وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢] (٦٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيَمان" ١/ ١٥٧.
٢ - (عُبَيْدُ اللهُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعَدَويّ الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبتٌ، أحد الفقهاء [٥].
رَوَىَ عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، ولها صحبة، وعن أبيه، وخاله، خُبَيب بن عبد الرَّحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابنه أبي بكر بن سالم، ونافع مولى ابن عمر، وابنه عمر بن نافع، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وابنه عبد الرَّحمن بن القاسم، وسعيد المقبريّ، وعبد الله بن دينار، وأبي الزناد، وعطاء بن أبي رباح، وثابت البناني، وغيرهم.
وروى عنه أخوه عبد الله، وحميد الطويل، وهو من شيوخه، وأيوب السختياني، ومات قبله، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أكبر منه، وجرير بن حازم، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وعبد الله بن نمير، وأبو أسامة، وخلق كثير.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
قال عمرو بن عليّ: ذَكَرتُ ليحيى بن سعيد قولَ ابن مهديّ: إن مالكًا أثبت في نافع عن عبيد الله فغضب، وقال: هو أثبتُ من عبيد الله؟!، وقال أبو حاتم عن أحمد: عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: مالك أحب إليك عن نافع، أو عبيد الله؟ قال: كلاهما، ولم يُفَضِّل، وقال جعفر الطيالسيّ: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله عن القاسم، عن عائشة، الذهب الْمُشَبَّك بالدُّرّ، فقلت: هو أحب إليك، أو الزهري عن عروة عن عائشة؟ قال: هو إليّ أحبّ، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحب إلي من مالك في حديث نافع، وقال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: عبيد الله بن عمر من الثقات، وقال النسائيّ: ثقة ثبتٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن منجويه: كان من سادات أهل المدينة، وأشرف قريش فضلًا، وعلمًا، وعبادةً، وشرفًا، وحفظًا، وإتقانًا، وهكذا قال ابن حبّان، وزاد: أمه فاطمة بنت عمر بن عاصم بن عمر، وكذا ذكر ابن سعد في الطبقة الخامسة، قال: ولَمّا خَرَج محمد بن عبد الله بن الحسن على المنصور، لَزِمَ عبيد الله ضَيْعَته، واعتزل، فلما قُتِل محمد رجع عبيد الله إلى المدينة، فمات بها سنة (٤٧)، وكان ثقةً كثير الحديث، حجّةً، وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبتٌ مأمونٌ، ليس أحد أثبت في حديث نافع منه، وقال أبو نعيم الأصبهاني في الرواة عن الزهري: رَأَى أنسًا، وقال الحربيّ: لَمْ يدرك عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وقال ابن معين: لَمْ يسمع من ابن عمر، وقال: ثقةٌ، حافظٌ، مُتَّفَقٌ عليه.
وقال الْهَيْثَم بن عديّ: مات سنة سبع وأربعين ومائة، وقال غيره: مات سنة (٤) أو (٤٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨٠) حديثًا.
٣ - (نَافِع) العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، ثقة ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣].
رَوَى عن مولاه، وأبي هريرة، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وأبي سعيد الخدري، ورافع بن خَدِيج، وعائشة، وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله بن عمر، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، ونُبيه بن وهب العبدي، وخلق كثير.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ورَوَى عنه أولاده: أبو عمر، وعمر، وعبد الله، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وعبد ربه ويحيى ابنا سعيد الأنصاري، ويونس بن عبيد، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وميمون بن مِهْران، وابن عجلان، وأيوب السختياني، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وقال بشر بن عُمَر عن مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر، لا أبالي أن لا أسمعه من غيره، وقال عبيد الله بن عمر: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع، وقال أيضًا: بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن، وقال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: نافع عن ابن عمر أحب إليك أو سالم؟ فلم يُفَضِّل، قلت: فنافع أو عبد الله بن دينار؟، فقال: ثقات، ولم يُفَضِّل، وقال العجلي: مدني ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة نبيل، وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: أثبت أصحاب نافع مالك، ثم أيوب، فذكر جماعة، وقال في موضع آخر: اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ من نافع، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اختُلِف في نسبته، ولم يصح عندي فيه شيء، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية قال: كنا نريد نافعًا مولى ابن عمر على اللحن فيأباه، قال أحمد: قال سفيان: فأَيُّ حديث أوثق من حديث نافع؟ وقال ابن أبي حاتم: رواية نافع، عن عائشة وحفصة مرسلة. وقال أبو زرعة: نافع عن عثمان مرسل، وقال أحمد بن حنبل: نافع عن عمر منقطع، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: كان نافع حافظًا ثبتًا له شأن، وهو أكبر من عكرمة عند أهل المدينة، وقال الخليلي: نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم، متفق عليه، صحيح الرواية، منهم من يُقَدّمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يُعرَف له خطأ في جميع ما رواه.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
قال يحيى بن بكير وآخرون: مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال أبو عبيد: مات سنة تسع عشرة. ويقال: سنة عشرين، وقال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل: مات سنة تسع عشرة، وقال أبو عمر الضرير: مات سنة عشرين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣١٢) حديثًا.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرَّحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - (ت ٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقون كوفيون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبيد الله، عن نافع.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالفقهاء، فعبيد الله، ونافغ، وابن عمر من الفقهاء المشهورين في عصرهم.
٦ - (ومنها): أن نافعًا أوثق من روى عن ابن عمر حتى قدّمه الإمام أحمد على سالم بن عبد الله بن عمر، ووافقه النسائيّ، والدارقطنيّ، وقدّم بعضهم عليه سالِمًا، وإلى هذا أشرت في "شافية الغُلل" بقولي:
أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرِ … ابْنُهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ دُرِي
وَاخْتَلَفَا فِي عَدَدٍ مِنَ الْخَبَرْ … فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ أَحَارَ مَنْ نَظَرْ
سُئِلَ أَحْمَدُ فَلَمْ يَقْضِ بِشَيْ … كَذَاكَ عَنْ يَحْيَى أَتَاكَ يَا أُخَيْ
وَمَالَ أَحْمَدُ لِوَقْفِ نَافِعِ … "فِيمَا سَقَتْ" "مَنْ بَاعَ عَبْدًا" فَاسْمَعِ
وَالنَّسَئِي وَالدَّارَقُطْنِي رَجَّحَا … وَقْفَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَأَفْصَحَا
"فِيمَا سَقَتْ" "مَنْ بَاعَ" ثُمَّ "تَخْـ …
_________________
(١) رُجُ"مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ نَارٌ تُزْعِجُ وَبَعْضُهُمْ زَادَ حَدِيثَ "النَّاسُ … كَإِبِلٍ مِائِهْ" فَذَا مِقْيَاسُ وَبَعْضُهُمْ رَجَّحَ قَوْلَ سَالِمِ … فِي رَفْعِهَا فَاحْفَظْهُ حِفْظَ فَاهِمِ
(٢) (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين
[ ٢ / ٣٨٩ ]
السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثَّا، وهو أحد المفتين المشهورين في عصره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ) أي نسبه إلى الكفر، ورماه به، فقال له: يا كافر (فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا") معناه عند بعض أهل اللغة: احتملها، وعند بعضهم معناه: رجع بها، أي رجع وبال الكفر على القائل إن لَمْ يكن المقول له كذلك.
قال في "القاموس": باء بِذَنْبِهِ بَوْءًا، وبَوَاءَّ: احتمله، أو اعترف به. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: معنى: "فقد باء بها" أي التزمها، ورجع بها، قال: ولا بدّ للرجوع والعود من الشيء، فإذا قال القائل لصاحبه: يا كافر، فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر الصادر منه مقتضاها، وإن كذب، واعتقد بُطلان دين الإسلام، رجعت هذه الكلمة الصادرة إلى القائل. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى"باء بها": أي رجع بإثمها، ولازم ذلك، قال الهرويّ: وأصل الْبَوْء: اللزوم، ومنه: "أبوء بنعمتك عليّ": أي أُقرّ بها، وألزمها نفسي، وقال غيره من أهل اللغة: إنّ باء في اللغة رجع بشرّ، والهاء في "بها" راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقلّ ما يدلّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة، ونعني بهذا أن المقول له: يا كافر، إن كان كافرًا كفرًا شرعيًّا، فقد صدق القائل له ذلك، وذهب بها المقول له، وإن لَمْ يكن كذلك رجعت للقائل معرّة ذلك القول، وإثمه، و"أحدهما" هنا يعني به المقول له على كلّ وجه؛ لقوله: "إن كان كما قال"، وأما القائل، فهو المعنيّ بقوله: "وإلا رجعت عليه"، وبيانه بما في حديث أبي ذرّ - ﵁ - الذي قال فيه: "من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدوّ الله، وليس كذلك، وإلا حار عليه"، أي
_________________
(١) "القاموس" ص ٣٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٠/ ٣١١٣.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
على القائل، و"حار": رجع، ويعني بذلك وزر ذلك وإثمه. انتهى (^١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٢٨/ ٢٢٢ و٢٢٣] (٦٠)، و(البخاريّ) في "الأدب" (٦١٠٤)، و(أبو داود) في "السنة" (٤٦٨٧)، و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٣٧)، و(مالك) في "الموطأ" (٢/ ٩٨٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٨ و٢٣ و٦٠ و١١٢ و١١٣ و١٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧ و٤٨ و٤٩ و٥٠ و٥١ و٥٢ و٥٣ و٥٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٣ و٢١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩ و٢٥٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٢١ و٥٩٤ و٥٩٥ و٥٩٦ و٥٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٠٨)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٣٥٥٠ و٣٥٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حال المسلم إذا قال لأخيه المسلم: يا كافر، وهو أن يتحمّل إثم تكفيره إن لَمْ يكن كما قال.
٢ - (ومنها): وجوب حفظ اللسان عن قول الخنا والفحش.
٣ - (ومنها): وجوب احترام المسلم لأخيه المسلم، وعدم رميه بكلام بذيء، مثل الكفر، والفسق، والفجور.
٤ - (ومنها): عناية الشارع بالتنبيه والإرشاد إلى ما هو الأولى بالمسلم، وإبعاده عما يشين عرضه، ودينه.
٥ - (ومنها): أن رمي المسلم بالكفر من الذنوب الخطيرة، فيجب التوبة منها، واستحلال أخيه بتكذيب نفسه، وطلب المسامحة له في ذلك.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ٢ / ٣٩١ ]
٦ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": وهذا يقتضي أن من قال لآخَرَ: أنت فاسق، أو قال له: أنت كافر، فإن كان ليس كما قال، كان هو المستحقَّ للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال: لَمْ يرجع عليه شيء؛ لكونه صَدَقَ فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقًا، ولا كافرًا أن لا يكون آثمًا في صورة قوله له: أنت فاسقٌ، بل في هذه الصورة تفصيل، إن قَصَدَ نُصْحَه، أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك، ومَحْضَ أذاه لَمْ يجز؛ لأنه مأمور بالسَّتْر عليه، وتعليمه، وعِظَته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف؛ لأنه قد يكون سببًا لإغرائه، وإصراره على ذلك الفعل، كما في طبع كثير من الناس من الأنَفَة، لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: "فقد باء بها أحدهما":
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: في هذا الحديث إشكال من حيث إن المسلم الْمُصَدّق لا يَكْفُر عند أهل الحق بهذا وأمثاله، فمِن أهل العلم من حمله على المستحل لذلك، ومنهم من قال: معناه رَجَعَت عليه نقيصته لأخيه، إذا لَمْ يكن كما قال بكذبه عليه.
وهذان الوجهان مباعدان لظاهر الحديث.
ومنهم من حمله على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا يأباه كون الصحيح أن الخوارج لا يُكَفَّرون، وإن كُفِّرُوا فلا فرق في تكفيرهم بين أن يكون المقول له ذلك كافرًا، أو لا يكون.
فأقول - والله أعلم -: إن لَمْ يكن أخوه كافرًا كما قال رجع عليه تكفيره، فليس الراجع إليه هو الكفر، بل التكفير، وذلك لأن أخاه إذا كان مؤمنًا، وقد جعله هو كافرًا، مع أن المؤمن ليس بكافر، إلَّا عند من هو كافر من يهوديّ أو نصراني أو غيرهما، فقد لَزِمَ من ذلك كونه مُكَفِّرًا لنفسه؛ ضرورةً لتكفيره من لا
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤٨٠ - ٤٨١.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
يُكَفِّره إلَّا كافر، ويكون الضمير في قوله: "فقد باء بها"، بوَصْمَة التكفير، ومَعَرَّته، أي إنها لاصقة بأَوْلاهما بها، وهو المقول له إن كان كما قيل، وإلا فالقائل.
وهذا معنى صحيحٌ غير مباعد لظاهر الحديث، فإن يكن قد قاله أحد سَبَقَ فأحرى له، وإلا فهو مما تركه الأول للآخر - ولله الحمد كله، وهو أعلم.
ثم أقول: يتجه فيه معنى آخرُ مُطَّرِد في سائر الأحاديث القاضية بالكفر فيما ليس في نفسه كفرًا، وهو أن ذلك يؤول به إلى الكفر، إذا لَمْ يتب توبة ماحية لِجُرْمه ذلك؛ إذ المعصية إذا فَحُشَت جَرَّت بشؤمها إلى الكفر، ولذلك شواهد، ووصفُ الشيء بما يؤول إليه سائغ شائع، من ذلك قول الله ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، والله أعلم.
وقد رَوَينا في بعض روايات هذا الحديث في مُستخَرَج أبي عوانة الإسفراييني الحافظ على كتاب مسلم: "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"، وفي رواية أخرى: "أنه إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما".
فهذا إن لَمْ يكن من عبارة بعض الرواة روايةً منه بالمعنى على ما فهمه، مع أنه ليس الأمر على ما فهمه، كما وقع في كثير من رواياتهم، فالوجه الأخير حينئذ هو الراجح المختار، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (^١).
وقال النوويّ - ﵀ - في "شرحه": قوله - ﷺ -: "إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما":
هذا الحديث مما عَدّه بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحقّ أنه لا يَكْفَر المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر اعتقاد من غير بطلان دين الإسلام، وإذا عُرِف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه:
[أحدها]: أنه محمول على المستحلّ لذلك، وهذا يَكْفُر، فعلى هذا معنى "باء بها" أي بكلمة الكفر، وكذا "حار عليه"، وهو معنى "رَجَعت عليه" أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد.
[والوجه الثاني]: معناه رَجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره.
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
[والثالث]: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض - ﵀ -، عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، كسائر أهل البدع.
[والوجه الرابع]: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويُخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه، ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه الْمُخَرَّج على "صحيح مسلم": "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما".
[والوجه الخامس]: معناه فقد رَجَع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كَفَّر نفسه، إما لأنه كَفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كَفر من لا يُكَفره إلَّا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال في "الفتح": قال النوويّ: اختُلِف في تأويل هذا الرجوع، فقيل: رجع عليه الكفر، إن كان مستحلًّا، وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج؛ لأنهم يُكَفرون المؤمنين، هكذا نقله عياض عن مالك، وهو ضعيف؛ لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يُكَفَّرون ببدعتهم.
قال الحافظ: ولما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يُكَفِّر كثيرًا من الصحابة - ﵃ -، ممن شَهِدَ له رسول الله - ﷺ - بالجنة، وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل.
قال: والتحقيق أن الحديث سِيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فِرْقة الخوارج وغيرهم.
وقيل: معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به.
وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر، كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها، وأصرّ عليها سوء الخاتمة.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٤٩ - ٥٠.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وأرجحُ من الجميع أن من قال ذلك لمن يَعْرِف منه الإسلام، ولم يَقُم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يَكْفُر بذلك، كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير، لا الكفر، فكأنه كَفَّر نفسه؛ لكونه كَفَّرَ من هو مثله، ومن لا يُكَفِّره إلَّا كافر، يعتقد بُطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه: "وَجَبَ الكفر على أحدهما".
وقال القرطبيّ: حيث جاء الكفر في لسان الشرع، فهو جَحْد المعلوم من دين الإسلام بالضرورة الشرعية، وقد وَرَد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم، وترك شكر المنعم، والقيام بحقه، ومنه قوله - ﷺ -: "يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير"، متّفقٌ عليه، قال: وقوله: "باء بها أحدهما": أي رجع بإثمها، ولازم ذلك، وأصل الْبَوْء اللزوم، ومنه: "أبوء بنعمتك": أي أُلْزمها نفسي، وأُقرّ بها، قال: والهاء في قوله: "بها" راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقلّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة.
والحاصل أن المقول له إن كان كافرًا كفرًا شرعيًّا، فقد صَدَق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لَمْ يكن، رجعت للقائل مَعَرَّة ذلك القول وإثمه.
قال الحافظ: كذا اقتصر على هذا التأويل في "رَجَعَ"، وهو من أعدل الأجوبة، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء - ﵁ - بسند جيّد رفعه: "إنّ العبد إذا لَعَنَ شيئًا، صَعِدت اللعنة إلى السماء، فتُغلَق أبواب السماء دونها، ثم تَهْبط إلى الأرض، فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لَمْ تَجِد مَسَاغًا رجعت إلى الذي لُعِنَ، فإن كان أهلًا، وإلا رَجَعت إلى قائلها"، وله شاهد عند أحمد، من حديث ابن مسعود - ﵁ - بسند حسن، وآخر عند أبي داود، والترمذيّ عن ابن عباس - ﷺ -، ورواته ثقات، ولكنه أُعِلَّ بالإرسال. انتهى ما في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال هو ما قاله القرطبيّ، كما أشار إليه الحافظ.
وخلاصته أن رجوع الكفر إلى القائل إذا لَمْ يكن المقول له أهلًا لتلك الكلمة إنما هو رجوع معرّتها، وإثمها، لا رجوع نفس الكفر إليه بمعنى كونه يخرج بقوله
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٨١.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
من الإسلام، وقد سبق أن كثيرًا من النصوص التي وردت بلفظ الكفر محمولة على كفر دون كفر، وقد عقد الإمام البخاريّ في "كتاب الإيمان" من صحيحه لذلك بابًا، فقال: "باب كفران العشير، وكفر بعد كفر"، ثم أورد فيه حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وفيه: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان"، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أنهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٣] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
وأما "يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ"، وهو النيسابوريّ، وَ"عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ"، وهو السعديّ المروزيّ، فقد تقدّما قبل ثلاثة أبواب.
وأما "يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ"، وهو المقابريّ البغداديّ، وَ"قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ"، وهو الثقفيّ البغلانيّ، و"إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ"، وهو ابن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، فقد تقدّموا في الباب الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، تقدّمت هناك.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنف - ﵀ -، وهو (٧) من رباعيات الكتاب.
وقوله: (أَيُّمَا امْرِئٍ) "أيّما" أداة شرط، أي: أيّ رجل (قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ) هكذا النسخ التي بين يَدَيّ بإثبات حرف النداء، والذي شرح عليه القرطبيّ بحذف "يا"، ولذا قال في شرحه: "صواب تقييده: كافرٌ" بالتنوين على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أنت كافرٌ، أو هو كافرٌ، وربّما قيّده بعضهم
[ ٢ / ٣٩٦ ]
كافرُ بغير تنوين، فجعله منادى مفردًا، محذوفَ حرف النداء، وهذا خطأ؛ إذ لا يُحذف حرف النداء مع النكرات، ولا مع المبهمات، إلَّا فيما جرى مجرى المثل في نحو قولهم: "أَطْرِقْ كرَا" (^١)، و"افتَدِ مخنوقُ" (^٢)، وفي حديث موسى - ﵇ -: "ثوبي حجر، ثوبي حجر"، متّفقٌ عليه، وهو قليل. انتهى.
قال الجامع: وهذا الذي قاله القرطبيّ قد أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
قال القرطبيّ: وأصل الكفر التغطية والسترُ، ومنه سُمّي الزارع كافرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، أي الزارع، ومنه قول الشاعر [من الكامل]:
… فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (^٣)
أي ستر وغطّي، والغمام السحاب، وأما الكفر الواقع في الشرع، فهو جَحْد المعلوم منه ضرورةً شرعيّةً، وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعيّ، وقد جاء فيه الكفر بمعنى جَحْد المنعم، وترك الشرك على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله - ﷺ - للنساء: "يكفُرن الإحسان، ويكفرن العشير"، متفق عليه، أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن ها هنا صحّ أن يقال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وسيأتي لهذا مزيد بيان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٤).
_________________
(١) "كرا" هو الكروان، أو مرخّم الكروان، وهذ مثلٌ يُضرب للذي ليس عنده غَناء، ويتكلّم، فيقال: اسكت، وتوقّ انتشار ما تلفظ به، كراهة ما يتعقبه. اهـ. "مجمع الأمثال" ١/ ٤٣٢.
(٢) هذا مثلٌ يُضرب لكل مشفوق عليه مضطرّ، ويُروى "افتدى مخنوقٌ". اهـ. "مجمع الأمثال" ٢/ ٧٨.
(٣) عجز بيت من معلّقة لبيد، وصدره: يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ …
(٤) "المفهم" ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وقوله: (إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ) هذا تفصيل لقوله: "فقد باء بها أحدهما" يعني أن المقول له إن كان كافرًا كما رماه به القائل، فقد صدق قول القائل عليه، ورجعت الكلمة إليه بمعنى أنه تحقّق وثبت عليه معناها، وصدق المتكلّم بها.
وقوله: (وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ) هي "إن" الشرطيّة أُدغمت في "لا" النافية، أي وإن لَمْ يكن المقول له كافرًا بالفعل، بل كان بريئًا منه، فقد رجعت الكلمة على القائل، بمعنى أن وبالها، وإثمها راجع عليه، فيستحقّ العقوبة بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.