وبالسند المتّصل إلى المؤلف المذكور أول الكتاب قال:
[١١٠] (١٢) - (حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ شَيءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَة، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللهُ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللهُ"، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللهُ"، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ آمْرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، قَالَ: "وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بن مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في (٣/ ٢٣).
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، أَبُو النَّضْرِ) الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ح) تقدّم ٤/ ٣٦.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧].
[ ١ / ٢٢٤ ]
رَوَى عن أبيه، وثابت البنانيّ، وحميد بن هلال، والحسن، وابن سيرين، والجريري، وأبي موسى الهلالي.
ورَوى عنه الثوري، وشعبة، وماتا قبله، وبَهْزُ بن أسد، وحَبّان بن هِلال، وأبو أسامة، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وزيد بن الْحُبَاب، وشَبَابة بن سَوّار، وغيرهم.
قال قراد أبو نوح: سمعت شعبة يقول: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارًا من الرجال. وقال عبد الله بن داود الْخُرَييّ: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة، ومرحوم بن عبد العزيز. وقال أبو طالب عن أحمد: ثَبْتٌ ثَبْتٌ. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة ثقة. قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن المديني: لم يمكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد. وقال النسائيّ: ثقة. وذكر أبو زرعة الدمشقي، عن سليمان بن حرب أنه قال: ثنا سليمان بن المغيرة الثقة المأمون. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب: ما رأيت بصريًّا أفضل منه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة. وذكره ابن حيان في "الثقات" ونقل ابن خلفون عن ابن نُمَير، والعجليّ، وغيرهما توثيقه. وقال أبو مسعود الدمشقيّ في "الأطراف" في "مسند أنس": ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاريّ غير هذا الحديث الواحد، وقرنه بغيره. وقال البزار: كان من ثقات أهل البصرة.
وقال البخاري عن محمد بن محبوب: مات سنة خمس وستين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا.
٤ - (ثَابِتٌ) بن أسلم البنانيّ - بضمّ الموحّدة، ونونين مخففتين - أبو محمد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وابن الزبير وابن عمر، وعبد الله بن مُغَفَّل، وعُمَر بن أبي سلمة، وشعيب والد عمرو، وابنه عمرو، وهو أكبر منه، وغيرهم.
ورَوَى عنه حميد الطويل، وشعبة، وجرير بن حازم، والحمادن، ومعمر، وهمام، وأبو عوانة، وجعفر بن سليمان، وسليمان بن المغيرة، وداود بن أبي
[ ١ / ٢٢٥ ]
هند، والأعمش، وغيرهم. قال البخاريّ عن ابن المدينّي: له نحو مائتين وخمسين حديثًا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يَتَثَبَّتُ في الحديث، وكان يَقُصّ، وقتادة كان يَقُصّ، وكان أذكر. وقال العجليّ: ثقةُ رجلٌ صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهريّ، ثم ثابت، ثم قتادة. وقال ابن عديّ؛ أروى الناس عنه حمادُ بن سلمة، وأحاديثه مستقيمة إذا رَوَى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النُّكْرة إنما هو من الراوي عنه. وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن الْقُصَّاص لا يحفظون الحديث، فكنت أَقْلِب على ثابت الأحاديث، أَجْعَل أنسًا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشَوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء. قال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كلّ يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، توفي في ولاية خالد الْقَسْريّ، وفي سؤالات أبي جعفر، محمد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل: سئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد أَيُّهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. وفي "الكامل" لابن عدي عن القطان: عَجَبٌ لأيوب يَدَعُ ثابتًا البنانّي، لا يكتب عنه. وقال أبو بكو الْبَرْدِيجيّ: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة، والحمادين، وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مُضطربًا، وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم: ثابتٌ عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: مرسل.
قال ابن علية: مات ثابت سنة (١٢٧)، وقال جعفر بن سليمان: سنة (٢٣) حكاهما البخاري في "الأوسط"، وحَكَى عن ثابت قال: صَحِبْتُ أنسًا أربعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤٢) حديثًا.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير - ﵁ - (ت ٩٢) (ح) تقدّم في ١/ ٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٢٢٦ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلَّا شيخه، في أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريّين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديّان.
٤ - (ومنها): أن ثابتًا من أثبت الناس في أنس - ﵁ -، وقد لازمه أربعين سنة، كما سبق عنه آنفًا.
٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو المشهور بخدمة النبيّ - ﷺ -، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة - ﷺ - في البصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين فقد جاوز عمره مائة سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: نُهِينَا) بالبناء للمفعول، وفي رواية بهز عن سليمان الآتية بعدُ: "نُهينا في القرآن"، أي نهانا الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] أَنْ نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ شَيْءٍ) أي مما لا ضرورة إليه، وأما ما يحتاجون إليه، فقد أمر الله بالسؤال عنه حيث قال - ﷿ -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فلا تنافي بين النصّين.
[تنبيه]: سبب النهي هو ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: خطب رسول الله - ﷺ - خطبةً ما سمعت مثلها قط، قال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، قال: فغطى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم لهم خَنِين (^١)، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. لفظ البخاريّ.
ولفظ مسلم: عن أنس - ﵁ - أن الناس سألوا نبي الله - ﷺ - حتى أَحْفَوه بالمسألة، فخرج ذات يوم، فصعد المنبر، فقال: "سلوني، لا تسألوني عن
_________________
(١) بالحاء المهملة، وبالمعجمة أيضًا: صوت البكاء.
[ ١ / ٢٢٧ ]
شيء إلَّا بينته لكم"، فلما سمع ذلك القوم أَرَمُّوا، ورَهِبُوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت التفت يمينًا وشمالًا، فإذا كلّ رجل لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحِي، فيُدْعَى لغير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: "أبوك حذافة"، ثم أنشأ عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، عائذًا بالله من سوء الفتن، فقال رسول الله - ﷺ -: لم أر كاليوم قط في الخير والشرّ، إني صُوّرت لي الجَنَّة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط". لفظ مسلم.
وفي رواية له عن أنس - ﵁ - أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - خرج حين زاغت الشمس، فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلَّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن قبلها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسألني عن شيء فليسالني عنه، فوالله لا تسألونني عن شيء إلَّا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا"، قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -، وأكثر رسول الله؟ أن يقول: "سلوني"، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: "أبوك حذافة"، فلما أكثر رسول الله - ﷺ - من أن يقول: "سلوني"، بَرَكَ عمر، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسكت رسول الله - ﷺ - حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله - ﷺ -: أولى (^١) والذي نفس محمد بيده لقد عُرِضت عليّ الجَنَّة والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشرّ، قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أَعَقّ منك، أَأَمِنتَ أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس، قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
(فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيةِ) أي ممن لم يبلغه النهي عن السؤال، و"البادية"، و"الْبَدْوُ" بمعنًى، وهو ما عدا الحاضرةَ والعمرانَ، والنسبة إليها بَدَوِيّ، والْبِدَاوَةُ: الإقامة بالبادية، وهي بكسر الباء، عند جمهور
_________________
(١) كلمة تهديد، أي قرب ما تكرهون، ومنه قوله - ﷿ -: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ [القيامة: ٣٤].
[ ١ / ٢٢٨ ]
أهل اللغة، وقال أبو زيد: هي بفتح الباء، قال ثعلب: لا أعرف البَدَاوة بالفتح إلَّا عن أبي زيد (^١).
وقوله: (الْعَاقِلُ) بالرفع صفة و"الرجل"، وإنما أحبّوا كونه عاقلًا؛ ليكون أعرف بكيفيّة السؤال وآدابه، والمهمّ منه، وحسن المراجعة، فإن هذه من أسباب عِظَمِ الانتفاع بالجواب، ولأن أهل البادية هم الأعراب، وَيغْلِبُ فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: "مَنْ بَدَا جَفَا" (^٢).
(فَيَسْأَلَهُ) بالنصب عطفًا على "يجيئ " (وَنَحْنُ نَسْمَعُ) جملة حالية من الفاعل، والرابط الواو، كما قال في "الخلاصة":
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ ضمَرٍ أَوْ بِهِمَا
(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) هو ضِكمَام - بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم - ابن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، كما بيّنته رواية البخاريّ، قَدِم على رسول الله - ﷺ - سنة تسع، قاله أبو عُبيدة، ورجحه القرطبيّ، وقيل: سنة سبع، وقال محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها: لأن فرض الحجِّ لم يكن نزل إذ ذاك.
وعبارة القرطبيّ: وأولى ما يقال: إن ضمامًا قَدِمَ على النبيّ - ﷺ - سنة تسع، كما قال أبو عبيدة وغيره من أهل التواريخ، ولأنها كانت سنة الوفود، وذلك أن الله تعالى لَمّا فَتَح على رسول الله - ﷺ - مكة، وهَزَمَ جمعَ هَوَازن، وأسلمت قريش كلُّها، دوّخ العرب، ونَصرَ نبيّه - ﷺ -، وذلك سنة ثمان من الهجرة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وقَدِم رؤساء العرب وفودًا على النبيّ - ﷺ - سنة تسع، فسُمّيت سنة الوفود لذلك. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ " ١/ ١٦٩.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٨٤٨١) بسند حسن عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من بَدَا جَفَا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى أبواب السلطان افْتُتِن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلَّا ازداد من الله بُعدًا".
(٣) "المفهم" ١/ ١٦٥.
[ ١ / ٢٢٩ ]
(فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قال العلماء: لعل هذا كان قبل النهي عن مخاطبته - ﷺ - باسمه قبل نزول قول الله - ﷿ -: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، على أحد التفسيرين، قال قتادة: أُمروا أن يُعظِّموه ويُفخّموه، وقال غيره: ويدعوه بأشرف ما يُحبّ أن يُنادى به، يا رسول الله، يا نبيّ - ﷺ -، وقيل: ذلك أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]، ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية، ولم تَبْلُغ الآيةُ هذا القائلَ (^١).
وقال القرطبيّ: ونادى هذا الرجل النبيّ - ﷺ - يا محمد، ويا ابن عبد المطّلب، ولم يناده بالنبوّه، ولا بالرسالة، إما لأنه لم يؤمن بعدُ - كما سيأتي - وإما لأنه باقٍ على صفة أهل البادية والأعراب؛ إذ لم يتأدّب بعدُ بشيء من آداب الشرع، ولا علم ما يجب عليه من توقير النبيّ - ﷺ -؛ فإن الله تعالى قد نَهى أن يُنادى النبيّ - ﷺ - يا محمد حين قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض: وقد ورد في هذا الحديث أيضًا أنه ناداه: "يا رسول الله"، ولعلّ ذلك كان بعد تعليمه ما يجب عليه، أو تمكّن إسلامه، ومعرفة حقّ الرسالة؛ لأنه في أول وروده كان مسترشدًا، ومستفسرًا، انتهى (^٣).
(أَتَانَا رَسُولُكَ) أي الشخص الذي أرسلته إلينا لتبليغ ما أُرسلت به، وقوله: (فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ) معَ تصديق رسول الله - ﷺ - إيّاه دليل على أن "زَعَمَ" ليس مخصوصًا بالكذب، والقولِ المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث، وعن النبيّ - ﷺ - قال: "زَعَم جبريل كذا" (^٤)، وقد أكثر سيبويه، وهو
_________________
(١) "شرح النوويّ " ١/ ١٧٠.
(٢) "المفهم" ١/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٤) هو ما أخرجه الدارميّ في "سننه" (٢٣٠٥) بسند صحيح عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قام، فخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الجهاد، فلم يَدَعْ شيئًا أفضل منه إلَّا الفرائض، فقام رجل فقال: يا رسول الله =
[ ١ / ٢٣٠ ]
إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كُتُب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطاب، يريد بذلك القول المحقق، وقد نَقَلَ ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في "شرح الفصيح" عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين (^١).
(أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ) - ﷺ - (صَدَقَ) أي فيما بلّغه إياكم (قَالَ) الرجل (فَمَنْ) استفهاميّة (خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ) - ﷺ - ("اللهُ) بالرفع على الفاعليّة بفعل مقدَّر دل عليه السؤال، أي خلقها الله (قَالَ) الرجل (فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللهم)، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ) أي أَقَامَ ورَفَعَ، يقال: نصبتُ الخشبةَ نَصْبًا، من باب ضرب: أقمتها، ونصبتُ الحجر: رفعته علامةً (^٢) (هَذ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟) أي من أنواع الأشجار والأحجار، وغير ذلك (قَالَ) - ﷺ - (اللهُ) أي نصبها الله وجعل فيها (قَالَ) الرجل (فَبِالَّذِي) الباء للقسم متعلّق بفعل محذوف، أي أُقْسِمُ بالله الذي (خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟) بمدّ همزة "آلله"، وأصله أالله (قَالَ) - ﷺ - (نَعَمْ) أي أرسلني الله تعالى (قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ) أي قال" (رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب "خمسَ" على أنه اسم "أنّ"، وخبرها الجارّ والمجرور قبله (فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا) متعلّق بصفة لـ "خمس"، أو حال منه، أو بدل من الجارّ والمجرور قبله، أو متعلّق بخبر لمبتدإ محذوف، أي ذلك كائن في يومنا وليلتنا (قَالَ) - ﷺ - (صَدَقَ) الرسول (قَالَ) الرجل (فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟) أي: بكون الصلوات الخمس واجبة علينا في يومنا وليلتنا (قَالَ) - ﷺ - (نَعَمْ، قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً) بالنصب، اسم "أنّ" مؤخرًّا (فِي أَمْوَالِنَا) متعلّق بصفة لـ "زكاةً" (قَالَ) - ﷺ - (صدَقَ، قَالَ (الرجل (فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ) - ﷺ - (نَعَمْ، قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا) متعلّق بـ "صوم"
_________________
(١) = أرأيت مَنْ قُتِل في سبيل الله، فهل ذلك مكفر عنه خطاياه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم إذا قُتِل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، إلَّا الدَّين، فإنه مأخوذ به، كما زعم لي جبريل".
(٢) "شرح النوويّ" ١/ ١٧٠.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٧.
[ ١ / ٢٣١ ]
(قَالَ) - ﷺ - (صَدَقَ، قَالَ) الرجل (فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ) - ﷺ - (نَعَمْ، قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ) من إضافة المصدر إلى مفعوله، و"من " في قوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) في محلّ الرفع فاعل بالمصدر؛ لأنه في تأويل "أن يَحُجّ"، كما قال في "الخلاصة":
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ … مُضَافًا أَوْ مُجَرّدًا أَوْ مَعَ "أَلْ"
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ "أَلْ" أَوْ "مَا" يَحُلْ … مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ … كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفعٍ عَمَلَهْ
وقوله: "سبيلًا" منصوب على التمييز (قَالَ) - ﷺ - (صَدَقَ) هذه جُمَلٌ تدل على أنواع من العلم، قال صاحب "التحرير": هذا من حسن سؤال هذا الرجل، وملاحة سياقته وترتيبه، فإنه سأل أوّلَا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يَصْدُقَه في كونه رسولًا للصانع، ثم لَمّا وَقَفَ على رسالته، وعَلِمَها أقسم عليه بحق مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رَصِين.
ثم إنّ هذه الإيمان جَرَتْ للتأكيد، وتقرير الأمر، لا لافتقاره إليها، كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة. انتهى.
وقال القاضي عياض: والظاهر أن هذا الرجل لم يأت إلَّا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا ومشافهًا للنبيّ - ﷺ - انتهى، وقد خالف القرطبيُّ عياضًا فيما قاله، وسيأتي نقل كلامه - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) الراوي (ثُمَّ وَلَّى) أي أدبر الرجل السائل، وذهب بعد أن قضى غرضه الذي جاء من أجله، وهو السؤال عن أمور دينه (قَالَ) في محل نصب على الحال من فاعل "ولّى"، أي قائلًا (وَالَّذِي) الواو للقسم، أي أقسم بالله الذي (بَعَثَكَ) أي: أرسلك (بِالْحَقِّ) أي بالدين الحقّ (لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ) أي على هذه الأمور التي سألتك عنها، وأجبتني بصدقها (وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ) تقدّم أن ينقُص بضم القاف، من باب نصر، يتعدّى ويلزم، وأنقص يُنقِص رباعيًّا لغة ضعيفة في شرح حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ - (فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: "لَئِنْ صَدَقَ) في دعواه أنه يُحافظ على هذه الأمور (لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ) فيه أن من أتى بما أوجب الله تعالى عليه استحقّ دخول الجنّة، بمقتضى الوعد السابق، حيث إن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا
[ ١ / ٢٣٢ ]
الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣٠، ٣١].
[تنبيه]: قصّة ضمام بن ثعلبة - ﵁ - هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده" مطوّلة، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن الوليد بن نُوَيفع، عن كُريب مولى عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة، وافدًا إلى رسول الله - ﷺ -، فقَدِم عليه، وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد، ورسول الله - ﷺ - جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلًا جلدًا، أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وَقَفَ على رسول الله - ﷺ - في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب، فقال رسول الله - ﷺ -: "أنا ابن عبد المطلب"، قال: محمد؟ قال: "نعم"، فقال: ابنَ عبد المطلب، إني سائلك، ومُغْلِظٌ في المسألة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك، قال: "لا أجد في نفسي، فسل عمَّا بدا لك"، قال: أنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ فقال: "اللهم نعم"، قال: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، لا نُشرِك به شيئًا، وأن نَخلَع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم"، قال: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: "اللهم نعم"، قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام، فريضة، فريضة: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كلّ فريضة، كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقص، قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله - ﷺ - حين وَلَّى: "إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجَنَّة"، قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قَدِمَ على
[ ١ / ٢٣٣ ]
قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزي، قالوا: مَهْ يا ضمام، اتَّقِ البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم إنهما والله لا يضران، ولا ينفعان، إن الله - ﷿ - قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به، ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم، وفي حاضره رجل ولا امرأة إلَّا مسلمًا، قال: يقول ابن عباس: في سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
وهذا الحديث إسناده ثقات مشهورون، غير محمد بن الوليد، فقد تفرّد بالرواية عنه ابن إسحاق، ووثقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ: وُثّق، وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به، ولم ينفرد به، بل تابعه سلمة بن كُهيل، عند الدارميّ في "سننه"، فرواه معه عن كريب، وله شواهد، من حديث أنس المذكور في الباب وغيره، فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في "الإيمان" (٣/ ١١٠) عن عمرو الناقد، عن هاشم بن القاسم - و(٣/ ١١١) عن عبد الله بن هاشم، عن بهز - كلاهما (هاشم، وبهز) عن سلميان بن المغيرة، عن ثابت، عنه.
و(البخاريّ) (١/ ٢٤) عن عبد الله بن يوسف، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عنه، و(أبو داود) (٤٨٦) - و(ابن ماجة) - (١٤٠٢) و(النسائيّ) (٤/ ١٢٢) - ثلاثتهم عن عيسى ابن حمّاد المصريّ، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن شريك به. و(الترمذيّ) (٦١٩) عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الحميد - و(النسائيّ) (٤/ ١٢١) عن محمد بن معمر، عن أبي عامر الْعَقَديّ - كلاهما عن سليمان بن المغيرة به.
و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤٣) عن هاشم بن القاسم به، و(٣/ ١٣٩)
[ ١ / ٢٣٤ ]
عن بهز به، و(٣/ ١٦٨) عن حجاج، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر به.
و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٨٥) عن هشام بن القاسم به.
و(الدارميّ) في "سننه" (٦٥٦) عن عليّ بن عبد الحميد، عن سليمان بن المغيرة به.
و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩١) و(أبو عوانة) في "مسنده" (١ و٢).
و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٥٨) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب - (ح) وعن محمد بن عمرو بن تمام المصريّ، عن النضر بن عبد الجبّار - ويحيى بن بكير - كلهم عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن شريك بن أبي نَمِر به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): أن الصلوات الخمس متكررة في كلّ يوم وليلة، وهو معنى قوله: "في يومنا وليلتنا".
٢ - (ومنها): أن صوم شهر رمضان يجب في كلّ سنة.
٣ - (ومنها): ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: فيه دلالةٌ لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوامّ المقلدين مؤمنون، وأنه يُكتَفَى منهم بمجرد اعتقاد الحقّ جزمًا، من غير شكّ وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه - ﷺ - قَرّر ضِمَامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم يُنكِر عليه ذلك، ولا قال له: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تمام البحث في هذا في المسائل التي ذكرتها في شرح حديث جبريل - ﵇ - بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق.
٤ - (ومنها): أن فيه العملَ بخبر الواحد، حيث إن هذا الرجل قال للنَّبيّ - ﷺ - في آخر حديثه: "وأنا رسول من ورائي من قومي"، فأقرّه - ﷺ - على ذلك.
٥ - (ومنها): أن فيه فضل ضمام بن ثعلبة - ﵁ - وعقله، حيث قدَّم
[ ١ / ٢٣٥ ]
الاعتذار بين يدي مسألته؛ لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلَّا بتلك الأساليب، فقد رتّب سؤاله على قوله: "فمن خلق السماء" إلى أن قال: "فبالذي خلق السماء إلخ، ثم أقسم عليه أن يصدقه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في كلّ مسألة تأكيدًا، وتقريرًا للأمر، ثم صرّح بالتصديق، فكلّ ذلك دليلٌ على حسن تصرّفه، وتمكّن عقله، ولهذا قال عمر - ﵁ - في رواية أبي هريرة - ﵁ -: "ما رأيت أحدًا أحسن مسألةً، ولا أوجز من ضمام"، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند أبي داود: "فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام". وزاد في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "فأما هذه الْهَنَاتُ فوالله إن كنّا لنتنزّه عنها في الجاهليّة"، يعني الفواحش (^١).
٦ - (ومنها): جواز الاستحلاف على الأمر المحقّق؛ لزيادة التأكيد، حيث قال ضمام - ﵁ -: "فبالذي خلق السماء إلخ".
٧ - (ومنها): تقديم الإنسان بين يدي حديثه مقدّمةً يعتذر فيها؛ ليحسن موقع حديثه عند المحدَّث، وهو من حسن التوصّل، فقد قال ضمام - ﵁ - كما في رواية البخاريّ: "إني سائلك، فمشدّد عليك في المسألة، فلا تَجِد عليّ في نفسك".
٨ - (ومنها): أنه استنبط الحاكم أبو عبد الله - ﵀ - من هذا الحديث طلب الإسناد العالي، ولو كان الراوي ثقةً؛ لأن ضمامًا لم يُقنعه خبر رسول النبيّ - ﷺ - حتى رحل بنفسه، وسمع ما بلّغه الرسول عنه، فلم يُنكر ذلك عليه النبيّ - ﷺ -، بل أقرّه عليه وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
اختُلف، هل قَدِمَ ضِمَامٌ مسلمًا، أم أسلم بعد ما سأل؟:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الظاهر أنه لم يأت إلَّا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافهًا للنبيّ - ﷺ -. انتهى.
وهذا هو الذي مال إليه البخاريّ رحمه الله تعالى، حيث أورد هذا الحديث في "كتاب العلم" محتجًّا به في القراءة على العالم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٨٢ - ١٨٤.
[ ١ / ٢٣٦ ]
قال في "الفتح": عند قوله: "آمنت بما جئت به": ما نصّه: يَحْتَمِل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول - ﷺ - ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره: "فإن رسولك زَعَمَ … "، وقال في رواية كُريب، عن ابن عباس عند الطبرانيّ: "أتتنا كُتُبك، وأتتنا رُسُلك"، واستَنْبَط منه الحاكم أصلَ طلب علو الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصَدَّقَ، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله - ﷺ - مشافهةً.
ويحتمل أن يكون قوله: "آمنت" إنشاءً، ورجحه القرطبيّ، لقوله: "زَعَمَ" قال: والزعم القول الذي لا يوثق به، قاله ابن السِّكِّيت وغيره.
قال الحافظ: وفيه نظر، لأن الزعم يُطْلَق على القول المحقق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في "شرح فصيح شيخه ثعلب"، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل في مقام الاحتجاج.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن ما قاله القرطبيّ في معنى الزعم في الاستعمال الغالب، فالحمل عليه أولي، ومما يؤيّد ذلك قوله في حديث ابن عبّاس - ﵄ - أنه قال في آخر كلامه: "أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، سأؤديّ هذه الفرائض … " الحديث.
فهذا ظاهرٌ في أن معنى قوله هنا: "آمنت بما جئت به" إنشاء، لا إخبار، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وأما تبويب أبي داود عليه "بابُ المشركِ يدخل المسجد"، فليس مَصِيرًا منه إلى أن ضمامًا قَدِمَ مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال.
قال الجامع: قوله: "فليس مصيرًا إلخ"، فيه نظر لا يخفي، بل الظاهر من صنيع أبي داود أنه يرى أن ضمامًا قَدِمَ مشركًا، وقوله: "تركوا شخصًا إلخ" مما لا يخفى ضعفه، فهل كان من هدي النبيّ - ﷺ - وأصحابه أن كلّ من جاءهم من الغرباء لا بد من أن يسألوه عند دخوله المسجد هل هو مسلم، أو مشرك؟ فهل ثبت هذا في الأحاديث؟ هيهات هيهات. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال: ومما يؤيد أن قوله: "آمنت" إخبار، أنه لم يسأل عن دليل التوحيد،
[ ١ / ٢٣٧ ]
بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لكان طَلَبَ معجزةً، توجب له التصديق، قاله الكرمانيّ، وعكسه القرطبيّ، فاستدل به على صحة إيمان المقلد للرسول، ولو لم تظهر له معجزةٌ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الذي يظهر لي، ودونك عبارته:
قال رحمه الله تعالى: وقد خَرَّج البخاريّ هذا الحديث، وقال فيه: عن أنس - ﵁ -: "بينما نحن جلوس مع النبيّ - ﷺ - في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عَقَلَه، ثم قال لهم: أَيُّكُم محمد، والنبي - ﷺ - متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ -: قد أجبتك، فقال الرجل للنبي - ﷺ -: إني سائلك، فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك، فقال: سَلْ عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم …، وذكر نحو حديث مسلم.
وقد فَهِمَ البخاريّ من هذا الحديث أن هذا الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول الله - ﷺ - حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحَفِظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ - ﷺ -، ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا "باب القراءة والعرض على المحدّث"، وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي"، وفيه نظر، وأما مساق حديث مسلم، فظاهر أن الرجل لم يُشرَح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، إلا تراه يقول "يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك"، فإن الزعم قولٌ لا يوثق به، قاله ابن السّكّيت وغيره.
غير أن هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فَدلَّهُ ذلك على أن لها خالقًا خلقها، إلا ترى أنه استفهم النبيَّ - ﷺ -
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٨٣.
[ ١ / ٢٣٨ ]
عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصحّ العلم بالرسول إلَّا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لَمّا وافقه على ما شهد به العقل، وأن الله تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات، أقسم عليه، وسأله به هل أرسله؟
ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حَصلَ على طِلْبَتِه، فانشرح صدور للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوار رسول الله - ﷺ -، فلقد كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته - ﷺ - قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ - ﵁ -: "فلَمَّا رأيته علمتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، حتى قال بعضهم:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ … لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول الله - ﷺ -، وبصحّة رسالته؛ لمجموع قرائن لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها.
ويُستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طَلَب من المكلّفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثَبَت، ولم يَقْصُرُهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنَة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلُّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد الله المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصَّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء.
وقد روى ابن عبّاس - ﵄ - حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلُّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول الله - ﷺ - عن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمامٌ: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقص، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن يصدُق ذو الْعَقِيصتين (^١) يدخل الجَنَّة"، ثم قَدِم على أهله، فعرض عليهم الإسلام، في أمسى ذلك في حاضره من رجل ولا امرأة إلَّا مسلمًا، قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قطّ كان أفضل من
_________________
(١) أي: الضفيرتين.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ضمام"، وهو صحيح، رواه أحمد، وغيره. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق حسنٌ.
وحاصله أن الأرجح قول ضمام - ﵁ -: "آمنت بما جئت به" إنشاء، لا إخبار؛ لما ذُكر من الأدلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١١] (…) - (حَدَّثَيي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا (^١) بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: "كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآن، أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ شَيْءٍ … "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثِلْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) هو: عبد الله بن هاشم بن حيّان، أبو عبد الرَّحمن، وقيل: أبو محَمد الطُّوسيّ الرَّاذَكَانيّ، وُلدَ بطوس، وكان أكثر مُقَامه بنيسابور، ثقة، صاحب حديث، من صغار [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، ويحيى القطان، وابن مهديّ، ووكيع، وأبي أسامة، وبهز بن أسد، وابن نُمَير، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وصالح بن محمد الأسدي، وأحمد بن سلمة، والحسين بن محمد القَبّاني، وإبراهيم بن أبي طالب، ومكي بن عبدان، وغيرهم.
قال ابن صاعد: قَدِمَ علينا للحج سنة (٢٠١)، وقال يعقوب بن إسحاق الفقيه: ثنا صالح بن محمد، ثنا عبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، ثقة. وقال إبراهيم بن أبي طالب: ابن هاشم مُجَوِّدٌ في حديث يحيى وعبد الرَّحمن. وقال أحمد بن سَيّار: كان عبد الله معروفًا بطلب الحديث وكان أظهر كلام الرّأي، ثم ترك ذلك، ورَحَلُوا إليه، وكتبوا عنه، وأظهر أمر الحديث. وذكره ابن حبان
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا بهز".
[ ١ / ٢٤٠ ]
في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث من المتقدمين. ورَوَى عنه ابن خزيمة في "صحيحه". وقال الخليليّ: ثقةٌ كبير.
وقال الحسين بن محمد القَبّاني: مات في ذي الحجة سنة خمس وخمسين ومائة، وقال أبو القاسم الطبريّ: مات سنة (١٥٨)، وقال أحمد بن سَيّار: مات سنة (١٥٩).
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩].
رَوَى عن شعبة، وحماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الرَّحمن بن بشر بن الحكم، وبندار، ويعقوب الدَّوْرَقِيّ، ومحمد بن حاتم السَّمِين، وعبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، وأبو بكر بن خلاد، وعدة.
قال أحمد: إليه الْمُنْتَهَى في التَّثَبُّت، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال عباس عنه: قال جرير بن عبد الحميد: اختَلَطَ عليَّ حديث عاصم الأحول، وأحاديث أشعث بن سَوّار، حتى قَدِمَ علينا بهز، فخَلَّصها. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، حجة. وقال عبد الرَّحمن بن بشر: سألت يحيى بن سعيد يومًا عن حديث، فحَدَّثني به، ثم قال لي أراك تسألني عن شعبة كثيرًا، فعليك ببهز بن أسد، فإنه صدوق ثقة، فاسمع منه كتاب شعبة، وقال في موضع آخر: ما رأيت رجلًا خيرًا من بهز. وقال العجليّ: كان أسنّ من أخيه مُعَلَّى، بصريّ ثقة ثبت في الحديث، رجلٌ صالحٌ، صاحب سنة، وهو أثبت الناس في حماد بن سلمة. وقال أبو الفتح الأزديّ: صدوق، كان يتحامل على عثمان، سَيِّء المذهب. وقال أحمد: هؤلاء الثلاثة أصحاب الشكل والنقط - يعني بهزًا، وحَبَّان، وعَفّان.
وقال عقبة بن مكرم: مات قبل يحيى بن سعيد، وقال غيره: مات بعد المائتين.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد المائتين، وأَرَّخَه ابن قانع سنة (١٩٧).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٨) حديثًا.
والباقون تقدَّموا في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٤١ ]
وقوله: "وساق الحديث بمثله"، فاعل "ساق" ضمير بهز، أي: ساق بهز الحديث بمثل ما ساقه هاشم بن القاسم، وروايته أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، مقرونًا بعفّان، فقال: حدثنا بهز، وحدثنا عفان قالا: حدثنا سلميان بن المغيرة، عن ثابت، قال عفان: حدثنا ثابت، قال أنس: كنا نُهِينا في القرآن أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، قال: وكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، يسأل رسول الله - ﷺ -، قال: فجاء رجل فقال: يا محمد أتانا رسولك، وزعم لنا أنك تزعم أن الله - ﷿ - أرسلك، قال: "صدق"، قال: فمن خَلَقَ السماء؟ قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله"، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاةً في أموالنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال عفان: قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، وزعم رسولك أن علينا الحجَّ مَنِ استطاع إليه سبيلًا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال عفان: ثم وَلَّي، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد، ولا أنتقص منهن شيئًا، قال رسول الله - ﷺ -: "لئن صدق ليدخلن الجَنَّة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].