وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤] (٨٦) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ"، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو الحنظليّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبتٌ حجة فقيهٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مَنْصُور) بن المعتمر السّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٦.
٣ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٤ - (عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ) الْهَمْدانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢].
رَوَى عن عُمر، وعليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وسلمان، وقيس بن سعد بن عُبادة، ومَعْقِل بن مُقَرِّن المزنيّ، وعائشة، والنعمان بن بشير، وآخرين.
ورَوَى عنه أبو وائل، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وأبو عَمّار الهمدانيّ، والقاسم بن مُخَيمِرة، ومحمد بن المنتشر، ومسروق، وهو من أقرانه، وغيرهم.
[ ٣ / ٥ ]
قال عاصم بن بَهْدلة، عن أبي وائل: ما اشتَمَلت هَمْدانية على مثل أبي ميسرة، قيل له: ولا مسروق؟ فقال: ولا مسروق، وقال أبو نعيم، عن إسرائيل: كان أبو ميسرة إذا أخذ عطاءً تَصَدَّق منه، فإذا جاء إلى أهله فَعَدُّوه وَجَدوه سواءً، وقال عمرو بن مرّة، عن أبي وائل: قال أبو ميسرة، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله، فذكر قصةً، ورَوَى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن مسروق قال: ما بالكوفة أَحَد أحبّ إليّ أن أكون في مِسْلاخه من عمرو بن شُرَحبيل، وقال ابن معين: أبو ميسرة ثقة، وقال ابن سعد في "الطبقات": أنا وكيع، عن إسرائيل عن أبي إسحاق قال: رأيت أبا جُحيفة في جنازة أبي ميسرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العبّاد، وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة، مات في الطاعون قبل أبي جحيفة سنة ثلاث وستين، وقال ابن سعد: مات في ولاية ابن زياد.
أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
[تنبيه]: "شُرَحبيل" - بضمّ الشين المعجمة، وفتح الراء - غير منصرف؛ لكونه اسمًا علمًا أعجميًّا (^١).
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجة، وكذا عمرو بن شُرَحبيل.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.
_________________
(١) راجع: "شرح النووي" ٢/ ٨٠.
[ ٣ / ٦ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية مخضرم، عن مخضرم: أبو وائل، عن عمرو، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)، وفي رواية الأعمش التالية: "قال رجل: يا رسول الله أيّ الذَّنْب أكبر؟ … "، وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن منصور وسليمان الأعمش، كلاهما عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عبد الله - ﵁ - "قال: سألتُ، أو سئل رسول الله - ﷺ -: أي الذَّنْب عند الله أكبر؟ … "، وفي رواية: "قلت: يا رسول الله … "، وفي رواية لأحمد من وجه آخر عن مسروق، عن ابن مسعود: "جلس رسول الله - ﷺ - على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، فاغتنمتُ خلوته، فقلت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله، أي الذنوب أكبر؟ … " الحديث.
(أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ) أي أشدّ عقوبة (عِنْدَ اللهِ؟)، وللبخاريّ: "أي الذَّنْب عند الله أكبر؟ "، ووقع في رواية عاصم، عن عبد الله: "أعظم الذنوب عند الله؟ "، أخرجها الحارث، وفي رواية أبي عبيدة بن معن، عن الأعمش: "أي الذنوب أكبر عند الله؟ "، وفي رواية الأعمش عند أحمد وغيره: "أيُّ الذَّنْب أكبر؟ "، وفي رواية الحسن بن عبيد الله، عن أبي وائل: "أكبر الكبائر".
لا يقال: السؤال عن أفضل الأعمال له وجه، وهو أن يقدّم الأعظم فالأعظم، وأما أعظم الذنوب، فترك السؤال عنه أفضل وأرجح، ليقع الكفّ عن الجميع؛ لأنا نقول: له وجهه أيضًا، وهو أن يكون التحرّز منه أكثر وأشدّ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن تكون بعض الذنوب أعظم من بعض من الذنبين المذكورين في هذا الحديث بعد الشرك؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن اللواط أعظم إثمًا من الزنا، فكأنه - ﷺ - إنما قصد بالأعظم هنا ما تكثر مُواقعته، ويظهر الاحتياج إلى بيانه في الوقت، كما وقع في حقّ وفد عبد القيس حيث اقتصر في منهياتهم على ما يتعلق بالأشربة؛ لفشُوّها في بلادهم.
[ ٣ / ٧ ]
وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيما قال نظر من أوجه:
[أحدها]: ما نقله من الإجماع، ولعله لا يقدر أن يأتي بنقل صحيح صريح بما ادّعاه عن إمام واحد، بل المنقول عن جماعة عكسه، فإن الحدّ عند الجمهور، والراجح من الأقوال إنما ثَبَتَ فيه بالقياس على الزنا، والمقيس عليه أعظم من المقيس، أو مساويه، والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به، أو رجمهما ضعيف.
[وأما ثانيًا]: فما من مفسدة فيه إلَّا ويوجد مثلها في الزنا وأشدّ، ولو لَمْ يكن إلَّا ما قيّد به في الحديث المذكور، فإن المفسدة فيه شديدة جدًّا، ولا يتأتى مثلها في الذَّنْب الآخر، وعلى التنزل فلا يزيد.
[وأما ثالثًا]: ففيه مصادمة للنص الصريح على الأعظمية من غير ضرورة إلى ذلك.
[وأما رابعًا]: فالذي مَثَّل به من قصة الأشربة ليس فيه إلَّا أنه اقتَصَر لهم على بعض المناهي، وليس فيه تصريحٌ، ولا إشارة بالحصر في الذي اقتَصَر عليه، والذي يظهر أن كلًّا من الثلاثة على ترتيبها في العِظَم، ولو جاز أن يكون فيما لَمْ يذكره شيء يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال.
نعم، يجوز أن يكون فيما لَمْ يذكر شيء يساوي ما ذُكر، فيكون التقدير في المرتبة الثانية مثلًا بعد القتل الموصوف، وما يكون في الفُحْش مثله أو نحوه، لكن يستلزم أن يكون فيما لَمْ يذكر في المرتبة الثانية شيء هو أعظم مما ذُكر في المرتبة الثالثة، ولا محذور في ذلك.
وأما عَدُّ عقوق الوالدين في أكبر الكبائر في حديث أبي بكرة - ﵁ - الآتي في الباب التالي، فيجوز أن تكون رتبة رابعة، وهي أكبر مما دونها. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) بكسر النون: أي نظيرًا، وقال الفيّوميّ: النِّدُّ بالكسر: المثل، والنَّدِيد مثله، ولا يكون النّدّ إلَّا مخالفًا، والجمع أنداد، مثلُ حِمْل وأَحمال. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١١٨ - ١١٩.
[ ٣ / ٨ ]
وقال النوويّ: النّدّ: المثلُ، رَوَى شمر عن الأخفش، قال: الندّ: الضدّ والشِّبْهُ، وفلان نِدّ فلان، ونَدِيده، ونَدِيدته: أي مثله. انتهى (^١).
(وَهُوَ خَلَقَكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي: والحال أن الله تعالى هو الذي خلقك وحده، دون أن يشاركه في ذلك أحدٌ، حتى يُشْرَك في العبادة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هو نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ومعناه: أن اتّخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتَّخَذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. انتهى (^٢).
(قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ لَهُ) - ﷺ - (إِن ذَلِكَ لَعَظِيمٌ) أي إن هذا الذَّنْب، وهو جعل النّدّ لله - ﷾ - لذنبٌ عظيم، لا ذنب فوقه. (قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) أي: ثمّ أيُّ شيء يكون أعظم ذنبًا عند الله تعالى بعد جعل الندّ له؟، وتقدّم أن الأولى عدم تنوينه؛ لأنه مضاف لفظًا إلى محذوف، والتقدير: ثم أيُّ ذنب أعظم؟ (قَالَ) - ﷺ - ("ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ)، وفي رواية للبخاريّ: "خشية … " (أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ") أي لأجل خوفك أن يُشاركك في طعامك، وقال في "الفتح": أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي، أو من جهة البخل مع الوجدان. انتهى (^٣).
وخصّ الطعام بالذكر؛ لأنه كان الأغلب من حال العرب، وكذا تقييده بخشية الأكل معه؛ لكون عادتهم أنهم يقتلون أولادهم لخشيتهم ذلك (^٤).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا من أعظم الذنوب؛ لأنه قتل نفس محرَّمة شرعًا، محبوبة طبعًا، مرحومة عادةً، فإذا قتلها أبوها كان ذلك دليلًا على غلبة الجهل والبخل، وغِلَظ الطبع والقسوة، وأنه قد انتهى من ذلك كلّه
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٨٠.
(٣) "فتح" ٨/ ٣٥٢ "كتاب التفسير" رقم (٤٧٦٥).
(٤) راجع: "عمدة القاري" ١٩/ ١٣٥.
[ ٣ / ٩ ]
إلى الغاية القصوي، وهذا نحو قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، أي فقر، وهو خطاب لمن كان فقره حاصلًا في الحال، فيُخفِّف عنه بقتل ولده مؤنته من طعامه ولوازمه، وهذه الآية بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فإنه خطاب لمن كان واجدًا لما يُنفق عليه في الحال، غير أنه يقتله مخافة الفقر في ثاني الحال، وكان بعض جُفاة الأعراب وجُهَّالهم ربما يفعلون ذلك، وقد قيل: إن الأولاد في هاتين الآتين هم البنات، كانوا يَدفنونهنّ أحياءً أَنَفَةً وكِبْرًا، ومخافةَ العيلة والْمَعَرّة، وهي الموؤودة التي ذكر الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩].
والحاصل أن أهل الجاهليّة كانوا يصنعون كلّ ذلك، فنهى الله تعالى عن ذلك، وعظّم الإثم فيه، والمعاقبة عليه، وأخبر النبي - ﷺ - أن ذلك من أعظم الكبائر. انتهى (^١).
(قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ) - ﷺ - ("ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ") بفتح الحاء المهملة بوزن عظيمة، أي التي يحل له وطؤها، وقيل: التي تُحلّ معه في فِراش واحد، وقال في "الفتح": هي مأخوذة من الحِلّ؛ لأنَّها تحلّ له، فهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، وقيل: من الحلول؛ لأنَّها تحلّ معه، ويحلّ معها.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الحليلة": هي التي يحلُّ وطؤها بالنكاح، أو التسرّي.
و"الجار": هو المجاور في المسكن، والداخلُ في جوار العهد، و"تُزاني": أي تحاول الزني، يقال: المرأة تُزاني مُزاناةً، مِن زَني، والزنى وإن كان من أكبر الكبائر والفواحش، لكنه بحليلة الجار أفحش، وأقبح؛ لما يَنضمّ إليه من خيانة الجار، وهَتْك ما عظّم الله تعالى، ورسوله - ﷺ - من حرمته، وشدّة قبح ذلك شرعًا وعادةً، فلقد كان الجاهليّة يتمدّحون بصون حرائم الجار، ويغُضّون دونهم الأبصار، كما قال عنترة [من الكامل]:
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ٣ / ١٠ ]
وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتِي … حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأوَاهَا (^١)
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: "أن تزاني حليلة جارك" هي بالحاء المهملة، وهي زوجته، سُمّيت بذلك؛ لكونها تَحِلّ له، وقيل: لكونها تَحِلّ معه، ومعنى "تزاني": أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشدّ قبحًا، وأعظم جُرْمًا؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذّبّ عنه، وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أُمر بإكرامه، والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كلَّه بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه، مع تمكّنه منها على وجه لا يتمكّن غيره منه، كان في غاية من القبح. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: قدّم النبيّ - ﷺ - هذه الثلاثة الأشياء؛ لاعتياد الجاهليّة بها من الكفر بالله - ﷿ -، وفاحش الزنا، ووأد البنات، وهي الإشارة بقتل الولد - والله أعلم - لأن العرب إنما كانت تَئِد البنات لوجهين: لفرط الغيرة، ومخافة فضيحة السبي والعار بهنّ، أو لتخفيف نفقاتهن ومؤنهنّ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ الآية، ومعنى قوله - ﷺ -: "مخافة أن يطعَم معك"، وكانوا يتحمّلون ذلك في المذكور لِمَا يُؤمّلون فيهم من شدّ العضُد، وحِماية الجانب، وكثرة العشيرة، وبقاء النسل والذكر، وقد نبَّهَ الله تعالى على هذا بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩].
ثم ذكر الزنا، وخصّه بحليلة الجار؛ لأنه عُظْم بابه، إذ لا يُزاني الرجل غالبًا إلَّا من يُمكنه لقاؤه، ويجاوره في محلّته وقريته.
ونبّه بإضافة الحليلة إلى الجار على عظيم حقّه، وأنه يجب له عليك من الغيرة عليه من الفاحشة ما يجب لحليلتك، والحديث الآخر يُبيّنه. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨١.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٨٠.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
[ ٣ / ١١ ]
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٣٩/ ٢٦٤ و٢٦٥] (٨٦)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٤٧٧)، و"الأدب" (٦٠٥١)، و"الحدود" (٦٨١١)، و"الديات" (٦٨٦١)، و"التوحيد" (٧٥٢٠)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٣١٠ و٧٥٣٢)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٢ و٣١٨٣)، و(النسائيّ) في "المحاربة" (٤٠١٤ و٤٠١٥)، و"الكبرى" (٣٤٧٦ و٣٤٧٧ و٣٤٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٠ و٤٣١ و٤٣٤ و٤٦٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥١ و١٥٢)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٥٨ و٢٥٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أعظم الذنوب، وهو ما تضمّنه هذا الحديث.
٢ - (ومنها): بيان تفاوت الذنوب فيما بينها، فمنها ما هو أكبر، ومنها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: فيه أن أكبر المعاصي الشرك، وهذا ظاهرٌ، لا خفاء فيه، وأن القتل بغير حقّ يليه، وكذلك قال أصحابنا: أكبر الكبائر بعد الشرك القتل، وكذا نصّ عليه الشافعيّ رحمه الله تعالى في "كتاب الشهادات" من "مختصر المزنيّ"، وأما ما سواهما من الزنا، واللواط، وعقوق الوالدين، والسحر، وقذف المحصنات، والفرار يوم الزَّحْف، وَأَكْلِ الربا، وغير ذلك من الكبائر، فلها تفاصيل، وأحكام تُعْرَف بها مراتبها، ويَخْتَلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المترتبة عليها، وعلى هذا يقال في كلّ واحدة منها: هي من أكبر الكبائر، وإن جاء في موضع أنَّها أكبر الكبائر، كان المراد: من أكبر الكبائر، كما تقدم في أفضل الأعمال. انتهى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨١.
[ ٣ / ١٢ ]
(المسألة الرابعة): في الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث:
(اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الإسناد، ولم يُشر إليه المصنّف، وقد أشار إليه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال في "كتاب الحدود":
(٦٨١١) - حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا يحيي، حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور، وسليمان، عن أبي وائل، عن أبي مَيْسَرة، عن عبد الله - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذَّنْب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا، وهو خلقك"، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تَقْتُل ولدك من أجل أن يَطْعَم معك"، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك".
قال يحيى: وحدثنا سفيان، حدثني واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، قلت: يا رسول الله مثله، قال عمرو: فذكرته لعبد الرَّحمن، وكان حدثنا عن سفيان، عن الأعمش، ومنصور، وواصل، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، قال: دَعْهُ دَعْهُ.
وقوله: "قال عمرو" هو: ابن عليّ الفلاس، فذكرته لعبد الرَّحمن - يعني ابن مهديّ -.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: هكذا ذكره البخاريّ عن عمرو بن عليّ، قَدَّم رواية يحيى على رواية عبد الرَّحمن، وعَفبها بالفاء، وقال الهيثم بن خَلَف فيما أخرجه الإسماعيلي عنه: عن عمرو بن عليّ، حدثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، فساق روايته، وحذف ذكر واصل من السند، ثم قال: وقال عبد الرَّحمن مرّة: عن سفيان، عن منصور، والأعمش وواصل، فقلت لعبد الرَّحمن: حدثنا يحيى بن سعيد، فذكره، فقال عبد الرَّحمن: دَعْهُ.
والحاصل أن الثوريّ حَدَّث بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأما واصل فحذفه، فضبطه يحيى القطان عن سفيان هكذا مُفَصَّلًا، وأما عبد الرَّحمن، فحَدَّث به أولًا بغير تفصيل، فحَمَلَ روايةَ واصل على رواية منصور والأعمش، فجمع الثلاثة، وأدخل أبا ميسرة في السند، فلما ذَكَرَ له عمرو بن عليّ أن يحيى فَصَّله، كأنه ترَدَّد فيه، فاقتصر على التحديث به عن سفيان، عن منصور والأعمش حَسْبُ، وترك طريق واصل، وهذا معنى قوله:
[ ٣ / ١٣ ]
"فقال: دَعْهُ دَعْهُ"، أي اتركه، والضمير للطريق التي اختُلِف فيها، وهي رواية واصل، وقد زاد الهيثم بن خَلَف في روايته بعد قوله "دَعْهُ": "فلم يذكر فيه واصلًا بعد ذلك"، فعُرِف أن معنى قوله "دَعْه": أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة.
وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: حاصله أن أبا وائل، وإن كان قد رَوَى كثيرًا عن عبد الله، فإن هذا الحديث لَمْ يروه عنه، قال: وليس المراد بذلك الطعن عليه، لكن ظَهَرَ له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة؛ لموافقه الأكثرين.
قال الحافظ: كذا قال، والذي يظهر ما قَدَّمته أنه تركه من أجل التردد فيه؛ لأن ذكر أبي ميسرة، إن كان في أصل رواية واصل، فتحديثه به بدونه يستلزم أنه طَعَنَ فيه بالتدليس، أو بقلة الضبط، وإن لَمْ يكن في روايته في الأصل، فيكون زاد في السند ما لَمْ يسمعه، فاكتفى برواية الحديث عمن لا ترَدُّد عنده فيه، وسَكَتَ عن غيره، وقد كان عبد الرَّحمن حَدَّث به مَرَّةً عن سفيان، عن واصل وحده بزيادة أبي ميسرة، كذلك أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، لكن الترمذي بعد أن ساقه بلفظ واصل عَطَفَ عليه بالسند المذكور طريق سفيان، عن الأعمش ومنصور، قال بمثله، وكأن ذلك كان في أول الأمر.
وذَكَرَ الخطيب هذا السند مثالًا لنوع من أنواع مدرج الإسناد، وذَكَرَ فيه أن محمد بن كثير وافق عبد الرَّحمن على روايته الأولي، عن سفيان، فيصير الحديث عن الثلاثة بغير تفصيل.
قال الحافظ: وقد أخرجه البخاريّ في "الأدب" عن محمد بن كثير، لكن اقتصر من السند على منصور، وأخرجه أبو داود، عن محمد بن كثير، فضم الأعمش إلى المنصور، وأخرجه الخطيب من طريق الطبرانيّ، عن أبي مسلم الليثيّ، عن معاذ بن المثني، ويوسف القاضي - ومن طريق أبي العباس الْبَرْقيّ - ثلاثتهم عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن الثلاثة، وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبرانيّ، وفيه ما تقدم.
وذكر الخطيب الاختلاف فيه على منصور، وعلى الأعمش، في ذكر أبي ميسرة وحذفه، ولم يُختَلف فيه على واصل في إسقاطه في غير رواية سفيان.
وقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من رواية شعبة، عن واصل، بحذف أبي
[ ٣ / ١٤ ]
ميسرة، لكن قال الترمذيّ: رواية منصور أصحّ - يعني بإثبات أبي ميسرة -.
وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وقال: رواه الحسن بن عبيد الله، عن أبي وائل، عن عبد الله، كقول واصل، ونَقَلَ عن الحافظ أبي بكر النيسابوريّ أنه قال: يُشبه أن يكون الثوريّ جمع بين الثلاثة لَمّا حَدَّث به ابن مهديّ، ومحمد بن كثير، وفَصَّلَه لَمّا حَدَّث به غيرهما - يعني: فيكون الإدراج من سفيان، لا من عبد الرَّحمن، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥] (…) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الذَّنْبِ أَكبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ"، قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؟ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]).
رجال هذا الإسناد: ستة، وهم المذكورون في السند الماضي، غير:
١ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان، الإمام الحافظ الحجة المثبت [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٧.
وقوله: (فَأَنْزَلَ الله - ﷿ - تَصْدِيقَهَا) أي ما يُصدّق هذه المقالة من القرآن، ولفظ البخاريّ: "قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ "، قال في "الفتح": هكذا قال ابن مسعود، والقتل والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيَّدان، أما القتل فبالولد خشية الأكل معه، وأما الزنا فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغٌ؛ لأنَّها وإن وردت في مطلق الزنا
[ ٣ / ١٥ ]
والقتل، لكن قتل هذا، والزنا بهذا أكبر وأفحش، وقد روى أحمد (^١)، من حديث المقداد بن الأسود - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما تقولون في الزنا؟ "، قالوا: حرام، قال: "لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره" (^٢).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذَّنْب الذي ذكره النبيُّ - ﷺ -، وليس كذلك؛ لأن الترمذيّ قد روى هذا الحديث، وقال فيه: وتلا النبيُّ - ﷺ - هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، بدل "فأنزل الله"، وظاهره أنه - ﷺ - قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما قد كان أُنزل منها، على أن الآية تضمّنت ما ذكره في حديثه بحكم عمومها. انتهى كلام القرطبيّ (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا رجَّح القرطبيّ رواية الترمذيّ على رواية الشيخين، من أن الآية نزلت بسبب هذا السؤال، لكن الذي يظهر أن ما فيهما أصحّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده":
(٢) - حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، قال: سمعت أبا ظبية الكلاعي، يقول: سمعت المقداد بن الأسود، يقول: قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: "ما تقولون في الزنا؟ "، قالوا: حرَّمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره"، قال: فقال: ما تقولون في السرقة؟ "، قالوا: حرّمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره". وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن سعد الأنصاريّ، روى عنه جماعة، وقال فيه ابن معين: ليس به بأس، ووثقه ابن حبّان، وأبو ظبيَّة الكلاعيّ روى عنه جماعة، ووثقه ابن معين، وابن حبان، وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، والباقون من رجال الصحيح.
(٣) "فتح" ٨/ ٣٥٢ "كتاب التفسير" رقم (٤٧٦٥).
(٤) "المفهم" ١/ ٢٨١ - ٢٨٢.
[ ٣ / ١٦ ]
وقوله: (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) معناه: أي لا تقتلوا النفس التي هي معصومة في الأصل إلَّا مُحِقِّين في قتلها، وقيل: معنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي ما يَحِقّ أن تُقتَل به النفوس، مِن كُفْر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان (^١).
وقوله: (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) أي يستحلون الفروج بغير نكاح، ولا ملك يمين، قال القرطبيّ: دَلّت هذه الآية على أنه ليسس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزني، ولهذا ثبت في حد الزنى القتل لمن كان محصنًا، أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن. انتهى (^٢).
وقوله: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾) قيل: معناه جزاءَ إثمه، وهو قول الخليل، وسيبويه، وأبي عمرو الشيبانيّ، والفراء، والزجاج، وأبي عليّ الفارسيّ، وقيل: معناه عقوبةً، قاله يونس، وأبو عبيدة، وقيل: معناه جزاءً، قاله ابن عباس، والسديّ، وقال أكثر المفسرين، أو كثيرون منهم: هو وادٍ في جهنم، عافانا الله الكريم، وأحبابنا منها، قاله النوويّ (^٣).
وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، في "تفسيره" ١٣/ ٧٥:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إخراجٌ لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان، وقتلهم النفس بِوَاد البنات وغير ذلك من الظلم، والاغتيال، والغارات، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحًا، وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني: لا يليق بمن أضافهم الرَّحمن إليه إضافةَ الاختصاص، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة والتشريف وقوعُ هذه الأمور القبيحة منهم، حتى يُمدَحوا بنفيها عنهم؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها: لا يدعون الهوى إلهًا، ولا يُذِلّون أنفسهم بالمعاصي، فيكون قتلًا لها، ومعنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي بسكين الصبر، وسيف المجاهدة، فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة، فيكون سفاحًا، بل بالضرورة، فيكون كالنِّكَاح، قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلام رائقٌ، غير أنه
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ١٣/ ٧٦.
(٢) "تفسير القرطبي" ١٣/ ٧٦.
(٣) "شرح مسلم" ٢/ ٨٠ - ٨١.
[ ٣ / ١٧ ]
عند السبر مائقٌ، وهي نبعة باطنية، ونزعة باطلية، وإنما صَحَّ تشريف عباد الله باختصاص الإضافة، بعد أن تَحَلَّوا بتلك الصفات الحميدة، وتَخَلَّوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآياتِ بصفات التحلي؛ تشريفًا لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي؛ تبعيدًا لها، والله أعلم.
قال أبو عبد الله القرطبيّ: ومما يدلُّ على بطلان ما ادّعاه هذا القائل، من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها، ما رَوَى مسلم (^١) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذَّنْب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله نِدًّا، وهو خلقك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾، والأثام في كلام العرب: العقاب، وبه قرأ ابن زيد، وقتادة هذه الآية، ومنه قول الشاعر [من الوافر]:
جَزَى اللهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى … عُقُوقًا وَالْعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي جزاءً وعقوبةً، وقال عبد الله بن عمرو، وعكرمة، ومجاهد: إن ﴿أَثَامًا﴾ وادٍ في جهنم جعله الله عقابًا للكفرة، قال الشاعر [من المتقارب]:
لَقِيتُ الْمَهَالِكَ فِي حَرْبِنَا … وَبَعْدَ الْمَهَالِكِ تُلْقِي أَثَامَا
وقال السُّديّ: جبل فيها، قال:
وَكَانَ مَقَامُنَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ … بِأَبْطَحِ ذِي الْمَجَازِ لَهُ أَثَامُ
وفي "صحيح مسلم" أيضًا: عن ابن عباس، أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا - ﷺ -، فقالوا: إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسنٌ، ولو تُخبرنا أن لما عملنا كفارةً، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾، ونزل: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، وقد قيل: إن هذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ نزلت في وحشيّ، قاتل حمزة، قاله
_________________
(١) الأولى ما رواه الشيخان، فتنبّه.
[ ٣ / ١٨ ]
سعيد بن جبير، وابن عباس - ﵃ -. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.