وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢] (٥٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنكُمْ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد بنصّه تقدّم في الباب الماضي، ومن لطائفه أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان، وأن فيه أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، وكذلك الأعمش أحفظ من رَوَى عن أبي صالح السمان، يقال: روى عنه ألف حديث، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن أبي صالح، وأن صحابيّه - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا) نافية، ولذا رُفع
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الفعل بعدها (تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا) بحذف النون للنصب بـ "أن" مضمرة بعد "حتى" وجوبًا، لكون الفعل مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ"
وَتِلْوَ "حَتَّى" حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
وقوله: "لا تدخلون الجنّة إلخ" هو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا، وإن لم يكن كامل الإيمان (وَلَا تُؤْمِنُوا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت الروايات هنا: "ولا تؤمنوا" بإسقاط النون، والصواب إثباتها كما وقع في بعض النسخ؛ لأن "لا" نفيٌ لا نهيٌ، فلزم إثباتها. انتهى (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول والروايات: "ولا تؤمنوا" بحذف النون من آخره، وهي لغة معروفة صحيحة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القرطبيّ: "والصواب إثباتها" ليس كما ينبغي؛ لأنه إذا صحّت الرواية بالحذف، ووجد في العربيّة له وجه، فلا وجه للتخطئة، فما قاله النوويّ هو الحقّ، وقد أثبت المحقّقون من النحاة جواز حذف نون الرفع بلا ناصب وجازم على قلّة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في "الكافية" مبيّنًا إعراب الأفعال الخمسة:
بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ "يَذْهَبُونَا" … وَ"تَذْهَبَانِ" ثُمَّ "تَذْهَبِينَا"
وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا … كـ"لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتَا"
وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ "نِي" أَتَى … وَالْفَكُّ وَالإِدْغَامُ أَيْضًا ثَبَتَا
وَدُونَ "نِي" فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
"أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي"
قال في "شرحه": وقولي: "ودون ني" أي دون اتّصال نون الوقاية بنون الرفع قد حُكي حذفها، ومثال ذلك في النثر ما رُوي من قول النبيّ - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا" (^٣)،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٤٢.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٣٦.
(٣) هذه رواية أبي داود، والترمذي بحذف النون في الموضعين: "لا تدخلوا"، و"لا تؤمنوا"، وأما رواية مسلم فالشاهد فيها حذفها من "ولا تؤمنوا" فقط.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الأصل: لا تدخلون، ولا تؤمنون؛ لأن "لا" نافية، و"لا" النافية لا تعمل في الفعل شيئًا، ومثال النظم قول الراجز:
أَبِيتُ أَسْري … البيت.
والأصل "تبيتين" و"تدلُكين"، فحذف النونين دون جازم ولا ناصب. انتهى كلام ابن مالك باختصار (^١).
والحاصل أن تخطئة الرواية بحذف النون غير مقبول، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(حَتَّى تَحَابُّوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: تتحابّوا؛ أي حتى يُحبّ بعضكم بعضًا، ونونه محذوفة للناصب، كما تقدّم نظيره، قال النوويّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يصلُح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب.
وقال القرطبيّ: الإيمان المذكور أولًا هو التصديق الشرعيّ المذكور في حديث جبريل ﵇، والإيمان المذكور ثانيًا هو الإيمان العمليّ المذكور في قوله - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون شعبةً"، ولو كان الثاني هو الأول للزم منه أن لا يدخل الجنّة مَن أبغض أحدًا من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعًا، فتعيّن التأويل الذي ذكرناه. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: "ولا تؤمنوا حتى تحابّوا": أي لا يتمّ إيمانكم، ولا يكمُلُ ولا تصلح حالتكم في الإيمان إلا بالتحابّ والأُلفة، ويعضده قوله بعدُ: "أوَلا أدلّكم على شيء … " الحديث. انتهى (^٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله - ﷺ -: "لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا"، فهو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا، وإن لم يكن كاملَ الإيمان، فهذا هو الظاهر من الحديث.
وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: معنى الحديث: لا يكمل إيمانكم
_________________
(١) "شرح الكافية الشافية" ١/ ٢٠٧ - ٢١١.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٤٢.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٣٢٦.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
إلا بالتحابّ، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك، وهذا الذي قاله محتمل. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يكون حالكم حال من كَمُل إيمانه حتى تفشوا السلام الجالب للمحبّة الدينيّة، والألفة الشرعيّة. انتهى.
(أَوَلَا) بفتح الهمزة والواو، هي "ألا" التي للعرض والتحضيض، والواو للعطف، وأصلها التقديم على الهمزة، إلا أنها أخّرت للزوم تصديرها (أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ) عظيم، فالتنوين للتنكير؛ وعظمته حيث كان سببًا للمحبّة التي هي سبب للإيمان الكامل الذي هو سبب لدخول الجنّة (إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا) بقطع الهمزة المفتوحة فعل أمر من الإفشاء (السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) معنى إفشائه: إظهاره، وإشاعته، وإقراؤه على المعروف وغير المعروف، قاله القرطبيّ.
وقال السنديّ: والمراد نشر السلام بين الناس؛ ليُحيُوا سنته - ﷺ -، قال النوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيًا بالسنّة، ذكره السيوطيّ في "حاشية أبي داود" في شرح هذا اللفظ.
قال السنديّ: ظاهره أنه حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب حمله على الإكثار. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأَوْلى حمله على المعنيين؛ إذ لا تنافي بينهما، فيكون المراد بالإفشاء رفع الصوت بالسلام وإكثاره بين الناس، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: اعلم أنه تعالى جعل السلام سببًا للمحبّة، والمحبّة سببًا لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحابّ والتوادّ، وهو سبب الأُلفة والجمعيّة بين المسلمين المسبب لكمال الدين، وإعلاء كلمة الإسلام، وفي التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين، وهو سبب لانثلام الدين، والوهنِ في الإسلام، وجَعْل كلمة الذين كفروا الْعُلْيَا، قال الله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٣٦.
(٢) "شرح السنديّ" ١/ ٥٣.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]. انتهى (^١)، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٤/ ٢٠٢ و٢٠٣] (٥٤)، و(أبو داود) (٥١٩٣)، و(الترمذيّ) (٥٦٨٨)، و(ابن ماجه) (٦٨ و٣٦٩٢)، و(ابن أبي شيبة) (٨/ ٦٢٤ و٦٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩١ و٤٤٢ وو ٤٧٧ و٤٩٥ و٥١٢)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٦٠ و٩٨٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٨٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠ و١٩١)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٣٠٠) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه لا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مسلمة، وقد أخرج الترمذي وحسّنه من طريق أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت عليًّا - ﵁ -: بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بأربع: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة … " الحديث (^٢).
٢ - (ومنها): بيان أن محبة المؤمنين بعضهم بعضًا مما يكمل به الإيمان، فهي شعبة من شعب الإيمان.
_________________
(١) "الكاشف" ٢/ ٣٠٣٨.
(٢) قال الترمذيّ رحمه الله تعالى: (٨٧١) حدثنا علي بن خَشْرَم، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت عليًّا بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بأربع: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهد فعهده إلى مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر"، قال أبو عيسى: حديث علي حديث حسن. وصححه الشيخ الألباني، انظر: "صحيح الترمذيّ" ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
٣ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده" في الرواية التالية إثباتَ اليد لله ﷾ على ما يليق بجلاله.
٤ - (ومنها): انتفاء كمال الإيمان عمن ليست له محبة لإخوانه المؤمنين.
٥ - (ومنها): إثبات دخول الجنّة للمؤمن الذي حقّق إيمانه بالمحبّة لإخوانه، والتودّد إليهم بما يُدخل السرور عليهم كالسلام مع الالتزام بسائر شرائع الإسلام.
٦ - (ومنها): أن فيه الحثَّ العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كلهم المعروفين وغير المعروفين.
٧ - (ومنها): أن السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكُن أُلفة المسلمين بعضهم لبعض.
٨ - (ومنها): أنه يتضمّن رفع التقاطع والتهاجُر والشَّحْنَاء، وفساد ذات البين التي هي الحالقة؛ لأن سلامه لله تعالى لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به، فيحصل ببركته ذلك.
٩ - (ومنها): أن في إفشاء السلام إظهار شعار المسلمين المميز لهم من غيرهم، من أهل الملل.
١٠ - (ومنها): أن في إفشائه رياضةَ النفس، ولزومَ التواضع، وإعظامَ حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري ﵀ في "صحيحه" (١/ ١٤) عن عمار بن ياسر - ﵁ - أنه قال: "ثلاثٌ من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار" (^١).
_________________
(١) قد حقّق الكلام الحافظ رحمه الله تعالى على هذا الحديث في "الفتح" ١/ ٨٢ حيث قال: قوله: وقال عَمّار: هو ابن ياسر أحد السابقين الأولين، وأثره هذا أخرجه أحمد بن حنبل، في "كتاب الإيمان" من طريق سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن شيبة في "مسنده" من طريق شعبة، وزهير بن معاوية، وغيرهما، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن عمّار، ولفظ شعبة: "ثلاثٌ مَن كُنّ فيه، فقد استكمل الإيمان"، وهو بالمعنى، وهكذا رويناه في "جامع معمر" عن أبي إسحاق، وكذا حَدَّث به عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر، وحَدّث به عبد الرزاق بأَخَرَة، =
[ ٢ / ٢٩١ ]
[تنبيه]: قال في "الفتح": قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان مَن جمع الثلاث مستكملًا للإيمان؛ لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتّصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أدّاه، ولم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يَجْمَع أركان الإيمان؛ وبذلُ السلام يتضمن مكارم الأخلاق، والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف، والتحابُّ، والإنفاق من الإقتار يتضمن غايةَ الكرم؛ لأنه إذا أنفق مع الاحتياج، كان مع التوسع أكثر انفاقًا، والنفقة أعم من أن تكون على العيال واجبةً ومندوبة، أو على الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله، والزهد في الدنيا، وقَصْرَ الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة، وهذا التقرير يُقَوِّي أن يكون الحديث مرفوعًا؛ لأنه يشبه أن يكون كلام مُن أوتي جوامع الكلم، والله تعالى أعلم. انتهى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإسْنَاد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا"، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٍ).
_________________
(١) = فرفعه إلى النبيّ - ﷺ - كذا أخرجه البزار في "مسنده"، وابن أبي حاتم في "العلل" كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في "شرح السنة"، من طريق أحمد بن كعب الواسطيّ، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" عن محمد الصنعاني، ثلاثتهم عن عبد الرزاق، مرفوعًا، واستغربه البزار، وقال أبو زرعة: هو خطأ. قال الحافظ: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد؛ لأن عبد الرزاق تغير بآخره، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع، وقد رَوَيناه مرفوعًا من وجه آخر عن عمار، أخرجه الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بيّنتها في "تغليق التعليق". انتهى كلام الحافظ، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم.
(٢) "فتح" ١/ ١١٣.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد نفسه أيضًا تقدّم في الباب الماضي، و"جرير" هو ابن عبد الحميد.
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إلخ) هذا إقسام من النبيّ - ﷺ -، أقسم بالله ﷾ الذي نفسه - ﷺ - بيده، ففيه إثبات اليد لله ﷿ على ما يليق بجلاله ﷾، وفيه مشروعيّة الحلف من غير تحليف؛ لبيان عظم الأمر، وتأكيد الحثّ عليه.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٍ) يعني أن حديث جرير عن الأعمش مثل حديثهما عنه.
[تنبيه]: لم أجد من ساق لفظ حديث جرير هذا، وقد أخرجه من طريقه ابن منده في "الإيمان" ١/ ٤٦٣ (٣٣٢) لكنه أحاله على أبي معاوية، فقال: "عن الأعمش نحوه". انتهى.
ويستفاد من قوله: "نحوه" بدل قول المصنّف: "بمثلِ" أن هاتين العبارتين بمعنى واحد، وهذا هو الذي وجدته بتتبع صنيع المصنّف، فما تقدّم في المقدّمة من التفرقة بينهما محلّ نظر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.