وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤] (٦١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنَ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلَّا كَفَرَ، وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ [النَّار، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْر، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سَهْل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: حسين بن ذكوان الْمُعلّم المُكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
٥ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٥٢.
٦ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، بعدها عين مهملة ساكنة، وبفتح الميم، وضمّها - البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) الدِّيليّ - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة - ويقال: الدُّؤَليُّ - بضم الدال، بعدها همزة مفتوحة - البصريُّ القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدَل بن يَعْمَر بن حِلْس بن نُفَاثة بن عَدِيّ بن الدّيل، ويقال: اسمه عمرو بن ظالم، ويقال: عُويمر بن ظُويلم، ويقال: عمرو بن عثمان، ويقال: عثمان بن عمرو، ثقة فاضلٌ مخضرم [٢].
رَوَى عن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، والزبير بن العوام، وأُبَيّ بن كعب، وأبي موسى، وابن عباس، وعمران بن حصين - ﵁ -.
ورَوَى عنه ابنه أبو حرب، وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن يعمر، وعُمَر بن عبد الله، مولى غُفْرة، وسعيد بن عبد الرَّحمن بن رُقَيش.
قال أبو حاتم: وَلي قضاء البصرة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وهو أول من تكلم في النحو، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان شاعرًا مُتَشَيِّعًا، وكان ثقةً في حديثه - إن شاء الله تعالى - وكان ابن عباس لَمّا خَرَج من البصرة استَخْلَف عليها أبا الأسود، فأقره عليّ، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، فقال: كان ذا دين، وعَقْل ولسان وبيان، وفَهْم وذَكَاء وحَزْم، وكان من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
وقال الواقديّ: كان ممن أسلم على عهد النبيّ - ﷺ -، وقاتل مع عليّ يوم الجمل، وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد، وقال يحيى بن معين، وغيره: مات في طاعون الجارف، سنة تسع وستين، وفيها أَرَّخه ابن أبي خيثمة، والمرزبانيّ، وزاد: وكان له يوم مات خمس وثمانون سنة، قال ابن أبي خيثمة: وأخبرنا المدائني: كان يقال: إن أبا الأسود مات قبل الطاعون، قال:
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وهذا أشبه؛ لأنّا لَمْ نسمع له في ذكرًا (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٩٤): "ما من عبد قال: لا إله إلَّا الله … "، و(٥٥٣): "عُرضت عليّ أعمال أمتي … "، و(٧٢٠): "يُصبح على كلّ سُلامى من أحدكم … "، و(١٠٠٦): "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون … "، و(١٠٥٠): "لو كان لابن آدم واديان من مال … "، و(٢٦٥٠): "بل شيء قُضي عليهم، ومضى فيهم … ".
٨ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ، قيل: اسمه جُنْدب بن جُنَادة بن قيس بن عمرو بن مُلَيل بن صُعَيْر بن حَرَام بن عَفّان، وقيل: اسمه بُرَير بن جُنَادة، وقيل: ابن جُندب، وقيل: ابن عِشْرَقة، وقيل: ابن جُندب بن عبد الله، وقيل: ابن السكن، وكان أخا عَمْرو بن عَبَسة السُّلَميّ لأمه.
روى عن النبي - ﷺ -، وعنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخالد بن وُهبان ابن خَالة أبي ذر، وقيل: وهبان بن امرأة أبي ذر، وقيل: ابن أخته، وزيد بن وهب الْجُهَنيّ، وخَرَشة بن الْحُرّ، وجُبير بن نُفير، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الصامت، وزيد بن ظبيان، وعبد الله بن شقيق، وعمرو بن ميمون، وعبد الرَّحمن بن غَنْم، وقيس بن عُبَاد، وأبو إدريس الخولاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأسود الديلي، والمعرور بن سويد، ويزيد بن شريك التيمي، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سالم الجيشاني، وأبو مُرَاوح الغِفَاري، وزِرّ بن حُبَيش، ورِبْعي بن حِرَاش، وعبد الرَّحمن بن شِمَاسة الْمَهْريّ، وخلق كثير.
وقصّة إسلامه في "الصحيحين"، ولفظ البخاريّ من طريق أبي جمرة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: لَمّا بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علمَ هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو
_________________
(١) كذا النسخة ولعل الساقط في الطاعون، فليُحرر.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
بالشعر، فقال: ما شَفَيتني مما أردت، فتزوّد، وحمل شَنّةً له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي - ﷺ -، ولا يعرفه، وكَرِه أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرأَه عليّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي - ﷺ - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ به عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل عليّ مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لِتُرشِدني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حقّ، وهو رسول الله - ﷺ -، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - ﷺ -، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي - ﷺ -: "ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري"، قال: والذي نفسي بيده لأَصْرُخَنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.
ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدِم رسول الله - ﷺ - المدينة، ومضت بدر وأحدٌ، ولم تتهيّأ له الهجرة إلَّا بعد ذلك، وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا.
وأخرج أحمد في "مسنده" من طريق عِراك بن مالك قال: قال أبو ذر - ﵁ -: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله - ﷺ -، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أقربكم مني يوم القيامة مَنْ خَرَج من الدنيا كهيئته يوم تركته عليه"، وإنه والله ما منكم من أحد إلَّا وقد تَشَبّثَ منها بشيء غيري. رجاله ثقات، إلَّا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عراكًا لَمْ يسمع من أبي ذرّ.
وأخرج أحمد والترمذيّ عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
[ ٢ / ٤٠١ ]
"ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، من رجل أصدق لهجة من أبي ذر" (^١).
وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهما، قال أبو إسحاق عن هانئ بن هانيّ، عن علي - ﵁ -: أبو ذر وِعاءٌ مُلِئَ علمًا أُوكِئ عليه، فلم يخرج منه شيء، وقال الآجري عن أبي داود: لَمْ يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه، وكان يوازي ابن مسعود في العلم.
قال خليفة، وعمرو بن علي، وغير واحد: مات بالرَّبَذَة سنة اثنتين وثلاثين، زاد المدائني: وصلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده بيسير، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف، فهو سند نازل، لأن أعلى سنده رباعيّات، وأنزلها عُشاريّات.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن ابن بُرَيدة هنا هو عبد الله بن بُريدة، وليس هو سليمان بن بريدة أخاه، وهو وأخوه سليمان ثقتان، تابعيان، جليلان، وُلدا في بطن واحد، في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ -، ويقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء، والصحيح أن سليمان مات، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ثم ولي أخوه عبد الله مكانه إلى أن مات سنة (١١٥).
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الْجِلّة يروي بعضهم عن بعض: ابن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوّلين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الثالثة.
٤ - (ومنها): أن أبا الأسود رحمه الله تعالى كان من عقلاء الرجال، وهو أول من وضع علم النحو بأمر عليّ - ﵁ -.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" (٦٣٤١)، و"الترمذيّ" (٣٧٣٧).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
٥ - (ومنها): أن أبا ذرّ وأبا الأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لأبي ذرّ - ﵁ - (٥٧) حديثًا، ولأبي الأسود سبعة أحاديث فقط، كما بينته آنفًا.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ذرّ غير هذا، وجملة من يُكنى بأبي الأسود ستة:
أحدهم هذا المترجم هنا، والثاني: أبو الأسود السلمي، صحابيّ له حديث عند النسائيّ فقط، وقيل: الصواب أبو اليسر السلمي، والثالث: أبو الأسود المحاربيّ، مولى عمرو بن حُريث، قاضي الكوفة، واسمه سُويد، مقبول من الطبقة الخامسة، عند النسائيّ أيضًا، والرابع: أبو الأسود المراديّ، واسمه النضر بن عبد الجبار، عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والخامس: أبو الأسود والد سوادة، واسمه: مسلم بن مِخراق، عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجة، والسادس: يتيم عروة، محمد بن عبد الرَّحمن، من رجال الجماعة.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ممن اشتهر بكنيته، حتى وقع اختلاف كثير في اسمه، واسم أبيه، وكان رابع أربعة في الإسلام، وقيل: خامس خمسة، ذو مناقب جمة - ﵁ -، كما أسلفناه في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحِّ - ﵁ - (أَنَّهُ يسَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ) "من" زائدة، و"رجل" اسم "ليس"، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها (^١) (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (لِغَيْرِ أَبِيهِ) أي انتسب إليه، واتخذه أبًا رغبةً عن أبيه، والجملة صفة "رجل"، وقوله: (وَهُوَ يَعْلَمُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه عالِمًا أباه، وهذا التقييد لا بدّ منه، فإن الإثم إنما يكون في حقّ العالم بالشيء (إِلا كَفَرَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: فيه تأويلان:
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٦٢٤ "كتاب المناقب".
[ ٢ / ٤٠٣ ]
[أحدهما]: أنه في حقّ المستحلّ.
[والثاني]: أنه كَفَرَ النعمة والإحسان، وحقَّ الله تعالى، وحَقَّ أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال - ﷺ -: "يَكْفُرْنَ"، ثم فسّره بكفرانهنّ الإحسان، وكفران العشير. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا - يعني الانتساب لغير الأب - إنما يفعله أهل الْجَفَاء والجهل والكبر؛ لخِسّة منصب الأب، ودناءته، فيَرَى الانتساب إليه عارًا، ونقصًا في حقّه، ولا شكّ في أن هذا مُحَرَّم، معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًّا، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مُستحلّ، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغةً وشرعًا على ما قرّرناه، ويحتمل أن يقال: أَطلق عليه ذلك؛ لأنه تشبّه بالكفّار، أهل الجاهليّة، أهلِ الكبر والأنَفَة، فإنهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
[تنبيه]: وقع في رواية أبي ذرّ الهرويّ لـ "صحيح البخاريّ" قوله: "إلَّا كفر بالله" بزيادة لفظ "بالله"، فقال في "الفتح": كذا وقع هنا "كَفَرَ بالله"، ولم يقع قوله: "بالله" في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثبت ذاك، فالمراد مَن استحلّ ذلك، مع علمه بالتحريم، وعلى الرواية المشهورة، فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما وَرَدَ على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فَعَلَ فِعْلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر. انتهى (^٢).
(وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التبرّي المطلق، فيبقى على ظاهره في حقّ المستحلّ لذلك على ما تقدّم، ويُتأَوَّل في حقّ غير المستحلّ بأنه ليس على طريقة النبيّ - ﷺ -، ولا على طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظُلْمٌ، وطريقة أهل الدين العدلُ، وترك الظلم، ويكون هذا
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٥٤.
(٢) "الفتح" ٦/ ٦٢٤.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
كما قال: "ليس منا من ضَرَبَ الخدود، وشقَّ الْجُيُوب" (^١)، ويقرُبُ منه: "من لَمْ يأخذ من شاربه، فليس منا" (^٢) (وَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي فَلْيَنْزِل مَنْزِله منها، أو فليتخذ مَنْزلًا بها، وهو دعاء عليه، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، واستظهره النوويّ، ومعناه: هذا جزاؤه إن جوزي، ثم هو قد يُجَازَى بذلك، وقد يَعْفُو الله تعالى عنه، وقد يُوفِّقه للتوبة، فيسقط عنه ذلك.
(وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ) أي ناداه به، كأن يقول له: يا كافرُ، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة لو دُعيت بذلك لكان الحكم كذلك (أَوْ قَالَ) له (عَدُوَّ اللهِ) بالنصب على حذف حرف النداء، أي يا عدوّ الله، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، خبرًا لمحذوف، أي أنت أو هو عدوّ الله، وقال النوويّ: ضبطنا "عدوّ الله" على وجهين: الرفع والنصب، والنصب أرجح على النداء، أي يا عدوَّ الله، والرفع على أنه خبرُ مبتدأ، أي هو عدوُّ الله كما تقدم في الرواية الأخرى: "قال لأخيه: كافر"، فإنا ضبطناه كافرٌ بالرفع والتنوين، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والله تعالى أعلم. انتهى (^٣).
(وَلَيْسَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أن ذلك الرجل ليس كما وصفه، بأن كان بريئًا من الكفر، ومتّقيًا لله تعالى (إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ) أي إلَّا رجع على القائل ذلك الدعاء، أي معرّته، وإثمه، كما أسلفنا تحقيقه.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "إلَّا حار عليه": فمعناه: رجع عليه، والْحَوْرُ: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ [الانشقاق: ١٤]، وقوله - ﷺ -: "أعوذ بك من الْحَوْر بعد الْكَوْن"، رواه مسلم، وعند الترمذيّ وابن ماجة: "بعد الكَوْر" بالراء، قال القاضي: يكون "باء" ها هنا بمعنى رَجَعَ، كما جاء في الحديث نفسه، وقيل: رجعت عليه نقيصته لأخيه، كما قال إذا لَمْ يكن لذلك أهلًا بكذبه عليه، وقيل: إذا قاله لمؤمن صحيح الإيمان مثله، ورماه بالكفر، فقد كفّر نفسه؛ لأنه مثله، وعلى دينه. انتهى (^٤).
_________________
(١) رواه البخاريّ (٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣)، والترمذيّ (٩٩٩)، والنسائيّ (٤/ ٢٠).
(٢) حديث صحيح، رواه الترمذي (٢٧٦٢)، والنسائيّ ١/ ١٥.
(٣) "شرح مسلم" ٢/ ٥٠ - ٥١.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٣٤٨ - ٣٥٠.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "إلَّا حار عليه" هذا الاستثناء قيل: إنه واقع على المعنى، وتقريره: ما يدعوه أحدٌ إلَّا حار عليه، ويحتمل أن يكون معطوفًا على الأول، وهو قوله - ﷺ -: "ليس من رجل … "، فيكون الاستثناء جاريًا على اللفظ (^١).
ولفظ أبي عوانة: "لا يرمي رجلٌ رجلًا بالكفر إلَّا ارتدّت، إن لَمْ يكن صاحبها كذلك"، وفي رواية له: "من ادّعى إلى غير أبيه، فليس منا، ومن ادّعى ما ليس له، فليس منّا، ومن رمى رجلًا بالكفر، أو رماه بالفسق، وليس كذلك، ارتدّت عليه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٩/ ٢٢٤] (٦١)، و(البخاريّ) في "مناقب قريش" ٤/ ٢١٩ (٣٥٠٨)، و"الأدب" ٨/ ١٨ (٦٥٤٥)، وفي "الأدب المفرد" (٤٣٢ و٤٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٦ و١٨١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٥٥ و٥٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إطلاق الكفر على المعاصي، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو الغرض الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراد الحديث هنا.
٢ - (ومنها): بيان تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادّعاء إلى غيره.
٣ - (ومنها): أن تقييده بالعلم مما لا بدّ منه في الحالتين: إثباتًا ونفيًا؛ لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمِّد له.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٠.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
٤ - (ومنها): بيان تحريم دعوى ما ليس له في كلّ شيء، سواءٌ تعلق به حقٌّ لغيره أم لا، وفيه أنه لا يَحِل له أن يأخذ ما حَكَم له به الحاكم، إذا كان لا يستحقُّه.
قال في "الفتح": يؤخذ من الحديث تحريم الدعوى بشيء، ليس هو للمدعِي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها، مالًا، وعِلْمًا، وتعلُّمًا، ونَسَبًا، وحالًا، وصلاحًا، ونعمةً، وولاءً، وغير ذلك، ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك.
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحلّ حرامًا، خلافًا لما نُقل عن بعضهم من أن حكمه يُحلّه، قال الكاسانيّ من الحنفيّة مبيّنًا هذا على مذهب أبي حنيفة: وأما بيان ما يُحلّه القضاء، وما لا يُحلّه، فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي الزور فيما له ولاية إنشائه في الجملة يفيد الحلّ عند أبي حنيفة - ﵀ -، وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية إنشائه أصلًا لا يفيد الحلّ بالإجماع. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا من أغرب ما يُسمع من الأقوال الساقطة، فإن هذا مخالف لقوله - ﷺ - في حديث أم سلمة - ﵂ - المتّفق عليه: "فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو فليتركها"، فإنه لا فرق في هذا بين الأموال والفروج، وهؤلاء فرّقوا بينهما، فقالوا: إن قضاء القاضي لا يُحلّ المال الحرام، وأما الأبضاع، فيُحلّها، فلو جاء شخص بشاهدي زور، فأشهدهما على امرأة بأنها زوجته، فقضى القاضي بذلك قالوا: يحلّ له وطؤها، وهو يعلم أنه لَمْ يتزوجها قط، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله.
قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: إنه لا فرق في دعوى حلّ الزوجة لمن أقام بتزويجها شاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حرّ أنه ملكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حرّيّته، فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لَمْ يحلّ له أن يسترقّه بالإجماع.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: القول بأن حكم الحاكم يُحلّ ظاهرًا
_________________
(١) "بدائع الصنائع" ٧/ ١٥.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وباطنًا مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدة أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. انتهى (^١).
وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح حديث أم سلمة المذكور في "كتاب الأقضية" - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث يدخل تحته ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوي، من نصب مُسخَّر (^٢) يدّعي في بعض الصور حفظًا لرسم الدعوى والجواب، وهذا المسخَّر يدّعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يُقيمه عالم بذلك أيضًا، وليس حفظ هذه القوانين من المنصوصات في الشرع، حتى يُخَصَّ به عموم هذا الوعيد، وإنما المقصود الأكبر في القضاء إيصال الحقّ لمستحقّه، فانخرام هذه المراسيم الْحُكميّة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت هذا الوعيد العظيم الذي دلّ عليه، وهذه طريقة أصحاب مالك، أعني عدم التشديد في هذه المراسيم. انتهى (^٣)، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضًا: في هذا الحديث وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة، وقع فيها خلق كثير من المتكلّمين، ومن المنسوبين إلى السنّة، وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلّظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخَرَقَ حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشويّة، وهذا الوعيد لاحقٌ بهم إذا لَمْ يكن خصومهم كذلك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد تقدّم تمام البحث في مسألة التكفير بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ١٨٨ "كتاب الإحكام".
(٢) "المسخّر" هو الذي يدعي مجّانًا، أو ينصبه القاضي بدلًا عن الغائب.
(٣) "إحكام الإحكام" ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣ بنسخة الحاشية.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥] (٦٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) بن الْهَيْثَم بن محمد بن الْهَيْثَم بن فَيْروز التميمي الأَيْليُّ - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السَّعْدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، وخالد بن أبي نِزَار، ومؤمل بن إسماعيل، وبشر بن بكر.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، ومحمد بن وَضَّاح، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والمعمريّ، وزكرياء الساجيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو عُمَر الْكِنديّ: كان فقيهًا، من أصحاب ابن وهب، وقال مسلمة بن قاسم: كان مُقَدَّمًا في الحديث فاضلًا.
وقال ابن يونس: تُوُفّي في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان مولده سنة سبعين ومائة، وكان ثقةً، وكان قد ضَعُفَ ولزم بيته. وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرحبيل المصريّ، ثقة [٥].
رَأَى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْديّ الصحابيّ، ورَوَى عن الأعرج،
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وعِرَاك بن مالك، وأبي سلمة، وبُكير بن الأشجّ، وبكر بن سَوَادة، والزهريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه بَكْر بن مُضَر، وحَيْوَة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة، والليث، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وروى عنه يزيد بن أبي حبيب، وهو من أقرانه.
قال أحمد: كان شيخًا من أصحاب الحديث، ثقةً، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال الآجري، عن أبي داود: لم يسمع من الزهريّ، وقال الطحاويّ: لا نعلم له من أبي سلمة سماعًا.
وقال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغِفَاريُّ الكِنَانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وزينب بنت سلمة، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك بن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، ونوفل بن معاوية الدِّيليّ، والزهريّ، وهو أصغر منه.
ورَوَى عنه ابناه: خُثَيم، وعبد الله، وسليمان بن يسار، وهو من أقرانه، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن أبي حبيب المصريّ، وزياد بن أبي زياد، مولى ابن عباس، وجعفر بن ربيعة المصريّ، ومكحول الشاميّ، وعُقَيل بن خالد، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز.
قال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار التابعين، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال أيوب بن سُويد، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما كان أبي يَعْدِل بعراك بن مالك أحدًا، وقال أبو الْغُصْن: فرأيته يصوم الدهر، وقال أحمد بن حنبل، فيما رَوَى ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن الأثرم، وذكر حديث خالد بن أبي الصَّلْت، عن عراك: سمعت عائشة مرفوعًا: "حَوِّلُوا مقعدتي إلى القبلة"، فقال: مرسلٌ، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة؟،
[ ٢ / ٤١٠ ]
إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، ثم قال: من يَرْوِي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذّاء، فقال: قال غير واحد: عن خالد الحذّاء، ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة: ليس فيه: سمعت، وقال أحمد في موضع آخر: أحسن ما رُوِيَ في الرخصة - يعني في استقبال القبلة - حديثُ عِرَاك، وإن كان مرسلًا، فإن مَخْرَجه حسن.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال موسى بن هارون: لا نعلم لِعِراك سماعًا من عائشة.
وقال الزُّبير بن بَكّار، عن محمد بن الضحاك، عن المنذر بن عبد الله: إن عِرَاك بن مالك كان من أشدّ أصحاب عمر بن عبد العزيز علي بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فَلَمّا وَلي يزيد بن عبد الملك وَلَّى عبد الواحد النَّصْريّ على المدينة، فَقَرَّب عِرَاكًا، وقال: صاحب الرجل الصالح، وكان يَجلس معه على سريره، فبينا هو يومًا معه، إذ أتاه كتاب يزيد: أَنِ ابْعَث مع عِرَاك حَرَسِيًّا حتى يُنْزِله دَهْلَك، وخُذ من عِرَاك حَمُولته، فقال عبد الواحد لحرسيّ: خذ بيد عِراك فابتع من ماله راحلةً، ثم توجه إلى دَهْلَك حتى تُقِرّه بها، ففعل الْحَرسيّ ذلك، وما تركه يَصِل إلى أمه، قال: وكان أبو بكر بن حزم قد نَفَى الأحوص الشاعر إلى دَهْلَك، فلما ولي يزيد بن عبد الملك أرسل إلى الأحوص، فأقدمه عليه، فمدحه الأحوص، فأكرمه، وقال ضِمَام بن إسماعيل، عن عُقَيل بن خالد: كُنت بالمدينة في الْحَرَس، فلما صليتُ العصر إذ برجل يتخطى الناس، حتى دنا من عِرَاك بن مالك، فلطمه حتى وقع، وكان شيخًا كبيرًا، ثم جَرّ برجله، ثم انطلق به حتى حَصّل في مركب في البحر إلى دَهْلك، فكان أهل دهلك يقولون: جزى الله عنا يزيد خيرًا، أخرج إلينا رجلًا عَلّمنا اللهُ الخيرَ على يديه.
قال ابن سعيد وغيره: مات بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك، قال الحافظ: فإن صحّ هذا، فمقتضاه أنه لم تَطُل إقامته بدهلك، ولم أر من صَرّح بأنه مات بالمدينة غير ابن سعد، وكلهم قالوا: مات في زمن يزيد بن عبد الملك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
[ ٢ / ٤١١ ]
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ، وعراك، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: جعفر، عن عِرَاك.
٥ - (ومنها): أن هارون، وجعفرًا، وعِرَاكًا هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لهارون (١١٢) ولجعفر (١٢) ولعِراك (١٧) حديثًا، كما أسلفته آنفًا.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد من يُسمّى بعراك في الكتب الستّة إلا ابن مالك هذا، ولهم راوٍ آخر يقال له: عراك بن خالد المرّيّ الدمشقيّ، متروك من الطبقة السادسة، ليس له في الكتب الستة شيء، وإنما روى له أبو داود في "كتاب القدر" له فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عِرَاكِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء (ابْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) أي لا تتركوا الانتساب إليهم، فتتنسبوا لغيرهم؛ رغبةً عنهم، وجحدًا لأبوّتهم، قال النوويّ: يقال: رَغِبَ عن أبيه: أي تَرَك الانتساب إليه، وجَحَدَه، ويقال: رَغِبتُ عن الشيء: تركتُهُ، وكَرِهتُهُ، ورَغِبتُ فيه: اخترتُهُ، وطلبته. انتهى.
وقال في "القاموس": رَغِبَ فيه، كسَمِع رَغْباءً، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغَبَ، ورَغِبَ عنه: لم يُرده، ورَغِبَ إليه رَغَبًا محرَّكةً، ورَغْبَى، ويُضمّ، ورَغْبَاءً، كصحراءَ، ورَغَبُوتًا، ورَغَبُوتى، ورَغَبَانًا، محرّكات، ورُغْبَةً، ويُحرَّك: ابتَهَلَ، أو هو الضَّرَاعة والمسألة. انتهى (^١).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٨٤ - ٨٥.
[ ٢ / ٤١٢ ]
وفي "المصباح": رَغِبتُ في الشيء، ورَغِبتُهُ، يتعدّى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغْبًا بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى بفتح الراء وضمها، ورَغْبَاءً بالفتح والمدّ، ورَغِبتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى (^١).
(فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ) أي كَرِه الانتساب إليه، وقوله: (فَهُوَ كُفْرٌ) على حذف مضاف، أي ذو كفر، أو من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، أي كافر، أو وُصف به مبالغةً، كما يقال: زيدٌ عدْلٌ.
ويحتمل أن يكون "هو" راجعًا إلى الرَّغَبِ المفهوم من "رَغِبَ"، أي رغَبُهُ كفر، ولفظ أبي نعيم: "فقد كفر".
قال المازريّ رحمه الله تعالى: هذا يُتأول على ما تقدّم من الاستحلال، أو يكون أراد الكفر اللغوي، بمعنى جَحَدَ حقّ الله، وستره. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه أن الانتساب إلى غير الأب يكون عن عقوق، أو كذب، أو قذف، وليس شيء من ذلك كفرًا يُخرج عن الملّة، ولذلك تأول أهل السنّة هذا الحديث على نحو ما تأولوا الأحاديث السابقة، وأنه لا ينصرف إلى الكفر الْمُخْرِج عن الملّة إلا في حق المستحلّ، فيكون المراد كفرَ النعمة، وجحدَ الإحسان، أو يكون المعنى أن عمله شبيه بعمل أهل الكفر، فإن هذا عمل من أعمال الجاهليّة، كما سبق تحقيقه.
وقال في "الفتح": قوله: "فهو كفر" كذا للأكثر، وكذا لمسلم، ووقع للكشميهني: "فقد كَفَرَ"، وسيأتي في "باب رجم الحبلى من الزنا" في حديث عمر الطويل: "لا ترغبوا عن آبائكم، فهو كفر بربكم".
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ليس معنى الحديث أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أنه يدخل في الوعيد، كالمقداد بن الأسود، وإنما المراد به مَنْ تَحَوَّل عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالِمًا عامدًا مختارًا، وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يَتَبَنَّى الرجلُ ولدَ غيره ويصير الولد يُنْسَب إلى الذي تبناه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله ﷾: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَنُسِب كل واحد إلى أبيه
_________________
(١) "المصباح" ١/ ٢٣١.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٣٥١.
[ ٢ / ٤١٣ ]
الحقيقيّ، وتُرِك الانتساب إلى من تبناه، لكن بقي بعضهم مشهورًا بمن تبنّاه، فيُذكَر به؛ لقصد التعريف، لا لقصد النسب الحقيقيّ، كالمقداد بن الأسود، وليس الأسود أباه، وإنما كان تبنّاه، واسم أبيه الحقيقيّ عمرو بن ثَعْلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرَانِيّ، وكان أبوه حَلِيف كِندَة، فقيل له الكنديّ، ثم حالف هو الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنى المقدادَ، فقيل له: ابن الأسود. انتهى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا.
قال: وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يُخَلَّد صاحبها في النار، وبسط القول في ذلك، وقال بعض الشراح: سبب إطلاق الكفر هنا أنه كَذِبٌ على الله، كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان، وليس كذلك؛ لأنه إنما خلقه من غيره.
واستُدِلّ به على أن قوله - ﷺ - في الحديث المتّفق عليه: "ابنُ أخت القوم من أنفسهم"، وقوله: "مولى القوم من أنفسهم" ليس على عمومه؛ إذ لو كان على عمومه، لجاز أن يُنْسَب إلى خاله مثلًا، وكان مُعارضًا لحديث الباب المصرِّح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك، فعُرِفَ أنه خاصّ، والمراد به أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة، ونحو ذلك. انتهى ما في "الفتح" (^١). وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٩/ ٢٢٥] (٦٢)، و(البخاريّ) في "الفرائض" (٦٧٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٥٧)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢١٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٩٠ و٥٩١ و٥٩٢)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٣٦٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٦٦ - ٦٧ "كتاب الفرائض" رقم الحديث (٦٧٦٦ - ٦٧٦٨).
[ ٢ / ٤١٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٦] (٦٣) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو والنَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ، لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ يَقُولُ: "مَن ادَّعَى أَبًا فِي الإِسْلَام، غَيْرَ أَبِيه، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيه، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ، وَهِمَ في حديث [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ) السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (خَالِدٌ) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنَازل (^١) البصريّ، ثقةٌ، يُرسل [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرحمن بن مِلّ النَّهْديّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرم، من كبار [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
[تنبيه]: "النَّهْديُّ" بفتح النون، و"مِلّ" بفتح الميم، وكسرها، وضمها، مع تشديد اللام، ويقال: مِلْء - بالكسر، مع إسكان اللام وبعدها همزة - قاله النوويّ (^٢).
٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير - ﵁ - (ت ٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو بَكْرَةَ) هو: نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو بن عِلاج بن أبي
_________________
(١) بفتح الميم، وضمها.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٥٣.
[ ٢ / ٤١٥ ]
سلمة، واسمه عبد الْعُزّى بن غِيَرَة بن عوف بن قيس، وهو ثَقِيف، الثَّقَفيّ، وقيل: اسمه مَسْرُوح، وبه جزم ابن إسحاق، وقيل: هو ابن مسرح، وبه جزم ابن سعد، وقيل: كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستَلْحَق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد ابن سُمَيَّة لأمه، وكانت سُمَيِّة أمةً للحارث بن كَلَدة، وإنما قيل له: أبا بَكْرَة لأنه تَدَلَّى من حِصْن الطائف إلى النبيّ - ﷺ -، فأعتقه يومئذ، مات سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ، وهُشيمًا، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم: خالد الحذّاء، عن أبي عثمان.
٥ - (ومنها): أن أبا عثمان ممن اشتهر بكنيته، وهو مخضرم، معمّر، يقال: عاش (١٣٠) ويقال: (١٤٠) سنة، وهو معدود فيمن عاش في الجاهليّة ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك (^١)، واسم أبيه "مَلّ" مثلّث الميم، ومشدّد اللام، ولا مشارك له في ذلك.
٦ - (ومنها): أن أبا بكرة لقب بصورة الكنية، وقد سبق آنفًا سبب تلقيبه به.
٧ - (ومنها): أن هذا الحديث من مسند سعد بن أبي وقّاص، وأبي بكرة، فأبو عثمان يرويه عن كليهما - ﵄ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: لَمَّا
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٥٥٦.
[ ٢ / ٤١٦ ]
ادُّعِيَ) بضم الدال، وكسر العين، مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقوله: (زِيَادٌ) مرفوع على أنه نائب فاعله، أي ادعاه معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - أخًا له، وذكر أبو عمرو بن الصلاح أنه وجده مضبوطًا بخط الحافظ أبي عامر الْعَبْدريّ: "ادَّعَى" بفتح الدال مبنيًّا للفاعل، وعليه فزيادٌ مرفوع على الفاعليّة، يعني أن زيادًا هو الفاعل للدعوة، ومعنى ادّعائه تصديقه لمعاوية، وذلك أن معاوية لَمّا ادّعاه، وصدَّقه زياد صار زياد مُدَّعيًا أنه ابن أبي سفيان.
وأصل هذا أن زيادًا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه: زياد ابن أبيه، ويقال: زياد ابن أمه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وكان يعرف بزياد بن عُبيد الثقفيّ، ثم ادّعاه معاوية بن أبي سفيان، وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه، بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب - ﵁ -، فلهذا قال أبو عثمان لأبي بكرة: "ما هذا الذي صنعتم؟ "، وكان أبو بكرة - ﵁ - ممن أنكر ذلك، وهَجَرَ بسببه زيادًا، وحلَفَ أن لا يكلمه أبدًا، قاله النوويّ (^١).
وقال في "الفتح": والمراد بزياد الذي ادُّعِي هو زياد ابن سُمَيَّة، وهي أمه، كانت أمة للحارث بن كَلَدَة، زوّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه، وهم بالطائف قبل أن يُسْلِم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر، سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد، عند عمر، وكان بليغًا فأعجبه، فقال: إني لأعرف مَن وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة، كان زياد على فارس من قبل علي - ﵁ -، فأراد مداراته فأطمعه في أن يُلحِقه بأبي سفيان، فأصغى زياد إلى ذلك، فجرت في ذلك خطوب، إلى أن ادّعاه معاوية، وأمَّره على البصرة، ثم على الكوفة، وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية، محتجين بحديث: "الولد للفراش"، وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار؛ لأن زيادًا كان أخاه من أمه (^٢).
(لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ) - ﵁ - (فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟) قال النوويّ
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٢.
(٢) راجع: "الفتح" ١٢/ ٥٤.
[ ٢ / ٤١٧ ]
رحمه الله تعالى: معنى هذا الكلام الإنكار على أبي بكرة - ﵁ -، ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، أو يكون مراده بقوله: "ما هذا الذي صنعتم؟ " أي ما هذا الذي جرى من أخيك؟ ما أقبحه! وأعظم عقوبته! فإن النبيّ - ﷺ - حَرَّم على فاعله الجنة. انتهى.
(إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) - ﵁ - (يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال النوويّ: هكذا ضبطناهَ "سَمِعَ" بكسر الميم، وفتح العين، و"أذناي" بالتثنية، وكذا نَقَل الشيخ أبو عَمْرو كونه "أذناي" بالألف على التثنية، عن رواية أبي الفتح السَّمَرْقَنديّ، عن عبد الغافر، قال: وهو فيما يُعْتَمَد من أصل أبي القاسم العساكريّ وغيره: "أُذُنِي" بغير ألف.
وحَكَى القاضي عياض أن بعضهم ضبطه بإسكان الميم، وفتح العين، و"أُذُني" بلفظ الإفراد، قال: ضبطناه من طريق الْجَيَّانيّ بضم العين، مع إسكان الميم، وهو الوجه، قال سيبويه: العرب تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا يقول كذا، وحَكَى عن القاضي الحافظ أبي عليّ بن سكرة أنه ضَبَطَه بكسر الميم، كما ذكرناه أوّلًا، وأنكره القاضي وليس إنكاره بشيء، بل الأوجُهُ المذكورة كلُّها صحيحة ظاهرة، ويؤيد كسر الميم قوله في الرواية الأُخرى: "سمعته أذناي، ووعاه قلبي". انتهى كلام النوويّ (^١).
(وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أو هي المفعول الثاني على قول بعض النحاة: إن "سمع" من أخوات "ظنّ" تنصب مفعولين إذا كان الثاني مما يُسْمَعُ ("مَنْ) شرطيّة (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (أَبًا فِي الإِسْلَامِ) متعلّق بـ "ادّعى" خرج به من ادّعى، وانتسب في الجاهليّة، فإنه لا يُحرم الجنّة؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وإنما يبطل انتسابه فقط (غَيْرَ أَبِيهِ) منصوب على المفعوليّة لـ "ادّعَى"، وقوله: (يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، واحترز به عن من ادّعى غير عالم لذلك، فإنه لا يُحرم عليه، ولا يُحرم الجنّة؛ لعدم علمه (فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ") أي ممنوعة الدخول عليه.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٣.
[ ٢ / ٤١٨ ]
قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه التأويلان اللذان قدمناهما في نظائره:
[أحدهما]: أنه محمول على مَن فعله مُسْتَحِلًّا له.
[والثاني]: أن جزاءه أنها مُحَرّمة عليه أوّلًا عند دخول الفائزين، وأهل السلامة، ثم إنه قد يُجازَى، فيُمنعها عند دخولهم ثم يدخلها بعد ذلك، وقد لا يُجَازَى، بل يعفو الله ﷾ عنه. انتهى (^١).
(فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ) - ﵁ - (وَأَنَا سَمِعْتُهُ) أي سمعتُ هذا الكلام المشتمل على الوعيد الشديد (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) يعني أبو بكرة بذلك أنه سمعه بنفسه من النبيّ - ﷺ -، ولذا أنكر على أخيه زياد، وحلف أن لا يكلّمه أبدًا؛ هجرًا له، وسيأتي ما قاله أهل العلم في الجواب عن استلحاق معاوية - ﵁ - زيادًا هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي عثمان النهديّ رحمه الله تعالى، عن سعد بن أبي وقّاص، وأبي بكرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٩/ ٢٢٦ و٢٢٧] (٦٣)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٣٢٦)، و"الفرائض" (٤٣٢٧ و٦٧٦٦ و٦٧٦٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٨٨٥ و١٩٩)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥١١٣)، و(ابن ماجه) في "الحدود" (٢٦١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٩ و١٧٤ و١٧٩ و٥/ ٣٨ و٤٦) و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٤٤ و٣٤٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٥ و٤١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥ و٧٦ و٧٧ و٧٨ و٧٩ و٨٠ و٨١)، و(أبو نُعيم) (٢١٧ و٢١٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الجواب عن استلحاق معاوية - ﵁ - زيادًا هذا:
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٢.
[ ٢ / ٤١٩ ]
وقد أجاد الكلام في ذلك القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ رحمه الله تعالى في كتابه النافع "العواصم من القواصم"، فأطال النفس فيه، ومما قاله فيه خلال كلامه الطويل: أما نكتة الكلام، وهو القول في استلحاق معاوية زيادًا، وأخذ الناس عليه في ذلك، فأيّ أخذ عليه فيه، إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأيُّ عار على أبي سُفيان في أن يُليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهليّة؟ فمعلوم أن سُميّة لم تكن لأبي سفيان كما لم تكن وليدةُ زَمْعَة لعُتبة، لكن كان لعتبة منازع تعيّن القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد.
اللهم إن ها هنا نكتةً اختَلَف العلماء فيها، وهي أن الأخ إذا استلحق أخًا يقول: هو ابن أبي، ولم يكن له منازع، بل كان وحده، فقال مالك: يرث، ولا يثبتُ النسب، وقال الشافعيّ في أحد قوليه: يثبت النسب، ويأخذ المال، هذا إذا كان الْمُقَرّ به غير معروف النسب.
قال: فالحارث بن كَلَدَة لم يَدّع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمته وُلد على فراشه، أي في داره، فكلُّ من ادّعاه فهو له، إلا أن يُعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مَغْمَز، بل فَعَل فيه الحقّ على مذهب مالك.
فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة - ﵃ -؟.
قلنا: لأنها مسألة اجتهاد، فمن رأى أن النسب لا يَلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك، وعظّمه. انتهى كلامه باختصار (^١)، وهو دفاع نفيسٌ عن هذا الصحابيّ الجليل معاوية - ﵁ -، وهكذا ينبغي أن ندافع عن الصحابة - ﵃ -، فإنهم إن أصابوا فيما اجتهدوا فيه فلهم أجران، وإن أخطئوا، فخطؤهم مغفور، ولهم أجر في اجتهادهم - ﵃ -.
ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، حيث قال خلال كلامه الطويل:
وكذلك استلحاق معاوية - ﵁ - زياد ابن أبيه المولود على فراش الحارث بن كَلَدَة لكون أبي سفيان كان يقول: إنه من نطفته، مع أنه - ﷺ - قد قال: "من
_________________
(١) "العواصم من القواصم" ص ١٨٤، ١٨٦ بتحقيق محبّ الدين الخطيب.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ادَّعَى إلى غير أبيه، وهو يَعْلَم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام"، وقال: "من ادَّعَى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقْبَل الله منه صرفًا ولا عدلًا"، حديث صحيح، وقَضَى أن الولد للفراش، وهو من الأحكام المجمع عليها، فنحن نعلم أن مَن انتسب إلى غير الأب الذي هو صاحب الفراش، فهو داخل في كلام الرسول - ﷺ -، مع أنه لا يجوز أن يُعَيَّن أحد دون الصحابة فضلًا عن الصحابة، فيقالَ: إن هذا الوعيد لاحق به؛ لإمكان أنه لم يبلغهم قضاء رسول الله - ﷺ - بأن الولد للفراش، واعتقدوا أن الولد لمن أحبل أمه، واعتقدوا أن أبا سفيان هو الْمُحْبِل لسُمَيّة، أم زياد، فإن الحكم قد يَخْفَى على كثير من الناس، لا سيما قبل انتشار السنة، مع أن العادة في الجاهلية كانت هكذا، أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضَى للوعيد، أن يَعْمَل عمله من حسنات تمحو السيئات، وغير ذلك.
وهذا باب واسع، فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة بكتاب أو سنة، إذا كان بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم، فاستحلُّوها، أو عارض تلك الأدلة عندهم أدلة أخرى، رأوا رجحانها عليها، مجتهدين في ذلك الترجيح، بحسب عقلهم وعلمهم، فإن التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق، وغير ذلك، لكن لها شروط وموانع، فقد يكون التحريم ثابتًا، وهذه الأحكام منتفية؛ لفوات شرطها، أو وجود مانع، أو يكون التحريم منتفيًا في حقّ ذلك الشخص، مع ثبوته في حق غيره.
وانما ردّدنا الكلام؛ لأن للناس في هذه المسألة قولين:
[أحدهما]: وهو قول عامّة السلف، والفقهاء أن حكم الله واحد، وأن من خالفه باجتهاد سائغ مخطئٌ معذورٌ مأجورٌ، فعلى هذا يكون ذلك الفعل الذي فعله المتأول بعينه حرامًا، لكن لا يترتب أثر التحريم عليه؛ لعفو الله تعالى عنه، فإنه لا يُكَلِّف نفسًا إلا وسعها.
[والثاني]: في حقه ليس بحرام؛ لعدم بلوغ دليل التحريم له، وإن كان حرامًا في حقّ غيره، فتكون نفس حركة ذلك الشخص، ليست حرامًا، والخلاف متقارب، وهو شبيه بالاختلاف في العبارة.
فهذا هو الذي يمكن أن يقال في أحاديث الوعيد، إذا صادفت محل
[ ٢ / ٤٢١ ]
خلاف؛ إذ العلماء مُجْمِعُون على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوَعَّد عليه، سواء كان محلَّ وفاق، أو خلاف، بل أكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في موارد الخلاف، لكن اختلفوا في الاستدلال بها على الوعيد، إذا لم تكن قطيعة على ما ذكرناه. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو شافٍ كافٍ في إزالة مشكلة حديث الباب لمن تأمّله بإنصاف ذوي الألباب. وقد ضرب على هذا أمثلة كثيرة قبل هذا يوضّح المسألة، حيث قال في معرض البحث عن نصوص الوعيد:
وهذه القاعدة تظهر بأمثلة منها:
أنه قد صَحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "لَعَن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه"، وصحّ عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يدًا بيد: "أَوَّهْ عينُ الربا"، كما قال: "البر بالبر ربًا إلا هاءَ وهاءَ … " الحديث، وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل، وربا النسأ في الحديث.
ثم إن الذين بلغهم قولُ النبيّ - ﷺ -: "إنما الربا في النسيئة"، فاستَحَلُّوا بيع الصاعين بالصاع يدًا بيد، مثل ابن عباس - ﵄ -، وأصحابه: أبي الشَّعْثاء، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم، من أعيان المكيين الذين هم من صفوة الأمة، علمًا وعملًا، لا يحل لمسلم أن يَعتقد أن أحدًا منهم بعينه، أو مَن قَلَّده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فَعَلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة.
وكذلك ما نُقِل عن طائفة من فُضلاء المدنيين، من إتيان الْمَحَاش (^١) مع ما رواه أبو داود عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "من أتى امرأة في دبرها، فهو كافر بما أنزل على محمد - ﷺ -"، أفيستحلُّ مسلم أن يقول: إن فلانًا وفلانًا كانا كافرين بما أنزل على محمد - ﷺ -؟.
وكذلك قد ثبت عنه - ﷺ - أنه لَعَن في الخمر عشرةً: عاصرَ الخمر، ومعتصرها، وشاربها، وثبت عنه من وجوه أنه قال: "كلُّ شراب أسكر فهو خمر"، وقال: "كل مسكر خمر"، وخطب عمر - ﵁ - على منبره، فقال بين
_________________
(١) أي وطء الزوجات في الدبر.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
المهاجرين والأنصار: "الخمر ما خامر العقل"، وأنزل الله تحريم الخمر، وكان سبب نزولها ما كانوا يشربونه في المدينة، ولم يكن لهم شراب إلا الفَضِيخ، لم يكن لهم من خمر الأعناب شيء.
وقد كان رجال من أفاضل الأمة علمًا وعملًا، من الكوفيين يعتقدون أن لا خمر إلا من العنب، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما يُسْكِر، ويشربون ما يعتقدون حِلّه، فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد؛ لما كان لهم من العذر الذي تأوّلُوا به، أو لموانع أُخَر، فلا يجوز أن يقال: إن الشراب الذي شربوه ليس من الخمر الملعون شاربها، فإن سبب القول العامّ لا بُدّ أن يكون داخلًا فيه، ولم يكن بالمدينة خمر من العنب.
ثم إن النبيّ - ﷺ - قد لَعَنَ البائع للخمر، وقد باع بعض الصحابة خمرًا، حتى بَلَغَ عمر - ﵁ - فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله - ﷺ - وقال: "لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها"؟ ولم يكن يَعْلَم أن بيعها مُحَرَّمٌ، ولم يمنع عمر - ﵁ - علمه بعدم علمه أن يُبَيِّن جزاء هذا الذنب؛ ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به، وقد لَعَنَ العاصر والمعتصر، وكثير من الفقهاء يُجَوِّزون للرجل أن يَعْصِر لغيره عِنَبًا، وإن عَلِم أن من نيته أن يتخذه خمرًا، فهذا نصٌّ في لعن العاصر، مع العلم بأن المعذور تَخَلَّف الحكمُ عنه لمانع.
وكذلك لَعَن الواصلة والموصولة في عِدّة أحاديث صحاح، ثم من الفقهاء من يَكْرَهه فقط.
وقال النبيّ - ﷺ -: "إن الذي يَشْرَب في آنية الفضة، إنما يُجَرجِر في بطنه نار جهنم"، ومن الفقهاء من يَكْرَهه كراهة تنزيه.
وكذلك قوله - ﷺ -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين بغير حقّ، ثم إنا نَعلم أن أهل الْجَمَل وصِفِّين ليسوا في النار؛ لأن لهما عُذْرًا، وتأويلًا في القتال، وحسناتٍ مَنَعَت الْمُقْتَضَى أن يَعْمَل عَمَله.
وقال - ﷺ - في الحديث الصحيح: "ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماء، يمنعه ابنَ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
السبيل، فيقول الله له: اليومَ أمنعُك فضلي، كما مَنَعتَ فضل ما لم تَعْمَل يداك، ورجل بايع إمامًا، لا يبايعه إلا لدنيا، إن أعطاه رضي، وإن لم يُعطه سَخِطَ، ورجل حَلَف على سِلعة بعد العصر كاذبًا، لقد أَعْطَى بها أكثر مما أَعْطَى".
فهذا وعيدٌ عظيمٌ لمن منع فضل مائه، مع أن طائفة من العلماء يُجَوِّزون للرجل أن يمنع فضل مائه، فلا يمنعنا هذا الخلافُ أن نعتقد تحريمَ هذا، محتجين بالحديث، ولا يمنعنا مجيء الحديث، أن نعتقد أن المتأَوِّل معذورٌ في ذلك، لا يَلْحَقه هذا الوعيد.
وقال - ﷺ -: "لَعَنَ الله المحلل، والمحلل له"، وهو حديث صحيح، قد رُوي عنه من غير وجه، وعن أصحابه، مع أن طائفة من العلماء، صَحَّحوا نكاح المحلِّل مطلقًا، ومنهم من صححه إذا لم يُشْتَرط في العقد، ولهم في ذلك أعذار معروفة، فإن قياس الأصول عند الأول أن النكاح لا يَبْطُل بالشروط، كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين، وقياس الأصول عند الثاني أن العقود المجرَّدة عن شرط مُقتَرِن لا تغير أحكام العقود، ولم يبلغ هذا الحديث مَن قال هذا القول، هذا هو الظاهر، فإن كتبهم المتقدمة لم تتضمنه، ولو بلغهم لذكروه، آخذين به، أو مجيبين عنه، أو بلغهم وتأوَّلوه، أو اعتقدوا نسخه، أو كان عندهم ما يُعارضه، فنحن نَعلم أن مثل هؤلاء لا يصيبه هذا الوعيد، لو أنه فَعَل التحليل مُعتقدًا حِلّه على هذا الوجه، ولا يمنعنا ذلك أن نَعلم أن التحليل سبب لهذا الوعيد، وإن تخلف في حق الأشخاص؛ لفوات شرط، أو وجود مانع. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحث نفيسٌ وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ،
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ٢٠/ ٢٦٣ - ٢٦٩.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
كِلَاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، مُحَمَّدًا - ﷺ - يَقُولُ: "مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُ، أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيه، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريبًا.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) خالد أو هُبَيرة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه إلا القطّان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو عثمان" هو: النَّهْديّ، وسعدٌ هو ابن أبي وقّاص، وأبو بكرة هو: نُفيع بن الحارث.
وقوله: (مُحَمَّدًا - ﷺ -) نُصب على أنه بدل من الضمير المنصوب في "سمعته أُذناي"، كما قال في "الخلاصة":
التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا … وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا
كَـ "زُرْهُ خَالِدًا وَقَبِّلْهُ الْيَدَا … واعْرِفْهُ حَقَّهُ وَخُذْ نَبْلًا مُدَى"
ومعنى قوله: "وعاه قلبي": أي حَفِظه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" رواية عاصم هذه، وفيها قصّة، فقال:
(٤٣٢٦) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان، قال: سمعت سعدًا - وهو أول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة، وكان تَسَوَّر حصن الطائف في أناس فجاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقالا: سمعنا النبيّ - ﷺ - يقول: "مَن ادَّعَى إلى غير أبيه، وهو يَعْلَم فالجنة عليه حرام".
[ ٢ / ٤٢٥ ]
(٤٣٢٧) وقال هشام: وأخبرنا معمر، عن عاصم، عن أبي العالية، أو أبي عثمان النَّهْديّ، قال: سمعت سعدًا وأبا بكرة، عن النبيّ - ﷺ -، قال عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما، فأوَّلُ مَن رَمَى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنَزَل إلى النبيّ - ﷺ - ثالثَ ثلاثة وعشرين من الطائف.
قال في "الفتح" ما ملخّصه: قوله: "عن عاصم" هو ابن سليمان، وأبو عثمان هو النَّهديّ، وأبو بكرة: اسمه نُفيع بن الحارث، وكان مولى الحارث بن كَلَدة الثقفيّ، فَتَدَلَّى من حصن الطائف ببكرة، فكُنِيَ أبا بكرة لذلك، أخرج ذلك الطبرانيّ بسند لا بأس به، من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
وكان ممن نَزَل من حِصْن الطائف من عبيدهم، فأسلم فيما ذَكَر أهل المغازي منهم مع أبي بكرة: الْمُنْبَعِث، وكان عبدًًاا لعثمان بن عامر بن مُعَتِّب، وكذا مرزوق، والأزرق زوج سُمَيّة والدة زياد بن عُبيد الذي صار يقال له: زياد ابن أبيه، والأزرق أبو عُقبة وكان لكَلَدة الثقفي، ثم حالف بني أمية؛ لأن النبيّ - ﷺ - دفعه لخالد بن سعيد بن العاص ليعلّمه الإسلام، ووَرْدان وكان لعبد الله بن ربيعة، ويُحَنَّس النبال وكان لابن مالك الثقفيّ، وإبراهيم بن جابر وكان لِخَرَشة الثقفيّ، وبشّار وكان لعثمان بن عبد الله، ونافع مولى الحارث بن كَلَدة، ونافع مولى غيلان بن سلمة الثقفيّ، ويقال: كان معهم زياد ابن سُمَيَّة، والصحيح أنه لم يَخرُج حينئذ؛ لصغره، قال الحافظ: ولم أعرف أسماء الباقين.
قال: ورَوَى ابن أبي شيبة وأحمد، من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: أعتق رسول الله - ﷺ - يومَ الطائف كلَّ مَن خَرَج إليه من رقيق المشركين، أخرجه ابن سعد مرسلًا من وجه آخر. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٨/ ٥٧ - ٥٨ "كتاب المغازي" رقم الحديث (٤٣٢٦ - ٤٣٢٧).
[ ٢ / ٤٢٦ ]