وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٨] (٧٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَ"كْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكثَرَ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَكثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ
[ ٢ / ٥٤٤ ]
أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: "أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْل، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ) التَّجِيبيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦٨/ ١٦.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدَويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخه، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، سوى شيخه والليث فمصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن الهاد عن عبد الله بن دينار.
٥ - (ومنها): أن فيه "ابن الهاد" (^١) سُمّي بالهاد؛ لأنه كان يوقد نارًا؛
_________________
(١) وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، فالهاد والد لأسامة، هكذا في كتب الرجال، فما قاله النوويّ في "شرحه" من أن الهاد هو أسامة، محلّ نظرٌ، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ليهتدي إليها الأضياف، ومن سلك الطريق، وهكذا يقوله المحدّثون "الهاد"، وهو صحيح على لغة، والمختار في العربيّة "الهادي" بالياء؛ لأن الأفصح في المنقوص إذا كان بـ "أل" الوقف عليه بالياء، كما أشار ابن مالك إلى ذلك في "الخلاصة" بقوله:
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبالة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، ومن المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) "الْمَعْشَرُ" كلُّ جماعة أمرهم واحد، ونُقِل عن ثعلب أنه مخصوص بالرجال، وهذا الحديث يَرُدّ عليه، إلا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث، قاله في "الفتح"، وقال في "العمدة": "المعشر" الجماعة، متخالطين كانوا أو غير ذلك، قال الأزهريّ: أخبرني المنذر، عن أحمد بن يحيى، قال: المعشر، والنفر، والقوم، والرَّهْطُ هؤلاء معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، للرجال دون النساء، وعن الليث: المعشر كلُّ جماعة أمرهم واحد، وهذا هو الظاهر، وقول أحمد بن يحيى مردود بالحديث، ويُجمع على معاشر. انتهى (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: "المعشر": هم الجماعة الذين أمرهم واحد، أي مُشترِكون، وهو اسم يتناولهم، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر، ونحو ذلك، وجمعه معاشر. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "يا معشر النساء". هذا خطاب عامّ، غُلِّبت فيه الحاضراتُ على الغائبات، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، واللام للاستغراق. انتهى (^٣).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٢٧٠.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٦٦.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٦٤.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "يا معشر النساء" هذا نداء لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشاد لهنّ إلى ما سيُخلّصهنّ من النار، وهو الصدقة مطلقًا واجبها وتطوّعها، والظاهر أن المراد هنا القدر المشترك بين الواجب والتطوّع؛ لقوله في بعض طرقه: "ولو من حليّكن"، متّفقٌ عليه.
(تَصَدَّقْنَ) أمرٌ لهنّ بالصدقة، وهي ما تُعطَى للفقراء في ذات الله تعالى (^١).
(وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ) أي طَلَبَ سَتْرِ ذنوبكنّ، قال القرطبيّ: الاستغفار سؤال المغفرة، وقد يُعبّر به عن التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، أي توبوا، وإنما عبّر عن التوبة بالاستغفار؛ لأنه إنما يصدُر عن الندَم وترك (^٢) الإصرار، وذلك هو التوبة، فأما الاستغفار مع الإصرار فحال المنافقين والأشرار، وهو جدير بالردّ وتكثير الأوزار، وقد قال بعض العارفين: الاستغفار باللسان توبة الكذابين. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (^٣).
(فَإنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (رَأَيْتُكُنَّ) الظاهر أنه أراد رؤية صِنْفِهنّ لا نفس المخاطبات، قال القرطبيّ: اطّلع على نساء آدميّات من نوع المخاطبات لا نفس المخاطبات، كما قال في الرواية الأخرى: "اطّلعت على النار، فرأيتُ أكثر أهلها النساء"، متّفق عليه.
[تنبيه]: يَحْتَمِلُ أن تكون رؤيته - ﷺ - إياهنّ في النار ليلة الإسراء، ويَحْتَمِلُ أن يكون رآهنّ في صلاة الكسوف، كما سيجيء ذلك في حديث ابن عباس - ﵄ - بلفظ: "ورأيت النارَ، فلم أر كاليوم منظرًا قطّ، ورأيت أكثر أهلها النساء … "، والله تعالى أعلم.
وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: "أُريتكنّ" بصيغة الماضي المبنيّ للمفعول، قال الطيبيّ: "أريتكنّ" بمعنى أُخبرتُ، وأعلمتُ بأنكنّ أكثر أهل النار، فهو يتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل: الأول ضمير المتكلّم المتّصل به، والثاني: ضمير
_________________
(١) راجع: "اللسان" ١٠/ ١٩٦.
(٢) وقع هنا في "المفهم": "وجل الإصرار" والظاهر أنه مصحّف، والله تعالى أعلم.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
المخاطبات، وهو "كُنّ"، والثالث: قوله: "أكثر"، و"من" في قوله: "من ناقصات" مزيدة استغراقيّةٌ؛ لمجيئها بعد النفي، ومن ثمّ قيل: "من إحداكنّ"، و"من" فيه متعلّقةٌ بـ "أذهب"، والمفضّل عليه مقدّرٌ، ويحتمل أن تكون "من" بيانًا لـ"ناقصات" على سبيل التجريد (^١)، كقولك: رأيتُ منك أَسَدًا، جَرَّدَ من "إحداكنّ" ناقصات، ووصفها بالجمع على طريقة ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾ (^٢) [الجن: ٩]، و"أذهب" لمطلق الزيادة، صفة موصوف محذوف، أي ما رأيت أحدًا، و"أذهب" صفة "أحدًا"، و"ذلكَ" إشارة إلى الحكم المذكور، والكاف فيه للخطاب العامّ، وإلا لقال: "ذلكنّ"؛ لأن الخطاب للنساء. انتهى (^٣).
(أكثَرَ أَهْلِ النَّارِ) بنصب "أكثر" إما على أن هذه الرؤية تتعدى إلى مفعولين، وإما على الحال على مذهب ابن السرّاج وأبي علي الفارسي وغيرهما ممن قال: إن أفعل لا يتعرف بالإضافة، وقيل: هو بدل من الكاف في "رأيتكن".
وأما قولها: "وما لنا أكثرَ أهل النار؟ "، فمنصوب إما على الحكاية، وإما على الحال (^٤).
(فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ) - بفتح الجيم، وإسكان الزاي - قال ابن الأثير: أي تامّة الْخَلق، ويجوز أن تكون ذات كلام جَزْل: أي قويّ شديد. انتهى (^٥)، وقال القاضي عياض: أي ذات عقل ورأيٍ، قال ابن دُرَيد: الْجَزَالة الْعَقْلُ والْوَقَار، وفي "العين": امرأة جَزِيلة: أي ذاتً عَجِيزة عَظيمة، وأصله: العظيم من كلّ شيء، ومنه: عطاء جَزْل. انتهى (^٦)، وقال القرطبيّ: الجَزَالة: الشَّهامة والْجِدَةُ مع العقل والرفق. انتهى (^٧).
_________________
(١) التجريد: أن يُنتزع من متّصف بصفة آخرُ مثلُهُ فيها مبالغة في كمالها.
(٢) وجهه أنه وصف "شهابًا" وهو مفرد باسم الجمع، وهو "رصدًا".
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٦٥.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ٦٦.
(٥) "النهاية" ١/ ٢٧٠.
(٦) "إكمال المعلم" ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩، و"الصيانة" ص ٢٥٨.
(٧) "المفهم" ١/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
فلما سمع النساء ذلك علمن أن ذلك كان بسبب ذنب لهنّ، فبادرت هذه المرأة لجزالتها وشدّة حرصها على ما يُخلّص من هذا الأمر العظيم، فسألت عن ذلك، فقالت: (وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أكثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟) فأجابها - ﷺ - فـ (قَالَ: "تُكثِرْنَ اللَّعْنَ) بضم حرف المضارعة، من الإكثار، والجملة في معنى التعليل، والمعنى لأنكنّ تكثرن اللعن.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "اللعن" في اللغة: الطرد والإبعاد، ومعناه في الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أصل اللعن: إبعاد الله تعالى العبد من رحمته بسخط، ومن الإنسان الدعاء عليه بالسخط. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "تُكثرن اللعن": أي يدور اللعنُ على ألسنتهنّ كثيرًا لمن لا يجوز لعنه، وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب، كما غلب بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئًا ربّما لعنوه، فيقولون: ما أشعره لعنه الله!، وقد حَكَى بعضهم أن قصيدة ابن دُريد تُسمّى عندهم الملعونةَ؛ لأنهم كانوا إذا سمعوها قالوا: ما أشعره لعنه الله!، وقد تقدّم أن اللعن: الطرد والبعد. انتهى (^٣).
(وَتَكْفُرْنَ) قال الراغب: الكُفر في اللغة: ستر المشيء، وكُفر النعمة وكُفرانها سترها بترك أداء شُكرها، قال: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وأعظم الكفر جحود الوحدانيّة، والربوبيّة، والنبوّة، والشريعة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والْكُفُور فيهما جميعًا، قال: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠] انتهى (^٤).
(الْعَشِيرَ) بفتح العين وكسر المشين: هو في الأصل: المعاشر مطلقًا، والمراد هنا الزوج، قاله النوويّ (^٥).
وقال الشيخ ابن الصلاح: وهذا قاض بأن نفس إكثار اللعن، ونفس
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٣٧٩.
(٢) راجع: "الكاشف" ٢/ ٤٦٥.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٦٩.
(٤) راجع: "الكاشف" ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٥) "شرح مسلم" ٢/ ٦٦.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
كفرهنّ إحسان الأزواج من الكبائر، أما اللعن فمن أعظم الجنايات القوليّة، وقد ثبت عنه - ﷺ - أن لعن المؤمن كقتله، متَّفقٌ عليه، وأما كفرانهنّ إحسان الزوج، فقد كان يمكن أن يقال: ليس هو نفسه السبب في ذلك، بل ما يستصحبه من معصية الزوج ونحو ذلك، لولا تفسيره - ﷺ - ذلك في الحديث الآخر بقوله: "لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطّ"، متّفقٌ عليه. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": أي تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أو أعمّ من ذلك (^٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "العشير" هنا الزوج، يُسمّى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كلّ واحد منهما يُعاشر صاحبه، و"العشير" أيضًا الخليط والصاحب، وقد قال الباجيّ: يحتمل أن يريد به الزوج خاصّةً، ويحتمل أن يريد به كلّ من يُعاشرهنّ، ودليل الحديث خلاف ما قاله من شرحه بمعنى الزوج بعد هذا دون غيره، واستحقاقهنّ النار بكفران العشير وجحد حقّه يدلّ على أنه الزوج؛ لعظيم حقّه عليهنّ. انتهى (^٣).
(وَمَا) نافية (رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ) صفة موصوف محذوف: أي ما رأيت أحدًا من ناقصات، قاله الطيبيّ (^٤) (عَقْلٍ وَدِينٍ) المراد نُقصان كمالهما، قال الطيبيّ: العقل غريزة في الإنسان، يُدرك بها المعنى، ويمنعه عن القبائح، وهو نور الله في قلب المؤمن. انتهى (^٥).
وقال القرطبيّ: والعقل الذي نقصه النساء هو: التثبّت في الأمور، والتحقيق فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال، وهنّ في ذلك غالبًا بخلاف الرجال، وأصل العقل: العلمُ، وقد يقال على الهدوء، والوقار، والتثبّت في الأمور، وللعلماء خلاف في حدّ العقل المشترط في التكاليف، ليس هذا موضع ذكره.
_________________
(١) "الصيانة" ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٢) "الفتح" ١/ ٤٨٤.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٤) "الكاشف" ٢/ ٤٦٥.
(٥) "الكاشف" ٢/ ٤٦٥.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
قال: والدين هنا يُراد به العبادات، وليس نقصان ذلك في حقّهنّ ذمًّا لهنّ، وإنما ذكر النبيّ - ﷺ - ذلك من أحوالهنّ على معنى التعجّب من الرجال، حيث يغلبهم مَن نَقَصَ عن درجتهم، ولم يَبلُغ كمالهم، وذلك هو صريح قوله - ﷺ -: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ" (^١). انتهى (^٢).
(أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ) أي صاحب عقل، ومنه تكرار النبيّ - ﷺ - (^٣) قولَ الأعشى في امرأته:
وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غُلِبْ
وقول صاحبة أم زرع: "وَأَغْلِبُهُ، والنَّاسَ يَغْلِبُ" (^٤)، وقول معاوية (^٥): "يَغْلِبْنَ الكرامَ، ويَغْلِبُهُنّ اللِّئَامُ"، قاله في "الإكمال" (^٦).
وقال الطيبيّ: اللبّ: العقل الخالص من الشوائب، وسُمّي بذلك؛ لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زَكَى من العقل، وكلُّ لُبٍّ عقلٌ، وليس كلُّ عقل لُبًّا. انتهى (^٧).
(مِنْكُنَّ") وفي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند البخاريّ: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إحداكنّ".
قال في "الفتح": قوله: "أذهب" أي أشد إذهابًا، واللُّبُّ أخص من العقل، وهو الخالص منه، والحازم: الضابط لأمره، وهذه مبالغةٌ في وصفهن بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهنّ، فغير الضابط أولى، واستعمال
_________________
(١) راوه البخاري من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - (٣٠٤).
(٢) "المفهم" ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في "المسند" من زياداته (٢/ ٢٠١ و٢٠٢). قال الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٤/ ٣٣١ - ٣٣٢): رجاله ثقات، وصححه العلامة أحمد محمد شاكر في "تحقيقه للمسند" (٦/ ١٠٠).
(٤) هذه الزيادة ليست في رواية "الصحيحين"، بل هي عند النسائي في "الكبرى"، والطبرانيّ، والزبير بن بكار، قاله في "الفتح" ٩/ ٢٦٤.
(٥) ذكره الميدانيّ في "مجمع الأمثال" ٢/ ٤٢٦ غير معزوّ لمعاوية.
(٦) "إكمال المعلم" ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.
(٧) "الكاشف" ٢/ ٤٦٥.
[ ٢ / ٥٥١ ]
أفعل التفضيل من الإذهاب جائز عند سيبويه، حيث جَوَّزه من الثلاثي والمزيد. انتهى (^١).
(قَالَتْ) تلك المرأة الجَزْلة مستفسرة عن وجه نقصان دينهنّ وعقلهنّ، وفي حديث أبي سعيد: "وقلن: وما نقصان ديننا" (يَا رَسُولَ الله، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟) وفي حديث أبي سعيد: "قُلْنَ: وما نقصان ديننا؟ "، قال في "الفتح": كأنه خفي عليهنّ ذلك، حتى سألن عنه، ونفس السؤال دالّ على النقصان؛ لأنهن سَلَّمن ما نُسِبَ إليهن من الأمور الثلاثة: الإكثار، والكفران، والإذهاب (^٢) ثم استشكلن كونهنّ ناقصات، وما ألطف ما أجابهنّ به - ﷺ - من غير تعنيف ولا لَوْمٍ.
(قَالَ) - ﷺ - ("أمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأتيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الاستظهار بأخرى مُؤْذِن بقلة ضبطها، وهو مُشْعِرٌ بنقص عقلها.
[تنبيه]: حَكَى ابنُ التين عن بعضهم أنه حَمَلَ العقل هنا على الدية، فقال: المراد أن دية المرأة على نصف دية الرجل، وهذا باطلٌ يُبطله قوله: "أما نُقصان العقل … إلخ"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وفي حديث أبي سعيد: "أليس شهادة المرأة … إلخ" وهذا جواب منه - ﷺ - بلطف، وإرشادٌ من غير تعنيف ولا لومٍ، حيث خاطبهنّ على قدر فهمهنّ؛ لأنه - ﷺ - جُبل على اللين والرحمة، كما تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [الآية] [آل عمران: ١٥٩] (فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ) أي هذا أمارة نقصان العقل، أو أثره.
قال المازريّ: هذا تنبيهٌ منه - ﷺ - على ما وراءه؛ لأنه ليس في الوصف بقصور شهادتها عن شهادة الرجل بمجرّد دليلٌ على نقص العقل حتى يتمّ بما نَبَّهَ الله - ﷾ - عليه في كتابه من أن ذلك لأجل قلّة ضبطها، وذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
_________________
(١) "فتح" ١/ ٤٨٤.
(٢) أي في قوله في حديث أبي سعيد: "أذهب للبّ الرجل الحازم … ".
[ ٢ / ٥٥٢ ]
(وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي) أي تمكث ليالي وأيامًا لا تصلي بسبب الحيض (وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ) أي تُفطر أيامًا من رمضان بسبب الحيض (فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ") وفي حديث أبي سعيد: "فذلك من نقصان دينها"، وهو بكسر الكاف خطابًا للواحدة، التي تولّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنه للخطاب العامّ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٦/ ٢٤٨ و٢٤٩] (٧٩)، و(أبو داود) (٤٦٧٩)، و(ابن ماجه) (٤٠٠٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٦ - ٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نقصان الدين الدالّ على إثبات نقصان الإيمان وزيادته، وما فيه من استعمال لفظ الكفر لا في الكفر السالب للإيمان، وهذ هو وجه إيراد المصنّف له في كتاب الإيمان.
٢ - (ومنها): الحثّ على الصدقة، وأفعال البرّ، والإكثار من الاستغفار، وسائر الطاعات.
٣ - (ومنها): بيان أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفّر الذنوب التي بين المخلوقين، وأن إكثار الحسنات سببٌ لتكفير السيئات، كما قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
٤ - (ومنها): بيان أن كفران العشير والإحسان من الكبائر، فإن التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرةً، كما سيأتي إيضاحه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) "فتح" ١/ ٤٨٤، و"عمدة القاري" ٣/ ٢٧٢.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
٥ - (ومنها): بيان أن اللَّعْن أيضًا من المعاصي الشديدة القبح، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وليس فيه أنه كبيرة، فإنه - ﷺ - قال: "تكثرن اللعن"، والصغيرة إذا أُكثرت صارت كبيرة، وقد قال - ﷺ -: "لعن المؤمن كقتله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذا الحديث أن لعن المؤمن كبيرة؛ لأنه شبّهه بقتله، وقتله كبيرة بلا خلاف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: واتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة الإبعاد والطرد، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز أن يُبْعَد من رحمة الله تعالى مَن لا يُعْرَف حاله، وخاتمة أمره معرفةً قطعيّةً، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه، مسلمًا كان أو كافرًا أو دابة، إلا من عَلِمْنا بنص شرعيّ أنه مات على الكفر أو يموت عليه، كأبي جهل، وإبليس، وأما اللعن بالوصف، فليس بحرام، كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصوِّرين، والظالمين، والفاسقين، والكافرين، ولَعْنِ مَن غيّر مَنَارَ الأرض، ومن تولّى غير مواليه، ومَن انتَسَبَ إلى غير أبيه، ومن أَحْدَث في الإسلام حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف، لا على الأعيان، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): أن فيه إطلاقَ الكفر على غير الكفر بالله تعالى، ككفر العَشِير، والإحسان، والنعمة، والحقّ، وغيرها من الذنوب التي لا تُخرِج من الملة؛ تغليظًا على فاعلها، وهو كإطلاق نفي الإيمان، ويؤخذ من ذلك صحة تأويل الكفر في الأحاديث المتقدّمة في الأبواب السابقة على ما تأولناها.
٧ - (ومنها): أن فيه وعظَ الإمام، وأصحاب الولايات، وكُبَراء الناس رَعَاياهم، وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات.
٨ - (ومنها): مشروعيّة مراجعة المتعلم العالمَ، والتابع المتبوعَ فيما قاله، إذا لم يظهر له معناه، كمراجعة هذه الْجَزْلَة - ﵄ -.
٩ - (ومنها): جواز إطلاق "رمضان" من غير إضافة إلى الشهر، وفيه ردّ على من كره ذلك كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
١٠ - (ومنها): أن قوله: "وتمكث الليالي ما تصلّي" يدلّ على أن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتًا بحكم الشرع قبل ذلك المجلس.
١١ - (ومنها): بيان مشروعيّة أمر الإمام الناسَ بالصدقة.
١٢ - (ومنها): جواز عِظَة الإمام النساءَ على حِدَةٍ.
١٣ - (ومنها): بيان أن جَحْدَ النعم حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح، كاللعن والشتم.
١٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة الإغلاظِ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تُعَابُ، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين؛ لأن في التعميم تسهيلًا على السامع.
١٥ - (ومنها): بيان أن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهنّ على ذلك؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهنّ، ولهذا رَتَّبَ العذاب على ما ذُكِر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين مُنحصِرًا فيما يَحصُل به الإثم بل في أعم من ذلك.
١٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه - ﷺ - من الْخُلُق العظيم، والصفح الجميل، والرفق والرأفة، فقد ظهر مصداق قوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا، وزاده تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما وصفه - ﷺ - النساء بنقصان الدين لتركهنّ الصلاة والصوم في زمن الحيض، فقد يُسْتَشْكَل معناه، وليس بمشكل، بل هو ظاهرٌ، فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد، كما قدمناه في مواضع، وقد قدمنا أيضًا في مواضع أن الطاعات تُسَمَّى إيمانًا ودينًا، وإذا ثَبَتَ هذا عَلِمنا أن من كثُرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نَقَصت عبادته نقص دينه، ثم نَقْصُ الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك
[ ٢ / ٥٥٥ ]
الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه، كمن ترك الجمعة، أو الغزو، أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو مُكَلَّف به، كترك الحائض الصلاة والصوم.
[فإن قيل]: فإن كانت معذورةً فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض، وإن كانت لا تقضيها، كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثلُ نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره؟.
[فالجواب]: أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنيّة الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض، فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت ويترك في وقتٍ، غير ناو الدوام عليها، فهذا لا يُكتَب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن يتنفل فيه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى بعد نقله كلام النوويّ هذا ما نصّه: وعندي في كون هذا الفرق مستلزمًا لكونها لا تُثاب وقفةٌ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أيضًا توقّف كما قال الحافظ، وذلك أن الحائض في هذا مثل المريض الذي منعه مرضه عن أداء ما كان يفعله في صحّته، وهذا المعنى موجود فيها؛ لأن من نيتها أن تُصلّي لولا مانع الحيض الذي هو عذر شرعيّ، ربما يكون المسافر أهون منها في ذلك؛ لأنه يمكنه أن يترك سفره ويؤدي العبادة، ومع ذلك عذره الشرع وجعل له ثواب ما كان يعمله في الحضر، فالحائض التي لا يمكنها أن تتخلّى عن الحيض حتى تؤدي الصلاة أولى بأن يعذرها الشرع، ويجعل لها ثواب ما كانت تعمله لولا المانع الشرعيّ، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى "العقل" وفي مقرّه:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قد اختَلَف الناس في العقل ما هو؟
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٦٨.
(٢) "فتح" ٤٨٥.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فقيل: العلم، وهذه طريقة من اتّبع حكم اللغة؛ لأن العلم والعقل في اللسان بمعنى واحد، ولا يُفرّقون بين قولهم: عَقَلتُ وعَلِمت، وقيل: العقل بعض العلوم الضروريّة، وقيل: هو قوّة يُميّز بها بين حقائق المعلومات، فأما على قول من قال: هو العلم، فيكون وصفهنّ بنقص العقل لأجل النسيان وقلّة الضبط على ظاهره؛ لأن ذلك نقصٌ العلوم، وعلى رأي من رأى أن العقل غير ذلك، يكون قلّةُ الضبط والنسيان وشِبْهُ ذلك عَلَمًا على القصور والنقص في ذلك المعنى الطبيعيّ الذي هو شرطٌ في تلقّي التكاليف وكثرة العلوم. انتهى (^١).
واختلفوا أيضًا في محله، فقال المتكلمون: هو في القلب، وقال بعض العلماء: هو في الرأس، قاله النوويّ (^٢).
ولقد حقّق المسألة تحقيقًا بالغًا شيخ الإسلام الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في رسالة قيّمة، لا نظير لها في بابها، أحببتُ إيرادها، وإن كانت طويلة إلا أن هذا الشرح ما وضعته إلا لاستيفاء المسائل حسب الإمكان، فلا يُستغرب طول مباحثه، كما أوضحته في أوائل شرح المقدّمة. ونصّ الرسالة:
سئل شيخ الاسلام الإمام العلامة، تقيّ الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية - ﵁ - عن "العقل" الذي للإنسان، هل هو عَرَضٌ، وما هي "الروح" المدَبِّرة لجسده، هل هي النفس، وهل لها كيفية تُعْلَمُ، وهل هي عَرَضٌ أو جوهرٌ، وهل يُعْلَم مسكنها من الجسد، ومسكن العقل؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، "العقل" في كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، وكلام الصحابة والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، هو أمر يقوم بالعاقل، سواء سُمّي عَرَضًا أو صفةً، ليس هو عينًا قائمةً بنفسها، سواءً سُمِّي جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك، وإنما يوجد التعبير باسم العقل عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس، ويَدَّعُون ثبوت عقول عشرة، كما يذكر ذلك مَنْ يذكره من أتباع أرسطو، أو غيره من المتفلسفة المشائين، ومن تَلَقَّى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٣٨٣.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٦٨.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وقد بُسِطَ الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع، وبُيِّنَ أن ما يذكرونه من العقول، والنفوس، والمجردات، والمفارقات، والجواهر العقلية، لا يثبت لهم منه إلا نفس الإنسان، وما يقوم بها من العلوم وتوابعها، فإن أصل تسميتهم لهذه الأمور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت، وهذا أمر صحيح، فإن نفس الميت تفارق بدنه بالموت، وهذا مبنيّ على أن النفس قائمة بنفسها، تبقى بعد فراق البدن بالموت مُنَعَّمةً أو مُعَذَّبةً، وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم، وهو قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، وإن كان كثير من أهل الكلام يزعمون أن النفس هي الحياة القائمة بالبدن، ويقول بعضهم: هي جزء من أجزاء البدن، كالريح المترَدِّدة في البدن أو البخار الخارج من القلب.
ففي الجملة النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءًا من أجزاء البدن، ولا صفة من صفات البدن عند سلف الأمة وأئمتها، وإنما يقول هذا وهذا من يقوله من أهل الكلام المبتدَع المحدَث من أتباع الجهمية والمعتزلة ونحوهم، والفلاسفةُ المشاؤون يُقِرّون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن، لكن يَصفون النفس بصفات باطلة، فيَدَّعُون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلًا، والعقل عندهم هو المجرد عن المادّة، وعلائقِ المادّة والمادّةُ عندهم هي الجسم، وقد يقولون: هو المجرد عن التعلق بالهيولى، والْهيُولَى في لغتهم هو بمعنى المحلّ، ويقولون: المادة والصورة، والعقلُ عندهم جوهر قائم بنفسه، لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا تتجدد له أحوال البتة.
فحقيقة قولهم: إن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال، لا علوم، ولا تصورات، ولا سمع ولا بصر ولا إرادات، ولا فَرَخٌ وسرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلًا وأبدًا، كما يزعمونه في العقل والنفس، ثم منهم من يقول: إن النفوس واحدة بالعين، ومنهم من يقول: هي متعددة، وفي كلامهم من الباطل ما ليس هذا موضع بسطه، وإنما المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع، فهم يسمون ما اقترن بالمادّة التي هي الهيولى، وهي الجسم في هذا الموضع نفسًا كنفس الإنسان المدبرة لبدنه، ويزعمون أن للفلك نفسًا تحركه، كما للناس
[ ٢ / ٥٥٨ ]
نفوس، لكن كان قدماؤهم يقولون: إن نفس الفلك عَرَضٌ قائم بالفلك كنفوس البهائم، وكما يقوم بالإنسان الشهوة والغضب، لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا أن النفس الفلكية جوهر قائم بنفسه، كنفس الإنسان، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سَمَّوها نفسًا، فإذا فارقت سَمَّوها عقلًا؛ لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادّة وعن علائق المادّة، وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف.
وأصل تسميتهم هذه مجردات، هو مأخوذ من كون الإنسان يُجَرِّد الأمور العقلية الكلية عن الأمور الحسية المعينة، فإنه إذا رأى أفرادًا للإنسان كزيد وعمرو، عَقَلَ قدرًا مشتركًا بين الأناسي وبين الإنسانية الكلية المشتركة المعقولة في قلبه، وإذا رأى الخيل والبغال والحمير وبهيمة الأنعام وغير ذلك من أفراد الحيوان عَقَلَ من ذلك قدرًا كليًّا مشتركًا بين الأفراد، وهي الحيوانية الكلية المعقولة، وإذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات عَقَلَ من ذلك قدرًا مشتركًا كليًّا، وهو الجسم النامي المغتذي، وقد يسمون ذلك النفس النباتية، وإذا رأى مع ذلك سائر الأجسام العلوية الفلكية، والسفلية العنصرية عَقَلَ من ذلك قدرًا مشتركًا كليًّا، هو الجسم العام المطلق، وإذا رأى ما سوى ذلك من الموجودات عَقَل من ذلك قدرًا مشتركًا كليًّا، وهو الوجود العام الكلي، الذي ينقسم إلى جوهر وعرض، وهذا الوجود هو عندهم موضوع العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه، وهي الفلسفة الأولى، والحكمة العليا عندهم، وهم يقسمون الوجود إلى جوهر وعَرَض، والأعراض يجعلونها تسعة أنواع. هذا هو الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق؛ لأن فيه المفردات التي تنتهي إليها الحدود المؤلفة، وكذلك من سلك سبيلهم، ممن صنف في هذا الباب، كابن حزم وغيره، وأما ابن سينا وأتباعه فقالوا: الكلام في هذا لا يختص بالمنطق، فأخرجوها منه، وكذلك من سلك سبيل ابن سينا كأبي حامد، والسهرورديّ المقتول، والرازيّ، والآمديّ، وغيرهم، وهذه هي المقولات العشر التي يُعَبِّرون عنها بقولهم: الجوهر، والكمّ، والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والوضع، والملك، وأن يفعل، وقد جمعت في بيتين، وهي:
[ ٢ / ٥٥٩ ]
زَيْدُ الطَّوِيلُ الأَسْوَدُ بْنُ مَالِكِ … فِي دَارِهِ بِالأَمْسِ كَانَ مُتَّكِي
فِي يَدِهِ سَيْفٌ نَضَاهُ فَانْتَضَا … فَهَذِهَ عَشْرُ مَقُولَاتٍ سَوَا
وأكثر الناس - من أتباعه، وغير أتباعه - أنكروا حصر الأعراض في تسعة أجناس، وقالوا: إن هذا لا يقوم عليه دليل، ويثبتون إمكان ردّها إلى ثلاثة وإلى غير ذلك من الأعداد، وجعلوا الجواهر خمسة أنواع: الجسم، والعقل، والنفس، والمادّة، والصورةُ، فالجسم جوهر حسّي، والباقية جواهر عقلية، لكن ما يذكرونه من الدليل على إثبات الجواهر العقلية إنما يدُلّ على ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان، وهذه التي يسمونها المجردات العقلية، ويقولون: الجواهر تنقسم إلى مادّيّات ومجردات، فالمادّيّات القائمة بالمادّة، وهي الْهَيُولَى، وهي الجسم، والمجردات هي المجردات عن المادة، وهذه التي يسمونها المجردات أصلها هي هذه الأمور الكلية المعقولة في نفس الإنسان، كما أن المفارقات أصلها مفارقة النفس البدن، وهذان أمران لا يُنكران، لكن ادّعَوا في صفات النفس وأحوالها أمورًا باطلةً، وادّعوا أيضًا ثبوت جواهر عقلية قائمة بأنفسها، ويقولون فيها: العاقل والمعقولط والعقل شيء واحد، كما يقولون مثل ذلك في رب العالمين، فيقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة، ويجعلون الصفة عين الموصوف، ويجعلون كل صفة هي الأخرى، فيجعلون نفس العقل الذي هو العلم نفس العاقل العالم، ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب، ونفس اللذة هي نفس العلم ونفس الحب، ويجعلون القدرة والإرادة هي نفس العلم، فيجعلون العلم هو القدرة، وهو الإرادة، وهو المحبة، وهو اللذة، ويجعلون العالم المريد المحب الملتذ هو نفس العلم الذي هو نفس الإرادة، وهو نفس المحبة، وهو نفس اللذة، فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا، ويجعلون نفس الصفات المتنوعة هي نفس الذات الموصوفة، ثم يتناقضون فيثبتون له علمًا ليس هو نفس ذاته، كما تناقض ابن سينا في إشاراته وغيره من محققيهم، وبسط الكلام في الرد عليهم بموضع آخر.
والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه، ويثبتون جواهر عقلية يسمونها المجردات والمفارقات للمادّة، وإذا حقق الأمر عليهم لم يكن
[ ٢ / ٥٦٠ ]
عندهم غير نفس الإنسان التي يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذي يسمى عقلًا.
وكان أرسطو وأتباعه يسمون الرب عقلًا وجوهرًا، وهو عندهم لا يَعْلَم شيئًا سوى نفسه، ولا يريد شيئًا، ولا يفعل شيئًا، ويسمونه "المبدأ" و"العلة الأولى"؛ لأن الفلك عندهم متحرك للتشبه به، أو متحرك للشبه بالعقل، فحاجة الفلك عندهم إلى العلة الأولى من جهة أنه متشبه بها، كما يتشبه المؤتم بالإمام، والتلميذ بالأستاذ، وقد يقول: إنه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه، ليس عندهم أنه أبدع شيئًا، ولا فعل شيئًا، ولا كانوا يسمونه واجب الوجود، ولا يقسمون الوجود إلى واجب وممكن، ويجعلون الممكن هو موجودًا قديمًا أزليًّا كالفلك عندهم.
وإنما هذا فعل ابن سينا وأتباعه، وهم خالفوا في ذلك سلفهم وجميعَ العقلاء، وخالفوا أنفسهم أيضًا فتناقضوا، فإنهم صرّحوا بما صرّح به سلفهم وسائر العقلاء من أن الممكن الذي يمكن أن يكون موجودًا وأن يكون معدومًا لا يكون إلا محدثًا مسبوقًا بالعدم، وأما الأزليّ الذي لم يزل ولا يزال، فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم، بل كل ما قَبِل الوجود والعدم لم يكن إلا مُحْدَثًا، وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله فهو محدث، مسبوق بالعدم، كائن بعد أن لم يكن، كما بُسِط في موضعه.
لكن ابن سينا ومتبعوه تناقضوا فذكروا في موضع آخر أن الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن، وأن الممكن قد يكون قديمًا أزليًا لم يزل ولا يزال يمتنع عدمه، ويقولون: هو واجب بغيره، وجعلوا الفلك من هذا النوع، فخرجوا عن إجماع العقلاء الذين وافقوهم عليه في إثبات شيء ممكن، يمكن أن يوجد وأن لا يوجد، وأنه مع هذا يكون قديمًا أزليًا أبديًا، ممتنع العدم واجب الوجود بغيره، فإن هذا ممتنع عند جميع العقلاء، وذلك بَيِّن في صريح العقل، لمن تصور حقيقة الممكن الذي يَقبل الوجود والعدم، كما بُسِط في موضعه.
وهؤلاء المتفلسفة إنما تسلطوا على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم؛ لأن هؤلاء لم يَعْرِفوا حقيقة ما بَعَثَ الله به رسوله - ﷺ -، ولم
[ ٢ / ٥٦١ ]
يَحتجّوا لما نصروه بحجج صحيحة في المعقول، فقصر هؤلاء المتكلمون في معرفة السمع والعقل، حتى قالوا: إن الله لم يزل لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بمشيئته، ثم حَدَث ما حَدَث من غير تجدد سبب حادث، وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلمًا بمشيئته فَعّالًا لما يشاء؛ لزعمهم امتناع دوام الحوادث، ثم صار أئمتهم كالجهم بن صفوان وأبي الْهُذيل العلاف إلى امتناع دوامها في المستقبل والماضي، فقال الجهم بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما، وأنهم يبقون دائمًا في سكون، ويزعم بعض من سلك هذه السبيل أن هذا مقتضى العقل، وأن كل ما له ابتداء، فيجب أن يكون له انتهاء.
ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤] ظنوا أنه يجب تصديق الشرع فيما خالف فيه أهل العقل، ولم يعلموا أن الحجة العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة، بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة، سواء كانت عقلية أو سمعية أو سمعية وعقلية، بل إذا تعارضت حجتان دلّ على فساد إحداهما أو فسادهما جميعًا.
وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، وذكروا فروعًا عَرَف حُذّاقهم ضعفها، كما بُسط في غير هذا الموضع، وهو لزومهم أن يكون الربّ كان غير قادر، ثم صار قادرًا من غير تجدد سبب يوجب كونه قادرًا، وأنه لم يكن يمكنه أن يفعل ولا يتكلم بمشيئته، ثم صار الفعل ممكنًا له بدون سبب يوجب تجدد الإمكان، وإذا ذُكر لهم هذا، قالوا: كان في الأزل قادرًا على ما لم يزل، فقيل لهم: القادر لا يكون قادرًا مع كون المقدور ممتنعًا، بل القدرة على الممتنع ممتنعة، وإنما يكون قادرًا على ما يمكنه أن يفعله، فإذا كان لم يزل قادرًا فلم يزل يمكنه أن يفعل.
ولما كان أصل هؤلاء هذا صاروا في كلام الله على ثلاثة أقوال: فرقةٌ قالت: الكلام لا يقوم بذات الربّ، بل لا يكون كلامه إلا مخلوقًا، لأنه إما قديم وإما حادث، ويمتنع أن يكون قديمًا؛ لأنه متكلم بمشيئته وقدرته، والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة، وإذا كان الكلام بالقدرة والمشيئة كان مخلوقًا لا
[ ٢ / ٥٦٢ ]
يقوم بذاته، إذ لو قام بذاته كانت قد قامت به الحوادث، والحواث لا تقوم به؛ لأنها لو قامت به لم يَخْلُ منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، قالوا: إذ بهذا الأصل أثبتنا حدوث الأجسام، وبه ثبت حدوث العالم، قالوا: ومعلوم أن ما لم يَسبِق الحادث لم يكن قبله، إما معه، وإما بعده، وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث.
وكثير منهم لم يتفطن للفرق بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين فإن الحادث المعين، والحوادث المحصورة يمتنع أن تكون أزلية دائمة، وما لم يكن قبلها فهو إما معها وإما بعدها، وما كان كذلك فهو حادث قطعًا، وهذا لا يخفى على أحد، ولكن موضع النظر والنزاع نوع الحوادث، وهو أنه هل يمكن أن يكون النوع دائمًا، فيكون الربّ لا يزال يتكلم، أو يفعل بمشيئته وقدرته، أم يمتنع ذلك؟ فلما تفطن لهذا الفرق طائفة، قالوا: وهذا أيضًا ممتنع؛ لامتناع حوادث لا أول لها، وذكروا على ذلك حُجَجًا، كحجة التطبيق، وحجة امتناع انقضاء ما لا نهاية له وأمثال ذلك، وقد ذُكِر عامة ما ذكر في هذا الباب وما يتعلق به في مواضع غير هذا الموضع، ولكل مقام مقال.
وأولئك المتفلسفة لما رأوا أن هذا القول مما يُعْلَم بطلانه بصريح العقل، وأنه يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث، ويمتنع كون الرب يصير فاعلًا بعد أن لم يكن، وأن المؤثر التام يمتنع تخلف أثره عنه، ظنوا أنهم إذا أبطلوا هذا القول، فقد سَلِمَ لهم ما ادّعوه من قدم العالم كالأفلاك وجنس المولدات وموادّ العناصر، وضلوا ضلالًا عظيمًا، خالفوا به صرائح العقول وكذّبوا به كلَّ رسول، فإن الرُّسُل مطبقون على أن كلَّ ما سوى الله محدَث مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، ليس مع الله شيء قديم بقدمه، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والعقول الصريحة تعلم أن الحوادث لا بدّ لها من مُحْدِث، فلو لم تكن إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها، لم يكن في العالم شيء من الحوادث، فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتنع، فإنه إذا كان معلولها لازمًا لها كان قديمًا معها لم يتأخر عنها، فلا يكون لشيء من الحوادث سبب اقتضى حدوثه، فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث، وهؤلاء فَرُّوا من أن يحدثها القادر بغير
[ ٢ / ٥٦٣ ]
سبب حادث، وذهبوا إلى أنها تحدث بغير مُحدِث أصلًا، لا قادر ولا غير قادر، فكان ما فَرُّوا إليه شرًّا مما فرّوا منه، وكانوا شَرًّا من المستجير من الرمضاء بالنار، واعتقد هؤلاء أن المفعول المصنوع المبتدع المعين كالفلك، يقارن فاعله أزلًا وأبدًا، لا يتقدم الفاعل عليه تقدمًا زمانيًا، وأولئك قالوا: بل المؤثر التام يتراخى عنه أثره، ثم يحدث الأثر من غير سبب اقتضى حدوثه، فأقام الأولون الأدلة العقلية الصريحة على بطلان هذا، كما أقام هؤلاء الأدلة العقلية الصريحة على بطلان قول الآخرين، ولا ريب أن قول هؤلاء أهل المقارنة أشد فسادًا ومناقضة لصريح المعقول وصحيح المنقول من قول أولئك أهل التراخي.
[والقول الثالث]: الذي يدل عليه المعقول الصريح، ويُقِرّ به عامة العقلاء، ودلّ عليه الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة، لم يهتد له الفريقان، وهو أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام، لا يقترن به ولا يتراخى، كما إذا طَلّقتُ المرأة فطُلِّقت، وأعتقت العبد فعَتَقَ، وكَسَرتُ الإناء فانكسر، وقطعتُ الحبل فانقطع، فوقوع العتق والطلاق ليس مقارنًا لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه، ولا هو أيضًا متراخٍ عنه، بل يكون عقبه متصلًا به، وقد يقال: هو معه، ومفارقٌ له باعتبار أنه يكون عقبه متصلًا به، كما يقال: هو بعده متأخر عنه، باعتبار أنه إنما يكون عقب التأثير التام، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] فهو سبحانه يكوّن ما يشاء تكوينه، فإذا كوّنه كان عقب تكوينه متصلًا به، لا يكون مع تكوينه في الزمان، ولا يكون متراخيًا عن تكوينه، بينهما فصل في الزمان، بل يكون متصلًا بتكوينه، كاتصال أجزاء الحركة والزمان بعضها ببعض، وهذا مما يُستَدَلُّ به على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن، وإن قيل مع ذلك بدوام فاعليّته ومتكلميته، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن هذا هو أصل من قال: القرآن محدَث، ومن قال: إن الربّ لم يقم به كلام ولا إرادة، بل ولا علم بل ولا حياة، ولا قدرة، ولا شيء من الصفات، فلما ظهر فساد هذا القول شرعًا وعقلًا، قالت طائفة ممن وافقتهم على أصل مذهبهم: هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه أمر لازم
[ ٢ / ٥٦٤ ]
لذاته، كما تلزم ذاته الحياة، ثم منهم من قال: هو معنى واحد؛ لامتناع اجتماع معاني لا نهاية لها في آن واحد، وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد، وقالوا: ذلك المعنى هو الأمر بكل مأمور، والخبر عن كل مُخْبَر عنه، إن عُبِّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عُبّر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وقالوا: إن الأمر والنهي صفات للكلام لا أنواع له، فإن معنى آية الكرسي، وآية الدين، وقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب معنى واحد.
فقال جمهور العقلاء لهم: تصوّر هذا القول يوجب العلم بفساده، وقالوا لهم: موسى سمع كلام الله كلّه أو بعضه؟ إن قلتم: كله لزم أن يكون قد عَلِمَ عِلْمَ الله، وإن قلتم: بعضه فقد تبعض، وقالوا لهم: إذا جوَّزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر، وحقيقة النهي عن كل منهي عنه والأمر بكل مأمور به هو حقيقة الخبر عن كل مخبر عنه، فجَوِّزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة، وحقيقة القدرة هي حقيقة الإرادة، فاعترف حُذّاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه، ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات، وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن، والتزم ذلك طائفة منهم، فقالوا: الوجود واحد، وعين الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن المخلوق المحدث.
وهذا أصل قول القائلين بوحدة الوجود، كابن عربي الطائي، وابن سبعين، وأتباعهما كما بسط في مواضع.
ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به، مَن قال: كلامه المعين حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وزعموا أن كلًّا من القرآن والتوراة والإنجيل حروف وأصوات قديمة أزلية، لم تزل ولا تزال، فقال لهم جمهور العقلاء: معلوم بالاضطرار أن الباء قبل السين، والسين قبل الميم، فكيف يكونان معًا أزلًا وأبدًا، ومعلوم أن الصوت المعين لا يبقى زمانين، فكيف يكون أزليًا لم يزل ولا يزال.
فقالت الطائفة الثالثة ممن سلك مسلك أولئك المتكلمين: بل نقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، وإن لزم من ذلك قيام الحوادث به، فلا محذور في
[ ٢ / ٥٦٥ ]
ذلك لا شرعًا ولا عقلًا، بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء، وعليه دلّت النصوص الكثيرة، وأقوال السلف والأئمة، ونقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي، وإنه نادى موسى بصوت سمعه موسى، كما دلّت على ذلك النصوص، وأقوال السلف، لكن نقول: إنه لم يكن في الأزل متكلمًا، ويمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته؛ لأن ذلك يستلزم حوادث لا أول لها، وهو أصل هؤلاء.
فقيل لهم: معلوم أن الكلام صفة كمال لا صفة نقص، وأن من يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون قادرًا على الكلام بمشيئته وقدرته، وحينئذ فمن لم يزل متكلمًا بمشيئته أكمل ممن صار قادرًا على الكلام بعد أن كان لا يمكنه أن يتكلم.
وقالوا لهم: إذا قلتم تكلم بعد أن كان الكلام ممتنعًا من غير أن يكون هناك سبب أوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له، قلتم: إنه لم يزل غير قادر على الكلام، ولم يزل الكلام غير ممكن له، ثم صار قادرًا يمكنه أن يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء، وهذا مخالفة لصريح العقل، وسلب لصفات الكمال عن الباري، وجعله مثل المخلوق الذي صار قادرًا على الكلام بعد أن لم يكن قادرًا عليه.
والسلف والأئمة نَصّوا على أن الربّ تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء وكما شاء، كما نَصّ على ذلك عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة الدين وسلف المسلمين، وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، لم يقل أحد منهم: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم: إنه مخلوق بائن عنه، ولا قال أحد منهم: إنه صار متكلمًا أو قادرًا على الكلام بعد أن لم يكن كذلك، وقد بسطت هذه الأمور في موضع آخر.
والمقصود أن هذه الأقوال التي قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية والسالمية ومن وافقهم من المتأخرين الذين انتسبوا إلى بعض الأئمة الأربعة، وخالفوا بها إجماع السلف والأئمة، وما جاء به الكتاب والسنة، وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عباده هي التي سَلَّطت أولئك المتفلسفة الدهرية عليهم، لكن قول الفلاسفة أعظم فسادًا في المعقول والمنقول.
[ ٢ / ٥٦٦ ]