكان أبو رافع يقول: أنا مولى رسول الله - ﷺ -، فلما وَليَ عمرو بن سعيد بن العاص المدينة ضَرَب ابنَ أبي رافع ليقول له: إني مولاكم، فأبى إلا أن يقول: أنا مولى رسول الله - ﷺ - حتى ضربه خمسمائة سوط، حتى قال له: أنا مولاكم.
هكذا أورد بعضهم هذا في ترجمة أبي رافع هذا، فتعقبه الحافظ، فقال: هذا غلطٌ بيّن؛ لأن أبا رافع القبطيّ كان للعباس بن عبد المطلب، وليس لأبي أُحيحة. فانظر "الإصابة" ٧/ ١١٤، والله تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، و(٣٥٧): "أشوي لرسول الله - ﷺ - … " و(١٣١٣): "لم يأمرني رسول الله - ﷺ - … " و(١٦٠٠): "أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء … ".
١١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من تساعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو من أنزل أسانيده، كما سبق في "شرح المقدّمة".
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخ المصنّف الثلاثة، فالأولان بغداديان، والثالث كسّيّ، منسوب إلى كِسّ، بكسر، فتشديد سين مهملة، مدينة بما وراء النهر (^٢).
٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الحارث، عن جعفر، عن عبد الرحمن.
_________________
(١) "الإصابة" ٧/ ١١٣.
(٢) "لب اللباب" ٢/ ٢٠٨.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ صحابيّ عن صحابيّ: أبي رافع، عن ابن مسعود - ﵄ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) الْقِبْطيّ، مولى النبيّ - ﷺ - ﵁ - (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي ما من رسول من الرسل المتقدّمة، ويعني بذلك غالب الرسل، لا كلّهم، بدليل قوله - ﷺ - في الحديث الآخر الذي أخبر فيه عن مجيء الأنبياء في أممهم يوم القيامة، فإنه قال فيه: "يأتي النبيّ، ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبيّ، وليس معه أحد … " الحديث (^١)، فهذا العموم، وإن كان مؤكّدًا من بعد النفي، فهو مُخَصَّص بما ذكرناه. انتهى (^٢) (بَعَثَهُ اللهُ فِي أَمَّةٍ) هكذا في رواية مسلم، ووقع في نسخ "المصابيح" بلفظ "في أمته" بالإضافة، وكذا هو في "مسند أبي عوانة" (١٠٠). قال التوربشتيّ: هذا الحرف أعني "في أمة" وجدناه في نسخ "المصابيح" "في أمته" بزيادة الهاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب والأمثل في فصيح الكلام، وقال المظهر: الرواية بالهاء أصحّ، وتعقّبه الطيبيّ، فقال: إن قوله: "نبيّ" نكرة، والمناسب أن يؤتى "أمّة" نكرة؛ إذ المعنى: ما من نبيّ من الأنبياء في أمة من الأمم؛ لاقتضاء "ما" النافية، و"من" الاستغراقيّة ذلك، ولأن قوله: "إن له من أمته" عبارة عن النكرة، فهو كالتعريف باللام بعد النكرة. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا فرق بين الوجهين: إثبات الهاء وعدمه، فالكلّ صحيح إن صحّت الرواية بهما، وإلا فما صحت الرواية به متعيّنٌ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَبْلِي) متعلّق بصفة لـ"أمّة" (إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ) جمع حَوَاريّ، وهم خُلْصَانُ (^٤) الأنبياءِ الذين أَخْلَصُوا في حُبّ أنبيائهم، وأُخْلِصُوا
_________________
(١) أخرجه الشيخان.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٣٥.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٢٤.
(٤) في "اللسان" ٧/ ٢٨: استخلص الرجلَ: إذا اختصّه لدُخْلُلة، وهو خالصتي، =
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ونُقُّوا من كلِّ عيب، وحُوَّارَى الدقيق: هو الدقيق الذي نُخِلَ مرّةً بعد مرّة (^١)، قاله الأزهريّ، وقال ابن الأنباريّ: هم المختصّون الْمُفَضَّلون، وسُمِّي خُبْز الْحُوَّارَى؛ لأنه أشرف الخبز، وقيل: هم الناصرون للأنبياء، كما قال - ﷺ -: "لكلّ نبيّ حواريّ، وحواريي الزبير"، متّفقٌ عليه، وقيل في حَوَاريّ عيسى ﵇ خمسة أقوال: هم البيض الثياب، وقيل: الْمُبيِّضُون لها، وقيل: المجاهدون، وقيل: الصيّادون، وقيل: المخلصون، ذكره القرطبيّ (^٢).
وقال النوويّ: وأما الحواريّون المذكورون فاختُلف فيهم، فقال الأزهريّ وغيره: هم خُلْصان الأنبياء وأصفياؤهم، والْخُلْصَان الذين نُقُّوا من كلّ عيب، وقال غيرهم: أنصارهم، وقيل: المجاهدون، وقيل: الذين يَصلحون للخلافة بعدهم. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ: "الحواريّ": الناصر، وأصله أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قَصّارين يُبيّضون الثياب، فلَمّا صاروا أنصاره قيل لكلّ ناصر: حواريّ، وهو الوجه المستقيم؛ لأنهم خُلْصان الأنبياء؛ ولأن حَوَاريّ الرجل صفوته، وخالصته الذي أُخْلِصَ، ونُقِّيَ من كلّ عيب (^٤).
(وَأَصْحَابٌ) جمع صَحْبٍ، كفَرْخٍ وأفراخ، قاله الجوهريّ، وقال غيره: أصحاب عند سيبويه جمع صاحب، كشاهد وأشهاد، وليس جمع صَحْب؛ لأن فَعْلًا لا يُجمع على أفعال، إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها، والصحبة: الْخُلْطَةُ، والملابسة على جهة المحبّة، يقال: صَحِبه يَصْحَبه صُحْبَةً بالضمّ، وصَحَابَةً بالفتح، وقد يراد به الأصحاب، وجمع الصاحب صَحْبٌ، كراكب ورَكْب، وصُحْبَةٌ بضمّ الصاد، كفَارِهٍ وفُرْهَةٍ، وصِحَابٌ بالكسر، كجائع وجِيَاع، وصُحْبَان، كشابّ وشُبّان، قاله في "المفهم" (^٥).
_________________
(١) = وخُلْصَاني، وتقول: هؤلاء خُلْصَاني، وخُلَصَائي يستوي فيه الواحد والجماعة. انتهى.
(٢) "النهاية في غريب الحديث" ١/ ٤٥٨.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٣٥.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ٢٨.
(٥) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٢٤.
(٦) "المفهم" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وقال الطيبيّ: يجوز أن يكون "أصحاب" عطف تفسير و"حواريّون"، وأن يكون الأصحاب غير الحواريين. انتهى.
(يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ) أي يعملون بهدي ذلك النبي وسيرته، وقوله: (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ) عطف توكيد لما قبله؛ لأنه بمعناه.
(ثُمَّ) يجوز أن تكون على التراخي الحقيقيّ في الزمان، وأشار بالتعبير به إلى أن تغيير السنن إنما تكون بعد طول زمن، ويحتمل أن تكون على معنى البعد في المرتبة، أفاده الطيبيّ (إِنَّهَا) الضمير للقصّة والجملة بعدها مفسّرة لها، قاله الطيبيّ، وقال القرطبيّ: الرواية "إنها" بهاء التأنيث فقط، وأعادها على الأمة، أو على الطائفة التي هي معنى "حواريين وأصحاب"، ويحتمل أن يكون ضمير القصّة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونها للقصّة، هو الحقّ، وأما الاحتمال الأول فتكلّف لا داعي له، بل المعنى عليه ركيكٌ كما لا يخفى على من تأمله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(تَخْلُفُ) بضمّ اللام، يقال: خَلَفتُ فُلانًا على أهله وماله، من باب قَعَدَ، خِلافَةً: صِرتُ خليفته، وخَلَفْتُهُ: جئت بعده، والْخِلْفَة: اسمٌ منه، كالقِعْدة لهيئة القعود (^١).
(مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هؤلاء الحواريين والأصحاب (خُلُوفٌ) بضم الخاء جمع خَلْف، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الرديء من الأعقاب والولد السوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وأما الخَلَفُ بفتح اللام، فيُجمع على أخلاف، وهو الصالح منهم، أيضًا، ومنه ما يُروى: "يَحْمِلُ هذا العلمَ من كلّ خَلَف عُدُوله" (^٢)، وحَكَى الفرّاء الوجهين في الذمّ والفتح في المدح لا غير، وحكى أبو زيد الفتح فيهما جميعًا (^٣).
وقال النوويّ: وأما الْخُلُوف، فبضمّ الخاء، وهو جمع خَلْف بإسكان اللام، وهو الخالف بشرّ، وأما بالفتح، فهو الخالف بخير، هذا هو الأشهر،
_________________
(١) راجع: "المصباح" ١/ ١٧٨.
(٢) هذا حديث ضعيف.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٣٦ بزيادة.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقال جماعة من أهل اللغة، منهم أبو زيد: يقال كلّ واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم من جوّز الفتح في الشرّ، ولم يُجوّز الإسكان في الخير. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ: "الْخَلَفُ" بالتحريك والتسكين، وخُصّ الأول بالْخَلَف الصِّدْق، والثاني بالسُوء، ويُجمع خَلَفٌ على أَخلاف، كسَلَف وأسلاف، وخَلْفٌ على خُلُوف، كعَدْل وعُدُول، والمعنى أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناسٌ لا خير فيهم، ولا خَلاقَ لهم في أمور الديانات. انتهى (^٢).
(يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ الْخُلُوف بوصفين مقابلين لما وصف الأصحاب بهما، فهم تصلّفوا، حيث قالوا: فعلنا ما أُمرنا من واجبات الدين، وفضائل الأعمال، ولم يفعلوا شيئًا من ذلك، بل فَعَلوا ما نُهُوا عنه، وهو الْمَعْنِيُّ بقوله (وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ) إذ فعل ما لم يؤمر به شرعًا من البدع المنهيّ عنها، وهو إيماء إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والآية [آل عمران: ١٨٨]، وقوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصفّ: ٢ - ٣]، بخلاف السلف الصالح، فإنهم لَمّا اقتدوا بهدي نبيّ الله انخرطوا في سلك الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. انتهى (^٣).
والفاء في قوله: (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ) واقعة في جزاء شرط محذوف، أي إذا تقرّر ذلك، فمن حاربهم، وأنكر عليهم (بِيَدِهِ) بأن أزال المنكر (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) قال الطيبيّ: التنكير فيه للتنويع، فإن الأول دلّ على كمال الإيمان، والثالث على نقصانه، والمتوسّط على القصد فيه، وفي "حبة خردل" على نفيه بالكليّة. انتهى. (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ) أي أنكر عليهم (بِقَلْبِهِ)
_________________
(١) "شرح النووي" ٢/ ٢٨.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٢٤.
(٣) راجع: "الكاشف" ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، و"المرقاة" ١/ ٣٩٣.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
بأن غَضِبَ عليهم، ولو قدر لحاربهم باليد، أو باللسان (فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ") برفع "حبّةُ" على أنه اسم "ليس" مؤخّرًا، و"وراء ذلك" خبرها مقدّمًا، وقوله: "من الإيمان" صفتها قُدّم عليه فأعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
وذهب المظهر إلى أن الإشارةَ بـ "ذلك" إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، ويحتمل أن يُشار به إلى المذكور كلّه، أي ليس وراء ما ذكرت من مراتب الإيمان مرتبة قطّ؛ لأن من لم يُنكر بالقلب رضي بالمنكر، والرضا بالمنكر كفرٌ، فتكون هذه الجملة المصدّرة بـ "ليس" معطوفةً على الجملة قبلها بكمالها، كذا قاله الطيبيّ.
وقال القاري بعد ذكره كلام الطيبيّ هذا: والأول هو الظاهر، أي وراء الجهاد بالقلب، يعني أن من لم ينكر عليهم بالقلب بعد العجز عن جهادهم بيده ولسانه، فلم يكن فيه حبّة خردل من الإيمان؛ لأن أدنى مراتب أهل الإيمان أن لا يستحسن المعاصي، وينكرها بقلبه، فإن لم يفعل ذلك، فقد خرج عن دائرة الإيمان، ودخل فيمن استحلّ محارم الله، واعتقد بطلان أحكامه. انتهى كلام القاري (^١).
(قَالَ أَبُو رَافِعٍ) القبطيّ - ﵁ - (فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، فـ "عبد لله" منصوب على المفعوليّة، والمتعلَّق محذوفٌ، أي بهذا الحديث (فَأنْكَرَهُ) أي هذا الحديث (عَلَيَّ) هذا الإنكار يُحمل على أنه من باب التأكّد في صحّة سياق الحديث؛ إذ يحتمل أن يزيد، أو ينقص، أو يحرّف بعضه؛ لأن الإنسان عُرضة لهذا كلّه، فالنسيان طبيعته، والذهول سجيّته، وليس من باب الردّ عليه لاتهامه؛ لأن أبا رافع - ﵁ - صحابيّ جليلٌ، رفيعُ القدر، معلوم العدالة والصدق عند ابن عمر - ﵄ -، ونظيره ما وقع لوالده عمر بن الخطّاب - ﵁ - حيث أنكر على الصحابيّ الجليل أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - في قضية الاستئذان، حتى شهد له أبو سعيد الخدريّ - ﵁ -، وقصّتهما مشهورة في
_________________
(١) "المرقاة شرح المشكاة" ١/ ٣٩٤.
[ ٢ / ٢٣١ ]
"الصحيحين"، وغيرهما (^١). (فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ -، أي جاء من الكوفة إلى المدينة (فَنَزَلَ بِقَنَاةَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في بعض الأصول المحققَّة بقناة - بالقاف المفتوحة، وآخره تاء التأنيث - وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث، وهكذا ذكره أبو عبد الله الْحُمَيديّ في "الجمع بين الصحيحين"، ووقع في أكثر الأصول، ولمعظم رواة كتاب مسلم "بفنائه" - بالفاء المكسورة، وبالمدّ، وآخره هاء الضمير، قبلها همزة - وجمعه أفنية، وهو ما بين أيدي المنازل والدُّور من البراح، وكذا رواه أبو عوانة الإسفراييني في "مستخرجه" على "صحيح مسلم"، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: في رواية السمرقنديّ "بقناة"، وهو الصواب و"قَنَاةُ" وادٍ من أودية المدينة، عليه حرثٌ ومالٌ من أموالها، قال: ورواية الجمهور "بفنائه"، وهو خطأٌ، وتصحيف. انتهى (^٢).
(فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ) أي طلب أن أتّبعه (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (يَعُودُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي يزوره، وعاد العليل يعوده عَوْدًا، وعيَادةً، وعيادًا: إذا زاره، وقال الفرّاء: يقال: هؤلاء عَوْدُ فلان، وعُوَّادُهُ، مثلُ زَوْرِه، وزُوّاره، وهم الذين يَعُودونه إذا اعتلّ، وفي حديث فاطمة بِنت قيس: "فإنها امرأة يكثُر عُوّادها": أي زُوّارها، وكلّ من أتاك مرّةً بعد أخرى فهو عائدٌ، وإن اشتهر ذلك في عيادة المريض حتى صار كأنه مختصّ به، قاله في "اللسان" (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أفادت عبارة "اللسان" أن العيادة لا
_________________
(١) قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، حدثني عطاء، عن عُبيد بن عُمير، قال: استأذن أبو موسى على عمر، فكأنه وجده مشغولًا، فرجع فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس، ائذنوا له، فدعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا كنا نؤمر بهذا، قال: فأتني على هذا ببينة، أو لأفعلنّ بك، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد الخدري، فقال: قد كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خَفِي علي هذا من أمر النبي - ﷺ -، ألهاني الصَّفْق بالأسواق، يعني الخروج إلى التجارة.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٣٠٤، و"الصيانة" ص ٢٠٨ - ٢٠٩، و"شرح النووي" ٢/ ٢٨ - ٢٩.
(٣) "لسان العرب" ٣/ ٣١٩.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
تختصّ بزيارة المريض فقط، كما يوهمه عبارة بعض معاجم اللغة حيث يقيّدونه، فيقولون: عاد المريض: إذا زاره، فيكون معنى "يعوده" في هذا الحديث مطلق الزيارة، فتنبّه.
ثم وجدت عند ابن حبان نصًّا على أن ابن مسعود - ﵁ - كان مريضًا، من رواية عطاء بن يسار، عن ابن مسعود - ﵁ -، ولفظه: "قال عطاء: فقلت: هو مريضٌ، فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث … ". انتهى (^١).
فتبيّن بهذه الرواية أن قوله هنا: "يعوده" مستعمل على معناه الغالب، والله تعالى أعلم.
(فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ) أي ذهبت مع ابن عمر إلى ابن مسعود - ﵃ - (فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) أي لإزالة إنكار ابن عمر عليه (فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ) أي من غير زيادة، ولا نقص.
(قَالَ صَالِحٌ) بن كيسان (وَقَدْ تُحُدِّثَ) بضم التاء والحاء، مبنيًّا للمفعول، وإنما عبّر به؛ لعدم صحة هذه الرواية؛ لمخالفتها للرواية المشهورة؛ فإن جمهور الرواة رووا الحديث من رواية أبي رافع، عن ابن مسعود، لا من رواية أبي رافع، عن النبيّ - ﷺ -، كما أخرجه المصنّف بالطريقين هنا (بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ) - ﵁ -، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى هذا أن صالح بن كيسان قَال: إن هذا الحديث، رُوِي عن أبي رافع - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - من غير ذكر ابن مسعود - ﵁ - فيه، وقد ذكره البخاريّ كذلك في "تاريخه" (^٢)، مُخْتَصَرًا، عن أبي رافع - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية البخاريّ المشار إليها أخرجها في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨ فقال رحمه الله تعالى:
قال ابن أبي مريم: حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثني الحارث بن فُضَيل، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن مِسْوَر بن
_________________
(١) "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٢) راجع: "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٤٨.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
مَخْرَمة، عن أبي رافع مولى النبيّ - ﷺ -، عن النبيّ - ﷺ -: "ما كان نبيّ إلا له حواريون يهتدون بهديه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٢/ ١٨٧ و١٨٨] (٥٠) بهذه الأسانيد، و(أحمد) في "مسنده" (٤٣٦٣ و٤٣٧٩ و٤٤٠٢)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (١٧٧ و٦١٩٣)، و(أبو عوانة) في "مستخرجه" (٩٨ و١٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١٨٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٧٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" ١٠/ ٩٠، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في الكلام على هذا الحديث:
قد تكلّم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في هذا الحديث، قال القاضي عياض: وقد قال أبو عليّ الْجَيّانيّ، عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: هذا الحديث غير محفوظ، قال: وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، وابنُ مسعود يقول: "اصبروا حتى تلقوني". انتهى. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى.
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاريّ، وقد أنكره أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فيما بلغنا عن أبي داود السِّجِسْتانيّ في "مسائله عن أحمد" قال: الحارث بن فُضيل ليس بمحفوظ الحديث، وهذا الكلام لا يُشبه كلام ابن مسعود، وذكر أحمد قوله - ﷺ -: "اصبروا حتى تلقوني".
قال ابن الصلاح: قد رَوَى عن الحارث هذا جماعة من الثقات، ولم نَجِدْ له ذكرًا في كتب الضعفاء، وفي كتاب ابن أبي حاتم، عن يحيى بن معين أنه ثقة، ثم إن الحارث لم ينفرد به، بل توبع عليه على ما أشعر به كلام صالح بن كيسان المذكور.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وذكر الإمام الدارقطني ﵀ في "كتاب العلل" أن هذا الحديث قد رُوي من وجوه أُخَرَ، منها عن أبي واقد الليثيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ - ﷺ -.
وأما قوله: "اصبروا حتى تلقوني" فذلك حيث يلزم من ذلك سفك الدماء، أو إثارة الفتن، ونحو ذلك، وما وَرَدَ في هذا الحديث من الحثِّ على جهاد المبطلين باليد واللسان، فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة، على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سَبَقَ من الأمم، وليس في لفظه ذكر لهذه الأمة. انتهى كلام الشيخ أبي عمرو (^١).
قال النوويّ بعد نقله كلام ابن الصلاح هذا: وهو ظاهر كما قال، وقَدْحُ الإمام أحمد ﵀ في هذا عَجَبٌ، والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث، وإن تكلم فيه الإمام أحمد، إلا أن غيره من الأئمة قد صححوه، منهم المصنّف، فقد أخرجه هنا، وابن حبّان في "صحيحه"، وأبو عوانة، في "مستخرجه"، وأبو نعيم كذلك في "مستخرجه"، وقال ابن منده في "كتاب الإيمان" بعد إخراجه (١/ ٣٤٦) (١٨٤): هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم من حديث يعقوب، وابن أبي مريم، وتركه البخاريّ، ولا علّة له، ورواه عبد الله بن الحارث الْجُمحيّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحو معناه. انتهى كلام ابن منده.
والحاصل أن الحديث صحيح، فهو مرويّ عن ابن مسعود - ﵁ - بطرق، فقد رواه مسلم هنا من طريق عبد الرحمن بن المسور عنه، ورواه ابن حبّان من طريق عطاء بن يسار عنه، فقال في "صحيحه" (١/ ٤٠٣):
(١٧٧) أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عاصم بن محمد، عن عامر بن السِّمْط، عن معاوية بن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني، ثم استكتمني أن أحدِّث به ما عاش معاوية، فذكر عامر، قال: سمعته وهو يقول: حدثني عطاء بن يسار، وهو قاضي المدينة، قال: سمعت ابن مسعود، وهو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "سيكون
_________________
(١) "الصيانة" ص ٢١٠ - ٢١١.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٢٨.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أمراء من بعدي، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده".
قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ كالْمُدْخَل عليه في حديثه، قال عطاء: فقلت: هو مريضٌ، فما يمنعك أن تعوده، قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث، قال: فخرج ابن عمر، وهو يُقَلِّب كفيه، وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يَكْذِب على رسول الله - ﷺ -. انتهى (^١).
وهذا إسناد صحيح، فرجاله رجال الصحيح، غير عامر بن السِّمْط، وهو ثقة، وثقه يحيى القطّان، والنسائيّ، وغيرهما (^٢)، فقد تابع عطاءُ بن يسار عبدَ الرحمن بن المسور، في روايته عن ابن مسعود - ﵁ -، وقد ثبت سماع عطاء من ابن مسعود في هذه الرواية، وقد أثبت سماعه منه ابن سعد في "طبقاته" ٥/ ١٧٣، والبخاريّ في "التاريخ الكبير" ٦/ الترجمة (٢٩٩٢)، فقول أبي حاتم في "المراسيل" ص (١٢٩): "لم يسمع منه" مدفوع بهذا.
ورواه البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٤٨: قال: وقال عمرو بن محمد، ويعقوب، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبي رافع نحوه، قال أبو رافع: فحدّثت عبد الله بن عمر، فانطلقت معه، فلما جلسنا سألته، فحدّثنيه كما حدّثتُ ابن عمر.
وقال محمد بن عبد الله: حدثنا عمرو بن طلحة، عن أبي سهيل بن مالك، عن ابن أبي رافع، مولى النبيّ - ﷺ -، قلت لعبد الله بن عمر: أخبرني أخوك ابن مسعود، قال: "يكون بعد الأنبياء خَلَف … "، فقَصَّ الحديث (^٣).
والحاصل أن الحديث ثابتٌ صحيح من غير شكّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٢) راجع ترجمته في: "التقريب" وأصله.
(٣) "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٨] (…) - (وحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ، يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ"، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ) الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن عمر العمري، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن بلال، وإبراهيم بن سويد، ومالك، والليث، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن يحيى الذُّهْليّ، والحسن بن عليّ الخلال، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، وغيرهم.
قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة، وقال الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد: عمَّن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم، وقال ابن معين: ثقة من الثقات، وقال العجلي: كان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه ومن عبد الله بن عبد الحكم، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم عن الدارقطني: قال النسائي: سعيد بن عُفير صالحٌ، وسعيد بن الحكم لا بأس به، وهو أحب إليَّ من ابن عُفير.
وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وُلد سنة (١٤٤)، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله - ﷺ -: (يهتدون بهديه) - هو بفتح الهاء، وإسكان الدال - أي بطريقته وسَمْته.
وقوله: (مثل حديث صالح … إلخ) يعني حديث عبد العزيز عن الحارث بن الفضيل مثل حديث صالح بن كيسان إلا في عدم ذكر قدوم ابن مسعود، واجتماع ابن عمر - ﵃ - معه.
[تنبيه]: روايةُ عبد العزيز هذه أخرجها أبو عوانة في "مسنده المستخرج" (١/ ٤٣)، عن شيخ المصنّف، فقال:
(٩٨) حدثنا الصاغانيّ، قال: أنبا ابن أبي مريم، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا الحارث بن فُضيل الْخَطْمِيّ، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن مِسْوَر بن مَخْرَمة، عن أبي رافع، مولى النبيّ - ﷺ -، عن عبد الله بن مسعود، أن النبيّ - ﷺ - قال: "ما كان من نبيّ، إلا وله حَوَاريُّون، يَهْدُون بِهَدْيه (^١)، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خُلُوف، يقولون ما لا يفعلون (^٢)، ويعملون ما ينكرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل".
[تنبيه آخر]: قوله: (ولم يذكر قدومَ ابن مسعود، واجتماعَ ابن عمر معه) هذا مما أنكره الحريريّ في كتابه "دُرَّة الْغَوَّاص في أوهام الْخَوَاصّ" (^٣)، فقال: لا يقال: اجتمع فلان مع فلان، وإنما يقال: اجتمع فلان وفلان، وقد خالفه
_________________
(١) وعند ابن منده في "كتاب الإيمان" برقم (١٨٤) بلفظ: "يهتدون بهديه".
(٢) ولفظ ابن منده (١٨٤) "يقولون ما لا يعملون … إلخ".
(٣) راجع: "درّة الغوّاص" ص ٣٤٣.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
الجوهريّ، فقال في "صحاحه": جامعه على أمر كذا: أي اجتمع معه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنكار الحريريّ المذكور غير صحيح، فقد خالفه أرباب اللغة، كالجوهريّ في "صحاحه"، ومجد الدين في "القاموس المحيط"، وابن منظور في "لسان العرب": وعبارته: وجامعه على الأمر: مالأه عليه، واجتمع معه. انتهى (^١).
فظهر بهذا أن تعبير مسلم رحمه الله تعالى هنا بقوله: "واجتماع ابن عمر معه" عبارة صحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.