وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠] (٦٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" ثُمَّ قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ").
[ ٢ / ٤٤٢ ]
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان بُنْدار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، رجّح ابن معين أخاه المثنّى عليه [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) النخعيّ الْوَهْبِيليّ (^١)، أبو مدرك الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وإبراهيم النخعيّ، وهلال بن يَسَاف، وتميم بن طَرَفة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وأبي صالح.
ورَوَى عنه الأعمش، والمسعوديّ، وحَنَش بن الحارث، وأشعث بن سَوّار، وشعبة.
قال ابن معين والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالحٌ صدوقٌ، ثم قال: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سمع من أبي مسعود البدريّ، ولأجل ذلك ذكره في التابعين، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة.
قال الحضرمي: مات سنة عشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١٠٦): "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة … ".
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم (^٢)، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
_________________
(١) بفتح الواو، وسكون الهاء، وكسر الموحّدة: نسبة إلى وَهْبِيل، وهو بطنٌ من النَّخَع، وهو وَهْبيل بن سَعْد بن مالك بن النخع، قاله في "اللباب" ٣/ ٣٧٥.
(٢) بفتح الهاء، وكسر الراء.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
٦ - (جَرِير) بن عبد الله بن جابر الْبَجليّ الصحابيّ المشهور - ﵁ -، مات سنة (٥١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ، وعبيد الله بن معاذ، فما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: محمد بن المثنى وابن بشار من التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: علي بن مُدْرك عن أبي زرعة، ورواية الراوي عن أبيه، والآخر عن جدّه.
٥ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، فللمصنّف إسنادان يلتقيان في شعبة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، مع أنه من أواخر من أسلم، قال: "ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك"، متّفقٌ عليه، وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: نعم السيد أنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام. وكان سيّدًا مطاعًا، وكان بديع الجمال، كان عمر بن الخطّاب - ﵁ - يسمّيه يوسف هذه الأمة، كبير القدر، طويل القامة، يَصِل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعًا - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) النخعيّ، أنه (سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير (يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِير) بن عبد الله - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": قال رسول الله - ﷺ -: "يا جرير استنصت الناس … "، وهذا نصّ صريح في أنه - ﷺ - خاطب به جريرًا نفسه، ففيه ردّ على من زعم أن لفظ "لي" في الرواية زائدة؛ لأن جريرًا - ﵁ - إنما أسلم بعد حجة
[ ٢ / ٤٤٤ ]
الوداع بنحو من شهرين، فقد جَزَم ابن عبد البر بأنه أسلم قبل موت النبي - ﷺ - بأربعين يومًا، قال في "الفتح": وما جَزَم به يعارضه قولُ البغويّ، وابنِ حِبّان أنه أسلم في رمضان سنة عشر. ووقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث في "باب حجة الوداع" بأنّ النبيّ - ﷺ - قال لجرير، وهذا لا يحتمل التأويل، فيُقَوّي ما قال البغوي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وكذا لفظ رواية المصنّف وأبي عوانة، بل هو أَيْضًا أصرح؛ لأن قوله: "قال لي"، وقوله: "يا جرير" لا احتمال فيه، والله تعالى أعلم.
(فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) متعلّق بـ "قال"، وسمّيت بذلك؛ لأن النبيّ - ﷺ - ودّع الناس فيها، وعلّمهم في خطبته فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها، فقال - ﷺ -: "ليُبلّغ الشاهد منكم الغائب". والمعروف في الرواية "حَجّةُ الوداع" بفتح الحاء، وقال الهرويّ وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الْحِجَج حِجّة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها؛ لكونها اسمًا للمرّة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتّى تُكسَر، قالوا: فيجوز الكسر بالسماع والفتح بالقياس. ذكره النوويّ (^١).
وقال الفيّوميّ: الحجّ أي بالفتح: القصد للنسك، والاسم الْحِجّ بالكسر، والْحِجّةُ المرة بالكسر على غير قياس، والجمعُ حِجَجٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، قال ثعلبٌ: قياسه الفتح ولم يُسمَع من العرب، وبها سُمّي الشهر ذو الحِجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الْحِجّة. انتهى (^٢).
وفي حديث ابن عمر - ﵄ - عند أبي عوانة في "مسنده" (٦٣) قال: "كنّا نتحدّث بحجة الوداع، ولا ندري أنه الوداع من رسول الله - ﷺ -، فلما كان حجة الوداع حمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح … " الحديث (^٣).
("اسْتَنْصِتِ النَّاسَ") بصيغة الأمر، وهو أمرٌ منه - ﷺ - لجرير - ﵁ - أن يأمر
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٦ "كتاب الإيمان".
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٢١.
(٣) راجع: "مسند أبي عوانة" ١/ ٣٤.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الناس بالإنصات له، هكذا رواية الشيخين بلفظ الأمر، ووقع في رواية للنسائيّ بلفظ: "أن رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع استنصت الناس … " بصيغة الماضي: أي طلب منهم الإنصات، وهو السكوت، ليمكنهم الإستماع لخطبته.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: مُرْهم بالإنصات؛ ليسمعوا هذه الأمور المهمّة، والقواعد التي سأقرّرها لكم وأُحمّلكموها. انتهى (^١).
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: نَصَتَ الرجلُ يَنْصِتُ نَصْتًا، وأنصت، وهي أعلى، وانتَصَتَ: سَكَتَ، وأنصته وأنصت له: مثلُ نَصَحَه، ونصح له، والإنصات: هو السكوت والإستماع للحديث، وأنشد أبو عليّ:
إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَأَنْصِتُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
ويُرْوَى: "فَصَدِّقُوهَا" بدل "فأنصتوها"، ويقال: أنصت: إذا سَكَتَ، وأنصت غيره: إذا أسكته، قال شَمِر: أنصت الرجلُ: إذا سَكَت له، وأنصته: إذا أسكته، جعله من الأضداد. وأنصت يُنصِت إنصاتًا: إذا سَكَت سكوتَ مستمع، وقد أنصت وأنصته: إذا أسكته، فهو لازم ومتعد. انتهى باختصار (^٢).
وقال في "الفتح": وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ومعناهما مختلفٌ، فالإنصات هو السكوت، وهو يحصل ممن يستمع وممن لا يستمع كأن يكون مفكّرًا في أمر آخر، وكذلك الإستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يشغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه.
وإنما أمر النبيّ - ﷺ - جريرًا - ﵁ - بالإستنصات؛ لأنه أراد أن يخطب الناس، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وكان اجتماعهم لرمي الجمار وغير ذلك من أمور الحجّ، وقد قال لهم: "خُذُوا عنّي مناسككم"، كما سيأتي للمصنّف في "كتاب الحجّ"، فلما خطبهم ليعلّمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات (^٣).
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٦ "كتاب الإيمان".
(٢) راجع: "لسان العرب" ٢/ ٩٨ - ٩٩.
(٣) راجع: "الفتح" ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
(ثُمَّ قَالَ) النبيّ - ﷺ - بعد أن استنصت له جرير - ﵁ - الناس ("لَا تَرْجِعُوا) أي لا تصيروا، قال ابن مالك: "رجع" هنا استُعمل استعمال "صار" معنًى وعملًا: أي لا تصيروا بعدي كُفّارًا، فعلى هذا "كُفّارًا" منصوب؛ لأنه خبر "لا ترجعوا" (بَعْدِي) أي بعد موتي، أو بعد مجلسي هذا.
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قال الطبريّ: أي بعد فراقي لموقفي هذا، وقال غيره: خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به.
ويحتمل أنه - ﷺ - عَلِم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته، وقال المظهريّ: يعني إذا فارقت الدنيا، فاثبُتُوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تُحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل، وقال محيي السنّة: أي لا تكن أفعالكم شبيهةً بأفعال الكفّار في ضرب رقاب المسلمين. انتهى (^١).
(كُفَّارًا) بضم الكاف وتشديد الفاء: جمع كافر، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
وقد ذكر الحافظ في "الفتح" جملة ما قيل في معناه، وهي عشرة أقوال:
[أحدها]: قول الخوارج: إنه على ظاهره.
[ثانيها]: هو في المستحلّ.
[ثالثها]: المعنى كُفّارًا بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
[رابعها]: تفعلون فعل الكفّار في قتل بعضهم بعضًا.
[خامسها]: لابسين السلاح، يقال: كَفَرَ دِرْعه: إذا لبس فوقها ثوبًا.
[سادسها]: كُفّارًا بنعمة الله.
[سابعها]: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا.
[ثامنها]: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيَكْفُرُ أحدهما (^٢).
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ١٥٥ "كتاب العلم".
(٢) "فتح" ١٤/ ١٧٤ - ١٧٥ "كتاب الديات" حديث (٦٨٧٥).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
[تاسعها]: المراد سَتْرُ الحقّ، والكفر لغةً: الستر؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن ينصره ويُعينه، فلما قاتله كأنه غطّى على حقّه الثابت له عليه.
[عاشرها]: أن الفعل المذكور يُفضي إلى الكفر؛ لأن من اعتاد الهُجُوم على كبار المعاصي جرّه شؤم ذلك إلى أشدّ منها، فيُخشى أن لا يُختَم له بخاتمة الإسلام.
قال: واستَشْكَلَ بعضُ الشرّاح غالبَ هذه الأجوبة بأنّ راوي الخبر - وهو أبو بكرة - ﵁ -، فَهِم خلاف ذلك.
والجواب أن فهمه ذلك إنما يُعْرَف من توقّفه عن القتال، واحتجاجه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون توقّفه بطريق الإحتياط؛ لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كُفْر من باشر ذلك، ويؤيّده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم ولا امتثال أوامرهم ولا غير ذلك، مما يدلّ على أنه لا يعتقد فيهم حقيقته. انتهى (^١).
(يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ") بجزم "يَضْرِبْ" على أنه جواب النهي، وبرفعه على الإستئناف أو يُجعل حالًا، فعلى الأول يُقوّي الحمل على الكفر الحقيقيّ، ويحتاج إلى التأويل بالمستحلّ مثلًا، وعلى الثاني لا يكون متعلّقًا بما قبله، ويحتمل أن يكون متعلّقًا وجوابه ما تقدّم، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: "يَضْرِبُ" برفع الباء (^٣)، وهو الصواب، وهو الرواية التي رواها المتقدّمون والمتأخّرون، وفيه وجوه:
[أحدها]: أن يكون صفة لـ "كفّارًا": أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا متّصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضكم رقاب بعض.
[والثاني]: أن يكون حالًا من ضمير "لا ترجعوا": أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض.
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٥٢١ "كتاب الفتن" حديث (٧٠٧٧).
(٢) "فتح" ١٤/ ٥٢١ حديث (٧٠٧٧).
(٣) فيه تسامحٌ، إذ الصواب بالرفع.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
[والثالث]: أن يكون جملة استئنافيّةً، كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفّارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض.
فعلى الأول يجوز أن يكون معناه: لا ترجعوا عن الدين بعدي، فتصيروا مرتدّين مقاتلين، يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ على وجه التحقيق، وأن يكون: لا ترجعوا كالكفّار المقاتل بعضكم بعضًا، على وجه التشبيه بحذف أداته.
وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه: لا تَكْفُروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يَعرِض بينكم لاستحلال القتل بغير حقّ، وأن يكون: لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفّار في الإنهماك في تهييج الشرّ، وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب.
وعلى الثالث: يجوز أن يكون معناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ، فإنه فعل الكفّار، وأن يكون: "لا يضربُ بعضكم رقاب بعض"، كفعل الكفّار على ما تقدّم. وجوّز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من "لا ترجعوا"، وأن يكون جزاءً لشرط مقدّر على مذهب الكسائيّ: أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وقيل: يجوز الجزم بأن يكون جوابَ النهي على مذهب من يُجوّز "لا تكفرْ، تدخلِ النار".
وقال القاضي عياض: رواه من لم يَضْبِط "يضرب" بالإسكان، وهو إحالة للمعنى، والصواب ضمّ الباء، نهاهم عن التشبّه بالكفّار، فتشبّهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا ومُحاربة بعضهم لبعضٍ، وهذا أولى ما يتأوّل عليه الحديث.
ويؤيّده ما رُوي (^١) مما جَرَى بين الأنصار بمحاولة يهود، وتذكيرهم أيامهم، ودخولهم في الجاهليّة، حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠١]، أي تفعلون فعل الكفّار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به، من تحريم
_________________
(١) ذكره ابن هشام في "سيرته" ٢/ ١٨٤، والحافظ في "الإصابة" ١/ ٨٨.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
دمائهم، وكفّرهم في ذلك بقتالهم لا بقولهم واعتقادهم، أو أن يَتَكَفَّرُوا في السلاح بقتل بعضهم بعضًا، أو عن كفر نعمة الله بتأليف قلوبهم، وتوادّهم، وتراحمهم الذي به صلاحهم بأن رجعوا إلى ضدّ ذلك.
وعلى سكون الباء فإنها نهي عن الكفر مجرّدًا، ثم يجيء ضرب الرقاب جواب النهي، ومجازات الكفر، ومساق الخبر، ومفهومه يدلّ على النهي عن ضرب الرقاب، والنهي عما قبله بسببه.
وقال الخطّابيّ: معناه: لا يُكفّر بعضكم بعضًا، فتستحلّوا قتال بعضكم بعضًا. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣١/ ٢٣٠] (٦٥)، و(البخاريّ) في "كتاب العلم" (١٢١) و"المغازي" (٤٤٠٥) و"الديات" (٦٨٦٩) و"الفتن" (٧٠٨٠)، و(النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٢٩/ ٤١٣٣ و٤١٣٤)، وفي "الكبرى" (٢٩/ ٣٥٩٦ و٣٥٩٧)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٤٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١٨٦٨٦ و١٨٧٣٢ و١٨٧٧٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٩٢١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٦١)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٢٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مقاتلة المؤمنين بعضهم بعضًا، وأن ذلك ينافي الإيمان وأنه من سمة أهل الكفر.
٢ - (ومنها): أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلّمين؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فتوقير النبيّ - ﷺ -
_________________
(١) "إكمال المعلم بفوائد مسلم" ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤ "كتاب الإيمان".
[ ٢ / ٤٥٠ ]
واجب فكذلك العلماء؛ لأنهم ورثة النبيّ - ﷺ -، فهم يُحيُون سنّته، ويدعون الناس إليها، ويذبّون عنها وعن حريمها، فلهم الإجلال والإحترام.
٣ - (ومنها): أن الإنصات سبب لفتح باب العلم، قال سفيان الثوريّ وغيره: أوّل العلم الإستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. وعن الأصمعيّ تقديم الإنصات على الإستماع، وقد ذكر عليّ ابن المدينيّ أنه قال لابن عُيينة: أخبرني معتمر بن سليمان، عن كَهْمَس، عن مُطرّف، قال: الإنصات من العينين، فقال ابن عيينة: وما نَدْرِي كيف ذلك؟، قال: إذا حَدَّثتَ رجلًا فلم ينظر إليك لم يكن منصتًا. انتهى.
قال الحافظ: وهذا محمول على الغالب. ذكره في "الفتح" (^١).
٤ - (ومنها): بيان تحريم دم المسلم على المسلم.
٥ - (ومنها): تحذير الأمّة من وقوع ما يُحْذَر منه.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: وفيه ما يدلّ على أن النبيّ - ﷺ - كان يَعْلَم ما يكون بعده في أمّته من الْفِتَن والتَّقاتُل، ويدلّ أيضًا على قرب وقوع ذلك من زمانه، فإنه خاطب بذلك أصحابه وظاهره أنه أرادهم؛ لأنه بهم أعنَى وعليهم أحنَى، ويَحتَمِلُ غير ذلك. انتهى (^٢).
٧ - (ومنها): ما قاله المازريّ رحمه الله تعالى: أنه تعلّق بهذا الحديث من أنكر حجيّة الإجماع من أهل البدع، قال: لأنه نَهَى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز اجتماعها عليه، لما نهاها عنه، وإذا جاز اجتماعها على الكفر، فغيره من الضلالات أولى، وإذا كان ممنوعًا اجتماعها عليه لم يصحّ النهي عنه.
وهذا الذي قاله خطأ؛ لأنّا إنما نشترط في التكليف أن يكون ممكنًا متأتّيًا من المكلّف، هذا أيضًا على رأي من منع تكليف ما لا يُطاق، واجتماع الأمة على الكفر وإن كان ممتنعًا، فإنه لم يمتنع من جهة أنه لا يمكن ولا يتأتّى، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه لا يقع، وقد قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ
_________________
(١) "فتح" ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤ "كتاب العلم" حديث (١٢١).
(٢) "المفهم" ١/ ٢٥٦ "كتاب الإيمان".
[ ٢ / ٤٥١ ]
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية [الزمر: ٦٥] والشرك قد عُصم منه النبيّ - ﷺ -، وبعد هذا نزل عليه مثل هذا، على أن المراد بهذا الخطاب كلّ واحد في عينه أو جمهور الناس، وهذا لا يُنكر أحدٌ أن يكون مما يصحّ حمل هذا الخطاب عليه. انتهى المقصود من كلام القاضي (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١] (٦٦) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الْعَدَويّ المدنيّ، ثقة [٦] (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (أَبُوه) هو: مُحَمَّدُ بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الْعَدَويّ المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٣ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ - (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث جرير - ﵁ -، يعني أن حديث شعبة عن واقد بن محمد مثل حديثه عن عليّ بن مُدرك.
[تنبيه]: رواية شعبة عن واقد بن محمد التي أحالها المصنّف - رحمه الله تعالى - هنا ساق لفظها الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ٨٧)، فقال:
(٥٣٤٧) حدثنا عبد الرحمن (^٢)، حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يَضْرِب بعضكم رقابَ بعض".
_________________
(١) "إكمال المعلم بفوائد مسلم" ١/ ٣٢٣ "كتاب الإيمان".
(٢) هو ابن مهديّ.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وشرح الحديث وفوائده تقدّمت مستوفاةً في حديث جرير - ﵁ -، فلتراجعها، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣١/ ٢٣١ و٢٣٢] (٦٦)، و(البخاريّ) في "الأدب" (٦١٦٦) و"الديات" (٦٨٦٨) و"الفتن" (٧٠٧٧)، و(أبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٦)، و(النسائيّ) في "تحريم الدم" (٢٩/ ٤١٢٧ و٤١٢٨)، وفي "الكبرى" (٢٩/ ٣٥٩٠ و٣٥٩١)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في "المصنّف" (١٥/ ٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥٥٥٣ و٥٥٧٢ و٥٧٧٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٦٢ و٦٣)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٢٣ و٢٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٥٨ و٦٥٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، يُحَدِّثُ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "وَيْحَكُمْ - أَوْ قَالَ -: وَيْلَكُمْ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠]، مات سنة (٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: ("ويحَكُمْ، أَوْ قَالَ: وَيْلَكُمْ) "أو" للشكّ من الراوي، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هما كلمتان، استَعْمَلتهما العرب بمعنى التعجب والتوجع، قال سيبويه رحمه الله تعالى: "ويل" كلمة لِمَنْ وَقَعَ في هَلَكَة، و"ويح" تَرَحُّمٌ، وحُكِيَ عنه: "ويحٌ" زَجْرٌ لمن أشرف على الْهَلَكة، وقال غيره: ولا يراد بهما الدعاء بإيقاع الهَلَكة، ولكن الترحم والتعجب، ورُوي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "وَيْحٌ" كلمة رحمة، وقال الْهَرَويّ: "ويح" لمن وَقَع في هَلَكَة لا يستحقُّها، فيُتَرَحَّم عليه ويُرْثَى له، و"ويلٌ" للذي يستحقّها، ولا يُتَرَحَّم عليه. انتهى (^١).
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى في "لسان العرب" (٢/ ٦٣٨):
"ويحَ" كلمةٌ تقال رحمةً، وكذلك "وَيْحَمَا"، قال حُمَيد بن ثور [من الطويل]:
أَلَا هَيَّمَا مِمَّا لَقِيتُ وَهَيَّمَا … وَوَيْحٌ لِمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا هُنَّ وَيْحَمَا
وقال الليث: "وَيْحَ" يقال: إنه رحمةٌ لمن تنزل به بَلِيّةٌ، وربما جُعِل مع "ما" كلمةً واحدةً، وقيل: وَيْحَمَا، و"ويح" كلمةُ تَرَحُّم وتَوَجُّع، وقد يقال بمعنى المدح والعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرْفَع، وتضاف، ولا تضاف، يقال: ويحَ زيد، وويحًا له، وويحٌ له.
وقال الجوهريّ: "ويح" كلمة رحمة، و"ويلٌ" كلمةُ عذاب، وقيل: هما بمعنًى واحد، وهما مرفوعتان بالإبتداء، يقال: ويحٌ لزيد، وويلٌ لزيد، ولك أن تقول: ويحًا لزيد، وويلًا لزيد، فتنصبهما بإضمار فعل، وكأنك قلت: ألزمه الله وَيْحًا ووَيْلًا، ونحو ذلك، ولك أن تقول: وَيْحَكَ، وويحَ زيد، وويلَك، وويل زيد بالإضافة، فتنصبهما أيضًا بإضمار فعل، وأما قوله تعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ و﴿بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ وما أشبه ذلك، فهو منصوب أبدًا؛ لأنه لا تصح إضافته بغير لام؛ لأنك لو قلت: فتعسهم أو بُعْدهم، لم يصلح، فلذلك افترقا.
_________________
(١) راجع: "شرح مسلم" للنوويّ ٢/ ٥٦ - ٥٧.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وقال الأصمعيّ: الويل قُبُوحٌ، والويحُ تَرَحُّمٌ، وويسٌ تصغيرها، أي هي دونها.
وقال أبو زيد: الويل هلكة، والويح قُبُوحٌ، والويس ترحُّم.
وقال سيبويه: الويل يقال لمن وقع في الهلكة، والويح زَجْرٌ لمن أشرف على الهلكة، ولم يَذكُر في الويس شيئًا.
وقال ابن الفرج: الويح والويل والوَيس واحد.
وقال ابن سِيدَهْ: وَيْحَهُ كويله، وقيل: ويح تقبيح، وقال ابن جني: امتنعوا من استعمال فِعْلِ الويح؛ لأن القياس نفاه ومَنَع منه، وذلك لأنه لو صُرِّفَ الفعل من ذلك لوجب اعتلال فائه كوَعَدَ، وعينه كباع، فتحامَوْا استعماله لِمَا كان يُعْقِب من اجتماع إعلالين، قال: ولا أدري أَأَدْخَل الألف واللام على الويح سماعًا أم تبَسُّطًا وإِدْلالًا؟.
وقال الخليل: وَيْسٌ كلمة في موضع رأفة واستملاح، كقولك للصبيّ: ويحه ما أملحه، وويسه ما أملحه، قال: وليس بينه وبين الويل فرقٌ، إلا أنه ألين قليلًا.
وقال الأزهريّ: وقد قال أكثر أهل اللغة: إن الويل كلمة تقال لكل من وقع في هلكة وعذاب، والفرق بين ويح وويل، أن ويلًا تقال لمن وقع في هلكة أو بَلِيَّة لا يُتَرّحم عليه، وويحًا تقال لكل من وقع في بَلِيَّة يُرْحَم ويُدْعَى له بالتخلص منها، ألا ترى أن الويل في القرآن لمستحقي العذاب بجرائمهم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] وما أشبهها؟ ما جاء ويل إلا لأهل الجرائم، وأما ويح فإن النبيّ - ﷺ - قالها لعمار الفاضل، كأنه أُعْلِم ما يُبْتَلَى به من القتل، فتوجع له وترحم عليه. قال: وأصل "ويح" و"ويس"، و"ويل" كلمة كلُّه عندي وُصِلت بحاء مرةً، وبسين مرةً، وبلام مرةً.
قال سيبويه: سألت الخليل عنها، فزعم أن كُلَّ مَن نَدِمَ فأظهر ندامته، قال: وَيْ، ومعناها التنديم والتنبيه.
وقال ابن كيسان: إذا قالوا له: ويلٌ له، وويحٌ له، وويسٌ له؛ فالكلام فيهن الرفع على الإبتداء، واللام في موضع الخبر، فإن حُذفت اللام لم يكن
[ ٢ / ٤٥٥ ]
إلا النصب، كقوله: وَيْحَهُ، وَوَيْسَهُ. انتهى (^١).
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قريبًا، فلتراجعهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣] (…) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) حرملة بن عِمران التَّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، وجدّه زيد، وعم أبيه سالم، وابن عم أبيه عبد الله بن واقد بن عبد الله، وابني عم أبيه الآخر القاسم وأبي بكر بني عُبيد الله بن عبد الله، وأخويه: زيد وأبي بكر بني محمد، وزيد بن أسلم، وحفص بن عاصم، ونافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن يسار الأعرج، وعُمر بن عبد الله مولى غُفْرَة.
ورَوى عنه أخوه عاصم، وشعبة، ومالك، والسفيانان، وابن المبارك، ويزيد بن زُريع، والوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وابن وهب، وأبو بَدْر شُجاع بن الوليد، ومحمد بن ربيعة الكلابيّ، وأبو عاصم النبيل وغيرهم.
_________________
(١) "لسان العرب" ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
قال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، مات بعد أخيه أبي بكر بقليل، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، ليس به بأس، روى عنه الثوريّ، وأثنى عليه، وقال حنبل عن أحمد: ثقةٌ، وكذا قال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، وقال الدُّورِيُّ عن ابن معين: مات بعسقلان، وكان مُرَابِطًا بها، وكان ولده بها، وكان صالح الحديث، وقال أبو حاتم: هم خمسة إخوة أوثقهم عُمر، وهو ثقة صدوق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال علي بن نصر الْجهضميّ، عن عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، عن سفيان الثوريّ: لم يكن في آل عمر أفضل من عمر بن محمد بن زيد العسقلانيّ، وقال ابن عيينة: حدثني الصَّدُوق الْبَرُّ عمر بن محمد بن زيد، وقال يحيى بن حكيم عن أبي عاصم: كان من أفضل أهل زمانه، كان أكثر مقامه بالشام، قَدِمَ إلى بغداد، فانجفل الناس إليه (^١)، وقالوا: ابنُ عمر بن الخطاب، ثم قَدِمَ الكوفة، فأخذوا عنه، وكان له قدر وجلالة، وقال الآجريّ عن أبي داود: قال عبد الله بن داود - يعني الْخُريبِيَّ -: ما رأيت رجلًا قَط أطول منه، وبلغني أنه كان يَلْبَس درع عمر، فيسحبها، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه أيضًا العجليّ، وابن الْبَرْقيّ، والبزار.
مات بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وخرج محمد سنة (١٤٥) وقُتِل في السنة التي خرج فيها، أجمع على ذلك أهل التاريخ.
روى له الجماعة سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا، وعند ابن ماجه حديث واحد، وهو حديث الباب فقط.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (أن أباه) هو محمد بن زيد المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدٍ) يعني أن حديث عبد الله بن وهب عن عمر بن محمد، مثل حديث شعبة عن أخيه واقد بن محمد.
_________________
(١) أي أسرعوا إليه.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
[تنبيه]: رواية عبد الله بن وهب، عن عمر بن محمد التي أحالها المصنّف رحمه الله تعالى هنا، ساق لفظها أبو نُعيم في "المسند المستخرج" (١/ ١٥٢)، فقال:
(٢٢٤) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو يعلى، ثنا أحمد بن عيسى المصريّ، ثنا ابن وهب، أخبرني عُمر بن محمد بن زيد، أن أباه حدثه، عن عبد الله بن عمر، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال في حجة الوداع: "ويحكم لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.