وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧] (٥٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنا الْأَعْمَشُ (ع) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ"، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: "وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد ولد عبد الله بن نمير الذي قبله ذُكر قبل باب أيضًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور في الباب الماضي.
٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ ثم البغداديّ المذكور قبل باب.
٦ - (وَكيعٌ) بن الجَرَّاح الكوفيّ المذكور قريبًا.
٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ (^١) الكوفيّ ثقة [٣].
روى عن ابن عمر، والبراء، وأبي الأحوص، ومسروق، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش ومنصور، قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي:
_________________
(١) بالخاء المعجمة، والراء، والفاء: نسبة إلى خارف بطن من همدان، قاله في "لبّ اللباب" ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال العجليّ: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة، وأرّخه ابن قانع: سنة تسع وتسعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٩ - (مَسْرُوق) بن الأجْدَع بن مالك بن أُمية بن عبد الله بن مُرْ بن سلمان، ويقال: سَلَامان بن مَعْمَر بن الحارث بن سَعْد بن عبد الله بن وداعة الْهَمْداني الْوَادِعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ، مخضرم [٢].
رَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وخَبّاب بن الأَرَتّ، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، والمغيرة بن شعبة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عَمْرو، ومعقل بن سنان، وعائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن أخيه محمد بن المنتشر بن الأجدع، وأبو وائل، وأبو الضُّحَى، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الرحمن بن مسعود، وأبو الشعثاء المحاربيّ، وعبد الله بن مُرّة الخارفيّ، ومكحول الشامي، وغيرهم.
قال الآجريّ عن أبي داود: كان عمرو بن معد يكرب خاله، وكان أبوه أفرس فارس باليمن، وقال مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق: قال لي عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرَّحمن، وقال مالك بن مِغْوَل: سمعت أبا مُرّة قال: ما وَلَدت همدانية مثل مسروق، وقال الشعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه، وذكره منصور عن إبراهيم في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يُعَلِّمون الناس السنة، وقال عبد الملك بن أبجر عن الشعبيّ: كان مسروق أعلم بالفتوى من شُرَيح، وكان شُريح أعلم بالقضاء، وقال شعبة عن أبي إسحاق: حَجَّ مسروق، فلم يَنَمْ إلَّا ساجدًا، وقال أنس بن سيرين عن امرأة مسروق: كان يصلي حتى تَوَرَّم قدماه، وقال أحمد بن حنبل عن ابن عيينة: بقي مسروقٌ بعد علقمة لا يُفَضَّل عليه أحد، وقال علي ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا، صَلَّى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليًّا، ولم يرو عن عثمان شيئًا، وقال إسحاق بن منصور: لا يُسأل عن مثله، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن
[ ٢ / ٣٦٤ ]
معين: مسروق عن عائشة أحبّ إليك أو عروة؟ فلم يُخَيِّر، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان أحدَ أصحاب عبد الله الذين يُقرئون ويفتون.
وقال ابن سعد: كان ثقةً وله أحاديث صالحة، مات سنة ثلاث وستين وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين، وقال هارون بن حاتم، عن الفَضْل بن عَمْرو: مات مسروق، وله ثلاث وستون سنة.
ومناقبه كثيرةٌ: شُلَّت يد مسروق يوم القادسيّة، وأصابته آمّة، وقال أبو الضُّحَى عن مسروق: كان يقول: ما أُحب أنَّها - يعني الآمّة - ليست لي، لعلها لو لَمْ تكن لي كنت في بعض هذه الفتن، قال وكيع وغيره: لَمْ يتخلف مسروق عن حروب عليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ولّاه زياد على السلسلة، ومات بها سنة اثنتين أو ثلاث وستين.
وحَكَى عبد الحق عن ابن عبد البر، أنه قال: لَمْ يلق مسروق معاذًا، لكن تعقّبه ابنُ القطان، وقال: إنه لَمْ يجد ذلك في كلام ابن عبد البر، بل الموجود في كلامه أن الحديث الذي من رواية مسروق عن معاذ متصلٌ، وقال أبو الضُّحَى: سئل مسروق عن بيت شعر، فقال: أكره أن أَرَى في صحيفتي شعرًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا.
١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص - ﵄ - تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة لطريق عبد الله بن نمير، ومن سباعيّاته بالنسبة لطريق سفيان فهو أنزل بدرجة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، في أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بحفّاظ الكوفيين سوى زُهير فنسائيّ ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة أيضًا للأخذ من أهلها.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمة، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد الفقهاء المشهورين بالفتوي، ويقال: ليس بين ولادة أبيه وولادته إلَّا أحد عشر عامًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرْبَعٌ) مبتدأ بتقدير: أي أربع خصال، أو خصال أربعٌ، وخبره قوله: "من كنّ فيه"، ووقع في رواية النسائيّ: "أربعة" بالهاء، فيقدّر أربعة أمور (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) اسم فاعل من خلَصَ الماءُ من الكدر، من باب عقد: إذا صفا، ووصفه بالخلوص يعضد قول من قال: المراد بالنفاق العمليّ لا الإيمانيّ، أو النفاق العرفيّ لا الشرعيّ؛ لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار، وأما كونه خالصًا فيه، فلأن الخصال التي تتمّ بها المخالفة بين السرّ والْعَلَن لا يزيد عليه، وقال ابن بطال: "خالصًا" معناه: خالصًا من هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها، وقال النوويّ: أي شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال، وقال أيضًا في شرحه للبخاريّ: حصل من الحديثين أن خصال المنافقين خمسة، وقال في "شرح مسلم": قوله: "وإذا عاهد غدر" داخل في قوله: "وإذا ائتُمن خان"، يعني أنَّها أربعة، وقال الكرمانيّ: لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث، فتأمل، والحقّ أنَّها خمسة متغايرة عرفًا، وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا.
ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن إما في الماليّات وهو إذا ائتُمن، وإما في غيرها، فهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكّدة باليمين، فهو إذا عاهد أو لا، فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال، فهو إذا حدّث.
والحقّ أنَّها بالنظر إلى الحقيقة ثلاثٌ وإن كانت بحسب الظاهر خمسًا؛ لأن قوله: "وإذا عاهد غدر" داخل في قوله: "إذا ائتمن خان"، وقوله: "وإذا
[ ٢ / ٣٦٦ ]
خاصم فجر" يندرج في الكذب في الحديث، قاله العينيّ رحمه الله تعالى (^١).
(وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: هي الخصلة، جمعه خِلالٌ (^٢) (مِنْهُنَّ) أي من الأربع (كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ) أي خصلة من خصال النفاق.
[تنبيه]: "النفاق" لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل، والترك، وتتفاوت مراتبه، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قال ابن الأنباريّ: في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه سُمّي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل في النَّفَق، وهو السَّرَبُ.
[وثانيها]: أنه شُبّه باليربوع الذي له جُحْر، يقال له: القَاصِعَاءُ، وآخَرُ يقال له النافِقَاء، فإذا أُخذ عليه من أحدهما خَرَج من الآخر، وكذلك المنافق يخرُج من الإيمان من غير الوجه الذي يَدخُل فيه.
[وثالثها]: أنه شُبّه باليربوع من جهة أن اليربوع يَخرِق في الأرض، حتى إذا قارب ظاهرها أرَقّ التراب، فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج، فظاهر جُحْره تراب، وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر. انتهى (^٤).
(حَتَّى يَدَعَهَا) أي إلى أن يترك تلك الخصلة الذميمة.
[تنبيه]: "يدع" مضارع وَدَعَ، قال الفيّوفي: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمّ حُذفت الواو، ثم فُتِحَ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعَمَت النحاة أن العرب أماتت ماضي "يَدَعُ"، ومصدره، واسم الفاعل، لكن قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، بالتخفيف، وفي الحديث: "لينتهيَنَّ
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٢٢٤.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٨٩٥.
(٣) راجع: "الفتح" ١/ ١٢٥.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٤٩.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
أقوام عن وَدْعِهم الْجُمُعات": أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى (^١).
(إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أتى بـ "إذا" الدالة على تحقق الوقوع، تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق. (وَإِذَا عَاهَدَ) من المعاهدة، وهي المحالفة والمواثقة (غَدَرَ) من الغَدْر وهو ترك الوفاء به، وفي "المجمل": الغدر: نقض العهد، وتركه، ويقال: أصله من الغدير، وهو الماء الذي يُغادره السيل: أي يتركه، يقال: غادرت الشيء: إذا تركته، فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد (^٢) (وَإِذَا وَعَدَ) يقال: وَعَدَهُ وعدًا، يستعمل في الخير والشرّ، ويُعَدّى بنفسه وبالباء، فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا وبالشرّ، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر، وقالوا في الخير: وعده وعدًا وعِدَةً، وفي الشرّ: وعده وَعِيدًا، فالمصدر هو الفارق، وأوعده إيعادًا، وقالوا: أوعده خيرًا، وشرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشرّ خاصّةً، والخلف في الوعد عند العرب كذبٌ وفي الوعيد كرمٌ، قال الشاعر [من الطويل]:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ … لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وقال في "الفتح": قال صاحب"المحكم": يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وَعَدته، وفي الشر: أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في "نوادره": أوعدته خيرًا بالهمزة، فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لَمْ يترتب على ترك إنفاذه مفسدة.
وأما الكذب في الحديث، فحَكَى ابن التين عن مالك: أنه سئل عمن جُرّب عليه كذب، فقال: أيُّ نوع من الكذب؟ لعله حَدَّث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضرُّ، وإنما يضر من حَدّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا الكذب. انتهى.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٣.
(٢) "عمدة القاري" ١/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
(أَخْلَفَ) أي لَمْ يفعل ما وعد به.
(وَإِذَا خَاصَمَ) من المخاصمة، وهي المجادلة (فَجَرَ) من الفُجُور، وهو الميل عن القصد، والشّقُّ، أي مال عن الحقّ وقال الباطلَ، أو شقّ ستر الديانة.
وقال في "المفهم": "فَجَر": أي مال عن الحقّ، واحتال في ردّه وإبطاله، وقال الهرويّ: أصل الفجور: الميل عن القصد، وقد يكون الكذب. انتهى.
وقال الطيبيّ: الفجور في اللغة الميل والشقّ، فهو إما ميلٌ عن القصد المستقيم، وإما شقّ سَتْر الديانة، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان. انتهى (^١).
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) استثناء من سياق الحديث، فإنه رواه من طريقين: طريق عبد الله بن نُمير، وطريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن الأعمش، فأشار إلى أنهما اتّفقا في سياق اللفظ إلَّا أن سفيان رواه بلفظ ("وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنَ النِّفَاقِ") بدل رواية ابن نمير بلفظ: ("وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ إلخ")، والخصلة والخلّة بمعنى واحد، قال في "القاموس": الْخَصْلَة - أي بفتح، فسكون -: الْخَلَّةُ، والفضيلة، والرَّذِيلة، أو قد غَلَبَ على الفضيلة، جمعه خِصَال - بالكسر -. انتهى، والمناسب هنا: معنى الرَّذِيلة.
[تنبيه]: رواية سفيان التي أشار إليها هنا، هي التي أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ - ﷺ - قال: "أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كَذَب، كذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر".
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٥١٠.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٧/ ٢١٧] (٥٨)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٥٤)، و"المظالم والغصب" (٢٤٥٩)، و"الجزية والموادعة" (٣١٧٨)، (وأبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٨)، و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٣٢)، و(النسائيّ) في "الإيمان" (٢٠/ ٥٠٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٩٣ و٥٩٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦٧٢٩ و٦٨٢٥ و٦٨٤٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٨)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٢٢ و٥٢٣ و٥٢٤ و٥٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٤ و٢٥٥)، و(الحاكم) في "معرفة علوم الحديث" (ص ١١) و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٢٣٠ و١٠/ ٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خصال المنافق، وهي هذه الأربع.
٢ - (ومنها): التحذير عن الأخلاق الرَّذِيلة مثل هذه الخصال، فإنها تنافي مقتضى الإيمان، فإنه يقتضي أن يكون المؤمن صادقًا في حديثه، وفيًّا بوعده، مؤدّيًا ما ائتمن به، عادلًا في مخاصمته.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا شكّ في أن للمنافقين خصالًا أُخَر مذمومة، كما قد وصفهم الله تعالى، حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فيَحْتَمِل أن يقال: إنما خُصّت تلك الخصال بالذكر؛ لأنَّها أظهر عليهم من غيرها، عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنَّها التي يضرّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم دون غيرها من صفاتهم. والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "المفهم" ١/ ٢٥١.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
٤ - (ومنها): أن هذه الخصال إذا وُجدت في مؤمن كان بها منافقًا نفاقًا عملتًا لا اعتقاديًّا بحيث يَخْرُج بها من الإسلام، ومهما كان الحال فيجب على العاقل أن يجتنبها؛ إذ ربما تجرّه إلى النفاق القلبيّ فيَخْسَر خسرانًا مبينًا، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تأويل النفاق المذكور في هذا الحديث:
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث عَدّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم الْمُجْمَع على عدم الحكم بكفره، قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم.
قال الحافظ: ومُحَصَّل هذا الجواب الحملُ في التسمية على المجاز: أي صاحب هذه الخصال، كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر.
وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ فإنه لَمْ يُرِد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في قوله: "كان منافقًا خالصًا".
وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ارتضاه الخطابي غير مرضيّ عندي؛ إذ هو مخالف لظاهر النصّ، فإنه صريح في إرادة النفاق حقيقة، لكن النفاق مراتب، والمراد هنا النفاق العمليّ كما سبق في كلام القرطبيّ، فتنبّه.
وذكر الخطّابيّ أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك، هو من اعتاد ذلك، وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بـ "إذا"، فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال، والأَولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول مِنْ "حَدَّثَ" يدلُّ على العموم: أي إذا حدّث في كلّ شيء كَذَب فيه، أو يصير قاصرًا: أي إذا وَجَدَ ماهية التحدّث كَذَبَ.
[ ٢ / ٣٧١ ]
وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا.
وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في "المنافق" للجنس، ومنهم من ادَّعَى أنَّها للعهد، فقال: إنه ورد في حقّ شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبيّ - ﷺ -، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعيّن المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ارتضاه القرطبيّ هو أن المراد بالنفاق نفاق العمل، واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ فإنه لَمْ يُرِد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل.
قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد إخراجه الحديث: وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاقُ العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله - ﷺ -. هكذا رُوي عن الحسن البصري شيء من هذا، أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب. انتهى كلام الترمذيّ.
فتبيّن بهذا أن الأرجح حمل النفاق على النفاق العمليّ لا الاعتقاديّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان الجمع بين حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي:
(اعلم): أنه عَدّ في هذا الحديث خصال المنافق أربعًا، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - التالي ثلاثًا، وقد تكلّم العلماء في وجه الجمع بينهما:
فقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أنه - ﷺ - استجدّ له من العلم بحالهم ما لَمْ يكن عنده، فأما بالوحي، وإما بالمشاهدة لتلك منهم.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عدَّ الخصلة المذمومة، الدالّة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٢٦.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
أُضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﷺ - ما يدلُّ على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: "من علامة المنافق ثلاث"، وكذا أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وإذا حُمِل اللفظ الأول - يعني: "علامة المنافق ثلاث" - على هذا لَمْ يَرِد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر.
وقال القرطبيّ أيضًا، والنوويّ: حَصَلَ من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة، وزاد في حديث أبي هريرة: الْخُلْف في الوعد، وفي حديث عبد الله: الغَدْر في المعاهدة والفُجُور في الخصومة.
هذا بالنسبة لرواية البخاريّ، وأما في رواية مسلم والنسائيّ في حديث عبد الله بدل الْغَدْر في المعاهدة الخلف في الوعد، كما في حديث أبي هريرة، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يَتَّحِدُ، وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحقّ والاحتيالُ في ردّه، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث.
ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث: أنَّها مُنَبِّهَةٌ على ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فَنَبَّهَ على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف؛ لأن خلف الوعد لا يَقْدَحُ، إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا، ثم عَرَض له مانع، أو بدا له رأي، فهذا لَمْ توجد منه سورة النفاق، قاله الغزالي في "الإحياء".
وفي الطبراني في حديث طويل، ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان - ﵁ -: "إذا وَعَدَ، وهو يُحَدّث نفسه أنه يُخْلِف"، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أُجمِع على تركه، وهو عند أبي داود، والترمذيّ، من حديث زيد بن أرقم - ﵁ -، مختصرًا، بلفظ: "إذا وَعَدَ الرجل أخاه، ومن نيته أن يَفِيَ له، فلم يَف، فلا إثم عليه"، انتهى كلام
[ ٢ / ٣٧٣ ]
الحافظ (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨] (٥٩) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ، نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القاريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (أَبُو سُهَيْلٍ، نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقة [٤] (ت بعد الأربعين ومائة) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩.
٥ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أنس، أو أبو محمد، جدّ مالك بن أنس إمام دار الهجرة المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٥٩.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه يحيي، فتفرّد به هو وأبو داود، وروى عنه البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والنسائيّ في "مسند عليّ".
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، وبغْلان قرية من قرى بَلْخَ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: أبو سهيل، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ) أي علامته، وسُمّيت آية القرآن آيةً؛ لأنَّها علامة انقطاع كلام من كلام، فـ "آية" مبتدأ خبره قوله: (ثَلَاثٌ) أي ثلاث خصال.
[فإن قيل]: "آية" مفرد، والظاهر يقتضي أن يقال: آيات المنافق ثلاث.
[أجيب]: إما بأن يقال: إن كلَّا من الثلاث آية، حتى لو وُجدت خصلة واحدة يكون صاحبها منافقًا، أو أن يقال: كلّ من الثلاث آية حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة، فعلى الأول المراد منها جنس آية، وعلى الثاني معناه اجتماع هذه الثلاث، هكذا قال الكرمانيّ (^١).
(إِذَا حَدَّثَ) عبّر في الجمل الثلاث بـ "إذا"الدّالّة على تحقّق الوقوع تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق، قاله الطيبيّ، وقال الخطابيّ: كلمة "إذا" تقتضي تكرار الفعل، وقال الكرمانيّ بعد ذكر كلام الطيبيّ، والخطابيّ: الأولى أن يقال: حذف المفعول من حَدّث ونحوه دليل على العموم، أو الإطلاق، فكأنه قال: إذا حدّث في كلّ شيء كذب فيه، أو إذا أوجد ماهية التحديث كذب، ولا شكّ أن مثله منافق في الدين. انتهى. (كَذَبَ) أي أخبر بخلاف الواقع (وَإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) الوعد: هو الإخبار بإيصال الخير في المستقبل، وإخلافه ترك الوفاء به.
[فإن قلت]: الجمل الشرطيّة بيان لثلاث، أو بدل، لكن لا يصحّ أن يقال: الآية إذا حدّث كذب، فما وجهه؟.
_________________
(١) "شرح البخاري" ١/ ١٤٧.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
[أجيب]: بأن معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] على أحد التوجيهات، قاله الكرمانيّ.
[فإن قلت]: الوعد تحديث خاصّ، في معنى عطفه على التحديث؟ إذ الخاصّ لا يخرج من العامّ، فتكون الآية اثنتين، لا ثلاث؟.
[أجيب]: بأن مقابل الوعد الذي هو الإخلاف لما كان قد يكون فعلًا، والكذب الذي هو مقابل التحديث لا يكون فعلًا جعلا متغايرين؛ نظرًا إلى اعتبار تغاير مقابليهما، أو جُعل الوعد حقيقة أخرى غير داخلة تحت حقيقة التحديث على سبيل الادعاء؛ لزيادة قبحه، ونظيره عطف جبريل على الملائكة؛ تنبيهًا على زيادة شرفه، قال الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ منْهُمْ … فإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
وإنما خُصّت الثلاث بالذكر؛ لأنَّها مشتملة على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السرّ الْعَلَن (^١).
(وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بالبناء للمفعول، من الائتمان، وهو جعل الشخص أمينًا، وذكر الكرمانيّ أن في بعض الروايات بتشديد التاء، وهو بقلب الهمزة الثانية منه واوًا، وإبدال الواو ياء، وإدغامها في الياء (خَانَ) من الخيانة، وهي التصرّف في الأمانة على خلاف الشرع، وقال ابن سيده: هو أن يؤتمن الإنسان، فلا ينصح، وفي "الجامع" للقزّاز: خان فلان فلانًا يخونه خيانةً، وأصله النقص، وفي "المصباح": خان الرجل الأمانة يخونها خَوْنًا وخيانةً، ومخانةً، يتعدّى بنفسه، وخان العهد، وفيه، فهو خائن، وخائنة مبالغةٌ، وخائنة الأعين قيل: هي كسر الطرف بالإشارة الخفيّة، وقيل: هي النظرة الثانية عن تعمّد، وفرّقوا بين الخائن، والسارق، والغاصب بأن الخائن هو الذي خان ما جُعِل عليه أمينًا، والسارق من أخذ خُفْيةً من موضعٍ كان ممنوعًا من الوصول إليه، وربّما قيل: كلُّ سارق خائنٌ دون العكس، والغاصب من أخذ جِهَارًا معتمدًا على قوّته. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "شرح الكرماني على البخاريّ" ١/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٨٤.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: عدّ جماعة من العلماء هذا الحديث مشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدّق بقلبه ولسانه، مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره، ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار.
ثم قال: فلدفع الإشكال سبعة أوجه: لأن اللام إما للجنس، فهو إما على سبيل التشبيه، أو أن المراد الاعتياد، أو معناه الإنذار، وإما للعهد، إما من منافقي زمن الرسول - ﷺ -، وإما من منافق خاصّ بشخص بعينه، أو المراد بالنفاق النفاق العمليّ، لا النفاق الإيمانيّ؛ إذ النفاق نوعان، وقال أيضًا: وأحسن الوجوه أن يقال: النفاق شرعيّ، وهو أن يُبطن الكفر ويُظهر الإسلام، وعرفيّ، وهو أن يكون سرّه خلاف علانيته، وهو المراد هنا - إن شاء الله تعالى -.
ويُحكى أن رجلًا من البصرة قَدِمَ مكة حاجًّا، فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح، فقال: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث خصال لَمْ أتحرّج أن أقول له منافق، فقال له عطاء: إذا رجعت إلى الحسن، فقل له: إن عطاءً يقرئك السلام، ويقول لك: ما تقول في بني يعقوب - ﵇ - إخوة يوسف؛ إذ حدّثوا فكَذَبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتُمنوا فخانوا، أفكانوا منافقين؟ فلما قال هذا للحسن، سُرّ الحسن به، وقال: جزاك الله خيرًا، ثم قال لأصحابه: إذا سمعتم مني حديثًا، فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم، حَدِّثوا به العلماء، في كان منه صوابًا فحسنٌ، وإن كان غير ذلك رُدّوا عليّ جوابه. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٧/ ٢١٨ و٢١٩ و٢٢٠ و٢٢١] (٥٩)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٣٣)، و"الشهادات" (٢٦٨٢)، و"الوصايا"
_________________
(١) راجع: "شرح الكرماني على البخاريّ" ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
(٢٧٤٩)، و"الأدب" (٦٠٩٥)، و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٣١)، و(النسائيّ) في "الإيمان" (٥٠٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٦ و٣٥٧ و٣٩٧ و٥٣٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤٢ و٤٣ و٤٤ و٤٥ و٤٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٧ و٢٠٩ و٢١٠ و٢١١ و٢١٢)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٢٥٧)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٢٧ و٥٢٨ و٥٢٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٨٨)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٣٥ و٣٦).
وأما بقية مسائل الحديث من الفوائد، وغيرها فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَة، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة [٧].
روى عن زيد بن أسلم، وحميد الطويل، وإبراهيم، وموسى ابني عقبة، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن أبي عمرو، وجماعة.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ورَوَى عنه عبد الله بن نافع الصائغ، وزياد بن يونس، وسعيد بن أبي مريم، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وعبيد بن ميمون، وجماعة.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وقال ابن المديني: معروف، وقال النسائي: صالح، وقال أيضًا: مستقيم الحديث، وقال العجلي: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (مولى الْحُرَقة) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الراء، وبالقاف: بطنٌ من جُهَينة (^١).
وقوله: (من علامات المنافق) فيه إشارة إلى قوله في الحديث الماضي: "آية المنافق ثلاث"، وكذا قوله: "أربع من كنّ فيه … إلخ" ليس للحصر، بل له علامات أخرى، ولكن هذه المذكورات أبرزها، وأشدّها ضررًا.
وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠] (…) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو زُكَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ صَامَ، وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ) هو: عُقْبة بن مُكْرَم - بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء - ابنَ أفلح الْعَمّيّ، أبو عبد الملك الحافظ البصريّ، يقال: اسم والد أفلح: جَرَاد، ثقةٌ [١١].
رَوَى عن غُنْدَر، ويحيى القطان، وابن مهديّ، ووهب بن جرير، وابن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٤٨.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
أبي فُديك، وصفوان بن عيسى، وسعيد بن عامر، وأبي عامر الْعَقَديّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، وعبد الله بن أحمد، ويعقوب بن سفيان، وابن أبي الدنيا، وعثمان بن خُرّزاذ، وابن أبي عاصم، والبزار، وغيرهم.
قال الفضل بن زكريا: سمعت أبا عبد الله، وقال له ابنه عبد الله: قَدْ قَدِمَ رجلٌ من البصرة عنده كُتُبُ غُنْدَر - يعني عقبة بن مكرم - فقال أبو عبد الله: ما أعلم أحدًا كَتَبَ الكتب غيرنا، أخذنا من علي - يعني ابن المديني - كتبه، فكان انتخابًا، فأخذنا كتب الشيخ، فكنا ننسخها، وقال أبو داود: عقبة بن مكرم ثقة ثقة، من ثقات الناس، فوق بُندار في الثقة عندي، وقال النسائيّ: ثقة.
قال ابن قانع: مات بالبصرة سنة (٢٤٣)، وفيها أَرّخه غيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٥) أو بعدها، أو قبلها بقليل.
وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
[تنبيه]: (الْعَمّيّ) - بفتح العين المهملة، وتشديد الميم -: نسبة إلى بني الْعَمّ، بطن من تميم، قاله في "لب اللباب" (^١).
٢ - (يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو زُكَيْرٍ) - بالتصغير - الْمُحَاربيّ الضرير، أبو محمد، المدنيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ يُخطئ كثيرًا [٨].
رَوَى عن أبيه، وزيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار، وربيعة، وعمرو بن أبي عمرو، والعلاء بن عبد الرَّحمن، ومحمد بن عجلان، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن صالح البغداديّ، ونعيم بن حماد، وعلي بن المدينيّ، وإسماعيل بن مسعود الْجَحْدريّ، وبندار، وأبو موسى، ومحمد بن سلام البيكنديّ، وعقبة بن مكرم العميّ، وهلال بن بشر البصري، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال عمرو بن عليّ:
_________________
(١) "لبّ اللباب" ٢/ ١٢٢.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ليس بمتروك، وقال أبو زرعة: أحاديثه متقاربة، إلَّا حديثين، وقال أبو حاتم، يُكْتَب حديثه، وأورد له ابن عديّ أربعة أحاديث، وقال: عامة أحاديثه مستقيمة، إلَّا هذه الأحاديث، وقال الْعُقَيليّ: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل من غير تعمّد، لا يحتج به، وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِمُ، وفي حديثه لِينٌ، قال: وقال الخليليّ: شيخ صالح.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف هذا الحديث فقط متابعةً، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة.
[تنبيه]: (أبو زُكير) بضم الزاي، وفتح الكاف، وإسكان الياء، وبعدها راء، مصغّرًا، قال أبو الفضل الْفلَكيّ الحافظ: أبو زكير لقبٌ، وكنيته أبو محمد. انتهى (^١).
والعلاء سبق قريبًا.
وقوله: (يحدّث بهذا الإسناد) الإشارة إلى قوله في السند الماضي: "عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - "، يعني أن يحيى بن محمد سمع العلاء بن عبد الرَّحمن يحدّث عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - … إلخ.
وقوله: (وقال: آية المنافق إلخ) يعني أن محمد بن يحيى قال في روايته عن العلاء هذه: قال رسول الله - ﷺ -: "آية المنافق ثلاثٌ، وإن صام، وصلّى، وزعم أنه مسلم … إلخ" بدل قوله في الرواية الأولى: "من علامات المنافق ثلاثة … إلخ"، ولم أجد من ساق لفظ محمد بن يحيى عن العلاء، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وزعم أنه مسلم) أي وإن ادّعى بأنه متمسّك بأمور الإسلام، إلَّا أن فعله هذا يشهد عليه بأنه يبطن خلاف ما يُظهره؛ لأن حقيقة الإسلام هو الاستسلام، والانقياد لله تعالى بالطاعة ظاهرًا وباطنًا، فإذا ظهر على المسلم ما ينافي ذلك فقد كذّبه في دعواه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٤٨.
[ ٢ / ٣٨١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١] (…) - (وحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ الْعَلَاء، ذَكَرَ فِيهِ: "وإِنْ صَامَ، وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ) الْقُشَيريّ، النَّسَويّ، الدَّقِيقيّ، قيل: اسم جده الحارث، والد بشر الحافي، وقيل: اسمه عبد الملك بن ذكوان بن يزيد بن محمد بن عبيد الله، ثقة عابدٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن جرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وزهير بن معاوية، وأبان العطار، ومالك، وأبي هلال الراسبيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وأبي الأشهب العُطَارديّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، ورَوَى النسائيّ، عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ عنه، وأبو قُدَامة السَّرَخسيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن منيع، وأبو موسى، وعمرو بن علي الفلاس، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ يُعَدُّ من الأبدال، وقال أبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: كان أحمد لا يرى الكتابة عن أحد ممن أجاب في المحنة، كأبي نَصْر التَّمّار، وقال الميمونيّ: صحّ عندي أن أحمد لَمْ يحضره لما مات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: ذُكِر أنه وُلد بعد قتل أبي مسلم بستة أشهر، ونزل بغداد، واتَّجَر بها في التمر، وكان ثقةً فاضلًا خَيِّرًا ورعًا، تُوُفي في أول يوم من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائتين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وقد ذهب بصره، وكذا أَرَّخ البغويّ وفاته.
وذكر صاحب"الزهرة" أن مسلمًا رَوَى عنه أربعة أحاديث، وأن البخاري رَوَى عن رجل عنه، قال الحافظ: ولم نقف على ذلك في "الصحيح". انتهى.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وقال الحافظ المزيّ: روى عنه مسلم حديث: "يقومون حتى يَبْلُغَ الرَّشْحُ أطراف آذانهم"، وما أظنه رَوَى عنه في "صحيحه" غيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ظنه الحافظ المزيّ يردّه هذا الحديث، وأما ما ذكره صاحب "الزهرة" من أن مسلمًا روى عنه أربعة أحاديث، فلا أظنه صحيحًا، بل له هذان الحديثان فقط، حديث الباب، وحديث (٢٨٦٢) (^١): "يوم يقوم الناس لرب العالمين … "، والله تعالى أعلم.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بن نَصْر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيِّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالسين المهملة - ثقة (^٢)، من كبار [١٠].
رَوَى عن مالك، ووهيب بن خالد، والحمادين، ويزيد بن زريع، وداود بن عبد الرَّحمن العطار، وابن أبي الزناد، وعبد الجبار بن الورد، والدَّرَاورديّ، ومعتمر بن سليمان، وجماعة.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائيّ عن زكريا السِّجْزيّ، وأحمد بن علي القاضي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو حبيب الْيَزَنيّ، وأحمد بن سنان القطان، وإبراهيم بن الجنيد، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم.
قال ابن معين: النَّرْسيّان (^٣) ثقتان، وقال مرةً: لا بأس بهما، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال صالح بن محمد بن خِدَاش: صدوق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابنُ قانع، والدارقطنيّ، ومسلمة بن قاسم، والخليليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: مات في جمادى الآخرة سنة (٢٣٧)، وكذلك قال
_________________
(١) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٢) قال في "التقريب": لا بأس به، وما قلته أولى؛ لأنه وثقه أبو حاتم، وابن معين، والدارقطنيّ، ومسلمة، وغيرهم، وليس فيه جرح لأحد، وهو شيخ الشيخين في "صحيحيهما"، فتبصّر.
(٣) أراد عبد الأعلى هذا، والعباس بن الوليد، فإنه نَرْسيّ أيضًا.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
محمد بن عبد الله الحضرميّ، وغير واحد في السنة، وفي رواية عن الحضرميّ في سنة (٣٦).
قال الحافظ متعقّبًا على هذا ما نصّه: قلت: الذي أَرَّخه الحضرميّ: سنة ستّ: عبدُ الأعلى، عن الإسماعيليّ، لا هذا. انتهى (^١).
أخرج له الجماعة، إلَّا الترمذيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) واسمه دينار بن عُذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥].
رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عكرمة، والشعبي، وزرارة بن أوفى، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، وسماك بن حرب، وعاصم الأحول، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوري، ومسلمة بن علقمة، وابن جريجٍ، والحمادان، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو معاوية، وغيرهم.
قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن، وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة ثقة، قال: وسئل عنه مرّة أخرى، فقال: مثل داود يُسأل عنه! وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء، وقال العجلي: بصري ثقة، جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا، وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، وقال ابن حبان: رَوَى عن أنس خمسة أحاديث، لَمْ يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلَّا أنه كان يَهِمُ إذا حدث من حفظه، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال الحاكم: لَمْ يصح سماعه من أنس، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعوف، وقرة، فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٦٤.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
من عاصم، وخالد الحذاء، وقال ابن خِرَاش: بصري ثقة، وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف.
وقال يزيد بن هارون، وغير واحد: مات سنة (١٣٩)، وقال علي ابن المديني، وغير واحد: مات سنة (٤٠)، وقيل: مات سنة (٤١).
أخرجِ له البخاري في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن أبي حَزْن المخزوميّ المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن الْعَلَاءِ) يعني أن لفظ حديث أبي نصر التمار، وعبد الأعلى بن حماد مثل حديث شيخه يحيى بن محمد بن قيس، عن العلاء، عن أبيه.
وقوله: (ذَكَرَ فِيهِ: "وَإِنْ صَامَ … إلخ") مؤكّد لما قبله؛ لأن حديث يحيى فيه ذلك أيضًا، فلا معنى للتنبيه عليه.
[تنبيه]: رواية أبي نصر التمّار هذه أخرجها ابن حبّان في "صحيحه" (١/ ٤٩٠) فقال:
(٢٥٧) أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد البربار، حدثنا أبو نصر التمّار، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وحبيب (^١) عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث من كُنّ فيه، فهو منافق، وإن صام، وصلى، وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا ائتُمِن خان".
وأما روايةُ عبد الأعلى بن حماد فقد أخرجها الحافظ ابن مندَهْ في "الإيمان" (٢/ ٦٠٦) فقال:
(٥٣٠) أنبأ خيثمة بن سليمان، ثنا أبو قلابة، عبد الملك بن محمد الرقاشيّ، وأنبأ محمد بن سعد، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا محمد بن أيوب، ثنا أبو سلمة، وعلي بن عثمان (ع) وأنبأ أحمد بن عبيد الحمصيّ، ثنا
_________________
(١) "حبيب" هو ابن الشهيد، و"الحسن" هو البصريّ، وروايته مرسلة.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أحمد بن علي بن سعيد، ثنا عبد الأعلى بن حماد، قالوا: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "ثلاثٌ مَن كُنّ فيه فهو منافق، وإن صام، وصلي، وزعم أنه مؤمن: إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا اؤتُمِن خان". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.