وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٢] (١٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو أَيُّوبَ: أَن أَعْرَابِيًا
[ ١ / ٢٤٢ ]
عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَوْ يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّة، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّار، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ -، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ"، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دعَ النَّاقَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) - مصغّرًا - الْهَمْدانّي، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٢) (ع) ١/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير - مصغَّرًا - الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) ١/ ٥.
٣ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ابن عم يحيى بن عبيد الله، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، وموسى بن طلحة، ورَبَاح بن عُبيدة السّلَميّ، وعمر بن عبد العزيز.
ورَوَى عنه زائدة، والثوريّ، وابن نمير، والخريبي، والقطان، ووكيع، وجعفر بن عون، وابن عيينة، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وجماعة، ورَوَى عنه شعبة، فسماه محمدًا.
قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عمرو بن عثمان أحب إليك، أو طلحة بن يحيى؟ قال: عمرو، وكذا قال أحمد بن حنبل، وقال أحمد أيضًا، وابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم - (١١٢) - (١٣) و(٤٦٨) و(١٠٣٤).
٤ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله القرشيّ التيميّ، أبو عيسى، ويقال: أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، وأمه خَوْلَة بنتُ القَعْقَاع بن سعيد بن زُرَارةَ، ثقة جليلٌ [٢].
[ ١ / ٢٤٣ ]
روى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وأبي ذَرّ، وأبي أيوب، وحكيم بن حزام، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة، وأبي اليسر السلمي، ومعاوية، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه: عمران، وحفيده سليمان بن عيسى بن موسى، وابنا أخيه: إسحاق وطلحة ابنا يحيى بن طلحة، وابن أخيه الآخر: موسى بن إسحاق بن طلحة، وابن ابن أخيه موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة، وعثمان بن موهب، وابنه عمرو، وغيرهم.
قال ابن سعد: قال الواقدي: رأيت مَنْ قِبَلَنا وأهل بيته يكنونه أبا عيسى، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الزبير بن بَكّار: كان من وجوه آل طلحة. وقال الْمَرُّوذِيُّ عن أحمد: ليس به بأس. وقال العجليّ: تابعي ثقة، وكان خيارًا، وقال مرةً: كوفي ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ. وقال أبو حاتم: يقال: إنه أفضل وَلَد طلحة بعد محمد، كان يسمى في زمانه المهديّ. وقال ابن خِرَاش: كان من أجلَّاء المسلمين، ويقال: إنه شَهِدَ الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أُسِرَ، ويقال: إنه فَرّ من الكوفة إلى البصرة لَمّا ظهر المختار بن أبي عبيد. وعن عبد الملك بن عُمير قال: كان فُصَحَاءُ الناس أربعةً، فذكره فيهم. ورَوَى الْعَقَديّ عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى، قال: صَحِبتُ عثمان اثنتي عشرة سنة. وقال الهيثم، وابن سعد، وغير واحد: مات سنة ثلاث ومائة، وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث، أو أربع ومائة، وقال أبو نعيم، وأحمد: مات سنة أربع ومائة، ويقال: مات سنة ست، وأرخه سنة ست أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر بن أبي عاصم. وقال ابن عساكر: يقال: إنه ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، وهو الذي سَمّاه.
أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٥ - (أَبُو أَيُّوبَ) هو: خالد بن زيد بن كُليب بن ثعلبة بن عبد عوف، ويقال: ابن عمرو بن عبد عوف بن غَنْم، ويقال: ابن عبد عوف بن جُشَم بن غَنْم بن مالك بن النجار، الأنصاري الخزرجيّ، شَهِدَ بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، ونَزَلَ عنده رسول الله - ﷺ - حين قَدِمَ المدينة شهرًا حتى بَنَى المسجدَ.
[ ١ / ٢٤٤ ]
روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بن كعب، وعنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وزيد بن خالد الجهني، وابن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطميّ، والمقداد بن معدي كرب، وغيرهم من الصحابة، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن حُنَين، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن يزيد الليثي، وعروة بن الزبير، وأبو عبد الرَّحمن الْحُبُلِّي، وعطاء بن يسار، وعمر بن ثابت، وجماعة.
قال الخطيب: حضر العقبة، وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا، والمشاهد كلها، وكان مسكنه المدينة، وحضر مع علي حرب الخوارج، وورد المدائن في ححبته، وعاش بعد ذلك زمانًا طويلًا، حتى مات ببلاد الروم غازيًا في خلافة معاوية.
وذكر الواقديّ، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهما: أنه شَهِدَ مع عليّ صِفِّين.
قال الهيثم بن عدي وغيره: مات سنة (٥٠)، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٥٢)، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: مات في سنة (٥٥).
وقال ابن سعد: ولما ثَقُل قال لأصحابه: إن أنا مِتُّ، فاحملوني، فإذا صاففتم العدوّ، فادفِنُوني تحت أقدامكم. وقال البغويّ: قُبِر ليلًا، وأمَرَ يزيدُ بالخيل تُقْبِل عليه وتدبر - حتى عَمِيَ قبره. وقال ابن حبان في "الصحابة": مات بأرض الروم، وقال لهم: إذا أنا متّ، فَقَدِّمُونِي في بلاد العدوّ ما استطعتم، ثم ادْفِنُوني، فمات، وكان المسلمون على حِصَار القسطنطينية، فقدموه حتى دُفِنَ إلى جنب حائط.
أخرج له المجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٠) حديثًا، اتّفق الشيخان على سبعة أحاديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسملم بخمسة أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عمرو بن عثمان، فتفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، وله مناقب جمّة، نزل عليه النبيّ - ﷺ - قبل أن يبني المسجد، وحُجَر أزواجه. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٤٥ ]
شرح الحديث:
عن (مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) التيميّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ - ﵁ - (أنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة واحد الأعراب، قال ابن الأثير: هم ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والْعَرَبُ اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية، أو الْمُدُن، والنسب إليهما: أعرابيّ، وعربيّ. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": الْأَعْراب بالفتح: أهل البادية من العرب، الواحد: أعرابيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بظَعْنِهم، فهم أَعْرابٌ، ومن نزل بلاد الرّيف، واستوطن الْمُدُن والْقُرى العربيّةَ وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمَّى الْعَرَبَات، ويقال: الْعَرَب العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة هم الذي تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم - ﵇ -، وهي لغة الحجاز وما والاها.
والْعُرْبُ وزانُ قُفْل لغة في الْعَرَب، ويُجمع الْعَرَب على أَعْرُب، مثلُ زَمَن وَأَزْمُنٍ، وعلى عُرُب بضمّتين، مثلُ أَسَدٍ وأُسُدٍ. انتهى (^٢).
[تنبيه]: هذَا الأعرابي قد سُمِّي فيما رواه البغويّ، وابن السكن، والطبرانيّ في "الكبير"، وأبومسلم الكجي في "السنن" من طريق محمد بن جُحادة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، أن أباه حدّثه، قال: انطلقت إلى الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وُصِف لي رسول الله - ﷺ -، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: "دَعُوا الرجلَ أَرَبٌ ما له"، قال: فزاحمتُ عليه، حتى خلصت إليه، فاخذت بخطام راحلته، في غئرَ عليّ، قال: شيئين أسألك عنهما: "ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجَنَّة"، قال: فنظر إلى السماء، ثم
_________________
(١) "النهاية" ٣/ ٢٠٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٠.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أقبل عليّ بوجهه الكريم، فقال، "لئن كنت أوجزت المسألة، لقد أعظمت، وطَوَّلتَ، فاعقِلْ عليّ، اعبُد اللهَ، لا تُشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدّ الزكاة المفروضة، وصُمْ رمضان".
وأخرجه البخاري في "التاريخ" من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، عن أبيه، قال: غَدَوتُ، فإذا رجل يُحَدِّثهم.
قال: وقال جرير، عن الأعصثر، عن عمرو بن مرّة، عن المغيرة بن عبد الله، قال: سأل أعرابي النبيّ - ﷺ -، ثم ذكر الاختلاف فيه عن الأعمش، وأن بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، والصواب المغيرة بن عبد الله اليشكري.
وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صَبِرة وافد بني المنتفق، فالله أعلم.
وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا هو السائل في حديث أبي أيوب لجنه؛ لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة. والله تعالى أعلم.
وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهليّ - ﵁ -، ففي حديث الطبراني أيضًا من طريق قَزعَة بن سُوَيد الباهليّ، حدثني أبي، حدثني خالي، واسمه صخر بن القعقاع، قال: لقيت النبيّ - ﷺ - بين عرفة ومزدلفة، فأخذت بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله، ما يُقربني من الجَنَّة، ويباعدني من النار؟ … "، فذكر الحديث، وإسناده حسن. أفاده في "الفتح" (^١).
[تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ في "الزكاة" في حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا بلفظ "أن رجلًا" بدل" أن أعرابيًّا"، فقال في "الفتح": هذا الرجل حَكَى ابن قتيبة في "غريب الحديث" له أنه أبو أيوب الراوي، وغلّطه بعضهم في ذلك، فقال: إنما هو راوي الحديث، وفي التغليط نظر؛ إذ لا مانع أن يُبهم الراوي نفسه؛ لغرض له، ولا يقال: يبعد لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيًّا؛ لأنا نقول: لا مانع من تعدّد القصّة، فيكون
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣١٠ - ٣١١.
[ ١ / ٢٤٧ ]
السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه، لقوله: "إن رجلًا"، والسائل في حديث أبي هريرة أعرابيّ آخر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب غير صحيح؛ لأن رواية مسلم هذه تبطله، فإنها بلفظ "أن أعربيًّا"، فكون المراد به أبا أيوب غير صحيح؛ لأنه لا يقول عن نفسه "أن أعرابيًّا"، فالظاهر أن السائل في حديث أبي أيوب، وحديث أبي هريرة - ﵁ - واحد، وهو أعرابيّ، كما اتّضح في التنبيه السابق، فتأمله بالإنصاف. والله تعالى أعلم.
(عَرَضَ) من باب ضرب: أي ظهر، وبدا (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ فِي سَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول الله" (فَأَخَذَ) أي ذلك الأعرابيّ (بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِزِمَامِهَا) "الخطام"، و"الزمام" - بكسر الخاء، والزاي - قال الهرويّ في "الغريبين"، قال الأزهريّ: الخِطام هو الذي يُخْطَم به البعير، وهو أن يؤخذ حبلٌ من لِيفٍ، أو شعر، أو كَتّان، فيُجعَل في أحد طرفيه حَلْقَةٌ يُسْلَك فيها الطرف الآخر، حتى يَصِير كالحلقة، ثم يُقَلَّد البعير، ثم يُثَنَّى على مِخْطَمِه، فإذا ضُفِّر من الأدَمِ فهو جَرِير، فأما الذي يُجعَل في الأنف دَقيقًا فهو الزّمَام، وقال صاحب "المطالع": الزِّمَام للإبل ما تُشَدّ به رؤوسها من حَبْل وسَيْرٍ، ونحوه، لتقاد به. انتهى (^٢).
(ثُمَّ قَالَ) الأعرابيّ (يَا رَسُولَ الله، أَوْ) للشكّ من الراوي (يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي) بتشديد الراء، من التقريب، أي بالعمل الذي إذا عملته يقرّبني (مِنْ الْجَنَّةِ) ويجعلني ممن يدخلها (وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ) أي وبالعمل الذي يجعلني بعيدًا من النار (قَالَ) الراوي، وهو أبو أيوب - ﵁ - (فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ -) أي: منع ناقته من السير: ليتمكّن من سماع سؤاله، وأن لا يتعدّاه دون الإجابة عما سأله (ثُمَّ نَظَرَ) - ﷺ - (فِي) وجوه (أَصْحَابِهِ) - ﵃ -، تعجّبًا من حسن سؤاله، ووجازته، وبلاغته (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (لَقَدْ وُفِّقَ) بالبناء للمفعول، يقال: وفّقه الله توفيقًا: إذا سَدَّدَه (^٣)، وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣١٠.
(٢) "شرح النوويّ" ١/ ١٧٢.
(٣) "المصباح" ٢/ ٦٦٧.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أصحابنا المتكلمون: التوفيقُ: خلقُ قدرة الطاعة، والخذلان خلق قدرة المعصية. انتهى (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضًا (لَقَدْ هُدِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال الراغب الأصبهاني: الهداية: دلالة بلُطْفٍ، ومنه الهديّة، وهوادي الوحوش: المتقدّمات الهادية لغيرها، وخُصّ ما كان دلالةً بهَدَيتُ، وما كان إعطاءً بأهديتُ، ثم قال: إن قيل: كيف جَعَلْتَ الهداية دلالةً بلُطْفٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وقال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، قيل: ذلك استُعْمِلَ فيه استعمالَ اللفظ على التهكم مبالغةً في المعنى، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقول الشاعر:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
قال: وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب:
[الأول]: الهداية التي عمّ بها كلَّ مكلَّف، من العقل، والفِطْنة، والمعارف الضروريّة، بل عمّ بها كلَّ شيء بقدر فيه حسب احتماله، كقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
[الثاني]: الهداية التي جَعَل للناس بدعائه إياهم على السنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
[الثالث]: التوفيق الذي يختصّ به من اهتدي، وهو المعنّي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
[الرابع]: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣].
قال: وهذه الهدايات الأربع مرتّبة، فمن لم تحصل له الأولى لم تحصل له الثانية، بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لم تحصل له الثالثة، والرابعة، ومن حصلت له الرابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصلت له الثالثة فقد حصل له اللتان قبلها، ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحمل الثاني، ويحصل الثاني، ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن
[ ١ / ٢٤٩ ]
يهدي أحدًا إلَّا بالدعاء، وتعريف الطرق، دون سائر أنواع الهدايات.
وإلى الأولى أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
قال: وكلُّ هداية ذكر الله تعالى أنه منعَ الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنّة ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦].
وكلُّ هداية نفاها الله عن النبيّ - ﷺ -، وعن البشر، وذَكَر أنهم غير قادرين عليها، فهي ما عدا المختصّ من الدعاء، وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق، وإدخال الجنّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقولُهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]، أي: أن الله تعالى هو الذي يَهْدي خلقه إلى الحقّ، فهو أحقّ بالاتّباع ممن لا يَهدي أن يهتدي بنفسه، يقال: هدى بنفسه يَهدي مخفّفًا بمعنى اهتدى يهتدي، نحوُ شَرى يَشري بمعنى اشترى يشتري، إلَّا أن يُهدى إلى طريق يسلكها، أو عملٍ يرشده، وهذا استفهام توبيخ لهم على ما اتّخذوه من دون الله إلهًا يُعبَدُ، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم، كالمسيح، وعُزير، والملائكة، يعني أن الله وحده هو الذي يهدي كلَّ أحد، وغيره لا يَهدي غيره إلَّا أن يهديه الله تعالى.
قال: ولَمّا كانت الهداية والتعليم يقتضي شيئين: تعريفًا من الْمُعَرّف، وتعرُّقًا من الْمُعَرَّف، وبهما تتمّ الهداية والتعليم، فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلِّم، ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْد، ولم يُعلِّم؛ اعتبارًا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعَلّمَ؛ اعتبارًا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إن الله تعالى لم يَهْد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصحّ أن يقال: هداهم وعلَّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الهداية، فعلى الاعتبار الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقيل: معنى ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] أي لا يصلح، فاستعار الهداية للإصلاح، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، والمعنى لا يوفّقهم لعمل أهل الخير.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أشار به إلى من هداه الله بالتوفيق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. قال بعضهم: الهداية والْهُدى في موضوع اللغة واحد، ولكن خصّ الله تعالى لفظ الْهُدَى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ به هو دون ما هو إلى الإنسان، نحو ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
والاهتداء يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إما في الأمور الدنيويّة، أو الأخرويّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فهذا يجوز أن يكون للهدايتين؛ لأنهم يهتدون بها في أسفارهم، وإلى الجهة التي يتعبّدون إليها لله تعالى.
ويقال أيضًا: اهتدى: إذا طلب الهداية، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وإذا تَحَرَّاهَا أيضًا، ومنه ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]، أي تتحرّون هدايتكم فيهما، والاهتداء أيضًا: الاقتداء بالعلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، تنبيهًا على أنهم لا يعلمون بأنفسهم، ولا يقتدون بمن يَعلَم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدّمة بأسرها، من طلب الهداية، وتحريّها، والاقتداء بالعلماء.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، أي ثم أدام طلب الهداية، ولم يَفْتُر عن تحرّيها، ولم يرجع إلى المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي تَحَرَّوا الهداية وقَبِلوها، وعَمِلوا بها، ولم يُخِلُّوا بشرائطها. انتهى كلام الراغب مختصرًا (^١).
والحاصل أن الهداية تُطلق على البيان، والإرشاد، كما قوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّكَ
_________________
(١) "مفردات الألفاظ" ص ٨٣٥ - ٨٣٩.
[ ١ / ٢٥١ ]
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتُطلق على التوفيق للطاعة وتيسيرها، كما في قوله - ﷿ -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وهذا المعنى هو المراد هنا، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - (كَيْفَ قُلْتَ؟)، إنما سأله تعجّبًا بما سأل، وتعجيبًا للحاضرين، ويحتمل أنه لم يسمعه تمام السماع.
وفي رواية البخاريّ: "قال: ما له، ما له؛ فقال رسول الله - ﷺ -: "أَرَبٌ مَا له".
قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية لم يُذكَر فاعل "قال: ما له ما له؟ "، وفي رواية بَهْز المعلقة هنا الموصولة في كتاب "الأدب" قال القوم: ما له ما له؟ قال ابن بطال: هو استفهام، والتكرار للتأكيد.
وقوله: "أَرَبٌ" - بفتح الهمزة والراء، منونًا - أي حاجة، وهو مبتدأ، وخبره محذوف، استفهم أوّلًا، ثم رجع إلى نفسه، فقال: "له أَرَبٌ". انتهى.
وهذا بناءٌ على أن فاعل "قال" النبيُّ - ﷺ -، وليس كذلك؛ لما بَيّناه، بل المستفهم الصحابة، والمجيب النبي - ﷺ -، و"ما" زائدة، كأنه قال: له حاجةٌ مَا.
وقال ابن الجوزيّ: المعنى له حاجةٌ مهمة مفيدةٌ، جاءت به؛ لأن قد عَلِمَ بالسؤال أن له حاجةً.
وَرُوِيَ بكسر الراء، وفتح الموحدة، بلفظ الفعل الماضي وظاهره الدعاء، والمعنى التعجب من السائل، وقال النضر بن شُمَيل: يقال: أَرِبَ الرجلُ في الأمر: إذا بلغ فيه جهده، وقال الأصمعيّ: "أَرِبَ في الشيء: صار ماهرًا فيه، فهو أريب، وكأنه تعجب من حسن فطنته، والتهدي إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم هذه، بلفظ: فقال النبي - ﷺ -: "لقد وُفّق، أو لقد هُدِي".
وقال ابن قتيبة: قوله: "أَرِبَ" من الآراب، وهي الأعضاء، أي سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تَرِبَت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء، ولا يراد حقيقته.
وقيل لَمّا رأى الرجل يزاحمه، دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن طُهْرٌ له، كما ثبت في الصحيح.
ورُوِي بفتح أوله، وكسر الراء، والتنوين: أي هو أَرِبٌ، أي حاذقٌ، فَطِنٌ،
[ ١ / ٢٥٢ ]
قال الحافظ: ولم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني بأنها ليست محفوظة، وحكى القاضي عن رواية لأبي ذَرّ: "أَرَبَ" بفتح الجميع، وقال: لا وجه له، قال الحافظ: وقعت في "الأدب" من طريق الكشميهني وحده. انتهى (^١).
(قَالَ) الراوي (فَأَعَادَ) الأعرابي سؤاله (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "تَعْبُدُ اللهَ) أي توحّده، وهو بتقدير حرف مصدريّ، كما في قوله ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقولِ الشاعر [من الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
أو الفعل منزّل منزِلَة المصدر، كقوله: "تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تَرَاه"، أو الخبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله.
والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله: "لا تشرك به شيئًا" تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعنى الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعدها لبيان الإخلاص، وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله: "وتقيم الصلاة … إلخ" تخصيصٌ بعد التعميم.
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: "تعبد الله" أي توحّده، وفسّره بقوله: "لا تشرك به شيئًا"، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي ليوحّدوني.
والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها لإدخالها في الإسلام، وإنما لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة مطلق الطاعة، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها من باب عطف الخاصّ على العام؛ تنبيهًا على شرف هذه الأشياء، ومزيّتها.
وقوله: (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "تعبُد"، وإنما أتى به بعد ذكر العبادة؛ لأن عبادة الكفّار كانت مع عبادة الأوثان والأصنام، يزعمون أنها شركاء، فنفى ذلك.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣١١.
[ ١ / ٢٥٣ ]
(وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) أي تديم فعلها، وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: إقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتوفيةُ حقّه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مَدَح حيثما مَدَح إلا بلفظ الإقامة؛ تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] في غير موضع، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. انتهى كلام الراغب (^١).
والمراد بالصلاة المكتوبةُ؛ لما في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "وتقيم الصلاة المكتوبة".
(وَتُوْتِي الزَّكَاةَ) أي تُعطي الزكاة مستحقّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد بالزكاة المفروضةُ؛ لما في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: "وتؤدّي الزكاة المفروضة".
(وَتَصِلُ الرَّحِمَ) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ، ومعنى صِلَة الرحم: مشاركة ذوي القربي في الخيرات. قاله في "العمدة" (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "تَصِل الرحم": أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحسن إلى أقاربك، ذَوِي رَحِمِك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاقٍ، أو سَلام، أو زيارة، أو طاعة، أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خلال الخير؛ نظرًا إلى حال السائل، كأنه كان لا يصِلُ رحمه، فأمره به: لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحضّ عليها، بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها (^٣).
(دَعِ النَّاقَةَ) أي: اتركها، وإنما قال له ذلك لأنه كان ممسكًا بخطامها؛ ليتمكّن من سؤاله بلا مشقّة، فلما حصل له جواب سؤاله قال له: دعها.
_________________
(١) "مفردات القرآن" ص ٦٩٢ - ٦٩٣.
(٢) "عمدة القاري" ٨/ ٢٤٠.
(٣) "الفتح" ٣/ ٣١١.
[ ١ / ٢٥٤ ]
و"دَع" بفتح، فسكون أمر من وَدَعَه وَدْعًا: إذا تركه، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمّ حُذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق، قيل: إن العرب أماتت ماضي يَدَعُ، ومصدره، واسم الفاعل، والصحيح أن ماضيه مستعمل (^١)، فقد قرأ بعض التابعين "مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ" بتخفيف الدال، وصحّ قوله - ﷺ -: "لينتهيَنّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين"، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنّف هنا (٤/ ١١٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان - و(٤/ ١١٣٤) عن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، كلاهما عن بهز، عن شعبة، عن محمد (والصواب عمرو) ابن عثمان بن عبد الله بن موهب، وأبيه عثمان - و(٤/ ١١٤) عن يحيى بن يحيى، عن أبي الأحوص (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق - ثلاثتهم (عمرو بن عثمان، وأبوه، وأبو إسحاق) عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب - ﵁ -.
وأخرجه (البخاريّ) (٢/ ١٣٠) عن حفص بن عمر - و(٨/ ٥) عن أبي الوليد - كلاهما عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب به، و(٨/ ٦) عن عبد الرحمن بن بشر، عن بهز بن أسد، عن شعبة به.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤١٧) عن يحيى - و(٥/ ٤١٨) عن عبد الرحمن - كلاهما عن بهز بن أسد به، و(النسائيّ) (١/ ٢٣٤) وفي "الكبرى" (٣٢٠) عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، عن بهز به و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٢ و٩٣ و٩٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٣.
[ ١ / ٢٥٥ ]
المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان الإيمان الذي من تمسّك به دخل الجنة.
٢ - (ومنها): بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلّها.
٣ - (ومنها): بيان فرضيّة الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما.
بيان فضل صلة الرحم وأنها من جملة أسباب دخول الجنّة، وقطعها من الكبائر المانعة عن دخوله، فقد روى الشيخان من حديث جبير بن مطعم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة قاطع"، يعني قاطع رحم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الحرص والرغبة إلى الجنة، والبحث عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو اللائق بالعاقل، فلا ينبغي له أن يَشغل نفسه بغير ذلك من الزخارف الفانية، فدخول الجنة هو الفوز العظيم، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
٥ - (ومنها): بيان كمال خلق النبيّ - ﷺ -، فقد وقف لهذا الأعرابي، واستمع
قوله، وأثنى على سؤاله، فهو المجبول على الخلق العظيم، كما وصفه الله تعالى بذلك بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وهو الحريص على تعليم أمته، كما قال ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٦ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يشجّع الطالب الذي له تميّز في الذكاء، وحسن السؤال، فيظهر ذلك له على رؤوس الطلاب، ويقول: إن فلانًا نعم الطالب، حسن السؤال، حسن الإستماع، ليزداد بذلك نشاطه، وتتكامل رغبته في العلم، وليعلم زملاؤه فضله، ويقتدوا به؛ فإن النبيّ - ﷺ - لَمّا استحسن سؤال الأعرابيّ نظر في وجه أصحابه، تعجيبًا لهم، ولَمّا قالوا: "ما له ما له؟ "، كما في رواية البخاريّ؛ استغرابًا لسؤاله، أجابهم - ﷺ - بقوله: "أربٌ ما له"، فبّين أن له حاجةً ظريفة، ورغبة منيفة.
٧ - (ومنها): جواز الإفتاء على الدابّة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقال: "باب الْفُتيا، وهو واقفٌ على الدابّة وغيرها"، ثم أورد حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -: "أن رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه … " الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٣] (…) - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَب، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) أو (٢٣٦) (م د) ١/ ١٠٣).
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الحكم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) (خ م د ق) ٦/ ٩٨.
٣ - (بَهْز) بن أسد المذكور في الباب الماضي.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الناقد المشهور [٧] (١٦٠) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) هو: عمرو بن عثمان المذكور في السند الماضي وَهِمَ فيه شعبة، فسمّاه محَمدًا، فقد وَهَّمَهُ الأئمة في ذلك، ودونك أقوالهم:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول في الطريق الأول "عمرو بن عثمان"، وفي الثاني "محمد بن عثمان"، واتّفقوا على أن الثاني وَهَمٌ وغَلطٌ من شعبة، وأن صوابه "عمرو بن عثمان"، كما في الطريق الأول، قال الكلاباذيّ، وجماعات لا يُحْصون، من أهل هذا الشان: هذا وَهَمٌ من شعبة، فإنه كان يُسَمّيه محمدًا، وإنما هو "عمرو"، وكذا وقع على الوهم من رواية شعبة في "كتاب الزكاة" من "صحيح البخاريّ". انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٧٢.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب الزكاة" بعد إيراده طريق شبعة: ما نصّه:
قال أبو عبد الله: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو. انتهى.
فقال في "الفتح": قوله: "أبو عبد الله" هو المصنف، وقوله: "أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو"، وجزم في "التاريخ" بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في "العلل"، وآخرون: المحفوظ "عمرو بن عثمان"، وقال النووي: اتفقوا على أنه وَهَمٌ من شعبة، وأن الصواب عمرو. انتهى (^١).
وقال في "التقريب": محمد بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهب التيميّ مولاهم، ثقة من السادسة، ويقال: الصواب: عمرو، وقيل: هو أخوه. انتهى.
وقال في "تهذيب التهذيب": هو مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب أن رجلًا … ثم ذكر هذ الحديث، رواه شعبة عنه، وعن أبيه عثمان جميعًا عن موسى، قال البخاريّ: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطّان، وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان، عن موسى، وذكر أبو يحيى أنّ محمدًا هذا أخٌ لعمرو، فالله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا اتفق معظمهم على توهيم شعبة في هذا الاسم، وهو غريب، فإن شعبة إمام مجمع على جلالته، وإتقانه، فلماذا لا يكون محمد أخًا لعمرو؟ كما هو ظاهر عبارة "التقريب"، ونقل في "التهذيب" القول بأنه أخوه، فالمحلّ محلّ توقّف، والله تعالى أعلم بالصواب.
٦ - (وَأَبُوهُ عُثْمَانُ) بن عبد الله بن مَوْهَب - بفتح الميم والهاء، وإسكان الواو بينهما - التيميّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو المدنّي الأعرج، مولى آل طلحة، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر بن سَمُرة، وجعفر بن
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أبي ثور، وعبد الله بن أبي قتادة، وموسى بن طلحة، والشعبيّ، وحمران بن أبان.
ورَوَى عنه ابنه عمرو، وشعبة، وشيبان، وقيس بن الربيع، وإسرائيل، والثوري، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجليّ: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٦٠)، وفيها أَرّخه ابن سعد، وخليفة بن خَيّاط، وابن قانع.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٣) و(٣٦٠) و(١١٩٦).
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بمثل هذا الحديث"، أي: حدّث محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر من طريق شعبة بمثل حديث محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه.
[تنبيه]: رواية شعبة أخرجها البخاريّ في "كتاب الأدب" من "صحيحه"، فقال:
(٥٥٢٤) حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، قال: أخبرني ابن عثمان، قال: سمعت موسى بن طلحة، عن أبي أيوب، قال: قيل: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة.
وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بَهْز بن أسد، حدثنا شعبة، وحدثنا ابن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة، عن أبي أيوب الأنصاريّ - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ما له ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أَرَبٌ مَا له"، فقال النبي - ﷺ -: "تعبدُ الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِمَ، ذَرْهَا"، قال: كأنه كان على راحلته.
وأخرجه النسائيّ، ولفظه:
(٤٦٤) أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي صَفْوَان الثَّقَفيّ، قال: حدثنا بَهْزُ بن أسد قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله، وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة، يحدث عن أبي أيوب:
[ ١ / ٢٥٩ ]
أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: "تعبدُ الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِمَ، ذَرْهَا، كأنه كان على راحلته". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٤] (…) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ.
(ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَل أَعْمَلُهُ، يُدْنِينِي مِنْ الْجَنَّة، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّار، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: "إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدّم ٢/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: محمد بن عبد الله بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدّم ١/ ١.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ الحافظ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وعاصم بن سليمان، وسماك بن حرب، وشَبِيب بن غَرْقَدة، وزياد بن عِلاقة، وآدم بن علي، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، ووكيع، وابن مهديّ، وأبو نعيم، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، والحسن بن الربيع الْبُورانيّ، وإسماعيل بن أبان الورَّاق، وغيرهم.
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال ابن مهديّ: أبو الأحوص أثبت من شريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة متقن. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك، أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما، وكذا قال أبو حاتم. وقال العجليّ: كان ثقةً، صاحب سنة واتّبَاع. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق، دون زائدة وزهير في الإتقان. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحًا فيه. وذكره ابن حبان في "الثقات". ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير.
وقال البخاريّ: حدثني عبد الله بن أبي الأسود، قال: مات سنة تسع وسبعين - يعني ومائة -.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٢) حديثًا.
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) هو: عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقة مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخَرَة [٣] (ت ١٢٩) (ع) ٢/ ١١.
والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، قد تقدّمت هناك.
وقوله: (ذا رَحمك) يعني صَاحِبَ قرابتك، وعلى هذا، فتكون القرابة اسم جنس مضافًا إليه "ذو"، فإن حكمها أن تضاف إلى أسماء الأجناس، قال القرطبيّ: وهذا أولى من قول من قال: إن الرحم هنا اسم عين، وإنما هنا بمنزلة قولهم: "ذو نَوَاس"، و"ذو يَزَن"، و"ذو رُعين"؛ لأن هذه أسماء أعلام، لا أسماء أجناس، و"ذو" بمعنى "صاحب"، وهي من الأسماء الستّة التي اعتلَّت بحذف لامها في الإفراد، ترفع بالواو، وتنصب وتُجرّ بالياء. انتهى (^١).
وقال المازريّ: قوله: "ذا رحمِك" ينبغي أن يُتأمّل هذا مع قول النحاة: إن لفظة "ذا" إنما تُضاف إلى الأجناس، فلعلّ الإضافة ها هنا مقدّر انفصالها، والإضافة بمعنى تقدير الإنفصال موجودة. انتهى.
وقال القاضي عياض: "ذا"، و"ذي"، و"ذو" عند أهل العربيّة إنما تُضاف إلى الأجناس، ولا تضاف عندهم لغيرها من الصفات، والمضمرات،
_________________
(١) "المفهم" بتصرّف ١/ ١٦٧.
[ ١ / ٢٦١ ]
والأفعال، والأسماء المفردات؛ لأنها في نفسها لا تنفكّ عن إضافة، وقد جاءت مفردةً ومضافةً إلى مفرد، وإلى فعل، ومجموعةً ومثنّاةً، وكلّه عندهم شاذٌ، كقولهم: ذو يَزَن، وذو نُوَاس، وقالوا فيهم الذَّوَين، والأَذْوَاء، وقالوا: افعَلْ بذي تَسْلَم.
وتقدير هذا عندهم على الإنفصال، كما قال: أي الذي له كذا، أو الذي تسلم، كذلك قوله: "ذا رَحِمِكَ"، أي الذي له رَحِمٌ معك يشاركك فيها، ونحوه، ومعنى "ذو" صاحب، قيل: وأصله ذُوُو؛ لأنهم قالوا في تثنيته ذوا مال. انتهى كلام القاضي (^١).
قال الجامح عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ما تكلّف به المازريّ وعياض في قوله: "ذا رَحِمِك"؛ لأن المراد بالرحم القرابة، وهي اسم جنس، فيصحّ إضافة "ذي" إليها بدون تأويل، كما سبق في كلام القرطبيّ، وليس هو من جنس "ذي يَزَنَ"، و"ذي نُوَاس"، و"ذي تسلم"، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله - ﷺ -: "إن تَمَسّك بما أُمر به دخل الجنة"، قال النوويّ: كذا هو في معظم الأصول المحققة، وكذا ضبطناه "أمِرَ" - بضم الهمزة، وكسر الميم - و"بِهِ" - بباء موحدة مكسورة - مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وضبطه الحافظ أبو عامر العبدريّ: "أَمَرتُهُ" - بفتح الهمزة، وبالتاء المثنّاة من فوقُ التي هي ضمير المتكلم، وكلاهما صحيح، والله أعلم.
وأما ذكره - ﷺ - صِلَةَ الرحم في هذا الحديث، وذِكْرُ الأوعيةِ في حديث وفد عبد القيس، وغيرِ ذلك في غيرهما، فقال القاضي عياض وغيره ﵏: ذلك بحسب ما يَخُصُّ السائل، ويَعْنِيهِ (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: ترجم القرطبيّ رحمه الله تعالى، بقوله: "باب من اقتصر على فعل ما وجب عليه، وانتهى عمّا حُرّم عليه دخل الجنّة"، ثم أورد حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا، وحديث جابر - ﵁ - الآتي: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٢٦٢ ]
فقال: أرأيتَ إذا صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: "نعم"، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا.
ثم قال: هذه الترجمة يشهد بصحّتها الحديثان المذكوران تحتها، فأما حديث أبي أيوب فمن حيث إن النبيّ - ﷺ - دلّ السائل على فعل ما وجب، وقال: "إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة"، وأما حديث جابر - ﵁ - فمن حيث إن السائل إنما سأله عن دخول مَن فَعَلَ ما يجب عليه، وانتهى عما حُرِّم عليه الجنّة، فأجابه بـ "نعم"، ولم يذكر لهما في هذين الحديثين شيئًا من فعل التطوّعات، فدلّ على صحّة ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوّعات على الجملة.
لكن من تركها، ولم يَعمل شيئًا منها، فقد فوّت على نفسه ربحًا عظيمًا، وثوابًا جسيمًا، ومن داوم على ترك شيء من السنن، كان ذلك نقصًا في دينه، وقدحًا في عدالته، فإن كان تركه تهاونًا به، ورغبةً عنها، كان ذلك فسقًا، يستحقّ به ذمًّا.
وقال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواصلوا على ترك سنّة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا.
ولقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق بينهما لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، وخوف العقاب على الترك، ونفيه إن حصل تركٌ ما بوجه ما.
وإنما سكت النبيّ - ﷺ - لهؤلاء السائلين عن ذكر التطوّعات، ولم يذكرها لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عُبيد الله - ﵁ -؛ لأن هؤلاء - والله أعلم - كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وَجَبَ عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، أو لئلا يعتقدوا أن تلك السنن والتطوّعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم بالفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب تلك المندوبات، فتسهل عليهم.
ومن المعلوم أنّ هؤلاء ما سُوِّغ لهم ترك الوتر، ولا صلاة العيدين، ولا
[ ١ / ٢٦٣ ]
غيرهما، مما فعله النبيّ - ﷺ - في جماعة المسلمين، ولا يجترؤون على ترك ذلك؛ للذي يُعلم من حرصهم على الإقتداء بالنبيّ - ﷺ -، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيق حسنٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٥] (١٤) - (وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ - بفتح المهملة، ثم المعجمة - خُرَاسَاني الأصل، وكان أحد الحفاظ الرَّحّالين، نَزَلَ بغداد، ثقة ثبتٌ [١١].
رَوَى عن رَوْح بن عُبَادة، وأحمد بن إسحاق الحضرميّ، والحسن بن موسى الأشيب، ويونس بن محمد المؤدِّب، وعَفّان بن مسلم، وأسود بن عامر شاذان، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو عُمَر الدُّوريّ، وهو أكبر منه، وجعفر بن محمد الفريابي، وأبو بكر بن خزيمة، وعبدان الأهوازيّ، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو ثَبْتٌ صدوق. وقال
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٦٦ - ١٦٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش ثقة مأمون. وقال الدارقطني: ثقةٌ وفوق الثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين، مع صَلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتِّسَاع في الرواية، قال: وبلغني عن أبي مُزَاحِم الخاقاني قال: كان الصاغاني يُشْبِهُ يحيى بن معين في وقته. وقال مَسْلَمة في "الصِّلَة": كان ثقةً مأمونًا. وقال أبو حاتم الرازيّ: ثقة. وقال السُّلَميّ عن الدارقطنّي: هو وَجْهُ مشايخ بغداد.
قال ابن المنادي: مات يوم الخميس لسبع خَلَوْن من صفر سنة سبعين ومائتين، وفيه أَرَّخَه غير واحد.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم (٣٢) حديثًا (^١).
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت بعد سنة (٢١٩) (ع) ٤/ ٤٤.
٣ - (وُهَيْبٌ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر بأخَرَة قليلًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٨.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) ١/ ١٠.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غيره [٣] ١/ ١٠.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - ١/ ٣. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) أي بدويًّا منسوبًا إلى الأعراب بالفتح، وهم: سُكّان البادية (^٢) (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، دُلَّنِي) بضمّ الدال، وتشديد اللام أمر من الدلالة، وهي الإرشاد (عَلَى عَمَلٍ) صفته أنه (إِذَا
_________________
(١) في "برنامج الحديث" أن مسلمًا روى عنه (٣٦) حديثًا، والظاهر أن الإختلاف من أجل التكرار.
(٢) قد سبق الكلام في اسم هذا الأعرابي في حديث أبي أَيوب الماضي، فلا تغفل.
[ ١ / ٢٦٥ ]
عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) أي دخولًا أوليًّا، غير مسبوق بنوع من العذاب (قَالَ) - ﷺ - (تَعْبُدُ اللهَ) خير بمعنى الأمر، أو هو في تأويل المصدر بتقدير "أَنْ"، وحذفها مع رفع الفعل جائز في سعة الكلام على الراجح، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وجوّز بعضهم نصبه، وهو شاذّ، كما قال في "الخلاصة".
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ " وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
ويحتمل أن يكون منزّلًا منْزِلة المصدر بذكر الفعل، وإرادة الحدث، كما في قوله: "تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه"، وهو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو، يعني أن العمل الذي إذا عملته دخلت الجنّة هو عبادة الله إلخ.
ثم قيل: المراد بالعبادة التوحيد، لعطف الصلاة، وما بعدها عليه، والأصل في العطف المغايرة، وذكر العبادة شامل للإقرار بالرسالة، لأنها لا تُعتبر بدونه، فذكرها مغنٍ عن ذكره، ويحتمل أن يكون السائل مؤمنًا، فذكرها له لشرفها، وكونها أصلًا، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة جميع أنواع الطاعات، فيكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاصّ على العامّ.
(لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونك غير مشرك به، قيل: وهو يؤيّد أن المراد بالعبادة التوحيد، وهذه الجملة تفيد التأكيد، وقيل: إنما ذكره ردًّا على الكفّار حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وبيانًا أن العبادة لا تكمل إلا إذا سَلِمت من أنواع الشرك، كبيرها وصغيرها، كالرياء والسمعة، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
[تنبيه]: قال القاري في "المرقاة": قال العارفون: التعبّد إما لنيل الثواب، أو التخلّص من العقاب، وتُسمّى عبادة، وهي أنزل الدرجات؛ لأن معبوده ذلك المطلوب، بل نقل الفخر الرازيّ إجماع المتكلّمين على عدم صحّة عبادته، أو للتشرّف بخدمته تعالى، والإنتساب إليه، وتسمّى عُبُودِيّةً، وهي أرفع من الأولى، ولكنها ليست خالصة له، أو لوجهه تعالى وحده، من غير ملاحظة شيء آخر، وتُسمّى عبودة، وهي أعلى المقامات، وأرفع الحالات. انتهى (^١).
_________________
(١) "المرقاة" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٢٦٦ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقسيم الذي ذكره القاري تقسيم ضيزى؛ لكونه مخالفًا لنصوص الكتاب والسنّة، ومناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الآيات القرآنية، والأخبار الصحيحة النبويّة مشحونة بأن العبادة للفوز بالجنة والنجاة من النار طريقة الأنبياء والمرسلين، وخير الهدى هداهم، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، "وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -"، وقد قال الله ﷿ بعد ذكر أنبيائه: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولوطًا، ونوحًا، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإسحاق، وذا الكفل، وذا النون، وزكريّا، ويحيى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فهؤلاء أفضل الخلق أجمعين كانوا يدعون الله ﷾ رغبة ورهبة، فأيُّ رتبة أعلى من رتبتهم؟ وقال ﷿ عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٥]، وقال تعالى عن عباده مثنيًا عليهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]، وقد كان رسول الله - ﷺ - وهو سيد الخلق أجمعين كثير السؤال للجنة، والتعوذ من النار، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة لا حصر لها.
وبالجملة فالعمل المجرّد من الخوف والرجاء هو الذي أدخل الزندقة في كثير من المتصوّفة، الذين يزعمون تجرّدهم عن الإلتفات إلى الجنة والنار، وإنما يعبدون الله تعالى لمحبّتهم له، فصاروا يحتقرون عذاب الله وناره، ويتهاونون بالجنة ونعيمها.
ولهذا قال بعض العلماء: من عبد الله بالحبّ وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده، فهو حروريّ (^١)، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئيّ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحّد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى ردًّا على هؤلاء: إن الواحد
_________________
(١) أي من الخوارج الذين يكفّرون بالذنوب.
[ ١ / ٢٦٧ ]
من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيّامًا، أو أُلقي في بعض عذابها طار عقله، وخرج من قلبه كلّ محبّة، ولهذا قال سمنون:
وَلَيْسَ لِي فِيمَا سِوَاكَ حَظٌّ … فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي
فابتُلِي بعُسر البول، فصار يطوف على المكاتب، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّاب، وأبو سليمان لَمّا قال: قد أَعطيتُ من الرضا نصيبًا، لو ألقاني في النار لكنت راضيًا، ذُكر أنه ابتُلي بمرض، فقال: إن لم تعافني، وإلا كفرت، أو نحو هذا، وفُضيل بن عياض ابتُلي بعسر البول، فقال: بحبي لك إلا فرّجت عنّي، فبذل حبّه في عسر البول، فلا طاقة لمخلوق بعذاب الخالق ولا غنى به عن رحمته، وقد قال النبيّ - ﷺ - لرجل: "ما تدعو في صلاتك؟ "، قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال: "حولها ندندن"، فقد أخبر - ﷺ - أنه ومعاذ بن جبل - ﵁ -، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبيّ - ﷺ - إنما يُدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله - ﷺ -، ومعاذ، ومن يصلّي خلفهما من المهاجرين والأنصار. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن طلب الجنّة، والاستعاذة من النار طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وجميع أولياء الله السابقين المقرّبين، وأصحاب اليمين، فمن حاد عن طريقهم فقد ضلّ ضلالًا مبينًا.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين آمين آمين.
(وَتُقِيمُ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَةَ) أي المفروضة على الأعيان بشرائطها وأركانها المعلومة، قيدها احترازًا عن التطوّعات (وَتُؤَدِّي) أي تعطي (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) المغايرة بين الوصفين للتفنّن، وهي للتأكيد، أو لئلا يُتوهّم المعنى اللغويّ، وهو مطلق الصدقة، والمعنى أداء مقدارها المعيّنة، لمصارفها المقرّرة.
_________________
(١) "النبوات" ص ٦٨ - ٦٩٠ و"الاستقامة" ٢/ ١١٠.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقال في "الفتح": قيل: الفرق بين القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبّر في الزكاة بـ "المفروضة" للاحتراز عن صدقة التطوّع، فإنها زكاة لغوّية، وقيل: احترز من الزكاة المعجّلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة (^١).
(وَتَصُومُ رَمَضَانَ) إنما لم يقيده لأنه لا يكون إلا فرضًا (قَالَ) الأعرابيّ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه جواز الحلف للتأكيد بغير استحلاف، أو ضرورة ملجئة.
[فإن قلت]: كيف أقرّه النبيّ - ﷺ - على حلفه، وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا، والنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤].
[أجيب]: بأن المنع والنكير إنما كان عن عناد؛ إذ لا شكّ أن ترك النوافل جائزٌ، والحلف على المباح غير محرّم، ولهذا الكلام محمل آخر، وهو أن يكون السائل رسولًا، فحلف أن لا يزيد في الإبلاغ على ما سمع، ولا ينقص منه، وقيل: يحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول، أي: قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. ذكره الطيبيّ (^٢).
(لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) أي الذي ذَكَره (شَيْئًا) أي من عندي (أَبَدًا، ولَا أَنْقُصُ مِنْهُ) أي مما ذُكر، وقيل: المعنى لا أزيد على هذا السؤال، ولا أنقص في العمل مما سمعته، أو كان الرجل وافد قوم، فأراد أنه لا يزيد في التبليغ على ما سَمِعَ، ولا ينقُص منه شيئًا (فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر الأعرابيّ وذهب عن المجلس (قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (سَرَّهُ) أي أعجبه (أَنْ يَنْظُرَ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤَوّل فاعل "أعجب" (إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَلْيَنْظُرْ) جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، ودخلت الفاء؛ لكون المبتدأ بمعنى الشرط (إِلَى هَذَا) الأعرابيّ، والظاهر منه أن النبي - ﷺ - عَلِمَ بالوحي أنه سيُوَفِّي بما التَزَم، وأنه يدوم على ذلك، ويدخل الجنة.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣١٢ كتاب الزكاة.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥٦.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ويحتمل أن يكون في الكلام حذفٌ، تقديره: إن دام على فعل الذي أُمر به، ويؤيّد هذا قوله في حديث أبي أيوب - ﵁ - الذي قبله: "إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث، وكذا في حديث طلحة في قصّة الأعرابيّ وغيرهما دلالة على جواز ترك التطوّعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصًا في دينه، فإن تركها تهاونًا بها ورغبةً عنها كان ذلك فسقًا، يعني لورود الوعيد عليه، حيث قال - ﷺ -: "من رغِبَ عن سنّتي فليس منّي"، وقد كان صدر الصحابة - ﵃ - ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة؛ لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه، ولعلّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، فيملّوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهُلت عليهم. ذكره في "الفتح"، وقد تقدّم بنحوه (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنّف هنا (٤/ ١١٥) عن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان بن مسلم، عن وُهيب بن خالد، عن يحيى بن سعيد بن حيّان أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عنه.
و(البخاريّ) (٢/ ١٣٠) عن محمد بن عبد الرحيم عن عفّان به، وفي (٢/ ١٣١) عن مسدّد، عن يحيى القطّان، عن أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، و(أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٤٢ عن عفان به و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٣١٢ كتاب الزكاة.
[ ١ / ٢٧٠ ]
(المسألة الثالثة):
(اعلم): أنه لم يأتي ذكر الحجّ في هذا الحديث، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غيره من نحو هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكر في بعضها الزكاة، وذُكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونُقصانًا، وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عياض وغيره عنها بجواب لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وهَذّبه فقال: ليس هذا باختلاف من رسول الله - ﷺ -، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصّر واختصر على ما حفظه فأدّاه، ولم يتعرّض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وقد وقع التفاوت عن واحد، ألا ترى إلى حديث النعمان بن قوقل - ﵁ - اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن رواي الجميع واحد، وهو جابر بن عبد الله - ﵄ - في قضيّة واحدة، ثم ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في "الصحيح"؛ لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة من أنها مقبولة أيضًا (^١).
وقال البيضاويّ: وينبغي لك أن تعلم أن الحديث الواحد إذا رواه راويان، واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيّرة لإعراب الباقي قُبلت، وحُمل ذلك على نسيان الآخر؛ لذهوله، أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الإستشهاد، وإن كانت مغيّرة تعارضت الروايات، وتعيّن طلب الترجيح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي إلخ"، هذا قول من الأقوال التي ذُكرت في قبول زيادة الثقة، لكن القول الراجح أنه لا اعتبار بتغيير الإعراب وعدمه، وإنما العبرة في زيادة الثقة بالمخالفة وعدمها، فإذا كانت مخالفةً لرواية الجماعة، بأن كان يلزم من قبولها ردّ روايتهم، فلا تقبل، وإلا قُبلت، وإلى تلك الأقوال مع الترجيح أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦.
[ ١ / ٢٧١ ]
وَفِي زِياداتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمّ … مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ
ثَالِثُهَا تُقْبَلُ لَا مِمَّنْ خَزَلْ … وَقِيلَ إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ
بَعْضًا أَوِ النّسْيَانَ يَدَّعِيهِ … تَقْبَلْ وَإِلَّا يُتَوَقَّفْ فِيه
وَقِيلَ إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدّ … وَقِيلَ فِيمَا إِنْ رَوَى كُلًّا عَدَدْ
إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لَا يَغْفُلُ … عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لَا تُقْبَلُ
وَقِيلَ لَا إِذْ لَا تُفِيدُ حُكْمَا … وَقِيلَ خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَا
وَابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ وَهْوَ الْمُعْتَمَدْ … إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلثِّقَاتِ فَهْيَ رَدّ
أَوْ لَا فَخْذُ تِلْكَ بِإِجْمَاعٍ وَضحْ … أَوْ خَالَفَ الإِطْلَاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوائلَ الكتاب قال:
[١١٦] (١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "نَعَمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل حديث.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْداني الكوفي، ثقة حافظٌ [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وحفص بن غِيَاث، وأبي بكر بن عَيّاش، وهُشيم، ومعتمر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويونس بن بكير، وابن المبارك، وأبي معاوية الضرير، ووكيع، ومحمد بن بشر العبدي، ومروان بن معاوية، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وغيرهم.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ، عن زكريا بن يحيى السِّجْزِيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، والذُّهليّ، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
قال حجاج بن الشاعر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حَدَّثت عن أحد ممن أجاب في المحنة لحدثت عن أبي مَعْمَر، وأبي كريب. وقال الحسن بن سفيان: سمعت ابن نُمير يقول: ما بالعراق أكثر حديثًا من أبي كريب، ولا أَعْرَفَ بحديث بَلَدِنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وقال أبو علي النيسابوريّ: سمعت أبا العباس بن عُقْدة يقدمه في الحفظ والمعرفة على جميع مشايخهم، ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث. وقال موسى بن إسحاق الأنصاري: سمعت من أبي كريب مائة ألف حديث. وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال مرّةً: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو عمرو الْخَفّاف: ما رأيت من المشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمحمد بن يحيى: لم أر بعد أحمد بن حنبل بالعراق أحفظ من أبي كريب. وقال صالح جَزَرَة: غَلَبَت اليبوسة مرّة على رأس أبي كريب، فغَلَّف الطبيبُ رأسه بالفالوذج، فأخذه من رأسه، فوضعه في فيه، وقال: بطني أحوج إلى هذا. وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة.
قال البخاري وغير واحد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد بعضهم: وهو ابن سبع وثمانين سنة، وقيل: مات سنة سبع، وهو وَهَمٌ.
روى عنه الجماعة، وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا، ومسلم خمسمائة وستة وخمسين حديثًا (^١).
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم - بمعجمتين - التميمي السَّعْديّ مولاهم، الضَّرِير الكوفيُّ، يقال: عَمِيَ، وهو ابن ثمان سنين، أو أربع، ثقة،
_________________
(١) الذي في برنامج الحديث أن له في "صحيح البخاريّ" (٥٤) حديثًا، وفي "صحيح مسلم" (٤٨٨) حديثًا، فليُحرّر.
[ ١ / ٢٧٣ ]
أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩].
رَوَى عن عاصم الأحول، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعد ويحيى ابني سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وداود بن أبي هند، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم، وابن جريج، وهو أكبر منه، ويحيى القطان، وهو من أقرانه، ويحيى بن حسان التنيسيّ، وأَسَدُ بن موسى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو بكر وعثمان بنا أبي شيبة، وسعيد بن منصور وأبو كريب، وغيرهم.
قال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد ويحيى عن أبي معاوية وجرير؟ قالا: أبو معاوية أحبّ إلينا، يعنيان في الأعمش. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: أبو معاوية أثبت في الأعمش من جرير. وروى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير. وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين، من أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: أبو معاوية بعد شعبة وسفيان. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أبو معاوية أحب إليك في الأعمش أو وكيع؟ فقال: أبو معاوية أعلم به. وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: أيُّهما أحبُّ إليك في الأعمش، عيسى بن يونس، أو حفص بن غياث، أو أبو معاوية؟ قال: أبو معاوية، وقال أيضًا عن ابن معين: قال لنا وكيع: من تلزمون؟ قلنا: نلزم أبا معاوية، قال: أما أنه كان يَعُدُّ علينا في حياة الأعمش ألفًا وسبعمائة. وقال الدُّوريُّ: قلت لابن معين: كان أبو معاوية أحسنهم حديثًا عن الأعمش؟ قال: كانت الأحاديث الكبار العالية عنده. وقال ابن المدينّي: كتبنا عن أبي معاوية ألفًا وخمسمائة حديث، وكان عند الأعمش ما لم يكن عند أبي معاوية أربع مائة ونيف وخمسون حديثًا. وقال شبابة بن سَوّار: كنا عند شعبة، فجاء أبو معاوية، فقال شعبة: هذا صاحب الأعمش فاعرفوه. وقال إبراهيم الحربي: قال وكيع: ما أدركنا أحدًا كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي معاوية. وقال الحسين بن إدريس: قلت لابن عمار: عليّ بن مسهر أكبر أم أبو معاوية في الأعمش؟ قال: أبو معاوية، قال ابن
[ ١ / ٢٧٤ ]
عمار: سمعته يقول: كُلُّ حديث قلتُ فيه: حدثنا فهو ما حفظته من فِي المحدث، وكل حديث قلتُ: وذكر فلان، فهو مما قرئ من كتاب. وقال العجليّ: كوفي ثقة، وكان يَرَى الإرجاء، وكان لَيِّنَ القول فيه. وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات، وربما دَلَّس، وكان يرى الإرجاء. وقال الآجريّ عن أبي داود: كان مرجئًا، وقال مرةً: كان رئيس المرجئة بالكوفة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، يُدَلِّس، وكان مرجئًا. وقال النسائيّ: ثقة في الأعمش. وقال أبو زرعة: كان يرى الإرجاء، قيل له: كان يدعو إليه؟ قال: نعم. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أثبتُ الناس في الأعمش سفيان، ثم أبو معاوية، ومعتمر بن سليمان أحب إليّ من أبي معاوية - يعني في غير حديث الأعمش. وقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبيّ - ﷺ -، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظًا متقنًا، ولكنه كان مُرْجِئًا خبيثًا.
قال أحمد بن حنبل وغير واحد: وُلِدَ سنة (١١٣)، وقال ابن نُمَير: مات سنة (١٩٤)، وقال ابن المديني وآخرون: مات سنة خمس وتسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٥٩) حديثًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو (١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٠٢.
٥ - (أَبُو سُفْيَان) في سينه ثلاث لغات: الضمّ، والكسر، والفتح، وهو: طلحة بن نافع القرشيّ مولاهم الواسطيّ، ويقال: المكيّ الإسكاف، صدوق [٤].
رَوَى عن جابر بن عبد الله، وأبي أيوب الأنصاريّ، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعبيد بن عُمَير، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، وهو راويته، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، والمثنى بن سعيد، وحصين بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وأبو بشر الوليد بن مسلم العنبري، وشعبة حديثًا واحدًا، وغيرهم.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: رَوَى عنه الناس، قيل له: أبو الزبير أحب إليك، أو هو؟ قال: أبو الزبير أشهر، فعاوَدَه بعضُ من حَضَرَ، فقال: الثقة شعبة وسفيان. وقال أبو حاتم: أبو الزبير أحب إليَّ منه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء. وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة. وعند البخاري: وقال مسدد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. وقال النسائئ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ورَوَى له البخاريّ مقرونًا بغيره. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قال أبي: لم يسمع من أبي أيوب. وفي "العلل الكبير" لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وقال فيها: أبو سفيان يُكتَبُ حديثه، وليس بالقوي. وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث.
وقال الحافظ في "التهذيب": لم يُخرِج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها التي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في الأشربة، قرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث اهتز العرش كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قرنه بسالم بن أبي الجعد، وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا.
٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثَعْلَبة الخزرجيّ السَّلَميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وأبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي بردة بن نِيَار، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أنيس، وأبي حميد الساعديّ، وغيرهم.
وروى عنه أولاده: عبد الرحمن، وعَقيل، ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وأبو نضرة العبديّ،
[ ١ / ٢٧٦ ]
ووهب بن كيسان، وسعيد بن مِيناء، ومجاهد، والحسن البصريّ، وقتادة، والشعبيّ، وخلق كثير.
وروى البخاريّ في "تاريخه" بإسناد صحيح، عن أبي سفيان، عن جابر: كنت أُمِيح أصحابي الماءَ يوم بدر، وأنكر ذلك الواقديّ. وقال زكريا بن إسحاق: حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدرًا، ولا أحدًا، منعني أبي، قال: فلما قُتِل عبد الله لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة قط، رواه مسلم. وقال حماد بن سلمة عن أبي الزبير، عن جابر: استغفر لي النبي - ﷺ - ليلة البعير خمسًا وعشرين مرةً. وقال وكيع، عن هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حَلْقَةً في المسجد، يؤخذ عنه العلم.
قال ابن سعد، والهيثم: مات سنة (٧٣)، وقال محمد بن يحيى بن حَبّان: مات سنة (٧٧)، وكذا قال أبو نعيم، قال: ويقال: مات وهو ابن (٩٤) سنةً، وصَلَّى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة (^١). وقال عمرو بن علي، ويحيى بن بكير، وغيرهما: مات سنة (٧٨)، وقيل: غير ذلك، وقال البخاريّ: صَلّى عليه الحجاج.
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٥٤٠) حديثًا، اتّفق الشيخان على (٥٨) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٢٦)، ومسلم بـ (١٢٦) حديثًا (^٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بغير واسطة، وهم المجموعون في قولي:
_________________
(١) قال البَغَوِيُّ: هذا وَهَمٌ، بل آخرهم سهل بن سعد - ﵁ -. "الإصابة" ١/ ٥٤٧.
(٢) هكذا قال ابن الجوزيّ في كتابه "المنتقى"، والذي في برنامج الحديث أن له في "صحيح مسلم" (٤١٤) حديثًا، فليُحرّر.
[ ١ / ٢٧٧ ]
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنْ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد رجاله كلهم كوفيّون، إلا جابرًا، فمدنيّ، وأبا سفيان فواسطيّ، ويقال: مكيّ.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، كما سبق في ترجمته.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان، وهو راويته.
٧ - (ومنها): أن فيه جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، كما أسلفنا عدد مرويّه آنفًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -) ببناء الفعل للفاعل، و"النبيّ" مفعول مقدّم، والفاعل قوله: (النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ) - بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنةٌ، وآخره لام - هو: النعمان بن قَوْقَل بنَ أصرم بن فِهْر بن ثَعْلبة بن غَنْم بن عَوْف.
ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق فيمن استُشْهِد بأُحُد، وكان شهد بدرًا، وقال ابن حبّان له صحبة.
وأخرج البغوي من طريق خالد بن مالك الجعدي قال: وجدت في كتاب أبي أن النعمان بن قوقل الأنصاري قال: أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعَرْجتي في خضر الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: "لقد رأيته يطأ فيها، وما به من عَرَج". وأخرج ابن قانع، وابن منده من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن الحسن بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل … فذكر نحوه. قال ابن منده: يُرْوَى هذا الحديث لعمرو بن الْجَمُوح. وأخرج مسلم من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن
[ ١ / ٢٧٨ ]
أبي سفيان، وأبي صالح، عن جابر نحو حديث قبله، مَتْنُهُ أتى النبي - ﷺ - النعمانُ بن قوقل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحَرَّمت الحرام، وأحللت الحلال، أدخل الجنة؟ قال: "نعم"، وتابعه أبو حمزة، عن الأعمش، أخرجه ابن منده، وأخرجه من وجه آخر، عن أبي حمزة، فقال: عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي سعيد، وأخرجه الطبراني في "مسند النعمان بن قوقل" من طريق جابر بن نوح، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، عن النعمان، أنه جاء رسولَ الله - ﷺ -، فذكر نحوه، وهو مرسل، ولعل أبا صالح أراد عن قصة النعمان، ولم يرد الرواية عنه، وإنما الرواية عنه، عن جابر، وقد رواه عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، عن النعمان، أخرجه ابن منده أيضًا، وقد رواه موسى بن داود، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النعمان جاء إلى النبي - ﷺ -، ورواه يزيد بن جعدبة، عن أبي الزبير، فقال: عن جابر: أخبرني النعمان، أخرجه ابن قانع، وابنُ منده من طريقه، وابن جعدبة، وله ذكر في حديث أبي هريرة عند البخاري، أخرجه من طريق عنبسة بن سعيد عنه، قال: أتيت النبي - ﷺ - بعد أن فتح خيبر، فقلت: يا رسول الله، أَسْهِمْ لي، فقال أبان بن سعيد بن العاص: لا تُعْطِه، فقلت: هذا قاتلُ ابنِ قوقل، ويقال: إن قوقلًا لقب، واسمه ثعلبة، أو مالك بن ثعلبة، وقد غاير أبو عمر بين النعمان بن قوقل، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وتعقبه ابن الأثير.
[تنبيه]: النعمان بن قوقل صحابيّ آخر، فرق أبو حاتم بينه وبين الذي قبله، وقال في هذا: إنه نزل الكوفة، ورَوَى عنه بلال بن يحيى، وأخرجه البخاري من طريق حبيب بن سليم، عن بلال، عن النعمان بن قوقل، قال: قلت: يا رسول الله، ما أتعلم من القرآن شيئًا إلا انفلت مني، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما من شيء أحبُّ إلي من الله ورسوله، قال: "يا ابن قوقل، المرء مع من أحب، وله ما احتسب"، وأخرج الطبراني في ترجمة الذي قبله من طريق منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جاء النعمان بن قوقل يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب، فأمره أن يصلي ركعتين، يتجوَّز فيهما.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وأخرجه ابن شاهين من طريق هدبة بن المنهال، عن الأعمش كذلك، قال الحافظ: وعندي أنه بهذا أليق. انتهى (^١).
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ) أي اجتنبتُ الحرام، معتقدًا حرمته (وَأَحْلَلْتُ الْحَلَال) أي اعتقدتُ حلّه، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: أما تحريم الحرام فالظاهر أنه أراد به أمرين: أن يعتقده حرامًا، وأن لا يفعله، بخلاف تحليل الحلال، فإنه يكفي فيه مجرّد اعتقاده. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني اكتسبت الحلال، وامتنعتُ عن كسب الحرام، هذا عُرْفُ الحلال والحرام في الشرع، وأما في أصل الوضع فيصلح أن يُطلق الحلال على كلّ ما للإنسان أن يفعله شرعًا، ولا يمتنع منه، والحرام على ما مُنِع الإنسان من فعله مطلقًا. انتهى (^٣)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟) أي دخولًا أوّليًّا بغير تقدّم عذاب (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: نَعَمْ) أي تدخل الجنة كذلك.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (٤/ ١١٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عنه و(٤/ ١١٧) عن حجاج بن الشاعر، والقاسم بن زكريا، كلاهما عن عبيد الله بن
_________________
(١) "الإصابة" ٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) "صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط" ص ١٤٤.
(٣) "المفهم" ١/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ١ / ٢٨٠ ]
موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، كلاهما عنه، و(٤/ ١١٨) عن سلمة بن شبيب، عن الحسن بن أعين، عن معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عنه.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٦) وعن أبي معاوية - وابن نمير - كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي سفيان به و(أبو عوانة) في "مسنده" (٥ و٦) و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦ و٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
وقع في هذا الإسناد عنعنة الأعمش، وهو مدلّس، والمدلّس إذا عنعن لا تُقبل روايته، إلا أن يثبت سماعه من جهة أخرى.
وأجاب النوويّ رحمه الله تعالى بأن ما كان في "الصحيحين" عن المدلّسي بـ "عن" محمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى.
وأحسن من هذا ما قاله الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان": ودونك نصّه: وهو يدلّس، وربّما دلّس عن ضعيف، ولا يُدْرَى به، فمتى قال: حدّثنا، فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرّق إليه التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا الصنّف محمولة على الاتّصال. انتهى (^١).
فروايته هنا من هذا القبيل، فقد رواه عن أبي صالح في السند الآتي، فيكون مما سمعه منه، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
قد كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده تكميلًا للفائدة، وتتميمًا للعائدة، قال رحمه الله تعالى في شرح قوله: "وحرّمت الحرام، وأحللت الحلال … إلخ": ما نصّه:
وقد فسّر بعضهم تحليلَ الحلال باعتقاد حِلِّه، وتحريم الحرام باعتقاد
_________________
(١) "ميزان الاعتدال" ٢/ ٢٢٢٤.
[ ١ / ٢٨١ ]
حرمته مع اجتنابه، ويحتمل أن يُراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال ههنا عبارةً عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح، ويكون المعنى أنه يَفْعَلُ ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات.
وقد رُوي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود وابن عباس - ﵃ - في قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٢١]، قالوا: يُحِلُّون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضعه (^١).
والمراد بالتحريم والتحليل: فعلُ الحلال، واجتناب الحرام، كما ذكر في هذا الحديث، وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يُغَيِّرُون تحريم الشُّهُور الْحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيُحَرِّمونه بذلك.
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]، وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زُهْدًا في الدنيا وتَقَشُّفًا، وبعضهم حَرَّمَ ذلك على نفسه، إما بيمين حَلَف بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم، فسمى الجميع تحريمًا، حيث قصد الإمتناع منه إضرارًا بالنفس، وكفًّا لها عن شهواتها، ويقال في الأمثال: فلانٌ لا يُحَلِّلُ ولا يُحَرِّم، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقف عند ما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجعلون مَن فَعَلَ الحرام، ولا يتحاشى منه مُحَلِّلًا، وإن كان لا يعتقد حله.
_________________
(١) رواه الطبريّ في "تفسيره" عن ابن عباس، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" بإسناد صحيح، عن ابن مسعود - ﵁ -.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وبكل حال فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، دخل الجنة، وقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بهذا المعنى، أو ما هو قريب منه، كما خرج النسائيّ وابن حبان والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء"، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وخَرَّج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبي - ﷺ - قال: "ما من عبد عَبَدَ الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة، - أو - دخل الجنة" (^١).
وفي "المسند" عن ابن عباس - ﵄ - أن ضمام بن ثعلبة، وَفَدَ على النبي - ﷺ -، فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج وشرائع الإسلام كلها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن صدق دخل الجنة"، وخَرّجه الطبراني من وجه آخر، وفي حديثه قال: والخامسةُ لا أَرَبَ لي فيها - يعني الفواحش - ثم قال: لأعملنّ بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله - ﷺ -: "لئن صدق ليدخلن الجنة".
وفي "صحيح البخاري" عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتَصِلُ الرحم"، وخَرّجه مسلم إلا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، وعنده في رواية: فلما أدبر قال رسول الله - ﷺ -: "إن تَمَسَّكَ بما أُمر به دخل الجنة".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة - ﵁ - أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، قال:
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٥/ ٤١٣ والنسائي ٧/ ٨٨.
[ ١ / ٢٨٣ ]
والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه، فلما ولَّى قال النبي - ﷺ -: "مَن سَرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".
وفي "الصحيحين" عن طلحة بن عبيد الله - ﵁ - أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلا أن تَطّوّع شيئًا"، فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: "شهر رمضان، إلا أن تطّوّع شيئًا"، فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحقّ لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "أفلح إن صدق - أو - دخل الجنة إن صدق"، ولفظه للبخاريّ.
وفي "صحيح مسلم" عن أنس - ﵁ - أن أعرابيًّا سأل النبي - ﷺ -، وزاد فيه: "حج البيت من استطاع إليه سبيلًا"، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ، ولا أنقص منهنّ، فقال النبي - ﷺ -: "لئن صدق ليدخلن الجنة".
ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت شيئًا من التطوع، ليس مراده أنه لا يَعْمَل بشيء من شرائع الإسلام غير ذلك.
وهذه الأحاديث لم يُذْكَر فيها اجتناب المحرمات؛ لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة.
وخَرّج الترمذي من حديث أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب في حجة الوداع يقول: "أيها الناس اتقوا الله، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم"، وقال: حسن صحيح، وخرّجه الإمام أحمد، وعنده: "اعبدوا ربكم" بدل قوله: "اتقوا الله"، وخَرَّجه بَقِيّ بن مَخْلَد في "مسنده" من وجه آخر، ولفظ حديثه: "صَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحُجُّوا بيتكم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، طَيِّبَةً بها أنفسكم، تدخلوا جنةَ ربكم".
وخَرَّج الإمام أحمد بإسناده عن ابن الْمُنْتَفِقِ قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟
[ ١ / ٢٨٤ ]
فقال: "لئن كنت أوجزتَ في المسألة، لقد أعظمتَ، وأطولتَ، فاعقل عني إذن، اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدِّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان، وما تحب أن يفعله الناس بك فافعله بهم، وما تكره أن يَأتي إليك الناس فَذَرِ الناسَ منه"، وفي رواية له أيضًا قال: "اتق الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، ولم تزد على ذلك" (^١)، وقيل: إن هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط.
فهذه الأعمال أسباب مقتضيةٌ لدخول الجنة، وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خَرّجه الإمام أحمد، من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، شَهِدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله - ﷺ -: "مَن مات على هذا كان مع النبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب إصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه" (^٢).
وقد وَرَدَ تَرَتُّب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال، كالصلاة، ففي الحديث المشهور: "مَن صلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة" (^٣)، وفي الحديث الصحيح: "من صلى البردين دخل الجنة" (^٤).
وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يُعمَل عليه إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، ويدل هذا على ما خَرَّجه الإمام أحمد، عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي - ﷺ - لأبايعه، فشرط عليَّ شهادةَ أن لا إله إلا الله،
_________________
(١) رواه أحمد والطبرانيّ، قال الهيثميّ في "المجمع" ١/ ٤٣: في إسناده عبد الله بن أبي عقيل اليشكريّ، ولم أرَ أحدًا روى عنه غير ابن المغيرة بن عبد الله، وقال في "تعجيل المنفعة" ص ٢٢٩: ليس بالمشهور.
(٢) قال الهيثميّ: رواه أحمد والطبرانيّ بإسنادين رجال أحد إسنادي الطبرانيّ رجال الصحيح، ورواه البزّار بنحوه، وصححه ابن حبان.
(٣) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وصححه ابن حبان.
(٤) متّفق عليه.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأُؤَدِّي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، فأما اثنتان فوالله ما أُطيقهما: الجهاد، والصدقة، فقبض رسول الله - ﷺ - يده، ثم حَرَّكها، فقال: "فلا جهاد، ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟ "، قلت: إذًا يا رسول الله أبايعك، فبايعته عليهنّ كلهنّ (^١).
ففي هذا الحديث أنه لا يَكْفِي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر، يمنع دخول الجنة، كقوله: "لا يدخل الجنة قاطع"، متّفقٌ عليه، وقوله: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، رواه مسلم، وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا"، رواه مسلم، والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقضَى، وفي "الصحيح": أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط، حُبِسُوا على قنطرة يُقْتَصُّ منهم مظالم بينهم، كانت في الدنيا.
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحْبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب، كان يعمله في الدنيا، فهذه كلها موانع.
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد، ففي "الصحيحين" عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"، قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق"، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رَغْمِ أنف أبي ذر"، فخَرَجَ أبو ذر يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذر.
وفيهما عن عبادة بن الصامت - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة،
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٢٤، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي المثنّى العبديّ، وقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، ورواه الطبرانيّ أيضًا في "الكبير" " (١٢٣٣) و"الأوسط" (١١٤٨)، قال الهيثميّ في "المجمع" ١/ ٤٢: ورجال أحمد موثّقون.
[ ١ / ٢٨٦ ]
أو أبي سعيد بالشك، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ، غير شاكّ فيهما، فتحجبَ عنه الجنة".
وفيه عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له يومًا: "من لَقِيتَ يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة"، وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا.
وفي "الصحيحين" أن النبي - ﷺ - قال يومًا لمعاذ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار"، وفيهما عن عتبان بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله قد حَرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله".
وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانعُ وهي إتيان الكبائر، قال الحسن للفرزدق: إن لِلا إله إلا الله شروطًا، فإياك وقذفَ المحصنة، ورُوي عنه أنه قال: هذا العمودُ فأين الطُّنُبُ؟ (^١)، يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات، قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأَدَّى حقها وفرضها دخل الجنة، وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلا لم يُفتَح لك.
ويُشبِه ما رُوي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله، هل يَضُرُّ معها عمل، كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: اعمل، ولا تَغْتَرَّ.
وقالت طائفة، منهم الضحاك، والزهريّ: كان هذا قبل الفرائض والحدود، فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نُسِخَت، ومنهم من قال: بل ضُمّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشروط، هل هي نسخٌ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كله نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
_________________
(١) "الطُنُبُ": حبل طويلٌ يُشدّ به سُرادق البيت.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقال الثوريّ: نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تَبَيَّن بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة، ومثلُ هذا البيان، وإزالة الإيهام، كان السلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخًا في الإصطلاح المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدةً، بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرار على معصية.
وجاء من مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ -: "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة"، قيل: وما إخلاصها؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حَرَّم الله، ورُوي ذلك مسندًا من وجوه أُخَر ضعيفة.
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا، فإنّ تَحَقُّق القلب بمعنى "لا إله إلا الله"، وصِدْقَه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يَرْسَخ فيه تَأَلُّه الله وحده إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبةً، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّهُ ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذل من القلب جميعُ أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئًا، أو أطاعه، وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا لله، فالله إلهه حقًّا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٣].
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، وقال قتادة: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُهُ عن ذلك وَرَعٌ، ولا تَقْوَى، ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "ما تحت ظل السماء إلهٌ يُعْبَد أعظم عندَ الله من هَوًى مُتَّبَعٍ" (^١).
_________________
(١) موضوعٌ، رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٧٥٠٢) وابن عديّ في "الكامل" ٢/ ٧١٥ وفي سنده الحسن بن دينار متروك، وشيخه الخصيب بن جحدر كذّبه شعبة، والقطان، وابن معين، والبخاريّ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله، فقد عَبَدَهُ، كما قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].
فتبيَّنَ بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: "لا إله إلا الله" إلا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]: قال: لا تحبوا غيري.
وفي "مستدرك الحاكم" عن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: "الشرك أخفى من دبيب الذَّرّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبَّ على شيء من الجور، وتُبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه، متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
وخَرَّج ابن أبي الدنيا من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: "لا تزال لا إله إلا الله، تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله، ردها الله عليهم، وقال الله: كذبتم" (^١).
_________________
(١) قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه البزّار من حديث أنس - ﵁ -، وإسناده حسن. راجع: "المجمع" ٧/ ٢٧٧. ورواه البزار (٣٦١٩) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيريّ، عن عبد الله بن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هريرة - ﵁ -، وعبد الله بن محمد بن عجلان قال العقيليّ: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحلّ كتب حديثه إلا على جهة التعجّب، روى عن أبيه نسخة موضوعة، وقال أبو حاتم: لا أعرفه، ولا أعرف حديثه، وسئل أبو زرعة عنه فقال: قد سمعت منه، ولم أكتب من حديثه شيئًا، قيل له: حدّث إبراهيم بن حمزة عنه، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هريرة، رفعه: "لا تزال لا إله إلا الله تدفع … "، فقال: ما أعظم ما جاء به، ينبغي أن يُلقى حديث هذا الشيخ، وأورد له العقيليّ هذا الحديث، وقال: لا يتابع عليه، وقد جاء عن الحسن قوله.
[ ١ / ٢٨٩ ]
فتبين بهذا المعنى قوله - ﷺ -: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه، حَرّمه الله على النار".
وأنّ من دخل النار من أهل هذه الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طَهَّرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صَدَق في قول: لا إله إلا الله لم يحب سواه، ولم يَرْجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقِي في القلب أثر لسوى الله، فمن قلة الصدق في قولها.
نارُ جهنم تُطفأ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور: "تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لَهَبِي" (^١).
وفي "مسند الإمام أحمد" عن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا يبقى بَرّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، حتى إنّ للنار ضجيجًا من بردهم" (^٢).
فهذا ميراثٌ ورثهُ المؤمنون من حال إبراهيم - ﵊ - فنار المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جهنم، قال الجنيد ﵀: قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني؟ قال: نعم، كنت أسلط عليك ناري الكبرى، قالت: وهل نار أعظم مني وأشدّ؟ قال: نعم نار محبتي، أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين (^٣)، وفي هذا يقول بعضهم:
فَفِي فُؤَادِ الْمُحِبِّ نَارُ الْهَوَى … أَحَرُّ نَارِ الْجَحِيمِ أَبْرَدُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "من كان آخر
_________________
(١) رواه أبو نُعيم في "الحلية" ٩/ ٣٢٩ والطبراني في "الكبير" ٢٢/ ٦٦٨، وفي سنده بشير بن طلحة ضعيف، وخالد بن دُريك لم يسمع من يعلى.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩ وصححه الحاكم ٤/ ٥٨٧ ووافقه الذهبيّ مع أن في سنده أبا سميّة الراوي عن جابر لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبيّ في "الميزان" ٤/ ٥٣٤: مجهول.
(٣) هكذا حكى ابن رجب هذه الحكاية عن الجنيد، ولم يذكر مستنده، ويحتمل أن تكون من الإسرائيليّات، فليُنظر. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٩٠ ]
كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة" (^١).
فإن المحتَضَر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص، وتوبة، ونَدَم على ما مضى، وعَزْم على أن لا يعود لمثله.
ورجح هذا القول الخطابي في مصنف له في التوحيد، وهو حسن. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (^٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيق أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوائلَ الكتاب قال:
[١١٧] (…) - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، يَا رَسُولَ اللهِ بِمِثْلِه، وَزَادَا فِيهِ: "وَلَمْ أزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) ٤/ ٤٠.
٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاء) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقة [١١].
رَوَى عن إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وحسين بن علي الجعفي، وخالد بن مَخْلَد، ووكيع، وعبيد الله بن موسى، وأبي داود الْحَفَري، ومعاوية بن عمرو، وغيرهم.
ورَوى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو حاتم، والحسين بن سفيان، والحسين بن إسحاق التُّسْتَريّ، والقاسم بن زكريا المطرز، والقاسم بن خَلَف الدُّوريّ، وغيرهم.
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٣٣ و٢٤٧ وأبو داود (٣١١٦) وصححه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٣٥١ ووافقه الذهبيّ، وله شاهد من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن حبان (٣٠٠٤).
(٢) راجع: "جامع العلوم والحكم" ١/ ٥١٣ - ٥٢٧.
[ ١ / ٢٩١ ]
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر صاحب "الزهرة" أن مسلمًا روى عنه ستة وعشرين حديثًا (^١)، وأنه مات، وله خمسة وتسعون سنةً، سنةَ خمس وثلاثين ومائتين، قال الحافظ في "التهذيب": وأظن "السبعين" بتقديم السين، وذكر غيره أنه مات في حدود الخمسين والمائتين.
روى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار، واسمه باذام الْعَبسيّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ الحافظ، ثقة، كان يتشيّع [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وأيمن بن نابل، ومعروف بن خَرُّبوذ، والأعمش، وهارون بن سليمان الفراء، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، ويونس بن أبي إسحاق، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن أبي سُرَيج الرازي، وأحمد بن إسحاق البخاري، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ،، ومحمد بن الحسين بن إشكاب، ومحمود بن غيلان، ويوسف بن موسى، وإبراهيم بن دينار البغدادي، والقاسم بن زكريا بن دينار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وغيرهم.
قال الميمونيّ: ذُكِر عند أحمد عبيد الله بن موسى، فرأيته كالمنكر له، وقال: كان صاحب تخليط، وحَدَّث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فضيل؟ قال: كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الرَّدِيَّة. وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين عنه؟ فقال: كُتِبَ عنه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، ثقةٌ، حسن الحديث، وأبو نعيم أتقن منه، وعبيدُ الله أثبتهم في إسرائيل، كان يأتيه، فيقرأ عليه القرآن. وقال العجليّ: ثقةٌ، وكان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه، وقال أيضًا: ما رأيته رافعًا رأسه، وما رُؤي ضاحكًا قط. وقال الآجري عن أبي داود: كان مُحْتَرِقًا شيعيًّا، جاز حديثه. وقال ابن عديّ: ثقة. وقال ابن سعد: قرأ على عيسى بن عُمَر، وعلى
_________________
(١) وكذا ذكر في برنامج الحديث أن له عند مسلم (٢٦) حديثًا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
علي بن صالح، وكان ثقةً صدوقًا إن شاء الله تعالى، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، وضُعِّفَ بذلك عند كثير من الناس، وكان صاحب قرآن. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يتشيع. وقال يعقوب بن سفيان: شيعيّ، وإن قال قائل: رافضي لم أُنكر عليه، وهو منكر الحديث. وقال الجوزجاني: وعبيد الله بن موسى أغلى وأسوأ مذهبًا، وأروى للعجائب. وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السّيّاريَّ، سمعت أبا مسلم البغدادي الحافظ يقول: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد؛ لتشيعه، وقد عُوتب عن روايته عن عبد الرزاق، فذَكَر أن عبد الرزاق رجع. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وكان يضطرب في حديث سفيان اضطرابًا قبيحًا، وقال ابن عديّ: قال البخاري: عنده "جامع سفيان"، ويُستَصغَر فيه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة ما أقربه من يحيى بن يمان، ويحيى بن يمان أرجو أن يكون صدوقًا، وليس حديثه بالقويّ. وقال ابن قانع: كوفي صالح يتشيع. وقال الساجيّ: صدوق، كان يُفْرِط في التشيع.
وقال أبو حاتم: سمعت منه سنة (٢١٣)، وقال ابن سعد: مات في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكذا أَرّخه غيره، وقال يعقوب بن شيبة: مات سنة (١٤)، وذكر الْقَرّاب أنه ولد سنة (١٢٨).
أخرج له الجماعة، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري (٢٧) حديثًا، ورَوَى في مواضع عن غير واحد عنه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب (٣١) حديثًا.
٤ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ المؤدّب، سَكَنَ الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد، ثقة، صاحب كتاب [٧].
رَوَى عن عبد الملك بن عُمير، وقتادة، وفِرَاس بن يحيى، ويحيى بن أبي كثير، وسماك بن حرب، والأعمش، وأشعث بن أبي الشعثاء، والحسن البصري، وغيرهم.
وروى عنه زائدة بن قدامة، وأبو حنيفة الفقيه، وهما من أقرانه، وأبو داود الطيالسي، وأبو أحمد الزبيري، ومعاوية بن هشام، وشبابة، وحسين بن محمد، وعبيد الله بن موسى، وعلي بن الجعد، وآخرون.
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال الأثرم عن أحمد: ما أقرب حديثه، وقال أيضًا: هشام حافظ، وشيبان صاحب كتاب، قيل له: حرب بن شداد كيف هو؟ قال: لا بأس به، وشيبان أرفع. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: شيبان ثَبْتٌ في كل المشايخ. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: وشيبان أحب إليَّ من معمر في قتادة. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: شيبان ثقة، وهو صاحب كتاب. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فشيبان ما حاله في الأعمش؟ قال: ثقة في كل شيء.
وقال العجليّ، والنسائيّ، وابن سعد: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: كان صاحب حروف وقراءات، وكان ابن معين يوثقه. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، صالحٌ يُكتَب حديثه. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال أبو القاسم البغويّ: شيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي. وقال العسكريّ: شيبان النحويّ نُسِب إلى بطن، يقال لهم: بنو نَحْو بن شمس من الأزد. وذكر ابن أبي داود، وابن المنادي أن المنسوب إلى القبيلة يزيد بن أبي سعيد النَّحْويّ، لا شيبان النحويُّ هذا.
قال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة: مات في خلافة المهديّ سنة أربع وستين ومائة، وكذا أَرّخه مطين، وكذا قال ابن حبان في "الثقات". وقال أسلم في "تاريخ واسط": كان ثقةً، قاله يزيد بن هارون. وقال الترمذيّ: شيبان ثقةٌ عندهم، صاحب كتاب. وقال الساجيّ: صدوق، وعنده مناكير، وأحاديث عن الأعمش تفرد بها، وأثنى عليه أحمد، وكان ابن مهديّ يحدث عنه، وَيفْخَر به.
وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان مُعَلِّمًا صدقًا، حسن الحديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٩) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بمثله"، أي روى عبيد الله بن موسى عن الأعمش بمثل رواية أبي معاوية، غير أنه زاد قوله: "ولم أزد إلخ".
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن موسى هذه أخرجها الحافظ ابن منده في "كتاب الإيمان" (ج ١ ص ٢٨٥)، فقال:
١٣٨ - أنبأ أبو عمرو عثمان بن أحمد، ثنا الحسن بن سلام السَّوّاق، ثنا
[ ١ / ٢٩٤ ]
عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، وأبي صالح، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله، أرأيت إن صليتُ المكتوبات، وأحللت الحلال، وحَرَّمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك، أأدخل الجنة؟ قال: "نعم" (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أَوَّلَ الكتاب قال:
[١١٨] (…) - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْحَجْريّ الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقة، من كبار [١١].
رَوَى عن عبد الرزاق، وأبي أسامة، وزيد بن الْحُبَاب، وعبد الله بن جعفر الرَّقِّيّ، ويزيد بن هارون، والحسن بن محمد بن أعين، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأحمد بن حنبل، وهو من شيوخه، وأبو مسعود الرازي، وهو من أقرانه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن هارون الرُّوياني، وإبراهيم بن أبي طالب، وموسى بن هارون الحمال، وغيرهم.
قال أبو حاتم، وصالح بن محمد البغداديّ: صدوق. وقال النسائيّ: ما علمنا به بأسًا. وقال أحمد بن سَيّار: كان من أهل نيسابور، ورَحَل إلى مكة، وكان مستملي المقرئ، صاحب سنة وجماعة، رحل في الحديث، وجالس
_________________
(١) راجع: "كتاب الإيمان" لابن منده ١/ ٢٨٥.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الناس، وكتب الكثير، ومات بمكة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: أحدُ الثقات، حَدَّث عنه الأئمة والقدماء. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحاكم: هو محدث أهل مكة، والمتفق على إتقانه وصدقه.
وقال ابن يونس، وابن قانع، وغير واحد: مات سنة (٢٤٧)، وقال أبو بكر بن أبي داود: مات سنة (٢٤٦) في أَكْلَة فالوذج، وقال حسين الْقَبّاني: مات سنة (٢٤٤).
وله في هذا الكتاب (٤٠) حديثًا.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) (^١) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّاني، أبو عليّ القرشيّ، مولى أم عبد الملك بنت محمد بن مروان، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن عمه موسى بن أعين، ومعقل بن عبيد الله الجزريّ، وزهير بن معاوية، وفُليح بن سليمان، وفُضيل بن غَزْوان، وجماعة.
وروى عنه الفضل بن يعقوب الرُّخَاميّ، وأبو داود الحَرَّانِيُّ، وسلمة بن شبيب، وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، ومحمد بن مَعَدان بن عيسى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: أدركته، ولم أكتب عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو عروبة: مات سنة (٢١٠).
أخرجه له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
٣ - (مَعْقِلٌ (^٢) بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة - مولاهم الْحَرّانيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨].
رَوَى عن عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وزيد بن أبي أنيسة، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وأبي قَزَعَة سُوَيد بن حُجَير، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، وهو من أقرانه، والحسن بن محمد بن أعين،
_________________
(١) بفتح الهمزة، وبالعين المهملة، وآخره نون، و"الأعين": مَن في عينيه سَعَة. "شرح النووي" ١/ ١٧٦.
(٢) بفتح الميم، وإسكان العين المهملة، وكسر القاف.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ومحمد بن يزيد بن سنان، ووكيع، وأبو نعيم، والْفِريابيّ، وأحمد بن يونس، وعبد الله بن محمد النُّفَيليّ، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، وقال مرةً: ثقة. وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطأه، فيستحقَّ التركَ. وقال ابن عَدِيّ بعد أن سَرَدَ له عِدّةَ أحاديث: هو حسن الحديث، لم أجد في حديثه منكرًا. وقال النسائي في "الكنى": صالح.
قال النفيليّ: مات سنة ست وستين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٣١) حديثًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس - بفتح المثنّاة، وسكون الدال المهملة، وضمّ الراء - الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق، إلا أنه يدلّس [٤].
رَوَى عن العبادلة الأربعة، وعن عائشة، وجابر، وأبي الطُّفَيل، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاووس، وصفوان بن عبيد الله بن صفوان، وعبيد بن عمرو، وخلق كثير.
ورَوَى عنه عطاء، وهو من شيوخه، والزهريّ، وأيوب، وأيمن بن نابل، وابن عون، والأعمش، وسلمة بن كهيل، وابن جريج، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر، وأبو عوانة، وهشيم، والثوريّ، وابن عيينة، ومعقل بن عبيد الله، وخلق كثير.
قال ابن عيينة عن أبي الزبير: كان عطاء يُقَدِّمني إلى جابر، أحفظ لهم الحديث، ويُروَى عن يعلى بن عطاء قال: حدثني أبو الزبير، وكان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم. وقال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد عن أبي الزبير؟ فقال: قد احتمله الناس، وأبو الزبير أحب إليَّ من أبي سفيان؛ لأنه أعلم بالحديث منه، وأبو الزبير ليس به بأس. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير، قلت لأبي: يضعفه؟ قال: نعم. وقال نعيم بن حماد: سمعت بن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير، وهو أبو الزبير،
[ ١ / ٢٩٧ ]
أي: كأنه يضعفه. وقال هشام بن عمار عن سويد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ عن أبي الزبير، وهو لا يحسن أن يصلي؟ وقال نعيم بن حماد: سمعت هُشيمًا يقول: سمعت من أبي الزبير، فأخذ شعبة كتابي فمزقه. وقال محمود بن غيلان عن أبي داود: قال شعبة: ما كان أحدٌ أحب إليَّ أن ألقاه بمكة من أبي الزبير، حتى لقيته، ثم سكت. وقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان. وقال أحمد بن سعيد الرِّباطيّ عن أبي داود الطيالسي قال: قال شعبة: لم يكن في الدنيا أحب إليَّ من رجل يَقْدَم فأسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة، فسمعت منه، فبينما أنا جالس عنده، إذ جاء رجل، فسأله عن مسألة، فردّ عليه، فافترى عليه، فقال له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني، قلت: ومن يُغضبك تفتري عليه؟ لا رَويت عنك شيئًا. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت ابن المديني عنه؟ فقال: ثقة ثبت. وقال هُشيم عن حجاج، وابن أبي ليلى، عن عطاء: كنا نكون عند جابر، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير أحفظنا. وقال ابن عون: ثنا أبو الزبير، وما كان بدون عطاء. وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة، قلت: محمد بن المنكدر أحب إليك أو أبو الزبير؟ قال: كلاهما ثقتان. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، إلا أن شعبة تركه لشيء زَعَمَ أنه رآه فعله في مُعَاملة. وقال الساجي: صدوق حجة في الأحكام، قد روى عنه أهل النقل وقبلوه، واحتجوا به، قال: وبلغني عن يحيى بن معين أنه قال: استَحْلَفَ ليثٌ أبا الزبير بين الركن والمقام، إنك سمعت هذه الأحاديث من جابر، فقال: والله إني سمعتها من جابر، يقول ثلاثًا. وقال ابن عيينة: كان أبو الزبير عندنا بِمَنْزِلة خبز الشعير، إذا لم نجد عمرو بن دينار ذهبنا إليه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يقولون: إنه لم يسمع من ابن عباس، قال أبي: رآه رؤيةً، ولم يسمع من عائشة، ولم يَلْقَ عبد الله بن عَمْرو. وقال ابن معين: لم يسمع من عبد الله بن عُمَر. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دِعَامة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث، وقال مرةً: ثقة، وقال
[ ١ / ٢٩٨ ]
الدُّوريّ عن ابن معين: أبو الزبير أحب إليَّ من أبي سفيان، وقال أيضًا عن يحيى: لم يسمع من ابن عمر، ولم يره. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وإلى الضعف ما هو؟ وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير؟ فقال: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إليَّ من أبي سفيان، قال: وسألت أبا زرعة عن أبي الزبير؟ فقال: رَوَى عنه الناس، قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: إنما يُحتج بحديث الثقات. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن عديّ: روى مالك عن أبي الزبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقًا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكًا لا يروي إلا عن ثقة، وقال: لا أعلم أحدًا من الثقات تَخَلَّف عن أبي الزبير، إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا إن رَوَى عنه بعض الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يُنصِفْ مَنْ قَدَح فيه؛ لأن من استرجح في الوزن لنفسه لم يستحق الترك لأجله. وقال ابن أبي مريم عن الليث: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدَفَع إليّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته، فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعتُ، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أَعْلِم لي على ما سمعتَ، فأَعْلَم لي على هذا الذي عندي.
قال البخاريّ عن علي بن المديني: مات قبل عمرو بن دينار، وقال عمرو بن عليّ، والترمذيّ: مات سنة ست وعشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وحديثه عند البخاريّ مقرون بغيره، وله في هذا الكتاب (٢١٤) حديثًا.
والصحابيّ تقدّم قبله.
[تنبيهان]:
(الأول): قوله: "وهو ابن عبيد الله" قد تقدّم غير مرّة، أن فائدته بيان أنه لم يقع في الرواية لفظة "ابن عبيد الله"، فأراد إيضاحه، بحيث لا يزيد في الرواية على شيخه، فأتي بما يفصل بين لفظ شيخه، وبين ما زاده للإيضاح. والله تعالى أعلم.
(الثاني): أن أبا الزبير مدلّس، كما سبق آنفًا في ترجمته، ولا يُقبل منه ما عنعنه عن جابر - ﵁ - كهذا الحديث، إلا إذا كان من رواية الليث بن سعد
[ ١ / ٢٩٩ ]
عنه، فإنها مسموعة من جابر كما تقدم في قصّته معه في ترجمته، فكيف أخرج له مسلم هنا بالعنعنة؟
[أجيب]: بأنه لم ينفرد به، بل تابعه أبو صالح، وأبو سفيان، كما في السند الماضي، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].