وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٥] (٨٣) - (وَحَدَّثنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، (ح) حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زَيادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْني ابْنَ سَعْدٍ - عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْأَعْمالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ"،
[ ٢ / ٦٢٤ ]
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ"، وَفي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) واسم أبيه بَشِير - بفتح الباء - التُّرْكيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، مولى الأزد، ثقةٌ [١٠].
رَأى شعبةَ، ورَوى عن مالك، وفليح بن سليمان، وأبي أويس، وأبي سعيد بن أبي الوضاح، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وابن المبارك، وأبي حفص الأبّار، وابن أبي الزناد، وأبي الأحوص، وأبي المحياة، يحيى بن يعلى التيمي، وأبي بكر بن عياش، وإبراهيم بن سعد، وعدة.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائي، عن أحمد بن علي المروزي، عنه، وحفيده أبو طالب، أحمد بن محمد بن منصور بن أبي مزاحم، وأبو زرعة الرازي، وعثمان بن خُرّزاذ، وأبو حاتم، وأبو معاوية بن صالح الأشعري، وموسى بن هارون، والحسن بن علي بن شبيب المعمري، وأحمد بن محمد بن الجعد الوَشّاء، وأحمد بن يونس الضبي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن علي بن المثنى الْمَوْصلي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وأبو القاسم البغوي، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد: حدثنا منصور بن بشير، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن قتادة، عن أنس في الافتتاح بالحمد لله، قال عبد الله: فحدثت به أبي، فقال: ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد، وليس هو عن أيوب، فأنكر. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: صدوق إن شاء الله تعالى، وقال عبد الخالق: سئل ابن معين عنه، فقال: صدوق، قيل: من أين تعرفه؛ قال: أعرفه وهو كاتب، وقال ابن محرز، عن ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة، عن ابن معين؛ تركي ثبت، وقال أحمد بن أبي يحيى، عن ابن معين: ليس به بأس، إذا حدث عن الثقات، وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه، فأثنى عليه، وقال: كتبت عنه، قال: وسئل أبي عنه، فقال: صدوق، وقال
[ ٢ / ٦٢٥ ]
الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحسين بن فهم: منصور بن بشير، وهو ابن أبي مزاحم، كان له ديوان، فتركه، وكان ثقة، صاحب سنَّة، تُوُفّي في ذي القعدة، سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة، أو أكثر، وفيها أرخه ابنُ أبي خيثمة، وغير واحد.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) بن أبي هاشم الْوَرَكَانيّ - بفتحتين -، أبو عمران الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومالك بن أنس، وفضيل بن عياض، وشَريك بن عبد الله، وأبي معشر المدني، وأيوب بن جابر اليمامي، ومعمر بن سليمان الرَّقّي، والمعافى بن عمران الموصلي، ومعتمر بن سليمان التيمي، في آخرين.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن أبي بكر بن علي المروزي عنه، ويحيى بن معين، وابن أبي خيثمة، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وإبراهيم بن الجنيد الختلي، والمعمري، وعباس الدوري، والحارث بن أبي أسامة، وأحمد بن علي الأبار، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغوي، وآخرون.
قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عنه، وقال أبو زرعة: كان جار أحمد بن حنبل، وكان يرضاه، وكان صدوقًا ما علمته، وقال صالح بن محمد: كان أحمد يوثقه، ويشير به، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد، وغيره: مات في رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين، وفيها أرخه ابن قانع، وقال: كان ثقة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ حجة [٤] (١٢٥) (ع) تقدّم في "المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - ٢/ ٣ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فقد تفرّد بهما هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه هذا أول محلّ ذكرهما، في هذا الكتاب، وقد ذكرت آنفًا جملة ما رواه لهما في هذا الكتاب من الأحاديث.
٤ - (ومنها): ما ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" قال: وأما منصور بن أبي مُزاحم، فبالزاي والحاء، وجميع ما في "الصحيحين" مما هذه صورته فهو مزاحم، بالزاي والحاء، ولهم في الأسماء مراجم، بالراء والجيم، ومنه الْعَوّام بن مُراجم. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فبغداديّان.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب.
٧ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٨ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وملتقَى الإسنادين هو إبراهيم بن سعد، فكلّ من منصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن جعفر يرويان عن إبراهيم بن سعد.
_________________
(١) "شرح النووي" ٢/ ٧٦.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
[فإن قلت]: لِمَ طوّل المصنّف رحمه الله تعالى هذا الإسناد، ولم يختصره بقوله: "حدثنا منصور بن أبي مُزاحِم، ومحمد بن جعفر بن زياد، قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد"؟.
[قلت]: إنما سلك المصنّف مسلك التطويل؛ إشارةً إلى صناعة حديثيّة التي طالما تميّز بها هو عن غيره من مَهَرَة الحديث حتى عن البخاريّ إمام هذا الفنّ رحمه الله تعالى، فقد اشتمل صنيعه هذا على ثلاثة أمور:
(أحدها): أن شيخه منصورًا حدثه مع غيره، ولذا قال: "وحدثنا منصور … إلخ"، وأما شيخه محمد بن جعفر، فحدّثه وحده، ولذا قال: "حدّثني محمد بن جعفر … إلخ".
(والثاني): أن منصورًا أخذه عن شيخه بالسماع، ولذا قال: "حدّثنا إبراهيم"، وأما محمد بن جعفر، فأخذه بالقراءة، ولذا قال: "أخبرنا إبراهيم".
(والثالث): أن منصورًا نسب شيخه إلى أبيه، فقال: "حدّثنا إبراهيم بن سعد"، وأما محمد بن جعفر، فلم ينسبه، بل قال: "أخبرنا إبراهيم"، ولذا احتاج المصنّف إلى زيادة "يعني"، فقال: "يعني ابن سعد"، وقد سبق أن نَبَّهْتُ على هذه القاعدة غير مرّة، ولا سيّما في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
والصحابيّ تقدّم الكلام فيه قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: سئلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أُبهِم السائل، وهو أبو ذرّ - ﵁ -، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا نظر؛ لأن حديث أبي ذرّ - ﵁ - مخالف لهذا الحديث، كما سيأتي بعدُ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟) ولفظ البخاريّ: "أيّ العمل أفضل" بإفراد العمل، وفي رواية الترمذيّ: "أي الأعمال خير".
و"أَيّ " هنا استفهاميّة، ولا تُستعمل إلا مضافةً، وهي هنا مضافة إلى الأعمال، و"أفضل" اسم تفضيل من فضَلَ يفضُلُ من باب نصر، ويقال: فَضِلَ
[ ٢ / ٦٢٨ ]
يَفْضَلُ، من باب سَمِعَ يَسْمَعُ، حكاها ابن السّكّيت، وفيه لغة ثالثةٌ، فَضِلَ يَفْضُل بكسر العين في الماضي، وضمّها في المضارع، وهي من باب تداخل اللغتين، وليست لغة مستقلّةً، يقال: فضَلَ فَضْلًا: زاد، والفضل والفضيلة: الخير، وهو خلاف النّقْص والنقيصة (^١).
[فإن قلت]: إن أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة: الإضافة، واللام، و"من"، فلا يقال: زيد أفضل، فكيف جاز هنا؟.
[أجيب]: بأنه يجوز استعماله مجرّدًا إذا عُلِمَ، نحو "الله أكبر"، أي أكبر من كلّ شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] الآية (^٢)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - ("إِيمَانٌ بِاللَّهِ") برفع "إيمان" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو إيمان بالله، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا يدلّ على أن الإيمان من جملة الأعمال، وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغةً وشرعًا، فإنه عمل القلب وكسبه، وقد بيّنّا أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأنه منقسم إلى ما يكون عن برهان، وعن غير برهان، ولا يُلتفتُ لخلاف من قال: إن الإيمان لا يُسمّى عملًا؛ لجهله بما ذكرناه، ولا يخفى أن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال كلّها؛ لأنه متقدّم عليها، وشرطٌ في صحّتها، ولأنه من الصفات المتعلّقة، وشرفها بحسب متعلّقاتها، ومتعلّق الإيمان هو الله تعالى، وكتبه ورسله، ولا أشرف من ذلك، فلا أشرف في الأعمال من الإيمان، ولا أفضل منه انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وقد بيّنّا أن الإيمان هو التصديق بالقلب" فيه ما تقدّم غير مرّة أن الحقّ أن الإيمان ليس مجرّد التصديق القلبيّ فقط، بل يتناول الأعمال أيضًا، فتنبّه لذلك، وراجع لذلك كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فإنه قد ردّ على من زعم أن الإيمان هو مجرّد التصديق، وأطال النفس في ذلك، وناقش القائلين بذلك، وغلّطهم، وبيّن أن الإيمان في
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٨٨.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٧٥.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
اللغة أعمّ من مجرّد التصديق، وأن العمل داخل في مسمّاه (^١)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) السائل (ثُمَّ مَاذَا؟) أي ثمّ بعد الإيمان ما هو الأفضل؟ (قَالَ) - ﷺ - ("الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ") "الجهاد" بالكسر: مصدر جاهد يُجاهد جهادًا، ومجاهدَةً، وهو من الْجَهْد بالفتح، وهو المشقّة، وهو قتال الكفّار لإعلاء كلمة الله تعالى.
و"السبيل": الطريق، يُذكّر، ويؤنّث.
ووقع في "مسند الحارث بن أبي أُسامة"، عن إبراهيم بن سعد: "ثم جهادٌ"، فواخى بين الثلاثة في التنكير، بخلاف ما عند "الصحيحين"، وقال الكرمانيّ: الإيمان لا يتكرر كالحجّ، والجهادُ قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصيّ، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أَتَى به مرّة مع الاحتياج إلى التكرار لَمَا كان أفضل.
وتُعُقِّب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيمُ، وهو يعطي الكمال، وبأن التعريف من جملة وجوهه العهدُ وهو يعطي الإفراد الشخصيّ، فلا يُسَلَّمُ الفرق (^٢).
وقال الطيبيّ: قوله: "إيمان بالله، والجهاد، وحجّ مبرور" أخبار مبتدأ محذوف، ونكّر الإيمان؛ ليُشعر بالتعظيم والتفخيم، أي التصديق المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة، وعَرَّفَ الجهاد؛ ليدلّ على الكمال؛ لأن الخبر المعرَّفَ باللام يدلّ على الاختصاص، كما قال: "فذالكم الرباط،
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ٧/ ١١٧ و١١٨ و١٢١ و١٤٣ و١٨٦ و١٨٩ و٢٨٩، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص ٣٣١ - ٣٣٤.
(٢) واعترض الحافظ على الفرق المذكور، فقال: وقد ظهر من رواية الحارث التي تقدّمت أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة؛ لأن مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة. راجع: "الفتح" ١/ ٩٩. وتعقّبه العينيّ على عادته المُسْتَمِرَّة، فإن شئت فراجع: "عمدته" ١/ ١٨٨ - ١٨٩، وقد ذكرت في "شرح النسائي" ما يؤيّد رأي الحافظ في هذا، فراجعه ٢٣/ ٣٠٨.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فذالكم الرباط"، ووَصَفَ الحجّ بالمبرور؛ ليُدلي بما يُدلي التنكير في "الإيمان"، والتعريف في "الجهاد".
[فإن قلت]: لِمَ لا نحمِلها على الابتداء محذوفة الأخبار؟.
[قلت]: يأبى التنكير في الإيمان ذلك، على أن المقدّر في الكلّ: "أفضلُ الأعمال"، وهو أعرف من "حجّ مبرور"، ومن "إيمانٌ بالله"، فأُجري الجهاد مجراهما مراعاة للتناسب. انتهى (^١).
(قَالَ) السائل (ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ) - ﷺ - ("حَجٌّ) في اللغة: القصد، وأصله من قولك: حججتُ فلانًا أحُجّه حجًّا: إذا عُدتَ إليه مرّةً بعد أخرى، فقيل: حج البيت؛ لأن الناس يأتونه في كلّ سنة، قاله الأزهريّ، وقال في "العباب": رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلاف إليه، قال الْمُخَبَّلُ السعديّ [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانَ الْمُزَعْفَرَا (^٢)
قال ابن السّكّيت: يقول: يُكثرون الاختلاف إليه، هذا هو الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكّة - حرسها الله تعالى - للنسك، تقول: حَجَجتُ البيت أَحُجُّهُ حجًّا، فأنا حاجّ، ويُجمَع على حجج، مثلُ بازل وبُزُل، وعائذ وعُوذ. انتهى.
وفي الشرع الحجّ: قصد زيارة البيت على وجه التعظيم، وقال الكرمانيّ: الحجّ قصد الكعبة للنسك بملابسة الوقوف بعرفة (^٣).
(مَبْرُورٌ") أي مقبول، ومنه: بُرَّ حجُّك، وقيل: المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٦/ ١٩٣٨.
(٢) قوله: "الحلول" بضم الحاء المهملة، يقال: قوم حُلُولٌ: أي نُزولٌ، وكذلك حِلال بالكسر، و"السِّبّ" بكسر السين المهملة، وتشديد الباء الموحّدة: العمامة، و"الزبرقان": بكسر الزاي، وسكون الموحّدة، وكسر الراء، وبالقاف: لقب، واسمه الحصين، لُقّب به لصفرة عمامته. راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٣) "عمدة القاري" ١/ ١٨٧.
(٤) "فتح" ١/ ٩٩.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال شَمِر: هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومنه بَرَّت يَمِينُهُ: إذا سَلِمَ من الحنث، وبَرَّ بيعُهُ: إذا سَلِمَ من الخِدَاع، والخلابة، وقيل: المبرور الْمُتَقَبَّلُ، وقال الحربيّ: بُرَّ حَجُّك بضم الباء، وبَرَّ الله حَجَّك بفتحها: إذا رجع مبرورًا مأجورًا، وفي الحديث: سُئل رسول الله - ﷺ - ما بِرُّ الحجّ؟ قال: "إطعامُ الطعام، وطيب الكلام" (^١)، فعلى هذا يكون من البرّ الذي هو فعل الجميل، ومنه بِرُّ الوالدين والمؤمنين، قال: ويكون أيضًا في هذا كلّه بمعنى الطاعة، ويكون بمعنى الصدق، وضدّ الفجور، ومنه بَرَّت يمينه، فيكون الحجّ المبرور الصادق الخالص لله تعالى على هذا. انتهى كلام القاضي (^٢).
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الحجّ المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: هو المقبول المقابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرَّ حَجُّهُ - أي بفتح الباء - وبُرَّ حَجُّهُ - أي بضمّها - وبَرّ الله حَجَّهُ، وأبرّه بِرًّا بالكسر، وإبرارًا. انتهى (^٣).
وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: البرّ بالكسر: الخير والفضل، وبَرَّ الرجُلُ يَبَرُّ بِرًّا، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرَّ بالفتح، وبارٌّ أيضًا: أي صادقٌ، أو تقيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأوّل أبرار، وجمع الثاني بَرَرَةٌ، مثلُ كافرٍ وكَفَرَةٍ، ومنه قوله للمؤذّن: "صَدَقْتَ، وبَرِرْتَ" (^٤) أي صدّقتَ في دعواك إلى
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٨٣ وقال: صحيح الإسناد؛ إلا أنهما لم يحتجّا بأيوب بن سُويد، ولم يُخرجاه، وقال الذهبيّ: صحيح. انتهى. لكن في سنده أيوب بن سُويد ضعفه الجمهور، وذكره الهيثميّ في "المجمع" ٣/ ٢٠٧، وعزاه إلى الطبرانيّ في "الأوسط"، وقال: إسناده حسن. انتهى. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٢٥ - ٣٣٤) وفي سنده محمد بن ثابت البنانيّ، وهو ضعيف. قال الجامع: تصحيح هذا الحديث، أو تحسينه محلّ نظر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٤٠١ - ٤٠٣.
(٣) "النهاية" ١/ ١١٧.
(٤) هذا يذكره الفقهاء أثرًا عند قول المؤذّن: "الصلاة خير من النوم"، ولا يصحّ فيه حديث، كما سيأتي إيضاحه في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
الطاعات، وصِرْتَ بارًّا، دُعاءٌ له بذلك، ودعاء له بالقبول، والأصلُ: بَرَّ عَمَلُك، وبَرِرتُ والدي أَبَرُّهُ بِرًّا، وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقْتُ به، وتحرّيتُ مَحابّه، وتَوَقَيتُ مكارهه، وبَرَّ الحجُّ واليمينُ، والقول بِرًّا أيضًا، فهو بَرّ وبارّ أيضًا، ويُستَعْمَلُ متعدّيًا أيضًا في الحجّ، وبالحرف في اليمين والقول، فيقال: بَرَّ الله تعالى الحَجّ يَبَرُّهُ بُرُورًا: أي قَبِلَهُ، وبَرِرْتُ في القول واليمين أَبَرُّ فيهما بُرُورًا أيضًا: إذا صَدَقْتُ فيهما، فأنا بَرٌّ وبارٌّ، وفي لغة - يتعدّى بالهمزة، فيقال: أبرّ الله تعالى الحجَّ، وأبررتُ القولَ واليمينَ. انتهى (^١).
[فإن قلت]: قول من قال: "المبرور الْمُتَقَبَّل" فيه إشكال؛ إذ لا اطّلاع لأحد على القبول.
[أجيب]: بأنه يُعرف بعلاماته، فقد قيل: من علامات القبول الإتيان بجميع أركانه، وواجباته، مع إخلاص النيّة، واجتناب ما نُهي عنه، وأن يزداد بعده خيرًا، فيكون حاله أحسن مما كان قبله (^٢)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) يعني أن شيخه محمد بن جعفر خالف منصور بن أبي مُزاحم في سياق هذا الحديث فـ (قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ") - ﷺ -، فزاد "ورسوله"، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فلا اختلاف بين روايتيهما؛ لأن الإيمان بالله تعالى مستلزم للإيمان برسوله - ﷺ -، ووافق محمدًا على الزيادة أحمد بن يونس، وموسى بن إسماعيل عند البخاريّ، فقد رواه عنهما، عن إبراهيم بن سعد، بسند المصنّف، فقالا: "إيمان بالله ورسوله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ٧٥، و"عمدة القاري" ١/ ١٨٨، و"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبيّ ٦/ ١٩٣٨.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٨/ ٢٥٥ و٢٥٦] (٨٣)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٢٦)، و"الحجّ" (١٥١٩)، و(الترمذيّ) (١٦٥٨)، و(النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١١٣) و"الجهاد" ٦/ ١٩ و"الإيمان وشرائعه" (٨/ ٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و٢٦٨ و٢٨٧ و٣٣٠ و٣٤٨ و٣٨٨ و٥٣١)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٠١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٥ و١٧٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٤٨ و٢٤٩)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٢٢٧)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (١٥٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الإيمان أفضل الأعمال.
٢ - (ومنها): أن الإيمان قول وعمل.
٣ - (ومنها): بيان أن نيل الدرجات تكون بالأعمال.
٤ - (ومنها): بيان أن أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد في سبيل الله تعالى، وبعده الحجّ المبرور.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: في قوله - ﷺ -: " إيمان بالله ورسوله - ﷺ -" تصريح بأن العمل يُطلق على الإيمان، والمراد به - والله أعلم - الإيمان الذي يُدخَل به في ملة الإسلام، وهو التصديق بقلبه، والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان ها هنا الأعمال بسائر الجوارح؛ كالصوم، والصلاة، والحج، والجهاد، وغيرها؛ لكونه جُعِلَ قَسيمًا للجهاد والحج، ولقوله - ﷺ -: "إيمان بالله ورسوله"، ولا يقال هذا في الأعمال، ولا يمنع هذا من تسمية الأعمال المذكورة إيمانًا، فقد قَدّمنا دلائله، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (^١).
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الاهتمام بسؤال النبيّ - ﷺ - عما هو الأفضل، فالأفضل من الأعمال حتى يعملوا به، فينالوا الأجر الأعظم بذلك.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٧٨.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من شدّة اهتمامه بتعليم أمته كلّ خير، وحثّها عليه.
٨ - (ومنها): أن هذا السؤال ليس مما يشمله النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية؛ وقوله - ﷺ -: "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"، متّفقٌ عليه؛ لأن هذا من مهمات أمور الدين، والنهي إنما ورد في السؤال الذي لا فائدة فيه، أو لا علاقة له بالدين، كسؤال من أبي؟، وأين أبي؟، وأين أنا أفي الجنّة، أم في النار؟، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التوفيق بين الأحاديث المختلفة في جواب السؤال عن أفضل الأعمال:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يُستَشكَل الجمع بينها، مع ما جاء في معناها من حيث إنه جَعَلَ في حديث أبي هريرة - ﵁ - أن الأفضل الإيمان بالله، ثم الجهاد، ثم الحج، وفي حديث أبي ذَرّ - ﵁ - الإيمان والجهاد، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - الصلاة، ثم بِرُّ الوالدين، ثم الجهاد، وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - أيُّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عَرَفتَ ومن لم تعرف"، وفي حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو - ﵃ -: أيُّ المسلمين خير؟ قال: "مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده"، وصح في حديث عثمان - ﵁ -: "خيرُكم مَن تَعَلَّم القرآن وعلمه"، وأمثالُ هذا في "الصحيح" كثيرة.
واختلف العلماء في الجمع بينها، فذكر الإمام الجليل، أبو عبد الله الْحَلِيميّ الشافعيّ عن شيخه الإمام العلامة المتقن، أبي بكر القَفّال الشاشيّ الكبير - وهو غير القَفّال الصغير المروزيّ المذكور في كتب متأخري أصحابنا الخراسانيين، قال الحليميّ: وكان القَفَّال أعلم مَن لقيته من علماء عصره - أنه جَمَعَ بينها بوجهين:
[أحدهما]: أن ذلك اختلاف جواب جَرَى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يراد به خيرُ جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال،
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أو نحو ذلك، واستشهد في ذلك بأخبار، منها: عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "حجةٌ لمن لم يَحُجَّ أفضل من أربعين غزوة، وغزوةٌ لمن حَجَّ أفضل من أربعين حجة" (^١).
[الوجه الثاني]: أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها، أو من خيركم مَن فَعَل كذا، فحُذِفت "مِنْ"، وهي مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم، ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم.
ومن ذلك قول رسول الله - ﷺ -: "خيرُكم خيرُكم لأهله" (^٢)، ومعلوم أنه لا يصير ذلك خير الناس مطلقًا.
ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه: هذا كلام القَفّال رحمه الله تعالى.
وعلى هذا الوجه الثاني يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ثم يُعْرَف فضل بعضها على بعض بدلائل تدل عليها، وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
[فإن قيل]: فقد جاء في بعض هذه الروايات: أفضلها كذا، ثم كذا بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب.
[فالجواب]: أن "ثم" هنا للترتيب في الذكر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٢ - ١٦]، ومعلوم أنه ليس
_________________
(١) حديث ضعيف جدًّا، أخرجه أبو نُعيم في "الحلية" ٥/ ١٨٨ من حديث ابن عمر مرفوعًا، وفي سنده محمد بن عمر الكلاعيّ، وهو منكر الحديث جدًّا، وفيه انقطاع أيضًا، وأخرجه البزار في "مسنده" ٢/ ٢٥٨ و١٦٥١ من حديث ابن عباس مرفوعًا بنحوه، وفي سنده عنبسة بن هبيرة مجهول، وقد أجاد الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" ٧/ ٤٧٩ رقم (٣٤٨١) فراجعه تستفد.
(٢) أخرجه الترمذيّ في "الجامع" (٣٨٩٥) بسند صحيح، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فَدَعُوه"، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأخرجه أبو داود في "سننه" (٤٢٥٣)، والدارميّ في "سننه" (٢١٦).
[ ٢ / ٦٣٦ ]
المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] الآية، ونظائر ذلك كثيرة، وأنشدوا فيه [من الخفيف]:
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ … ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ
وذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في الجمع بينها وجهين:
[أحدهما]: نحو الأول من الوجهين اللذين حكيناهما، قال: قيل: اختَلَفَ الجواب؛ لاختلاف الأحوال، فأَعْلَمَ كُلَّ قوم بما بهم حاجة إليه، وترك ما لم تدع حاجتهم إليه، أو مما كان السائل علمه قبلُ، فأُعلِم بما تدعو الحاجة إليه، أو بما لم يُكَمّله بَعْدُ من دعائم الإسلام، ولا بَلَغَهُم عِلْمُه.
أوالثاني،: أنه قَدَّم الجهاد على الحج؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربةِ أعدائه، والجدّ في إظهاره (^١).
وذكر صاحب "التحرير" هذا الوجه الثاني، ووجهًا آخر أَنّ "ثم" لا تقتضي ترتيبًا، وهذا قول شاذّ عند أهل العربية والأصول، ثم قال صاحب "التحرير": والصحيح أنه محمول على الجهاد في وقت الزَّحْفِ الْمُلْجِئ، والنفير العام، فإنه حينئذ يحب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم من الحجّ؛ لما في الجهاد من المصلحة العامة للمسلمين، مع أنه مُتعيِّنٌ مُتَضَيّق في هذا الحال، بخلاف الحجّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن الجهاد أفضل من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهر حديث أبي ذرّ - ﵁ - أن الجهاد مُساو للإيمان في الفضل، وظاهر حديث ابن مسعود - ﵁ - يخالفهما؛ لأنه أخّر الجهاد عن الصلاة، وعن برّ الوالدين، وليس هذا بتناقض؛ لأنه إنما اختلفت أجوبته لاختلاف أحوال السائلين، وذلك أنه - ﷺ - كان يُجيب كلّ سائل بالأفضل
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٤٠١.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٧٧ - ٧٨.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
في حقّه، وبالمتأكّد في حقّه، فمن كان متأهّلًا للجهاد، وراغبًا فيه كان الجهادُ في حقّه أفضل من الصلاة وغيرها، وقد يكون هذا الصالح للجهاد له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، ولو تركهما لضاعا، فيكون برّ الوالدين في حقّه أفضل من الجهاد، كما قد استأذن رجل النبيّ - ﷺ - في الجهاد، فقال: "أحيٌّ والداك؟ " قال: نعم، فقال: "ففيهما فجاهد"، متّفقٌ عليه، وهكذا سائر الأعمال، وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك في وقت استيلاء العدوّ وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال؛ لِمَا أصاب المسلمين من قهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا - جبر الله صدعنا، وجدّد نصرنا -.
والحاصل من هذا البحث أن تلك الأفضليّة تختلف بحسب الأشخاص والأحوال، ولا بُعد في ذلك، فأما تفصيل هذه القواعد من حيث هي، فعلى ما تقدّم من حديث ابن عمر - ﵄ - الذي قال فيه: "بني الإسلام على خمس … " الحديث، متّفق عليه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبى رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مثلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) الْقُشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّي، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبه، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٧٥ - ١٧٦.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنّفٌ، يتشيّع، عَمِي فتغيّر [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. وابن شهاب تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) إشارة إلى السند الذي قبله، وهو عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة - ﵁ -.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر هذه ساقها النسائيّ عن شيخ المصنّف، فقال:
(٢٦٢٤) - أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سأل رجل النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم الحج المبرور"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٧] (٨٤) - (حَدَّثَني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِي مُرَاَوحٍ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "الإيمانُ بِالله، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ؟ قَالَ: "أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَكثَرُهَا ثَمَنًا"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفعَلْ؟ قَالَ: "تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: "تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاس، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ").
[ ٢ / ٦٣٩ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقة، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٦ - (أَبُو مُرَاوحٍ (^١) اللَّيْثيِّ) ويقال: الغفاريّ المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي ذر الغفاريّ، وأبي واقد الليثيّ، وحمزة بن عمرو الأسلميّ.
وروى زيد بن أسلم، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وعمران بن أبي أنس، والصحيح عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عنه.
قال العجليّ: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم، أبو أحمد: يُعَدّ في النفر الذين وُلدوا في حياة النبيّ - ﷺ -، وسمّاهم، وقال مسلم: اسمه سَعْد (^٢).
وقال النوويّ في "شرحه": قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وليس يوقف له على اسم، واسمه كنيته، قال: إلا أن مسلم بن الحجاج ذكره في "الطبقات"، فقال: اسمه سَعْدٌ، وذكره في "الكنى"، ولم يذكر اسمه، ويقال في نسبه: الغفاريّ، ويقال: الليثيّ، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ: هو الغفاريّ، ثم الليثيّ. انتهى (^٣).
_________________
(١) بضمّ الميم، وبالراء والحاء المهملة، والواو مكسورة.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٨٤.
(٣) "شرح مسلم" ٢/ ٧٦.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
رَوَى له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه (^١)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٢١): "هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها، فحسن … ".
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) اختُلِفَ في اسمه، فالأشهر جُنْدَب - بضم الدال وفتحها - ابن جُنَادة - بضم الجيم - وقيل: اسمه بُرَير - بضم الباء الموحدة، وبراءين مهملتين - والأول هو الأصحّ، الصحابيّ الشهير - ﵁ - (ت ٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤/ ٥٨٤ - ٥٨٥) في ترجمة أبي مُراوح هذا ما نصّه: قال فيه أبو داود: إنه أبو مُراوح الليثيّ له صحبة، وذكره ابن منده في "الصحابة"، لكن سماه واقد بن أبي واقد، وعزاه لأبي داود، فالله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع: هذا يخالف ما قاله في "الفتح" (٥/ ١٧٧) حيث جزم بأنه غيره، ونصّه: وفي الصحابة أبو مُراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقدًا، وعزاه لأبي داود. انتهى.
وهذا هو الذي رجحه في الإصابة" (٧/ ٣٠٥) حيث قال: أبو مراوح الليثيّ، قال أبو داود: له صحبة، وذكره ابن منده، وعزاه لأبي داود، وسمّاه واقد بن أبي واقد، وهو غير أبي مُراوح الغفاريّ، فيُردّ على المزّيّ حيث قال في ترجمة الغفاريّ: الليثيّ، فجعلهما واحدًا. انتهى ما في "الإصابة".
قال الجامع: كونهما اثنين هو الذي يظهر لي، كما صرّح به الحافظ في "الفتح"، و"الإصابة"، وأما الردّ على المزيّ في قوله: "الليثيّ" فلا وجه له؛ لأنه يقال له: الليثيّ أيضًا، كما وقع التصريح به في رواية مسلم في هذا السند، ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" (١/ ١٦١) بلفظ "الغفاريّ" في الموضعين، وكذا وقع عند أبي عوانة في "مسنده" (١/ ٦٥) في رواية حبيب مولى عروة الآتية، فتبيّن بهذا أنه ينسب إلى كليهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال في "تهذيب التهذيب": له عندهم حديثان.
[ ٢ / ٦٤١ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجاله الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو، وأبو داود، وغير أبي مُراوح، فما أخرج له أبو داود والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن أبا ذرّ - ﵁ - لا مشارك له في هذه الكنية، وقد اختُلف في اسمه واسم أبيه، والصحيح ما قدّمته، وكذلك أبو مُراوح لا يوجد له مشارك في هذه الكنية (^١)، والصحيح أنه لا اسم له غيرها، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، ويأتي في "كتاب الصيام"، وليس له غير هذين، كما أسلفته في ترجمته.
٤ - (ومنها): أن فيه شيخين للمصنّف، كالسند الماضي، وفيه كتابة (ح) وقد مرّ الكلام عليها.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فبغداديّان.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، ووقع في الإسناد التالي أربعة منهم يروي بعضهم عن بعض: الزهريّ، عن حبيب مولى عروة، عن عروة، عن أبي مُراوح.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن عروة من الفقهاء السبعة، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ) بضم الميم، بعدها راء خفيفة، وكسر الواو، بعدها حاء مهملة (اللَّيْثِيِّ) ويقال أيضًا: الغفاريّ، قال في "الفتح": هو مدنيّ من كبار التابعين، لا يُعرف اسمه، وشذّ من قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبيّ - ﷺ -، ولم يره، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث. انتهى (^٢).
_________________
(١) وذكر في "الفتح" ٥/ ١٧٧ ما نصّه: وفي الصحابة أبو مراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقدًا، وعزاه لأبي داود. انتهى، فهذا ليس في الكتب الستة، فلا يعارض ما ذكرناه، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ٥/ ١٧٦.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
قال الجامع: تقدّم أنه ليس له عند المصنّف سوى حديثين.
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ - ﵁ -، ووقع عند أحمد في "مسنده" من طريق يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثني أبي، أن أبا مراوح الغفاريّ أخبره، أن أبا ذر أخبره، وكذا هو في رواية الإسماعيلي، وذكر الإسماعيلي عددًا كثيرًا نحو العشرين نفسًا رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك فأرسله في المشهور عنه، عن هشام، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ، وطائفة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ورواه سعيد بن داود عنه، عن هشام، كرواية الجماعة، قال الدارقطنيّ: الرواية المرسلة عن مالك أصحّ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة. انتهى (^١).
(قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "الإيمَانُ بِالله، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ") ولفظ البخاريّ: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله"، والواو هنا بمعنى "ثمّ"، كما قاله ابن حبّان، رحمه الله تعالى.
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: وإنما قرن الجهاد بالإيمان؛ لأنه كان عليهم أن يُجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي الْعُليا، وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل الأعمال (^٢).
(قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ - (قُلْتُ: أَيُّ الرِّقّابِ أفضَلُ؟) أي للعتق، حتى يكون ثوابها أكثر عند الله تعالى، ولأبي عوانة في "مسنده": "فأيّ العتاقة أفضل؟ " (قَالَ) - ﷺ - ("أَنْفَسُهَا) خبر لمحذوف، أي هي أنفسها (عِنْدَ أَهْلِهَا) أي أغبطها، وأجودها، وأرفعها عندهم، والمال النفيس: هو المرغوب فيه، قاله الأصمعيّ، وأصله من التنافس في الشيء الرفيع (^٣)، وإنما كان أنفسها أفضل؛ لأن عتق مثل ذلك ما يقع غالبًا إلا خالصًا، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٤)، (وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا") منصوب على التمييز، أي من حيث الثمن، وهذا تفسير لما وقع عند أكثر رواة البخاريّ بلفظ: "أعلاها ثمنًا" بالعين المهملة، وهي رواية النسائيّ أيضًا، وللكشميهنيّ: بالغين المعجمة، وكذا
_________________
(١) "فتح" ٥/ ١٧٧.
(٢) "عمدة القاري" ١٢/ ١١٤.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٧٧.
(٤) "الفتح" ٥/ ١٧٧.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
للنسفيّ، وهي رواية أبي عوانة في "مسنده"، قال ابن قرقول: معناهما متقارب. انتهى. وعند أبي نعيم في "المستخرج": "أغلاها ثمنًا، وأنفعها عند أهلها".
وقال النووي رحمه الله تعالى: المراد به - والله أعلم - إذا أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أما إذا كان معه ألفُ درهم، وأمكن أن يشتري بها رقبتين مفضولتين، أو رقبة نفيسة مثمنة، فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية، فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن، قال البغويّ من أصحابنا رحمه الله تعالى في "التهذيب" بعد أن ذكر هاتين المسألتين كما ذكرتُ: قال الشافعيّ رحمه الله تعالى: في الأضحية استكثارُ القيمة مع استقلال العدد أحبّ إليّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثارُ العدد مع استقلال القيمة أحبّ إليّ من استكثار القيمة مع استقلال العدد؛ لأن المقصود من الأضحية اللحمُ، ولحمُ السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق تكميلُ حال الشخص، وتخليصه من ذُلّ الرِّقّ، فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" بعدما ذكر نحو هذا: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فربّ شخص واحد إذا أُعتق انتفع بالعتق، وانتفع به أضعاف ما يَحصُل من النفع بعتق أكثر عددًا منه، وربّ محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم.
فالضابط أن ما كان أكثر نفعًا كان أفضل، سواء قلّ أو كثر، واحْتُجّ به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنًا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره، وقالوا: المراد بقوله: "أغلى ثمنًا" من المسلمين.
ويؤيّد ما قالوه حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "أيما رجل أعتق امرءًا مسلمًا، استنقذ الله بكلّ عضو منه عضوًا منه من النار"، متّفقٌ عليه (^٢).
قَالَ أبو ذرّ - ﵁ - (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفعَلْ؟) أي لم أقدر عليه، ولا تيسّر لي؛ لأن المعلوم من أحوالهم أنهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلا إذا تعذّر عليهم (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٧٩.
(٢) "الفتح" ٥/ ١٧٧.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٧٧.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وفي رواية الإسماعيليّ: "أرأيتَ إن لم أفعل"، أي إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل، وأراد القدرة، ولأبي عوانة في "مسنده": "أفرأيت إن لم أجد"، ولأبي نعيم في "المستخرج": "أرأيت إن ضعفت"، وللدارقطنيّ في "الغرائب" بلفظ "فإن لم أستطع" (قَالَ) - ﷺ - ("تُعِينُ) بضمّ أوله، من الإعانة رباعيًّا (صَانِعًا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية المشهورة بالضاد المعجمة وبالياء من تحتها، ورواه عبد الغافر الفارسيّ "صانعًا" بالصاد المهملة، والنون، وهو أحسن؛ لمقابلته لأخرق، وهو الذي لا يُحسن العمل. انتهى (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله: "صانعًا"، وفي الرواية الأخرى: "الصانع"، فرُوِيَ بالصاد المهملة فيهما وبالنون من الصَّنْعَة، ورُوي بالضاد المعجمة، وبهمزة بدل النون، تُكتَب ياءً من الضَّيَاع، والصحيح عند العلماء رواية الصاد المهملة، والأكثر في الرواية بالمعجمة: "فَتُعِين ضَائِعًا" (^٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: روايتنا في هذا الحديث من طريق هشام أوّلًا "ضائعًا" بالمعجمة، وبياء بعد الألف، وكذلك في الرواية الأخرى "فتعين الضائع" من جميع طُرُقنا عن مسلم، في حديث هشام والزهريّ، إلا من رواية أبي الفتح الشاسيّ، عن عبد الغافر الفارسي، فإن شيخنا أبا بَحْر حَدَّثَنَا عنه فيهما بالصاد المهملة، كما تقدّم، وهو صوابُ الكلام؛ لمقابلته بالأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الضائع أيضًا صحيحًا، لكن صحت الرواية هنا عن هشام بالصاد المهملة، وكذلك رويناه في "صحيح البخاريّ".
قال ابن المدينيّ: الزهريّ يقول: "الصانع" بالصاد المهملة، وَيرَون أنّ هشامًا صَحَّفَ في قوله: "ضائعًا" بالمعجمة.
وقال الدارقطنيّ عن معمر: كان الزهريّ يقول: صَحَّفَ هشام، قال الدارقطنيّ: وكذلك رواه أصحاب هشام عنه بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، والصواب ما قاله الزهريّ، وفي "الموطّا" من رواية التِّنِّيسيّ، وابن وهب، وغيرهما عن الزهريّ: "أن تصنع لضائع" بالمعجمة، وقد يُصحّح هذه الرواية
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٧٧.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٧٥.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
أيضًا قولُهُ في حديث أبي موسى: "وأَعِنْ ذا الحاجة". انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (^١).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: في رواية هشام: "تُعِين صانعًا" هو بالمهملة والنون في أصل الحافظ أبي عامر العبدريّ، وأبي القاسم ابن عساكر، قال: وهذا هو الصحيح في نفس الأمر، ولكنه ليس رواية هشام بن عروة، إنما روايته بالمعجمة، وكذا جاء مقيدًا هذا الوجه في كتاب مسلم، في رواية هشام، وأما الرواية الأخرى عن الزهريّ: "فتُعِين الصانع"، فهي بالمهملة، وهي محفوظة عن الزهريّ كذلك، وكان يَنْسُبُ هشامًا إلى التصحيف، قال الشيخ: وذكر القاضي عياض أنه بالمعجمة في رواية الزهريّ لرواة كتاب مسلم، إلا رواية أبي الفتح السمرقنديّ، قال الشيخ: وليس الأمر على ما حكاه، في رواية أصولنا لكتاب مسلم، فكلها مُقَيَّدة في رواية الزهريّ بالمهملة على ما هو الصواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "تعين ضائعًا" بالضاد المعجمة، وبعد الألف تحتانية، لجميع الرواة في البخاريّ، كما جزم به عياض وغيره، وكذا هو في مسلم إلا في رواية السمرقنديّ، كما قاله عياض أيضًا، وجزم الدارقطنيّ وغيره بأن هشامًا رواه هكذا، دون من رواه عن أبيه، وقال أبو عليّ الصدفيّ، ونقلته من خطه: رواه هشام بن عروة بالضاد المعجمة والتحتانية، والصواب بالمهملة والنون، كما قال الزهريّ.
وإذا تقرر هذا فقد خَبَطَ من قال من شُرّاح البخاريّ: إنه رُوي بالصاد المهملة والنون، فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه، ورَوَى الدارقطنّي من طريق معمر، عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة، قال معمر: كان الزهريّ يقول: صَحَّفَ هشام، وإنما هو بالصاد المهملة والنون، قال الدارقطنيّ: وهو الصواب؛ لمقابلته بالأخرق، وهو الذي ليس بصانع، ولا
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٢) "الصيانة" ص ٢٦٦ - ٢٦٧، و"شرح النوويّ" ٢/ ٧٥.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
يُحسن العمل، وقال علي بن المدينيّ: يقولون: إن هشامًا صَحَّف فيه. انتهى.
ورواية معمر عن الزهريّ عند مسلم كما تقدم، وهي بالمهملة والنون، وعكس السمرقنديّ فيها أيضًا، كما نقله عياض، وقد وُجِّهَت رواية هشام بأن المراد بالضائع ذو الضَّيَاع، من فَقْر أو عِيَال، فيرجع إلى معنى الأول. انتهى ما في "الفتح" (^١).
(أَوْ) الظاهر - والله أعلم - أنها للتنويع، لا للشكّ، أي تعين صانعًا، إن شئت، وإن شئت (تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ") بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، بالراء والقاف: هو الذي ليس بصانع، يقال: رجلٌ أخرق، وامرأة خرقاء، لمن لا صنعة له، فإن كان صانعًا حاذقًا قيل: رجل صَنَع بفتح النون، وامرأة صَنَاعٌ بفتح الصاد، قاله النوويّ (^٢).
وقال في "الصيانة": الأخرق ها هنا هو الذي لا يُحسن العمل، والأخرق أيضًا الذي لا رِفْقَ، ولا سياسة له في أمره، والمعنى: إذا رأيت من يُحاول عملًا، فإن كان يُحسنه فأعنه عليه، وإن لم يُحسن، فاعْمَلْه له. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قال أهل اللغة: رجل أخرق لا صنعة له، والجمع خُرْق بضم ثم سكون، وامرأة خرقاء كذلك، ورجل صانع وصَنَعٌ بفتحتين، وامرأة صَنَاعٌ بزيادة ألف. انتهى (^٤).
وقال في "المفهم": الأخرق: هو الذي لا يُحسن العمل، يقال: رجل أخرق، وامرأةٌ خرقاء، وهو ضدّ الحاذق بالعمل، ويقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاعٌ بألف بعد النون، قال أبو ذؤيب في المذكّر [من الكامل]:
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا … دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ
وقال آخر في المؤنّث [من الطويل]:
صَنَاعٌ بِأَشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِهَا … جَوَادٌ بِقُوتِ الْبَطْنِ وَالْعِرْقُ زَاخِرُ (^٥)
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٧٥.
(٣) "صيانة صحيح مسلم" ص ٢٦٦.
(٤) "فتح" ٥/ ١٧٨.
(٥) البيت لأبي شهاب الهذلي يمدح هذه المرأة بالحذق والعفّة والجود والإيثار وعَرَاقة النسب.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
و"الشَّكْرُ" بفتح الشين: الفرج، وبضمّها: الثناء بالمعروف (^١).
(قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ - (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ ضَعَفْتُ) بضمّ العين المهملة، وفتحها، من بابي كرُمَ، ونَصَرَ (^٢) (عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟) أي من الصناعة، أو الإعانة، أي فماذا أعمل (قَالَ) - ﷺ -: ("تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاسِ) أي تمنع وصول شرّك إليهم، يقال: كفّ عن الشيء يكفّ بضمّ الكاف كفًّا، من باب نصر: تركه، وكفَفْتُهُ كَفًّا: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدَّى، ولا يتعدّى (^٣).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليل على أن الكفّ عن الشرّ داخل في فعل الإنسان وكسبه، ويؤجرُ عليه، ويُعاقب على تركه؛ خلافًا لبعض الأصوليين القائل: إن الترك نفيٌ محضٌ، لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب، وهو قولٌ باطلٌ بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في الأصول، غير أن الثواب لا يحصل على الكف إلا مع النية والقصد، وأما مع الغفلة والذهول فلا. انتهى (^٤).
(فَإِنَّهَا) أي فإن الخصلة التي هي كفّ الشرّ، وقال الطيبي: الضمير للمصدر الذي دلّ عليه الفعل، وأنّثه لتأنيث الخبر. انتهى (^٥). (صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ") ولفظ البخاريّ: "تَصَدَّق بها على نفسك"، وهو: بفتح التاء والصاد المهملة الخفيفة، على حذف إحدى التاءين، والأصل تتصدق، ويجوز تشديدها على الإدغام، أي تتصدّق بهذه الصدقة على نفسك، أي تحفظها عما يُرديها، ويعود وباله عليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤، و"المفهم" ١/ ٢٧٧.
(٢) "القاموس" ص ٧٤٧.
(٣) راجع: "المصباح" ٢/ ٥٣٦.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٧٨.
(٥) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٤٢٥.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٨/ ٢٥٧ و٢٥٨] (٨٤)، و(البخاريّ) في "العتق " (٢٥١٨)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٣١٣٠)، وفي "العتق" من "الكبرى" (٤٣٣٧)، و(ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٥٢٣)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠٢٩٨ و٢٠٢٩٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٥٠ و١٦٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٠٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٨ و١٧٩ و١٨٠ و١٨١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٥٠ و٢٥١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٧٣ و٩/ ٢٧٢ و١٠/ ٢٧٣)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٢٣٢ و٢٣٣)، و(ابن الجارود) (٩٦٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق.
٢ - (ومنها): بيان كون الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى: الواو في حديث أبي ذر - ﵁ - هذا بمعنى "ثُمّ"، وهو كذلك في حديث أبي هريرة - ﵁ -، أي المتقدم قبل هذا، وقد تقدم الكلام فيه على طريق الجمع بين ما اختلف من الروايات في أفضل الأعمال هناك، وقيل: قَرَن الجهاد بالإيمان هنا؛ لأنه كان إذ ذاك أفضل الأعمال، وقال القرطبيّ: تفضيل الجهاد في حال تعيّنه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان، فلا يجاهد إلا بإذنهما، وحاصله أن الأجوبة اختَلَفَت باختلاف أحوال السائلين.
٣ - (ومنها): أن فيه حسنَ المراجعة في السؤال، وصبر المفتي والمعلم على التلميذ، ورفقه به، وقد رَوَى ابن حبان، والطبريّ، وغيرهما من طريق أبي إدريس الخولاني وغيره، عن أبي ذرّ - ﵁ - حدَّثنا حديثًا طويلًا، فيه أسئلة كثيرة وأجوبتها، تشتمل على فوائد كثيرة، منها سؤاله عن أيّ المؤمنين أكمل، وأيّ المسلمين أسلم، وأيّ الهجرة والجهاد والصدقة والصلاة أفضل، وفيه ذكر الأنبياء وعددهم، وما أنزل عليهم، وآداب كثيرة من أوامر ونواهي وغير ذلك.
٤ - (ومنها): بيان تفاضل الأعمال الصالحات فيما بينها، فبعضها لا يوازيه شيء، كالإيمان.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
٥ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر: وفي الحديث إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع؛ لأن غير الصانع مَظِنَّة الإعانة، فكل أحد يُعينه غالبًا، بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يَغْفُل عن إعانته، فهي من جنس الصدقة على المستور. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٨] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ، مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِه، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة، وكلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير:
١ - (حَبِيبٍ، مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) هو: حبيبٌ الأعور المدنيّ، مقبول [٣].
رَوَى عن عروة بن الزبير، وعن أمه أسماء بنت أبي بكر، ونَدَبة مولاة ميمونة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وعبد الواحد بن ميمون، مولى عروة، وأبو الأسود يتيم عروة، وعبيد الله بن عروة، والضحاك بن عثمان.
قال ابن سعد: مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، قال: وإن لم يكن هو ابن هند بن أسماء، فلا أدري من هو؟.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) بنحو حديث هشام (غَيْرَ أنَّهُ قَالَ) يعني أن الزهري قال في روايته بدل قول هشام: "فتعين صانعًا، أو تصنع لأخرق" ("فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ) فذكر "الصانع" معرّفًا.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ١٧٨.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
[تنبيه]: روايةُ الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٠٥٢٤) - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، عن عروة، عن أبي مُراوح الغِفَاريّ، عن أبي ذرّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله، فقال: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله"، فقال: أيُّ الْعَتَاقة أفضل؟ قال: "أَنْفَسُها"، قال: أفرأيتَ إن لم أجد؟ قال: "فتعين الصانع، أو تصنع لأخرق"، قال: أفرأيتَ إن لم أستطع؟ قال: "فَدَعِ الناس من شرّك، فإنها صدقة، تَصَدَّق بها عن نفسك" (^١)، وكذا ساق هذه الرواية أبو عوانة في "مسنده" (١٨٠) إلا أنه وقع عنده: "فتُعين الضائع" بالضاد المعجمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٩] (٨٥) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ، أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أفضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور أول الباب.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القُرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان، واسمه فَيْرُوز، ويقال:
_________________
(١) أي على نفسك، فـ "عن" بمعنى "على"، ووقع في "مصنّف عبد الرزاق" رقم (٢٠٩٨) بلفظ: "على نفسك".
[ ٢ / ٦٥١ ]
خاقان، ويقال: عمرو أبو إسحاق الشيبانيّ مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس، والأول أصح، ثقة، [٥].
رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وزِرَ بن حُبَيش، وأشعث بن أبي الشعثاء، وبكير بن الأخنس، وجَبَلَة بن سُحَيم، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي بردة بن أبي موسى، وابنه سعيد بن أبي بردة، وأبي الزناد، وعبد الله بن شداد بن الهاد، والوليد بن العيزار، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، وعاصم الأحول، وهو من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق الفزاريّ، والثوريّ، وشعبة، والمسعوديّ، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وأبو بكر، والحسن ابنا عَيّاش، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وابن إدريس، وعباد بن العوام، وخالد بن عبد الله، وعليّ بن مُسْهِر، والعوّام بن حَوْشَب، ومحمد بن فُضيل، وأبو عوانة، وأسباط بن محمد، وجعفر بن عون، وهو خاتمة أصحابه.
قال الْجُوزَجانيّ: رأيت أحمد يُعجبه حديث الشيباني، وقال: هو أهل أن لا نَدَعَ له شيئًا، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقة، من كبار أصحاب الشعبيّ، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الأخنسيّ، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كان الشيبانيّ فقيه الحديث، وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم، وحَكَى الخطيب في "المتفق" أن اسم أبيه مِهْرَان.
وقال يحيى بن بكير: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (٣٨)، وقال ابن نُمَير: مات سنة (٣٩)، وقال البخاريّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتب (٣٤) حديثًا.
٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَار) بن حُرَيث العبديّ الكوفيّ، ثقة [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وعكرمة، وأبي عمرو الشيبانيّ.
ورَوَى عنه يونس بن أبي إسحاق، وأبو يعفور الصغير، ومالك بن مِغْوَل، وإسرائيل، والمسعوديّ، وشعبة، وغيرهم.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: كوفي ثقة.
أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتب هذا الحديث فقط، كرره أربع مرّات.
٥ - (سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ، أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِي) الكوفيّ، ثقةٌ مخضرَمٌ [٢]، مات سنة (٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٩.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حَبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن، الصحابيّ المشهور - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وغير الوليد بن العيزار، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، والسؤال.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الشيبانيّ، عن الوليد، عن أبي عمرو الشيبانيّ، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة.
٦ - (ومنها): أن الوليد بن الْعَيْزار روى عن الشيباني، وروى عنه الشيبانيّ، وهذا مما يُعتنى بمعرفته، فقد ذكره المحدّثون في كتب مصطلح الحديث، ونبّهوا على أن معرفته مهمّة؛ لكونه مما يوهم وقوع القلب والتكرار في السند، فقال السيوطيّ في "ألفية الحديث":
أَوْ شَيْخَهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ الْجَارِي … يَرْفَعُ وَهْمَ الْقَلْبِ وَالتَّكْرَارِ
مِثْلُ الْبُخَارِي رَاوِيا عَنْ مُسْلِمِ … وَمُسْلِمٌ رَوَى عَنْهُ فَقَسِّمِ
وَفِي "الصَّحِيحِ" قَدْ رَوَى الشَّيْبَانِي … عَنِ ابْنِ عَيْزَارٍ عَنِ الشَّيْبَانِي
فمسلم شيخ البخاريّ، فهو مسلم بن إبراهيم الأزديّ الفراهيديّ البصريّ،
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ومسلم الراوي عن البخاريّ، فهو صاحب "الصحيح"، و"الشيبانيّ" الأول، هو سليمان بن فيروز، والثاني سعد بن إياس، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن أبا عمرو الشيبانيّ مخضرم، معمّر عاش مائة وعشرين سنة، قال الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى في "صحيحه" عقب هذا الحديث: أبو عمرو الشيباني كان من المخضرمين، والرجل إذا كان في الكفر ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، يُدعَى مخضرمًا. انتهى (^١).
٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام، ومن فقهاء الصحابة - ﵃ - وممن كان مشهورًا بتجويد القرآن، أثنى عليه النبيّ - ﷺ - بذلك، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود أن أبا بكر وعمر - ﵃ - بَشّراه أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا كَما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، وفي "الصحيحين" أنه - ﷺ - قال: "خذوا القرآن من أربعة … "، فذكره فيهم، وفيهما أيضًا أنه - ﷺ - قال له: "اقرأ عليّ، فقرأ عليه سورة النساء … "، وكان - ﵁ - صاحب سرّ رسول الله - ﷺ -، ونعله، وطهوره ووساده في سفره - ﷺ -، ومناقبه - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: سَألتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - (إنما سأل - ﵁ - عن أفضل الأعمال؛ طلبًا لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصًا على علم الأصل؛ ليتأكّد القصد إليه، وتشتدّ المحافظة عليه، قاله ابن دقيق العيد (^٢). (أَيُّ الْعَمَلِ أفضَلُ؟) وفي رواية أبي يعفور التالية: "قلت: يا نبيّ الله أيُّ الأعمال أقرب إلى الجنّة؟ "، وفي رواية شعبة الآتية: "أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ "، و"أي العمل أحب إلى الله"، وعزا في "الفتح" الرواية الأولى لأكثر الرواة، قال: فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به، فلفظ حديث الباب - يعني لفظ: "أيّ العمل أحبّ إلى الله" - ملزوم عنه.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" بترتيب ابن بلبان ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم الحديث (١٤٧٧).
(٢) "إحكام الأحكام" بنسخة الحاشية ٢/ ٦ - ٧.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
قال: ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن لفظ أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد: من أفضل الأعمال، فحذفت "من"، وهي مرادة.
وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذٍ بينه وبين حديث أبي هريرة - ﵁ -: "أفضل الأعمال إيمان بالله … " الحديث.
وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين، فيكون برّهما مقدمًا عليه. انتهى (^١).
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: "الأعمال" هنا لعلها محمولة على الأعمال البدنيّة، كما قال الفقهاء: أفضل عبادات البدن الصلاة، واحترزوا بذلك عن عبادة المال، وقد تقدّم لنا كلام في العمل، هل يتناول عمل القلب، أم لا؛، فإذا جعلناه مخصوصًا بأعمال البدن تبيّن من هذا الحديث أنه لم يُرد أعمال القلوب، فإن من عملها ما هو أفضل كالإيمان، وقد ورد في بعض الأحاديث (^٢) ذكره مصرّحًا به - أعني الإيمان - فتبيّن بذلك الحديث أنه أريد بالأعمال ما يدخل فيه أعمال القلوب، وأريد بها في هذا الحديث ما يختصّ بعمل الجوارح. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٣.
(٢) هو حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدّم أول الباب، وهو متّفقٌ عليه.
(٣) "إحكام الأحكام" بنسخة الحاشية ٢/ ٧ - ٨.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
(قَالَ) - ﷺ - (الصَّلَاةُ) مبتدأ حُذف خبره؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ "زَيْدٌ" بَعْدَ "مَنْ عِنْدَكُمَا؟ "
أي أفضل العمل إلى الله تعالى الصلاة لوقتها.
وقوله: (لِوَقْتِهَا") قال القرطبيّ: هذه اللام للتأقيت، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، أي عند ذلك، كما قال في الرواية الآتية: "الصلاة على مواقيتها". انتهى (^١).
وقال الطيبيّ: اللام فيه مثلها في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي مستقبلات لعدّتهنّ، وقولك: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبل الثلاث، وليست كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، و﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] بمعنى الوقت؛ لئلا يتكرّر الوقت. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد الطيبيّ بكلامه هذا الردّ على قول القرطبيّ السابق من أن اللام للتوقيت، وأجاد في ذلك، ولكنه حملها على معنى فاسد؛ لأنه يؤدّي إلى أن يكون المراد إيقاع الصلاة قبل الوقت؛ لأن هذا هو معنى الآية التي مثّل بها؛ فإن تطليق المرأة لا يكون إلا قبل وقت العدّة، وهذا في الصلاة معنى فاسد، فالأولى أن تكون اللام بمعنى "في"، أي في وقتها، أو بمعنى "على"، كما هو الرواية الآتية، وهو راجع إلى معنى "في"، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: فيه أن البِدَار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شُرِط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب.
قال الحافظ: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أوّلًا ولا آخرًا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاءً.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) "الكاشف" ٣/ ٨٦٦ - ٨٦٧.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وتُعُقِّب بأن إخراجها عن وقتها مُحَرَّم، ولفظ "أحب" يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت.
وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله تعالى من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور، كالنائم، والناسي، فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال، مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب.
[تنبيه]: اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب، وهو قوله: "على وقتها"، وخالفهم عليّ بن حفص، وهو شيخ صدوق، من رجال مسلم، فقال: "الصلاة في أول وقتها"، أخرجه الحاكم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريقه. قال الدارقطنيّ: ما أحسبه حفظه؛ لأنه كَبِر وتغير حفظه.
قال الحافظ: ورواه الحسن بن عليّ المعمريّ في "اليوم والليلة" عن أبي موسى، محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة كذلك، قال الدارقطنيّ: تفرد به المعمريّ، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه، بلفظ: "على وقتها"، ثم أخرجه الدارقطنيّ عن المحامليّ، عن أبي موسى، كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمريّ وَهِمَ فيه؛ لأنه كان يُحَدِّث من حفظه.
وقد أطلق النووي في "شرح المهذّب" أن رواية: "في أول وقتها" ضعيفة انتهى.
لكن لها طريق أخرى، أخرجها ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم وغيرهما، من طريق عثمان بن عُمر، عن مالك بن مِغْوَل، عن الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْول كرواية الجماعة، كذا أخرجه البخاريّ وغيره، وكأنّ مَن رواها كذلك ظَنَّ أن المعنى واحد.
ويمكن أن يكون أخذه من لفظة "على"؛ لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت، فيتعين أوله. انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٣ - ١٤.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
[تنبيه آخر]: أخرج الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في "جامعه"، فقال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدنيّ، عن عبد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله".
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى، وقال ابن حبّان في "كتاب الضعفاء": تفرّد به يعقوب بن الوليد، وكان يضع الحديث، وقال أبو حاتم الرازيّ: هو موضوع، وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئًا يثبُتُ في أوقات الصلاة أولها كذا، وآخرها كذا، يعني مغفرة ورضوانًا. انتهى (^١).
(قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) قال الفاكهانيّ: إنه غير مُنَوَّنٍ؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفةً لطيفةً، ثم يؤتى بما بعده.
وقال ابن الجوزيّ: في هذا الحديث "أيّ" غير مشدّد منوّنٌ، كذلك سمعتُ من ابن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه؛ لأنه معربٌ غير مضاف.
وتُعُقِّب بأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أيّ العمل أحبّ؟، فيوقف عليه بلا تنوين.
وقال العينيّ: قال النحاة: إن أيّا الموصولة، والشرطيّة، والاستفهاميّة معربة دائمًا، فإذا كانت "أيّ" هذه معربةً عند الإفراد، فكيف يقال: إنها مبنيّة عند الإضافة؟، ولَمّا نَقَل عن سيبويه هذا أنكر عليه الزجّاج، فقال: ما تبيّن لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين: هذا أحدهما، فإنه يسلّم أنها تُعرب إذا أُفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أُضيفت؟. انتهى (^٢).
وإلى حالة بناء "أَيّ" الموصولة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
"أَيٌّ" كـ"مَا" وَأُعْرِبَتْ مَا لَمْ تُضَفْ … وَصَدْرُ وَصْلِهَا ضَمِيرٌ انْحَذَفْ
وَبَعْضُهُمْ أَعْرَبَ مُطْلَقَا وَفِي … ذَا الْحَذْفِ "أَيًّا" غَيْرُ "أَيٍّ" يَقْتَفِي
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٢١.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٢٠.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وأشار إلى لزوم إضافتها بقوله:
وَلَا تضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ … "أَيًّا" وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ
أَوْ تَنْوِ الاجْزَا وَاخْصُصنْ بِالْمَعْرِفَهْ … مَوْصُولَةً "أَيًّا" وَبِالْعَكْسِ الصِّفَهْ
وَإِنْ تَكُنْ شَرْطًا أَوِ اسْتِفْهَامَا … فَمُطْلَقًا كَمِّلْ بِهَا الْكَلَامَا
(قَالَ) - ﷺ - ("بِرُّ الْوَالِدَيْنِ") إعرابه كسابقه، وفي رواية عند البخاريّ: "ثم برّ الوالدين" بزيادة "ثُمّ"، و"البِرِّ" بكسر الباء: الإحسان، قال أهل اللغة: يقال: بَرِرْتُ والدي بكسر الراء، أَبَرُّه بضمها، مع فتح الباء بِرًّا، وأنا بَرٌّ به، بفتح الباء، وبارّ، وجمع البَرّ الأَبْرَار، وجمع البارّ الْبَرَرَة.
فمعنى بِرّ الوالدين: الإحسان إليهما، وفِعْلُ الجميل معهما، وفِعْلُ ما يَسُرُّهما، ويَدْخُل فيه الإحسان إلى صديقهما، كما جاء في "الصحيح": "إنّ من أَبَرِّ الْبِرّ أن يَصِلَ الرجلُ أهلَ وُدّ أبيه"، وضد الْبِرّ العقوق، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا تفسيره، قاله النوويّ (^١).
وقال القرطبيّ: معنى برّ الوالدين: هو القيام بحقوقهما، والتزام طاعتهما، والرفق بهما، والتذلّل لهما، ومراعاة الأدب معهما في حياتهما، والترحّم عليهما، والاستغفار لهما بعد موتهما، وإيصال ما أمكنه من الخير والأجر لهما. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال: مَن صلَّى الصلوات الخمس، فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه عقبها، فقد شكر لهما. انتهى (^٣).
(قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ) - ﷺ - ("الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ") أي محاربة الكفّار؛ لإعلاء كلمة الله - ﷿ -، وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال.
قال ابن مسعود - ﵁ - (فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ) قال النوويّ رحمه الله تعالى:
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٧٦.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٧٩.
(٣) "الفتح" ٢/ ١٤.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
كذا هو في الأصول: "تركتُ أستزيده" من غير لفظ "أَنْ" بينهما، وهو صحيح، وهي مرادة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حذف "أن" ورفع الفعل واقع في فصيح الكلام، كما هو مذهب الأخفش من النحاة، وهو ظاهر مذهب ابن مالك في "شرح التسهيل" (^٢)، وليس شاذًّا، كما ادّعاه بعض النحاة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية؛ إذ تقديره: "أن يريكم … إلخ"، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] الآية، أي أن أعبد، وقولهم: "تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه"، أي أن تسمع، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
فقوله: "وشذّ … إلخ " إشارة أنه إنما يكون شاذًّا إذا نُصب الفعل بعد حذفها، وأما إذا رُفع كهذه الأمثلة فلا شذوذ، وهذا هو الأصحّ، فقول بعض النحاة: إنه شاذّ مع الرفع مردود بالآيتين السابقتين، وحديث الباب، ونحو ذلك من الأمثلة، فتفطّن، فإنه مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ) بكسر الهمزة، إسكان الراء، وبالعين المهملة، والمدّ في آخره: أي إلَّا إبقاءً عليه، ورفقًا به؛ كي لا أُكثر عليه، فأُحرجه، وأنتقص من حُرمته، قال صاحب "الأفعال" (^٣): الإرعاء: الإبقاء على الإنسان، ففيه من الفقه احترام العالم والفاضل، ورعاية الأدب معه، وإن وَثقَ بحلمه وصَفْحِه، قاله القرطبيّ (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٧٦.
(٢) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١٨٣.
(٣) هو: علي بن جعفر المعروف بابن القطّاع، عالم بالأدب واللغة، تُوفّي سنة (٥١٥ هـ).
(٤) "المفهم" ٢/ ٢٧٩.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٨/ ٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢ و٢٦٣] (٨٥)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٢٧)، و"الجهاد والسير" (٢٧٨٢)، و"الأدب" (٥٩٧٠)، و"التوحيد" (٧٥٣٤)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (١٧٣)، و"البرّ والصلة" (١٨٩٨)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٦١٠ و٦١١)، وفي "الكبرى" (١٥٨٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٣٧٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٠٩ و٤١٠ و٤٢١ و٤٥١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٢ و١٨٣ و١٨٤ و١٨٥ و١٨٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٥٢ و٢٥٣ و٢٥٤ و٢٥٥ و٢٥٦ و٢٥٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٢٧) و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٧٤ و١٤٧٥ و١٤٧٦ و١٤٧٧ و١٤٧٨ و١٤٧٩)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ١٨٨ و١٨٩)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٤٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢١٥)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الصلاة من أفضل الأعمال، وأنها شعبة من شُعَب الإيمان، وهذا هو وجه إيراد المصنّف لهذا الحديث هنا؛ ليبيّن أن الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة الذين يقولون: إنه مجرّد تصديق، وهو مذهب باطلٌ منابذٌ لنصوص الكتاب والسنّة.
٢ - (ومنها): بيان فضل برّ الوالدين، وتعظيمهما، والقيام بحقوقهما.
٣ - (ومنها): بيان أن أعمال البر تتفاضل فيما بينها، فيكون بعضها أكثر ثوابًا.
٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة السؤال عن مسائل شَتّى في وقت واحد.
٥ - (ومنها): الرفق بالعالم، والتوقف عن الإكثار عليه؛ خشيةَ مَلاله.
٦ - (ومنها): ما كان هو عليه النبيّ - ﷺ - من حسن إرشاد المسترشدين، ولو شَقّ عليه.
٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من تعظيم النبيّ - ﷺ -، والشفقة عليه.
٨ - (ومنها): ما قاله ابن بزيزة رحمه الله تعالى: الذي يقتضية النظر
[ ٢ / ٦٦١ ]
تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأن فيه بذلَ النفس، إلَّا أن الصبر على المحافظة على الصلوات، وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على بِرّ الوالدين أمر لازم متكرر دائم، لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلَّا الصديقون.
٩ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في تخصيص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر، أن هذه الأشياء الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ وأنها عنوان لغيرها من أنواع البرّ والطاعة، فمن حافظ عليها، حافظ على ما سواها، ومن ضيّعها كان لما سواها أضيع، فإنّ من ضيّع الصلاة التي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشدّ تضييعًا، وأشدّ تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك برّ والديه مع علمه بكونهما أشدّ الناس حقوقًا عليه، كان لحقوق غيرهما من الناس أشدّ تركًا، وكذا من ترك الجهاد مع علمه بفضله، وقدرته عليه عند تعيّنه، فهو لغيره من الأعمال التي يُتقرّب بها إلى الله تعالى أشدّ تركًا، والله تعالى أعلم (^١).
١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: دلّ حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا على أن أفضل الأعمال، وأقربها إلى الله، وأحبها إليه الصلاة على مواقيتها المؤقّتة لها، وقد روي في هذا الحديث زيادة، وهي: "الصلاة على أول وقتها"، وقد خَرَّجها ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما"، والحاكم، والدارقطنيّ من طرق متعدّدة، ورُويت من حديث عثمان بن عمر، عن مالك بن مِغْول، ومن حديث عليّ بن حفص المدائنيّ، عن شعبة، ورُويت عن شعبة من وجه آخر، وفيه نظر، ورُويت من وجوه أُخر. واستُدل بذلك على أن الصلاة في أول الوقت أفضل كما استُدل بحديث أم فروة، عن النبيّ - ﷺ - أنه سُئل: أيّ العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها"، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وفي إسناده اضطراب، قاله الترمذيّ، والْعُقيليّ، وقد روي نحوه من حديث ابن عمر، إلَّا أن إسناده وَهَمٌ، وإنما هو حديث أم فروة، قاله الدارقطنيّ في "العلل"، وروي نحوه من حديث الشِّفَاء بنت عبد الله.
وفي قول النبيّ - ﷺ -: "الصلاة" على وقتها"، أو "على مواقيتها" دليل أيضًا
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٢٠.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
على فضل أول الوقت للصلاة؛ لأن "على" للظرفيّة، كقولهم: كان كذا على عهد فلان، والأفعال الواقعة في الأزمان المتّسعة عنها لا تستقرّ فيها، بل تقع في جزء منها، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت، فقد صار الوقت كلّه ظرفًا لها حكمًا، ولهذا يُسمّى المصلّي مصلّيًا في حال صلاته، وبعدها، إما حقيقةً، أو مجازًا على اختلاف في ذلك، وأما قبل الفعل في الوقت، فليس بمصلّ حقيقةً، ولا حكمًا، وإنما هو مصلّ بمعنى استباحة الصلاة فقط، فإذا صلّى في أول الوقت (^١)، فإنه لَمْ يُسمّ مصليًا إلَّا في آخر الوقت.
وقوله: "ثم برّ الوالدين" لَمّا كان ابن مسعود - ﵁ - له أمّ احتاج إلى ذكر برّ والديه بعد الصلاة؛ لأن الصلاة حقّ الله، وحقّ الوالدين متعقّب لحقّ الله - ﷿ - كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
وقوله: "ثم الجهاد في سبيل الله"؛ لأن الجهاد فرض كفاية، والدخول فيه بعد قيام من سَقَط به حقّ فرض الكفاية تطوّعٌ إذا لَمْ يتعيّن بحضور العدوّ، ولهذا تقدّم برّ الوالدين على الجهاد، إذا لَمْ يتعيّن، كما قال النبيّ - ﷺ - لمن أراد الجهاد معه: "ألك والدان؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد"، رواه البخاريّ، وفي رواية: فأمره أن يرجع إليهما، رواه أبو داود.
فذكر النبيّ - ﷺ - لابن مسعود - ﵁ - أن أفضل الأعمال القيام بحقوق الله تعالى التي فرضها على عباده، وأفضلها الصلاة لوقتها، ثم القيام بحقوق عباده، وآكده برّ الوالدين، ثم التطوّع بأعمال البرّ، وأفضلها الجهاد في سبيل الله، وهذا مما يَستدلّ به الإمام أحمد، ومن وافقه على أن أفضل أعمال التطوّع الجهادُ. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث في اختلاف الروايات في أفضل الأعمال:
(اعلم): أنه قد تقدّم هذا البحث مستوفًى، ولكن رأيت لبعض المحقّقين
_________________
(١) هكذا النسخة "في أول الوقت" فليُنظر.
(٢) "شرح البخاريّ" للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ٤/ ٢٠٨ - ٢١٠.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
تحقيقًا نفيسًا مكمّلًا لما سبق، فأحببت إيراده، وإن كان فيه طولٌ؛ لأن الكتاب إنما وُضع لاستيفاء البحوث العلميّة بقدر المستطاع، حتى لا يحتاج الطالب إلى غيره، بل يأخذ كفايته منه - إن شاء الله تعالى -.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنَّها المراد.
ومثال ذلك أن يُحمل ما ورد عنه - ﷺ - من قوله: "إلا أُخبركم بأفضل أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم؟ " (^١)، وفسّره بذكر الله تعالى، على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو مثل حالهم، أو من هو في صفاتهم، ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهّل للنفع الأكبر في القتال لقيل له: الجهاد، ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال، ولا يتمحّض حاله لصلاحية التبتّل لذكر الله تعالى، وكان غنيًّا يُنْتَفَعُ بصدقة ماله لقيل له: الصدقة، وهكذا في بقيّة أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حقّ هذا مخالفًا للأفضل في حقّ ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به.
وأما برّ الوالدين، فقد قُدّم في هذا الحديث على الجهاد، وهو دليلٌ على تعظيمه، ولا شكّ في أن أذاهما بغير ما يجب ممنوع منه، وأما ما يجب من البرّ في غير هذا ففي ضبطه إشكالٌ كبير (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه الترمذيّ، وصححه، وابن ماجة، والحاكم من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، راجع: "صحيح الترمذيّ" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - تعالى ٣/ ١٣٩.
(٢) قال الصنعانيّ - ﵀ - تعالى: قوله: "ففي ضبطه إشكال كبير" أقول: وذلك أن البرّ هو الإحسان، ودرجات الإحسان متفاوتة، والواجب منها للوالدين غير منضبط. وقد ضبط ابن عطيّة الدرجات المتفاوتات في المباحات فِعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفايات كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمّه ليمرّضها مثلًا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها، ويفوت ما قصد به من تأنيسه لها، وغير ذلك لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول وقتها، وفي جماعة. انتهى كلامه. =
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وأما الجهاد في سبيل الله تعالى، فمرتبته في الدين عظيمة، والقياس يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل، فإن العبادات على قسمين: منها ما هو مقصود لنفسه، ومنها ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب المتوسَّل إليه، فحيث تعظُم فضيلة المتوسَّل إليه تعظُم فضيلة الوسيلة، ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخمال الكفر ودحضه، كانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم.
انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
[فإن قيل]: فقد روي خلافُ ما يُفهم منه ما دلّ عليه حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ -: سئل أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثمّ أيُّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثمّ أيّ؟ قال: "حجٌّ مبرور"، وفيهما أيضًا عن أبي ذرّ - ﵁ - أنه سأل النبيّ - ﷺ -: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله"، ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة، ولا برّ الوالدين، ورويت نصوص أُخر بأن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا، ورُوي ما يدلّ على أن أفضل الأعمال ذكر الله - ﷿ -، وجاء ذلك صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة - ﵃ -.
[قيل]: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه، والجمع بين النصوص الواردة به وجوهًا غير مرضيّةً.
فمنهم من قال: أراد بقوله: أفضل الأعمال كلّها، أي أن ذلك من أفضل الأعمال، لا أنه أفضلها مطلقًا، وهذا في غاية البعد.
ومنهم من قال: أجاب كلّ سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصّةً، كما خَصّ ابن مسعود - ﵁ - ببرّ الوالدين لحاجته إليه، ولم يذكر ذلك لغيره، لكن أبو هريرة كانت له أم أيضًا.
_________________
(١) = قال الصنعانيّ: وليس بواضح، ولا شكّ أن ترك العقوق برّ، وفقدان هذا المذكور من واجب البرّ، وليس هو كلّ ما يجب منه. انتهى.
(٢) "إحكام الإحكام" بنسخة حاشية "العدّة" ٢/ ١١ - ١٥.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله وفضله، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله، فنقول:
لا ريب أن أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث، وأولى الفرائض الواجبة على العباد، وأفضلها الإيمان بالله ورسوله تصديقًا بالقلب، ونُطقًا باللسان، وهو النطق بالشهادتين، وبذلك بُعث النبيّ - ﷺ -، وأُمر بالقتال عليه، ثم بعد ذلك الإتيان ببقيّة مباني الإسلام الخمس التي بُني عليها، وهي الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وقد كان النبيّ - ﷺ - يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أَوّلًا إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الصيام، ثم إلى الزكاة، كما أمر بذلك معاذ بن جبل - ﵁ - لَمّا أرسله إلى اليمن، وكان يُعلّم من يسأله عن الإسلام مبانيه الخمس، كما في حديث سؤال جبريل - ﵇ - له عن الإسلام، وكما في حديث طلحة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - علّم الأعرابيّ الذي سأله عن الإسلام المباني.
فإذا تقرّر هذا، فقول النبيّ - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - لَمّا سُئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، فهذا وجهٌ ظاهرٌ لا إشكال فيه، فإن الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقًا، ويُسمّى الشهادتين مع التصديق بهما عَمَلًا لما في ذلك من عمل القلب واللسان.
وقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "ثم الجهاد في سبيل الله"، وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ -: "والجهاد" بالواو يشهد له أن الله قرن بين الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله في مواضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١].
فالإيمان بالله ورسوله التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان، والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان بعد دعائهم بالحجة والبيان، ولهذا يُشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال.
وقد قيل: إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلّهم، لا يَسَعُ أحدًا التخلّف عنه، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾
[ ٢ / ٦٦٦ ]
[التوبة: ٤١]، ثم بعد ذلك رُخّص لأهل الأعذار، ونزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، رُوي ذلك عن ابن عبّاس وغيره، وحينئذ، فيَحتمل جعل النبيّ - ﷺ - أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين:
[أحدهما]: أن يقال: إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان، وقرينًا له، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخّر عن فرض العين.
وقد اختلَفَ ابنُ عمر وعبد الله بن عَمْرو بن العاص - ﵃ - في عدّ الجهاد من فرائض الإسلام، فعدّه عبد الله بن عمرو منها بعد الحجّ، وأنكر ذلك ابن عمر عليه، وقال: فرائضه تنتهي إلى الحجّ، وقد رَوَى اختلافهما في ذلك أبو عُبيدة في "كتاب الناسخ والمنسوخ"، وغيره، وعدّ حُذيفة بن اليمان الجهاد من سهام الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأضافهما إلى مباني الإسلام الخمس، وجعلها ثمانية سهام، وكأنه جعل الشهادتين سهمين.
[والثاني]: - وهو أشبه - أن النبيّ - ﷺ - كان إذا سُئل عن أفضل الأعمال، فتارة يذكر الإيمان بالله ورسوله لدخوله في مسمّى الأعمال، كما سبق تقريره، وتارة يذكر أعمال الجوارح؛ لأن المتبادر إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق أعمالُ الجوارح دون عمل القلب واللسان، فكان إذا تبيّن له أن ذلك هو مراد السائل ذكر الصلاة له، كما ذكرها في حديث ابن مسعود هذا، فإن الصلاة أفضل أعمال الجوارح، وحيث أجاب بذكر الإيمان، أو بذكر الصلاة، فإنما مقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده المباني بجملتها، فإن المباني الخمس كالشيء الواحد، وكلّ من دخل في الإسلام بالإقرار بالشهادتين، أو بالصلاة على رأي من يرى فعلها إسلامًا، فإنه يؤمر ببقيّة المباني، ويُلزم بذلك، ويقاتَلُ على تركه.
وفي حديث خرّجه الإمام أحمد أن النبيّ - ﷺ - قال: "أربعٌ فرضهنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لَمْ يُغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهنّ جميعًا: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحجّ البيت" (^١).
_________________
(١) سقط من النسخة "وحج البيت"، وهو موجود في "مسند أحمد" ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١، وفي سنده ابن لهيعة.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وفي حديث آخر: "الدين خمس لا يقبل الله منهنّ شيئًا دون شيء" (^١)، فذكر مباني الخمس، وأن من أتى ببعضها دون بعض لَمْ يُقبل منه.
ونفي القبول هنا بمعنى نفي الرضا بذلك، واستكمال الثواب عليه، وحينئذ فذكر بعض المباني مشعر بالباقي منها، فكأن النبيّ - ﷺ - وتارةً يكتفي في جواب من سأله عن أفضل الأعمال بالشهادتين، وتارة بالصلاة، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، لكنه خصّ بالذكر أشرفها، فكأنه قال: الشهادتان، وتوابعهما، والصلاة، وتوابعها ولوازمها، وهو بقيّة المباني الخمس، ويشهد لهذا قول النبيّ - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، فتوهّم طائفةٌ من الصحابة أن مراده أن مجرّد هذه الكلمة يعصم الدم حتى توقّفوا في قتال من منع الزكاة حتى بيّن لهم أبو بكر - ﵁ -، ورجع الصحابة - ﵃ - إلى قوله: إن المراد الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما، وهو الإتيان ببقيّة مباني الإسلام، وقد تبيّن صحّة قولهم بروايات أُخر تصرّح بإضافة إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم، وكذلك قوله - ﷺ -: "من قال: لا إله إلَّا الله لَمْ تمسّه النار - أو دخل الجنّة"، إنما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما، وهو الإتيان ببقيّة أركان الإسلام ومبانيه.
وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - قَدّم برّ الوالدين على الجهاد إشارة إلى أن حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تُقدَّم على التطوّع بالجهاد، وحديث أبي هريرة وأبي ذرّ فيهما اقتران الجهاد بالإيمان، لكنه في حديث أبي هريرة جعله بعد الإيمان، وجعل بعده الحجَّ المبرور، فيحتمل أن يقال: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدمًا على الحجّ، ويحتمل أن يقال: فُهم دخول الحجِّ من ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأن ذلك يتبعه بقيّة مباني الإسلام، ومنها الحجّ، ولا سيّما وقد تقرّر في أول الكتاب أن الإيمان قول وعمل، ويكون المراد بالجهاد الجهاد المتطوَّع، وهذا أشبه بقواعد الشريعة، فإن من معه مالٌ، وعليه زكاة، أو حجّ، وأراد التطوّع بالجهاد، فإنه
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢، وقال أبو حاتم في "العلل": هذا حديث منكر، يحتمل أن يكون هذا من كلام عطاء الخراسانيّ.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
لا خلاف أنه يقدّم الزكاة والحجّ على التطوّع بالجهاد، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات، ورُوي مرفوعًا من وجوه في أسانيدها مقال (^١).
فتبيَّن بهذا التقرير أن الأحاديث كلّها دالّةٌ على أن أفضل الأعمال الشهادتان مع توابعهما، وهي بقيّة مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها أيضًا من فراض الأعيان التي هي من حقوق الله - ﷿ -، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان، كبرّ الوالدين، ثم بعد ذلك التطوّع المقرّبة إلى الله، وأفضلها الجهاد.
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - تأخير الحجِّ على الجهاد، ولعله إنما ذكره بعد الجهاد حيث كان تطوّعًا، فإن الصحيح أن فرضه تأخّر إلى عام الوفود.
وقد يقال: حديث أبي هريرة - ﵁ - دلّ أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحجّ، فإن عَرَضَ للحجّ وصف يمتاز به على الجهاد، وهو كونه فرض عين كان ذلك الحجّ المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه.
فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأس الإسلام، وعموده، وذِروة سنامه، كما في حديث معاذ لبه، فرأسه الشهادتان، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، والجهاد أفضل ما تُطُوّع به من الأعمال على ما دلّت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة، وهو مذهب الإمام أحمد.
وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "أفضل الناس مؤمن آخذٌ بعِنَان فرسه في سبيل الله، ثم رجلٌ يعتزل في شِعْبٍ من الشعاب يعبد ربّه، ويَدَعُ الناس من شرّه".
فهذا نصّ في أن المجاهد أفضل من المتخلّي لنوافل العبادات من الصلاة وغير ذلك.
فأما النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد، وغيره من الأعمال، وأن الذاكرين لله هم أفضل الناس عند الله مطلقًا، فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يَقطع عن غيره من
_________________
(١) تقدّم الكلام عليه، فلا تغفل.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
الأعمال، كبقيّة الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال، فمن عمل عملًا صالحًا، وكان أكثر لله ذكرًا فيه من غيره، فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه.
وقد ورد في نصوص متعدّدة أن أفضل المصلّين، والمتصدّقين، والمجاهدين، والحاجّ، وغيرهم من أهل العبادات أكثرهم لله ذكرًا.
وقد أخرجه الإمام أحمد متَّصلًا، وأخرجه ابن المبارك وغيره مرسلًا.
فهؤلاء أفضل الناس عند الله، ثم يليهم الذين يذكرون الله كثيرًا، وليس لهم نوافل من غير الذكر، كالجهاد وغيره، بل يقتصرون مع الذكر على فرائض الأعيان، فهؤلاء هم الذاكرون لله كثيرًا المفضّلون على المجاهدين، ويليهم قوم يقومون بالفرائض، وبالنوافل كالجهاد وغيره من غير ذكر كثير لهم.
وإنما قال النبيّ - ﷺ - لمن سأله عما يَعدِل الجهاد: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم، ولا تفطر، وتقوم، ولا تفتر؟ "، قال: لا، قال: "فذلك الذي يعدل الجهاد"؛ لأنه سأله عن عمل يتشبّث به عند خروج المجاهد يقاوم فضل الجهاد.
وأما الذاكرون الله كثيرًا، فإنما فُضِّلوا على المجاهدين بغير ذكر؛ لأن لهم عملًا مستمرًّا دائمًا قبل جهاد المجاهدين ومعه وبعده، فبذلك فُضّلوا على المجاهدين بغير ذكر كثير، وبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك.
وأما حديث: "خيرُ الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام"، فليس المراد به تفضيل هذين الخصلتين على سائر خصال الإسلام من الشهادتين والصلاة وغيرها، بل المراد أن أفضل أهل الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحجّ، من قام بعد ذلك بإطعام الطعام، وإفشاء السلام.
[فإن قيل]: فيكون التطوّع بذلك أفضل من التطوّع بالجهاد والحجّ.
[قيل]: فيه تفصيلٌ، فإن كان إطعام الطعام فرض عين، كنفقة من تلزم نفقته من الأقارب، فلا ريب أنه أفضل من التطوّع بالنفقة في الجهاد، والحجّ، فإن كان تطوّعًا، فإن كان صلة رحم، فهو أفضل من الجهاد، والحجّ، نصّ
[ ٢ / ٦٧٠ ]
عليه أحمد، وكذا إن كان في عام مجاعة، ونحوها، فهو أفضل من الحجِّ عند الإمام أحمد، وقد يقال في الجهاد ذلك إذا لَمْ يتعيّن.
وهذا الكلام كلّه في تفضيل بعض الأعمال على بعضها لذاتها، فأما تفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها، أو مكانها، فإنه قد تقترن بالعمل المفضول من زمان، أو مكان ما يصير به فاضلًا، فهذا فيه كلام آخر، نذكره في موضع آخر - إن شاء الله - ﷾ -. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا حقّق الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة في أفضل الأعمال، وطوّل نفسه في ذلك حسبما ظهر له، ولكن الذي يظهر لي، ويترجّح عندي، وإن لَمْ يره هو ما تقدّم من أن أجوبة النبيّ - ﷺ - "اختلفمت بحسب اختلاف الأشخاص السائلين، والمخاطبين، وبحسب الأوقات، والأمكنة، وهذا هو الذي يظهر من تحقيق ابن رجب، وتحريره، وبسطه الكلام، فإن من تأمل ذلك، ولا سيّما أواخر كلامه ظهر له أنه يرى أن الأجوبة صدرت بحسب ما قلنا، فهو وإن لَمْ يصرّح به، لكنه مُفاد ما ساقه، ومقتضى ما حقّقه، فتأمله بإنصاف.
والحاصل أنه لا اختلاف في الحقيقة بين النصوص المذكورة، لهذا الذي بيّنّاه، فأمعن نظرك في التحقيق، يظهر لك الفهم الدقيق، وبالله تعالى التوفيق، وهو - ﷾ - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٠] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيّ، حَدَّثنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو يَعْفُورٍ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَار، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا"، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟، قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ").
_________________
(١) راجع: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن رجب ٤/ ٢١٠ - ٢٢٠.
[ ٢ / ٦٧١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن ابن أبي عمر كنية يحيي، ثقةٌ، صنّف المسند، وكان يلازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (أَبُو يَعْفُورٍ) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، بعدها فاءٌ مضمومة - هو: عبد الرَّحمن بن عُبيد بن نِسْطاس - بكسر النون، وسكون السين المهملة - بن أبي صَفِيّة الثَّعْلبيّ - بالثاء المثلّثة - العامريّ البكائيّ، ويقال: البكاليّ، ويقال: السّلميّ، أبو يعفور الصغير الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن السائب بن يزيد، وأبي الضُّحَي، والوليد بن العيزار، وإبراهيم النخعيّ، وأبي ثابت أيمن بن ثابت، وأبي الشَّعْثَاء المحاربيّ، وأبيه عبيد بن نِسطاس.
ورَوَى عنه الحسن بن صالح، والسفيانان، وابن المبارك، ومروان بن معاوية، ومحمد بن فُضيل بن غَزْوان، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر أنه رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (١١٧٤): "إذا دخل العشر أحيى الليل … ".
[تنبيه]: قال النوويّ في "شرحه" تبعًا لابن الصلاح (^١): أبو يعفور هذا هو الأصغر، وقد ذكره مسلم أيضًا في "باب التطبيق في الركوع"، ولهم أبو يعفور الأكبر العبديّ الكوفيّ التابعيّ، واسمه واقد، وقيل: وَقْدان، وقد ذكره مسلم
_________________
(١) راجع: "الصيانة" ص ٢٦٩.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
أيضًا في "باب صلاة الوتر"، وقال: اسمه واقد، ولقبه وَقْدان، وله أيضًا أبو يعفور ثالث، اسمه عبد الكريم بن يعفور الجعفيّ البصريّ، يروي عنه قتيبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهما، وآباء يعفور هؤلاء الثلاثة ثقات. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر النوويّ في "شرحه" أنهم ثلاثة، وأنهم كلّهم ثقات، لكني لَمْ أجد أبا يعفور الثالث، فإنه ليس من رجال الكتب الستّة، ولذلك لَمْ يذكره في "التهذيبين"، ولا في "التقريب"، وإنما ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٦/ ٩١ فقال: عبد الكريم بن يعفور، أبو يعفور الجعفيّ، عن عروة بن عبد الله، والمشمرج بن جرير، سمع منه قتيبة بن سعيد. انتهى.
وذكره أيضًا ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٦١ فقال: عبد الكريم بن يعفور، أبو يعفور الجعفيّ، روى عن جابر بن زيد، وعن المشمرج، سمع منه قتيبة، وأبو موسى الأنصاريّ، سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرَّحمن، قال: سألت أبي عنه، فقال: هو من عتّقي الشيعة، قلت: ما حاله؟، قال: هو شيخ ليس بالمعروف. انتهى.
وذكره ابن حبّان في "الثقات" ٨/ ٤٢٣ فقال: عبد الكريم بن يعفور الجعفيّ، أبو يعفور، يروي عن عروة بن عبد الله بن عبد الله، روى عنه قتيبة بن سعيد. انتهى.
وذكره الذهبيّ في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٦٤٧، فقال: عبد الكريم الخزّاز عن جابر الجعفي، قال الأزديّ: واهي الحديث جدًّا، ثم ذكر بعد ترجمة ما نصّه: عبد الكريم بن يعفور الخزّاز هو المذكور، قال أبو حاتم: من عُتَّق الشيعة. انتهى (^٢).
فتبيّن بهذا أن قول النوويّ: وآباء يعفور الثلاثة ثقات، غير صحيح، فإن الثالث حاله ما بيّنه أبو حاتم، والأزديّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟) أي أكثر ثوابًا بحيث يكون من عمل بها سريع الدخول في الجنّة مع أوائل الداخلين فيها.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٧٦ - ٧٧.
(٢) راجع: "ميزان الاعتدال" ٢/ ٦٤٧.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
قال الحافظ ابن رجب - ﵀ - بعد أن ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث: وهذه الألفاظ متقاربة المعنى، أو متّحدة؛ لأن ما كان من الأعمال أحبّ إلى الله تعالى، فهو أفضل الأعمال، وهو أقرب إلى الجنّة من غيره، فإن ما كان أحبّ إلى الله، فعامله أقرب إلى الله من غيره، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - فيما يروي عن ربّه قال: "ما تقرّب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه … " الحديث، أخرجه البخاريّ.
وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: أفضل الأعمال أداء ما فرض الله، وكذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته. انتهى (^١).
وقوله: ("عَلَى مَوَاقِيتِهَا") قيل: "على" بمعنى اللام، ففيه ما تقدم، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقُّق دخول الوقت؛ ليقع الأداء فيه، قاله في "الفتح" (^٢).
وقوله: (وَمَاذَا يَا نَبِي اللهِ؟) أي وما الذي يلي الصلاة في الفضل؟، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّار، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الله، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟، قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟، قَالَ: "ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، قَالَ: حَدَّثَني بِهِنَّ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ، حافظٌ
_________________
(١) "شرح صحيح البخاريّ" لابن رجب ٤/ ٢٠٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٤.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
(ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المثبت المشهور البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) المذكور قريبًا، والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) أي أشار أبو عمرو الشيبانيّ إلى دار عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وفيه أن الإشارة تُتَنَزَّل منزلة التصريح، إذا كانت مُعَيِّنة للمشار إليه، مميزة له عن غيره، إلا ترى أن الأخرس إذا طلَّق امرأته بالإشارة المفهمة يقع طلاقه بحسب الإشارة، وكذا سائر تصرّفاته (^١).
وقوله: (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي بهؤلاء الجمل الثلاث، وهو مقول عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال، وسمع الجواب؛ إذ لا ريب أنه صريحٌ في ذلك، وهو أرفع درجات التحمّل.
وقوله: (وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) أي ولو طلبت منه - ﷺ - أن يعلّمني زيادةً على ما سألته لزادني؛ لسعة خلقه، وحسن عشرته، ثم طلبه الزيادة يحتمل أن يكون أراد من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يكون أرادها من مطلب المسائل المحتاج إليها، وفي رواية الترمذيّ من طريق المسعوديّ، عن الوليد: "فسكت عنّي رسول الله - ﷺ -، ولو استزدته لزادني"، فكأنه استشعر منه مشقة وسآمة، فلذلك قال ما قاله، ويؤيّده ما في رواية المصنّف الماضية: "في تركت أن أستزيده إلَّا إرعاءً عليه"، أي شفقةً عليه؛ لئلا يسأم (^٢).
وقال النوويّ في "شرحه": قوله: ("ولو استزدته لزادني") فيه جواز استعمال "لو"، وجواز إخبار الإنسان عما لَمْ يقع أنه لو كان كذا لوقع؛ لقوله: "لو استزدته لزادني". انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٢١ - ٢٢.
(٢) "فتح" ٢/ ١٤، و"عمدة القاري" ٥/ ٢٠ - ٢١.
(٣) "شرح مسلم" ٢/ ٧٩.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الله، وَمَا سَمَّاهُ لنَا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر البصريّ المعروف ببُندار، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢، وشعبة ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بالإسناد المذكور قبله، وهو سند شعبة، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
وقوله: (وَرادَ) الضمير لشيخه محمد بن بشار، أي زاد محمد بن بشار في روايته على رواية عبيد الله وغيره قوله: (وَمَا سَمَّاهُ لَنَا) فالزيادة هي قوله: "وما سمّاه لنا"، أي لَمْ يسمّ أبو عمرو صاحب الدار، بل اكتفى بالإشارة إلى داره؛ لعدم التباسه بغيره.
[تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف هنا على ما قبلها، ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده"، فقال:
(٤١٧٥) - حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، وحجاج، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال حجاج: سمعت أبا عمرو الشيبانيّ، وقال محمد، عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله، وما سمّاه لنا، قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله - ﷿ -؟ فقال: "الصلاة على وقتها"، قال الحجاج: "لوقتها"، قال: ثم أيّ؟ قال: "ثم بِرّ الوالدين"، قال: ثم أيّ؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله"، ولو استزدته لزادني. انتهى.
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَن الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ - أَوْ الْعَمَلِ - الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ المذكور قبل بابين.
- (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ المذكور قبل بابين أيضًا.
٣ - (الحسن بن عبيد الله) بن عُرْوة النخعيّ، أبو عُرْوة الكوفيّ، ثقة فاضل [٦].
رَوَى عن إبراهيم بن يزيد، وإبراهيم بن سُويد النخعيين، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وزيد بن وهب، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، وأبو إسحاق الفزاري، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عبد الحميد، وجعفر بن غياث، ومحمد بن فضيل، وغيرهم.
قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا أو أكثر، وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال العجلي، وأبو حاتم: ثقة، وقال الساجيّ: صدوق، وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أعجب إليك، الحسن بن عبيد الله، أو الحسن بن عمرو كان قال: الحسن بن عمرو أثبتهما، وهما جميعًا ثقتان صدوقان، وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة، وقال البخاري: لَمْ أُخرِج حديث الحسن بن عبيد الله؛ لأن عامة حديثه مضطرب، وضعّفه الدارقطني بالنسبة للأعمش، فقال في "العلل" بعد أن ذكر حديثًا للحسن خالفه فيه الأعمش: الحسن ليس بالقوي، ولا يقاس بالأعمش.
قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٩)، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، وزاد: وقيل سنة (٤٢).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط،
[ ٢ / ٦٧٧ ]
هذا الحديث، وحديث (٥٧٢): "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون … "، و(١٠٨٠): "الشهر هكذا، وهكذا … "، و(١١٧٥): "يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد … "، و(١١٩٠): "كأني أنظر إلى وبيص المسك … "، و(٢١٦٩): "إذنك عليّ أن يُرفع الحجاب … "، و(٢٧٢٣): "أمسينا، وأمسى الملك لله … "، وكرره ثلاث مرّات.
وشرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثاني من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى ليلة السبت ٧/ ١/ ١٤٢٥ هـ الموافق ٢٧/ فبراير / ٢٠٠٤ م.
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث مفتتحًا بـ (٣٩) - (بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوب، وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ) رقم الحديث (٢٦٤) (٨٦).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
[ ٢ / ٦٧٨ ]