وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٦] (٨٧) - (حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ - ثَلَاثًا - الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن، وَشَهَادَةُ الزُّور، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ"، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم مصغّرًا - هو سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥].
رَوَى عن أبي الطُّفَيل، وأبي عثمان النَّهْديّ، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وأبي نضرة العبدي، وأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخّير، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وجعفر الضُّبَعي، وأبو قُدَامة،
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٣/ ٧٥ - ٧٦.
[ ٣ / ١٩ ]
والحمادان، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وأبو أسامة، ووهيب، ومعمر، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: الْجُريري محدث أهل البصرة، وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث، وقال يحيى القطان عن كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون، وقال ابن سعد عن يزيد بن هارون: سمعت من الجريري سنة (٤٢)، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم نُنْكِر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه قد اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعدنا، وقال أحمد بن حنبل، عن يزيد بن هارون: ربما ابتدأنا الجريريُّ، وكان قد أُنكر، وقال ابن معين، عن ابن عَدِيّ: لا نَكْذِب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط، وقال الآجري، عن أبي داود: أرواهم عن الجريري ابنُ عُلَيّة، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جَيِّد، وقال النسائي: ثقة أنكر أيام الطاعون، وقال ابن معين: قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم، قال: لا ترو عنه - يعني: لأنه سمع منه بعد اختلاطه -، وقال الدُّوري عن ابن معين: سمع يحيى بن سعيد من الجريري، وكان لا يروي عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - إلَّا أنه اختلط في آخر عمره. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سألت ابن علية: أكان الجريري اختلط؟ فقال: لا، كَبِرَ الشيخ فَرَقّ، وقال النسائي: هو أثبت عندنا من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة، واختلط بآخره، رَوَى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، وكُلُّ ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح عنه حماد بن سلمة، والثوري، وشعبة، وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل أن يختلط بثماني سنين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث الجريريّ لا تصحّ إلَّا إذا جاءت من طريق قدماء أصحابه، وهم المذكورون في كلام العجليّ، فتنبّه، وإلى هذا أشرت في "ألفيّة العلل"، حيث قلت:
وَمِنْهُمُ (^١) سَعِيدٌ الْجُرَيْرِي … مُخْتَلِطٌ مُلَقَّنٌ لِلضَّيْرِ
_________________
(١) أي من الثقات الذين اختلطوا.
[ ٣ / ٢٠ ]
قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ رَوَى الثَّوْرِيُّ … بِشْرٌ وَإِسْمَاعِيلُ يَا أُخَيُّ
وَبَعْدَهُ يَزِيدُ عِيسَى وَكَذَا … نَجْلُ أَبِي عَدِيٍّ أَيْضًا أَخَذَا
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عَنْهُ مَا اخْتَلَطْ … بَلْ كَبِرَ الشَّيْخُ فَرَقَّ مَا ضَبَطْ
فقوله: "بشر" هو ابن المفضّل، و"إسماعيل" هو ابن عليّة، و"يزيد" هو ابن هارون، وعيسى "هو ابن يونس"، و"نجل ابن أبي عديّ" هو محمد بن إبراهيم، والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعد: قالوا: توفي سنة (١٤٤). وكذا أرّخه ابن حبان، وقال: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ورآه يحيى بن سعيد القطان، وهو مختلط، ولم يكن اختلاطه فاحشًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "الْجُريريُّ" - بضم الجيم، وفتح الراء، مصغّرًا -: نسبة إلى جُرَير بن عُبَاد (^١) بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، قال السَّمْعاني: وإنما قيل لسعيد بن إياس: الْجُريريّ؛ لأنه من ولد جُرَير بن عباد أخى الحارث بن عباد، وقد قيل: إنه من مولى بني قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثقفيّ، أبو بَحْر، ويقال: أبو حاتم البصريّ، وهو أول مولود، وُلد في الإسلام بالبصرة، ثقة [٢].
رَوَى عن أبيه، وعلي، وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سَرِيع، والأشجّ الْعَصَري.
وَرَوَى عنه ابن أخيه ثابت بن عبيد بن أبي بكرة، وابن ابنه بحر بن مَرّار بن عبد الرَّحمن، وخالد الحذاء، ومحمد بن سيرين، وعلي بن زيد، وقتادة، وجماعة.
ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: هو أول مولود وُلد
_________________
(١) "عُبَاد - بضم العين، وتخفيف الباء - بطن من بكر بن وائل". انتهى. "شرح النوويّ " ٢/ ٨٤.
(٢) راجع: "الأنساب" ٢/ ٧٨.
[ ٣ / ٢١ ]
بالبصرة، فَأَطعَم أبوه أهلَ البصرة جَزُورًا، فكفتهم، وكان ثقةً، وله أحاديث ورواية، وقال ابن خلفون في "الثقات": يقال: وُلد سنة (١٤)، ومات سنة (٩٦)، وكذا أَرَّخ وفاته إسحاق القَرّاب، وقال خليفة: تُوُفّي بعد الثمانين، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال البلاذريّ: حدثني أبو الحسن البلاذري، حدثني أبو الحسن المدائني، قال: كان عبد الرَّحمن بن أبي بكرة فَرّاسًا، وشارف التسعين، ووقع في بعض النسخ من "مختصر السنن" للمنذري بتقديم السين على الباء، وهو خطأ، وقال أبو هلال: كان زياد وَلَّى عبدَ الرَّحمن بيوتَ الأموال، وَوَلَّى عبدَ الله سجستان، وقال أبو اليقظان: ولاه عَلِيّ بيت المال ثم ولاه ذاك زياد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٥ - (أَبُوهُ) هو: نُفيع بن الحارث بن كَلَدة بن عمرو الثقفيّ، وقيل: اسمه مَسْرُوح، الصحابيّ المشهور - ﵁ -، مات سنة إحدى وخمسين: وقيل: سنة ثنتين وخمسين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث بالإفراد في الأول، والجمع في موضعين، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له الترمذيّ وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: سعيد عن عبد الرَّحمن.
٥ - (ومنها): أن فيه من لُقِّب بصورة الكنية، وهو أبو بكرة - ﵁ -، فإنه لقّب؛ لأنه تدلّى من حصن ثقيف ببكرة البئر، فأسلم، وكان عبدًا، فأعتقه النبيّ - ﷺ -، ومن معه من العبيد، وكانوا جماعة.
٦ - (ومنها): أن عبد الرَّحمن أول مولود في الإسلام بالبصرة، كما سبق آنفًا، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢٢ ]
شرح الحديث:
عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) نُفَيع بن الحارث - ﵁ -، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أُنَبِّئُكُمْ)، وفي رواية للبخاري: "ألا أخبركم"، وهي رواية أبي عوانة في "المستخرج"، (بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد - ﵀ -: هذا يدلّ على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وعليه أيضًا يدلّ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وفي الاستدلال بهذا الحديث على ذلك نظر؛ لأن من قال: كلّ ذنب كبيرة، فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟، وعن بعض السلف: أن كلّ ما نهى الله - ﷿ - عنه فهو كبيرة، وظاهر القرآن والحديث على خلافه، ولعله أخذ الكبيرة باعتبار الوضع اللغويّ، ونَظَرَ إلى عِظَم المخالفة للأمر والنهي، وسَمَّى كلّ ذنب كبيرة.
قال: ويدلّ أيضًا على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر، لقوله - ﷺ -: "ألا أنبّئكم بأكبر"، وذلك بحسب تفاوت مفاسدها، ولا يلزم من كون الذي ذكره أنه أكبر الكبائر استواء رُتبها في نفسها، فإن الإشراك بالله تعالى أعظم كبيرة من كلّ ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذُكر فيها الكبائر. انتهى (^١).
[تنبيه]: قوله: "أكبر الكبائر" ليس على ظاهره من الحصر، بل "من" فيه مقدرةٌ، فقد ثبت في أشياء أُخَر أنَّها من أكبر الكبائر:
(منها): حديث أنس - ﵁ - في قتل النفس، فقد وقع في رواية للبخاريّ في "الديات" من طريق شعبة، عن ابن أبي بكرة، أنه سمع أنسًا، عن النبيّ - ﷺ - قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس … " الحديث.
(ومنها): حديث ابن مسعود - ﵁ - المتقدّم: "أيُّ الذَّنْب أَعظم؟ "، فذكر فيه الزنا بحليلة الجار.
(ومنها): حديث عبد الله بن أُنيس الجهني - ﵁ - مرفوعًا قال: "من أكبر الكبائر … " فذكر منها: "اليمين الغموس"، أخرجه الترمذيّ بسند حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، عند أحمد.
_________________
(١) "إحكام الأحكام" بنسخة الحاشية "العدّة" ٤/ ٤٣٨.
[ ٣ / ٢٣ ]
(ومنها): حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "إن من أكبر الكبائر استطالةَ المرء في عرض رجل مسلم"، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.
(ومنها): حديث بريدة - ﵁ - رفعه: "من أكبر الكبائر … " فذكر منها: منع فضل الماء، ومنع الفحل. أخرجه البزار بسند ضعيف.
(ومنها): حديث ابن عمر - ﵄ - ارفعه: "أكبر الكبائر سوء الظن بالله"، أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف.
ويَقرُب منه حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "ومن أظلم ممن ذَهَب يخلُقُ كخلقي … "الحديث، متَّفقٌ عليه.
(ومنها): حديث عائشة - ﵂ - مرفوعًا: "أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم"، متَّفقٌ عليه.
(ومنها): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا: "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه … "، ولكنه من جملة العقوق، والله تعالى أعلم.
(ثَلَاثًا) أي قال لهم ذلك ثلاث مرّات على عادته في تكرير الشيء ثلاث مرّات؛ تأكيدًا؛ لينتبه السامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره، وفهم منه الفاكهيّ أن المراد بقوله: "ثلاثًا" عدد الكبائر، وهو غلطٌ، فقد وقع عند البخاريّ في "كتاب استتابة المرتدّين" بلفظ: "أكبر الكبائر: الإشراك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور" ثلاثًا، وأصرح منه ما وقع عند أبي عوانة في "مسنده" بلفظ: "أَلا أخبركم بأكبر الكبائر، قالها ثلاثًا"، وقد ترجم البخاريّ ﵀ في "كتاب العلم"، "باب من أعاد الحديث ثلاثًا؛ ليُفهم عنه"، وذكر فيه طرفًا من هذا الحديث تعليقًا (^١).
(الإِشْرَاكُ بِاللهِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولا سيّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يُراد به خصوصه، إلَّا أنه يَرِد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم قُبْحًا من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفيٌ مطلقٌ، والإشراك إثبات مقيَّدٌ،
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٣١١ "كتاب الشهادات" رقم (٢٦٥٤).
[ ٣ / ٢٤ ]
فيترجّح الاحتمال الأول على هذا. انتهى (^١).
(وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وترك الإحسان إليهما، وأصل الْعَقّ: الشقّ، يقال: عقّ ثوبه، كما يقال: شقّه بمعناه، ومنه يقال: عقّ الولد أباه عُقُوقًا، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقّ، والجمع عَقَقَةٌ، قاله في "المصباح" (^٢).
وقال في "المفهم": "عقوق الوالدين": عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العَقّ: الشقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقةً؛ لأنه يُشَقّ حُلقُومها، قاله الهرويّ وغيره (^٣).
وقال في "الفتح": "الْعُقُوق" بضمّ العين المهملة: مشتقّ من العقّ، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالد من ولده، من قول أو فعل إلَّا في شرك، أو معصية ما لَمْ يتعنّت الوالد، وضبطه ابن عطيّة بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دَعَته أمه ليمرّضها مثلًا، حيث يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها، وغير ذلك لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول الوقت، أو في الجماعة. انتهى (^٤).
وقال النوويّ في "شرحه": أما عقوق الوالدين، فهو مأخوذ من الْعَقّ، وهو القطع، وذَكَرَ الأزهريّ أنه يقال: عَقَّ والده يَعُقُّه - بضم العين - عَقًّا وعُقُوقًا: إذا قطعه، ولم يَصِلْ رحمه، وجمع العاقّ: عَقَقَةٌ - بفتح الحروف كلها - وعُقُقٌ - بضم العين والقاف -، وقال صاحب "المحكم": رجلٌ عاقٌّ، وعَقَّ بالفتح، وعَقَقٌ محرّكة، وعُقُقٌ بضمّتين، وجمع الأولى عَقَقَةٌ مُحرَّكةً، وكلها بمعنى واحد، وهو الذي شَقَّ عصا الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة.
وأما حقيقة العقوق المحرَّم شرعًا، فقَلَّ مَن ضبطه، وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لَمْ أقف في عقوق الوالدين، وفيما
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٢.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٨٢.
(٤) "الفتح" ١٠/ ٤١٩ - ٤٢٠.
[ ٣ / ٢٥ ]
يختصان به من الحقوق على ضابط أَعْتمده، فإنه لا يجب طاعتهما في كلّ ما يأمران به، وينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حُرِمَ على الولد الجهاد بغير إذنهما؛ لما يَشُقّ عليهما مِن توقُّع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد أُلْحِق بذلك كلُّ سفر يخافان فيه على نفسه، أو عضو من أعضائه. انتهى كلام الشيخ أبي محمد.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في "فتاويه": العُقُوق المحرَّم كلُّ فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيًا، ليس بالْهَيِّن، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعةُ الوالدين واجبة في كلّ ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوقٌ، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات، قال: وليس قولُ مَن قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما، مُخالِفًا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ بزيادة في الضبط (^١).
(وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنَّها يُتوصَّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم الله، وتحريم ما حلّل الله، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشرك (^٢).
(أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) هكذا في رواية ابن عليّة عن الجريريّ بـ "أو"، وفي رواية خالد، عنه: "إلا وقول الزور، وشهادة الزور" بالواو، قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ لأن كلَّ شهادة زور قول زور، بخلاف عكسه.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما الزور، فقال الثعلبيّ المفسر، وأبو إسحاق وغيره: أصله تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّل إلى
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٧ بزيادة من "القاموس" في ألفاظ العقوق.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٨٢.
[ ٣ / ٢٦ ]
من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يُوهِم أنه حَقّ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وضابط الزور وَصْفُ الشيء على خلاف ما هو به، وقد يُضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يُضاف إلى الشهادة، فيختصّ بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه "لابس ثوبي زور"، ومنه تسمية الشعر الموصول زُورًا، كما سيأتي في موضعه، وقد اختُلف في المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، والراجح أن المراد به الباطل، والمراد أنهم لا يحضرونه. انتهى (^٢).
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يُحمل قول الزور على شهادة الزور؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك، وقد نصّ الفقهاء على أن الكذبة الواحدة، وما يقاربها لا تُسقط العدالة، ولو كانت كبيرة لأسقطت، وقد نصّ الله تعالى على عظم بعض الكذب، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]، وعظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، وقد نَصَّ في الحديثِ الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة؛ لإيجابها الحدّ، ولا تساويها الغيبة بقبح الخِلْقة، أو الهيئة في اللباس مثلًا، وليس العقوق، وقول الزور مساويًا للإشراك بالله قطعًا إلَّا إذا فعل ذلك معتقدًا حلّه، ومعلوم أن الكافر شاهد بالزور، وقائل به. انتهى (^٣).
وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن كلّ شهادة زور قول زور بغير عكس، ويُحْمَل قول الزور على نوع خاص منه.
ورجّح الحافظ ما قاله الشيخ ابن دقيق العيد، قال: ويؤيده وقوع الشك في ذلك في حديث أنس - ﵁ - الذي بعده، فدلّ على أن المراد شيء واحد.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٤.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٤٢٦ "كتاب الأدب" رقم الحديث (٥٩٧٧).
(٣) "إحكام الأحكام" ٤/ ٤٤٤، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ١٠/ ٣٨ - ٣٩.
[ ٣ / ٢٧ ]
وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف، وقيل: المراد مَن يستحل شهادة الزور، وهو بعيد. انتهى (^١).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ) جلوسه - ﷺ - بعد أن كان متْكئًا يُشعر بأنه اهتمّ بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه، وعِظَم قبحه، وسببُ الاهتمام بذلك كون قول الزور، أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعُقُوق يَصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة، كالعداوة، والحسد، وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذُكِر معها من الإشراك قطعًا، بل لكون مفسدة الزور متعدّية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك، فإن مفسدته قاصرة غالبًا (^٢).
(فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا) أي يكرّر جملة "شهادة الزور"، أو قول الزور، ولفظ البخاريّ في "كتاب الأدب": "فقال: إلا وقول الزور، وشهادة الزور، إلا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت"، (حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) إنما قالوه، وتَمَنَّوه شفقةً على رسول الله - ﷺ -، وكراهةً لما يُزْعِجُهُ، ويُغْضِبُهُ، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه - ﷺ -، والمحبّة له، والشفقة عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بكر - ﵁ - هذا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٦] (٨٧)، و(البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٥٤)، و"الأدب" (٥٩٧٦)، و"الاستئذان" (٦٢٧٣ و٦٢٧٤)،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦ "كتاب الأدب" رقم الحديث (٥٩٧٧).
(٢) "الفتح" ٥/ ٣١١.
[ ٣ / ٢٨ ]
و"استتابة المرتدّين" (٦٩١٩)، و(الترمذيّ) في البرّ والصلة (١٩٠١)، و"الشهادات" و(٢٣٠١)، و"تفسير القرآن" (٣٠١٩)، وفي "الشمائل" (١٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٦ و٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الكبائر، وأكبرها، وهو الشرك، وهو وجه المناسبة لإيراده في هذا الباب.
٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويؤخذ منه ثبوت الصغائر؛ لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، والاختلاف في ثبوت الصغائر مشهور، وأكثر ما تمسك به مَن قال: ليس في الذنوب صغيرة كونه نَظَرَ إلى عِظَم المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن أثبت الصغائر أن يقول: هي بالنسبة لما فوقها صغيرة، كما دلّ عليه حديث الباب، وقد فُهِمَ الفرقُ بين الصغيرة والكبيرة من مَدَارك الشرع، وسيأتي في أبواب الصلاة ما يُكَفِّر الخطايا ما لَمْ تكن كبائر، فَثَبَتَ به أن من الذنوب ما يُكَفَّر بالطاعات، ومنها ما لا يُكَفَّر، وذلك هو عين الْمُدَّعَى، ولهذا قال الغزاليّ رحمه الله تعالى: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه، ثم إن مراتب كلٍّ من الصغائر والكبائر مختلف بحسب تفاوت مفاسدها.
٣ - (ومنها): بيان تحريم شهادة الزور؛ لما يترتَّب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبها متفاوتة، وفي معناها كُلُّ ما كان زُورًا، من تعاطي المرء ما ليس له أهلًا.
٤ - (ومنها): أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ولا شكّ في عظم مفسدته؛ لعظم حقّ الوالدين.
٥ - (ومنها): بيان انقسام الكبائر إلى شرك وغيره.
٦ - (ومنها): الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه.
٧ - (ومنها): استحباب إعادة الموعظة ثلاثًا؛ لتُفْهَم.
٨ - (ومنها): انزعاج الواعظ في وعظه؛ ليكون أبلغ في الوعي عنه، والزجر عن فعل ما يَنْهَى عنه.
[ ٣ / ٢٩ ]
٩ - (ومنها): أن فيه التحريض على مجانبة كبائر الذنوب؛ ليحصل تكفير الصغائر بذلك، كما قال - ﷿ -: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآية.
١٠ - (ومنها): أن فيه إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجًا، وتمنّي عدم غضبه؛ لما يترتّب على الغضب من تغيّر مزاجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٧] (٨٨) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِيَ بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْكَبَائِرِ قَالَ: "الشِّرْكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن، وَقَتْلُ النَّفْس، وَقَوْلُ الزُّورِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج المذكور في الباب الماضي.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالك، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن جدِّه، وقيل: عن أبيه، عن جده.
ورَوَى عنه أخوه بَكْر بن أبي بكر بن أنس، والحمادان، وشدّاد بن سعيد، وشعبة، وعتبة بن حميد الضَّبِّيّ، ومُبارك بن فَضَالة، وهشيم، ومحمد بن عبد العزيز الراسبيّ على خلاف فيه، ومُرَجَّى بن رَجَاء، وعليّ بن عاصم، وآخرون.
قال أحمد، وابنُ معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا، وأعاده بعده، وحديث (٢١٥٧): "أن رجلًا اطّلع من بعض حُجر
[ ٣ / ٣٠ ]
النبيّ - ﷺ - … "، و(٢١٦٣): "إذا سلّم عليكم أهل الكتاب … "، و(٢٦٣١): "من عال جاريتين … "، و(٢٦٤٦): "إن الله ﷿ قد وكّل بالرحم ملكًا … ".
٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، كالسند الآتي، وكذا ما قبله، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما الإسنادان اللذان ذكرهما - يعني: هذا، وما بعده - فهما بصريون كلُّهُم من أولهما إلى آخرهما، إلا أن شعبة واسطيّ بصريّ، فلا يقدح هذا في كونهما بصريين، وهذا من الطرف المستحسنة، وقد تقدّم في الباب الذي قبل هذا نظيرهما في الكوفيين. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أنه قد قدّمنا فائدة قوله: "وهو ابن الحارث"، ولم يقل: "خالد بن الحارث"، وهو أنه إنما سَمِعَ في الرواية "خالدًا"، ولخالد مشاركون في اسمه، فأراد أن يُمَيِّزه لمن يحدّثهم، ولا يجوز له أن يقول: حدثنا خالد بن الحارث؛ لأنه يصير كاذبًا على شيخه، حيث لم يَقُل له ذلك، وإنما قال: حدّثنا خالدٌ، فَعَدَل إلى زيادة قوله: "وهو ابن الحارث"؛ لتحصل الفائدة بالتميز، والسلامة من الكذب.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، وهو عبيد الله بن أبي بكر عن جدّه أنس بن مالك - ﵁ -.
٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو المشهور بخدمة النبيّ - ﷺ -، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة - ﵃ -، ومن المعمّرين منهم، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فسيأتي في الذي بعده، وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٣.
[ ٣ / ٣١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيد، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِر، فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِالله، وَقَتْلُ النَّفْس، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، وَقَالَ: "ألا أنبِّئُكُمْ بأكبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ"، أَوْ قَالَ: "شَهَادَةُ الزورِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَأكبَرُ ظنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا:
١ - (محمد بْنُ الْوَليدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ) القرشيّ الْبُسريّ - بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة - من ولد بُسْر بن أرطاة العامريّ، يُلَقّب حَمْدان، البصريّ، قَدِمَ بغداد، يُكنى أبا عبد الله، ثقة [١٠].
رَوَى عن مروان بن معاوية، وغندر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفي، وابن مهدي، والقطان، ووكيع، وأبي زُكَير المدني، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، وزكرياء الساجيّ، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سَمِع منه أبي بالبصرة في الرحلة الثالثة، وسئل عنه، فقال: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قيل: إنه مات بعد سنة خمسين ومائتين، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا (^١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، المعروف بغُنْدر، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢، والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا لطائف الإسناد، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وكذا له عند ابن ماجه (١١) حديثًا، وعند البخاريّ أربعة أحاديث، وهذا هو الذي سُجّل في برنامج الحديث (صخر)، ونقل في "تهذيب التهذيب" عن "الزهرة" أن البخاريّ روى عنه سبعة أحاديث، ومسلمًا خمسة أحاديث، والظاهر أن ما في البرنامج أقرب إلى الصواب، فتأمله، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٣٢ ]
شرح الحديث:
عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) - ﵁ - (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ)، كذا وقع في هذه الرواية عند المصنّف بالشكّ، ووقع عند أبي عوانه في "مسنده" من طريق أبي داود، عن شعبة بلفظ: "سُئل النبيّ - ﷺ - عن الكبائر، فقال … " بدون شكّ.
ووقع عند البخاريّ كرواية المصنّف بالشكّ، فقد رواه في "كتاب الأدب" عن شيخ المصنّف، بسنده، ولفظه، فقال في "الفتح": كذا في هذه الرواية بالشكّ، وجزم في الرواية التي في "كتاب الشهادات" بالثاني، قال: "سئل … إلخ"، ووقع في "كتاب الديات" عن عَمْرو، وهو ابن مرزوق، عن شعبة، عن ابن أبي بكر، سمع أنسًا، عن النبيّ - ﷺ - قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله … " الحديث، وكذا رَوَيناه في "كتاب الإيمان" لابن منده، وفي "كتاب القضاة" للنقاش، من طريق أبي عامر الْعَقَديّ، عن شعبة، وقد عَلَّق البخاريّ في "الشهادات"، طريق أبي عامر، ولم يسق لفظه، وهذا موافق لحديث أبي بكرة - ﵁ - في أن المذكورات من أكبر الكبائر، لا من الكبائر المطلقة. انتهى (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ - ("الشِّرْكُ بِاللهِ)، تقدّم الكلام عليه، (وَقَتْلُ النَّفْسِ) التي حرّم الله قتلها إلا بالحقّ، (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ") تقدّم الكلام عليه.
(وَقَالَ) وللبخاريّ: "فقال"، بالفاء ("ألَا أبِّئُكُمْ بِأكبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ) قال في "الفتح": هذا ظاهره أنه خصّ أكبر الكبائر بقول الزور، ولكن الرواية التي أشرت إليها قبلُ قد تؤذن بأن الأربع المذكورات مشتركات في ذلك. انتهى.
أَوْ قَالَ: ("شَهَادَةُ الزُّورِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَأكبَرُ) بالباء الموحدة، (ظنِّي أنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ) كذا في هذه الرواية شكّ شعبة، ووقع في رواية خالد بن الحارث، عن شعبة التي قبلها: "وقول الزور"، ولم يشك، وكذا وقع الجزم بذلك في رواية وهب بن جرير، وعبد الملك بن إبراهيم عند البخاريّ في "كتاب الشهادات"، قال قتيبة: "وشهادة الزور"، ولم يشكّ.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٢٦ "كتاب الأدب" رقم الحديث (٥٩٧٧).
[ ٣ / ٣٣ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله - ﷺ -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟، قول الزور، أو شهادة الزور"، فليس على ظاهره المتبادر إلى الأفهام منه؛ وذلك لأن الشرك أكبر منه بلا شكّ، وكذا القتل، فلا بُدّ من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أنه محمول على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وعامل به.
[والثاني]: أنه محمول على المستحلّ، فيصير بذلك كافرًا.
[والثالث]: أن المراد: من أكبر الكبائر، كما قدمناه في نظائره، وهذا الثالث هو الظاهر، أو الصواب، فأما حمله على الكفر فضعيف؛ لأن هذا خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق، وأما قبح الكفر، وكونه أكبر الكبائر فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك، فحمله عليه يُخرجه عن الفائدة.
ثم الظاهر الذي يقتضيه عموم الحديث، وإطلاقه، والقواعد أنه لا فرق في كون شهادة الزور بالحقوق كبيرةً، بين أن تكون بحق عظيم أو حقير، وقد يحتمل على بُعْد أن يقال فيه الاحتمال الذي قَدَّمته عن الشيخ أبي محمد بن عبد السلام في أكل تمرة من مال اليتيم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٧ و٢٦٨] (٨٨)، و(البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٥٣)، و"الأدب" (٥٩٧٧)، و"الديات" (٦٨٧١)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٠٧)، و"التفسير" (٣٠١٨)، و(النسائيّ) في "القسامة" (٤٨٦٨)، و"الكبرى" (٣٤٧٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٢٥، (وأبو عوانة) في "مسنده" (١٤٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦١)، وفوائد الحديث تقدّمت في حديث أبي بكرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٣ / ٣٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩] (٨٩) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقّ، وَأكلُ مَالِ الْيَتِيم، وَأكلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (ثَوْرُ (^١) بْنُ زيدٍ) الدّيليّ - بكسر الدال المهملة، بعدها تحتانيّة - المدنيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن سالم أبي الغيث، وأبي الزناد، وسعيد المقبريّ، وعكرمة، والحسن البصريّ، وغيرهم، وأرسل عن ابن عباس (^٢).
ورَوَى عنه مالك، وسليمان بن بلال، وابن عجلان، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة.
_________________
(١) باسم الحيوان المعروف. اهـ. "ت" ص ٥٢.
(٢) قال الحافظ: قوله: أرسل عن ابن عباس يخالفه قولُ ابن الحذّاء، حيث ذكره في "رجال الموطأ"، فذكر عن ابن الْبَرْقيّ أن مالك ترك ذكر عكرمة بين ابن عباس وثور. انتهى. "تهذيب التهذيب" ١/ ٢٧٦.
[ ٣ / ٣٥ ]
قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن عبد البرّ: هو صدوق، ولم يتهمه أحد بكذب، وكان يُنسَب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عنه، فقال: هو نحو شريك - يعني: ابن أبي نَمِر -، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": اتهمه ابن الْبَرقيّ بالقدر، ولعله شُبِّهَ عليه بثور بن يزيد. انتهى.
قال الحافظ: والْبَرْقيّ لم يتهمه، بل حَكَى في الطبقات أن مالكًا سئل: كيف رَوَيت عن داود بن الحصين، وثور بن زبد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرْمَون بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يَخِرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كَذْبة، وقد ذكر المزيّ أن مالكًا روى أيضًا عن ثور بن يزيد الشاميّ، فلعله سئل عنه، وذكره ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع.
قال ابن عبد البر في "التمهيد": مات سنة (١٣٥)، لا يختلفون في ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث: هذا الحديث، وحديث (١١٥): "إن الشملة لتلتهب عليه نارًا … "، و(٢٥٤٦): "لو كان الإيمان عند الثريّا … "، و(٢٨٦٣): "إن العرق يوم القيامة ليذهب … "، و(٢٩٠٩): "ذو السويقتين من الحبشة يخرّب بيت الله … "، و(٢٩١٠): "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان … "، و(٢٩٢٠): "سمعتم بمدينة جانب منها في البرّ … "، و(٢٩٨٢): "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد … "، و(٢٩٨٣): "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين … ".
٥ - (أَبُو الْغَيْثِ) هو: سالم مولى ابن مطيع المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه ثور بن زيد الدِّيليّ، وسعيد المقبريّ، وإسحاق بن سالم، وصفوان بن سُليم، وعُمر بن عطاء، وعثمان بن عمر بن موسى التيميّ، ويزيد بن خُصَيفة.
قال أحمد: لا أعلم أحدًا رَوَى عنه إلا ثورٌ، وأحاديثه متقاربة، وقال الدُّوريّ، عن ابن معينٍ: ثقةٌ يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة، حسن الحديث، وذكر ابن شاهين أن كلام أحمد بن حنبل اختَلَف فيه.
[ ٣ / ٣٦ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب الأحاديث التسعة التي تقدّمت في ترجمة ثور بن زيد.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فأيليّ، ثم مصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "اجْتَنِبُوا) أي ابتعدوا، وهو أبلغ من اترُكوا (السَّبْعَ)، قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه سُئل عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين - ويُروَى إلى سبعمائة - أقرب.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله - ﷺ -: الكبائرُ سبعٌ، فالمراد به من الكبائر سبعٌ، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم، فهي مخصوصة بلا شكّ، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع، وفي الرواية الأخرى: ثلاثٌ، وفي الأخرى: أربعٌ، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها، لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يَذكُر في بعضها ما ذَكَر في الأخرى، وهذا مُصَرّح بما ذكرته من أن المراد البعض، وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتمُ الرجل والديه، وجاء في النميمة، وعدم الاستبراء من البول أنهما من الكبائر، وجاء في غير مسلم: من الكبائر اليمين الغَمُوس، واستحلال بيت الله الحرام. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٤.
[ ٣ / ٣٧ ]
(الْمُوبِقَاتِ") بموحّدة، فقاف: أي المهلكات، جمع موبقة، من أوبقه: إذا أهلكه، قال في "القاموس": وَبَقَ كَوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقًا، وَمَوْبِقًا: هَلَكَ، كاسْتَوْبَقَ، وكمَجْلِسٍ: الْمَهْلِكُ، والمَوْعِدُ، والْمَحْبِس، ووَادٍ في جَهنَّمَ، وكلُّ شيءٍ حال بين شيئين، وأوبقه: حبَسَهُ، وأهلكه. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الموبقات": الْمُهلكات، جمع موبقة، من أوبق، ووابقه: اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا: إذا هَلَكَ، والْمَوْبِقُ مَفْعِلٌ منه، كالموعد، مَفْعِلٌ من الوعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، وفيه لغة ثانيةٌ: وَبِقَ بكسر الباء يَوْبَقُ بالفتح وَبَقًا، وفيه لغة ثالثةٌ: وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما، وأوبقه: أهلكه، وسُمّيت هذه الكبائر مُوبقات؛ لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب، ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس - ﵄ - حين سُئل عن الكبائر، فقال: "هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع"، وفي رواية عنه: "هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع"، وعلى هذا، فاقتصاره - ﷺ - على هذه السبع في هذا الحديث يَحْتَمِل أن يكون لأنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أُعلم بغيرها، وَيحتمل أن يكون ذلك لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كلّ حديث خَصَّ عددًا من الكبائر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟) أي السبع المهلكات؟ (قَالَ) - ﷺ - ("الشِّرْكُ بِاللهِ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال: أي هي: الشرك بالله تعالى، ويجوز نصبه بدلًا من "السبع"، أو على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني، ونحوه، وهكذا إعراب ما بعده.
وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ القرآني، حيث قال ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨٣.
[ ٣ / ٣٨ ]
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وتقدّم حديث ابن مسعود - ﵁ - المتّفق عليه، قال: قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟، قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … " الحديث، وفيه: وأنزل الله تصديق قول النبيّ - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر، فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكّك في ذلك أحدٌ من أهل القبلة. انتهى (^١).
(وَالسِّحْرُ) - بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين -، قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَهُ بكلامه: استماله بِرِقَّته، وحسن تركيبه، قال الإمام فخر الدين في "التفسير": ولفظ "السحر" في عرف الشرع: مختص بكلِّ أمر يَخْفَى سببه، ويُتَخَيَّلُ على غير حقيقته، ويَجْرِي مَجْرَى التمويه والخِدَاع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلِق ذُمَّ فاعلُهُ، وقد يُسْتَعمَلُ مُقَيَّدًا فيما يُمْدَح ويُحْمَد، نحو قوله ﵊: "إن من البيان لَسِحْرًا": أي إن بعض البيان سِحْرٌ؛ لأن صاحبه يُوَضِّح الشيء المشكل، ويَكْشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيَسْتَمِيل القلوب، كما تُسْتَمالُ بالسحر، وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجْذِب السامعَ، ويُخرِجه إلى حَدٍّ يكاد يَشْغَله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقيّ، وقيل: هو السحر الحلال، ذكره الفيّوميّ (^٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه - ﷺ - السحر من الكبائر، فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير، أن السحر حرام، من الكبائر فعلُه وتعلُّمُهُ وتعليمه، وقال بعض أصحابنا: إنّ تعلمه ليس بحرام، بل يجوز؛ لِيُعْرَفَ، ويُرَدَّ على صاحبه، ويُمَيَّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل يمكنه أن يَحْمِل الحديث على فعل السحر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (^٣).
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي كأن تَقتُل بريئًا عمدًا، فيُقتَصَّ
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٣) "شرح مسلم" ٢/ ٨٨.
[ ٣ / ٣٩ ]
منها، أو تزَني مُحصَنَةً، فتُرْجَمَ، (وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) بفتح الياء التحتانيّة، وكسر التاء الفوقانيّة، يقال: يَتُمَ يَيْتُمُ، من بابي تَعِبَ وقَرُبَ، يُتْمًا بضم الياء وفتحها، لكن الْيُتْم في الناس من قِبَل الأب، فيقال: صغير يَتِيمٌ، والجمعُ أَيْتَامٌ، ويَتَامى، وصَغيرة يتيمةٌ، وجمعها يَتَامَى، وفي غير الناس من قِبَل الأمّ، وأيتمت المرأة إيتامًا، فهي موتِمٌ: صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لَطِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٌّ، قاله الفيّوميّ (^١).
والمراد إتلاف ماله، وإنما خصّ الأكل؛ لكونه أعظم المقصود من المال، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠].
(وَأكْلُ الرِّبَا) المراد كسب الربا، وإنما خصّ الأكل؛ لأنه معظم ما يكتسب له، ويشمل ربا الفضل وربا النسيئة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥].
(وَالتَّوَلَّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب، و"الزَّحْفُ": الجيش يَزْحَفُون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحَفَ إليه يَزْحَفُ زَحْفًا، من باب مَنَعَ: إذا مشى نحوه، أفاده ابن الأثير في "النهاية" (^٢).
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: و"الزحْفُ": القتال، وأصله: المشي المتثاقل، كالصبيّ يَزْحَفُ قبل أن يمشى، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ فِرْسَنَهُ (^٣)، وقد سُمّي الجيش بالزحف؛ لأنه يُزْحَف فيه، والتولّي عن القتال إنما يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ ضعفي المسلمين على ما يأتي في "الجهاد" - إن شاء الله تعالى -. انتهى (^٤).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه - ﷺ - التَّوَلِّي يوم الزحف من الكبائر، فدليل صريح لمذهب العلماء كافة في كونه كبيرةً، إلا ما حُكِيَ عن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧٩.
(٢) "النهاية" ٢/ ٤٤٨.
(٣) أي طرف خفّه.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٨٤.
[ ٣ / ٤٠ ]
الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل بدر خاصّةً، والصواب ما قاله الجماهير: إنه باقٍ. انتهى (^١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥] ما نصّه: أمر الله ﷿ في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئةٌ من المؤمنين فئةً هي ضعف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم، فمن فَرَّ من اثنين فهو فارّ من الزحف، ومن فَرَّ من ثلاثة، فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد، والفرار كبيرةٌ مُوبقة بظاهر القرآن، وإجماع الأكثر من الأئمة.
وقالت فرقة، منهم ابن الماجشون في "الواضحة": إنه يُراعَى الضعفُ والقوةُ والعُدَّةُ، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس، إذا عَلِموا أن ما عند المشركين من النجَّدْةِ والبَسَالة ضِعْفُ ما عندهم، وأما على قول الجمهور، فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين، فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين، فيجوز الانهزام، والصبر أحسن، وقد وَقَفَ جيش مُؤتة، وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من الْمُسْتَعْرِبة من لَخْمٍ وجُذَام.
قال: ووقع في تاريخ فتح الأندلس أن طارقًا مولى موسى بن نُصَير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى وملك الأندلس لذريق، وكان في سبعين ألف عِنَان، فزَحَفَ إليه طارق، وصَبَر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح.
قال ابن وهب: سمعت مالكًا يسأل عن القوم يلقون العدوّ، أو يكونون في مَحْرَس يَحْرُسون، فيأتيهم العدوّ، وهم يسير، أيقاتلون، أو ينصرفون فيُؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٨.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ٧/ ٣٨٠ - ٣٨١.
[ ٣ / ٤١ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أنه لا يحلّ الفرار إلا فيما زاد العدو على الضعف هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم.
(وَقَذفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ") أي رميُهنّ بالزنى، و"الإحصان" هنا: العِفّةُ عن الفواحش، و"الغافلات" أي عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا خَبَرَ عندهنّ منه، قاله القرطبيّ (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما "المحصنات الغافلات": فبكسر الصاد وفتحها، قراءتان في السبع، قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بـ "المحصنات" هنا: العفائف، وبـ "الغافلات": الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفن به. انتهى (^٢).
[فائدة]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: "الإحصان" في الشرع خمسة أقسام:
[أحدهما]: الإحصان في الزنا، الذي يوجب الرجم على الزاني، وهو الوطء بنكاح.
[والثاني]: الإحصان في المقذوف، وهو العفّة، وهو الذي يوجب على قاذفه ثمانين جلدة.
[والثالث]: الإحصان بمعنى الحريّة.
[والرابع]: الإحصان بمعنى التزويج.
[والخامس]: الإحصان بمعنى الإسلام.
فأما الإحصان في الزنا، فليس له ذكر في القرآن العزيز إلا في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، قالوا: معناه مُصيبين بالنكاح، لا بالزنا.
وأما الأربعة الباقية فمذكورة في الكتاب العزيز، فأما الإحصان في المقذوف، فهو المراد بقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية.
وأما الإحصان بمعنى الحرية، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨٤.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٨٤.
[ ٣ / ٤٢ ]
الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية.
وأما الإحصان بمعنى التزويج، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى قولهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية.
وأما الإحصان بمعنى الإسلام، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية.
واختلف العلماء في المراد بأُحْصِنَّ هذا، فقيل: أسلمن، وقيل: تزوجن، وقد قُرئ بفتح الهمزة وضمها قراءتان في السبع، قال الواحديّ: من ضمها فمعناه: أُحْصِنَّ بالأزواج، أي تزوجن، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة - رحمهم الله تعالى - ومن فتحها، فمعناه: أسلمن، كذا قاله ابن عمر، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - والشعبيّ، وإبراهيم، والسُّدّيّ - رحمهم الله تعالى -.
فأما شرط المحصن الذي يُرْجَم في الزنا، فهو البالغ العاقل الحرّ الواطئ في نكاح صحيح في حال تكليفه وحريته.
وأما المحصن الذي يُجْلَد قاذفه ثمانين جلدة، فهو البالغ العاقل الحرّ المسلم العفيف، وإن شئت قلت في الموضعين: المكلف بدلًا عن البالغ العاقل، والأول أولى؛ لئلا يَخْرُج السكران والنائم، فإنهما ليسا مكلفين.
قال الإمام الواحديّ: الإحصان في اللغة أصله المنع، وكذلك الحصانة، ومنه مدينة حصينة، ودِرعٌ حصينة، أي تمنع صاحبها من الجرح، والحصن: الموضع الحصين؛ لمنعه، والْحِصَان - بكسر الحاء -: الفرس؛ لمنعه لصاحبه من الهلاك، والْحَصَان - بفتح الحاء -: المرأة العفيفة؛ لمنعها فرجها من الفساد، وحَصنت المرأة تَحْصُن حُصْنًا (^١) فهي حَصَان، مثل: جَبُنت تَجْبُن جُبْنًا فهي جَبَان.
وقال الفيّوميّ: و"الحصان" - بالفتح -: المرأة العفيفة، وجمعها حُصُنٌ،
_________________
(١) ذكر في "القاموس" أن "حصنًا" المصدر مثلّث الحاء، فراجعه ص ١٠٧٢.
[ ٣ / ٤٣ ]
وقد حَصِنَت مثلث الصاد، وهي بَيِّنة الْحَصانة - بالفتح -: أي العفة، وأحصن الرجل بالألف: تَزَوَّج، والفقهاء يزيدون على هذا: وَطِئ في نكاح صحيح، قال الشافعيّ: إذا أصاب الحرّ البالغ امرأته، أو أُصيبت الحرة البالغة بنكاح، فهو إحصان في الإسلام والشرك، والمراد في نكاح صحيح، واسم الفاعل من أَحْصَنَ: إذا تزوج مُحْصِنٌ - بالكسر - على القياس، قاله ابن القطاع، ومُحْصَنٌ - بالفتح - على غير قياس، والمرأة مُحْصَنَةٌ - بالفتح - أيضًا على غير قياس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ويَحْرُم عليكم المتزوجات، وأما أَحْصَنت المرأة فرجها: إذا عَفَّت، فهي مُحْصِنَة - بالفتح، والكسر - أيضًا، وقُرئ بذلك في السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المراد الحرائر العفيفات، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المراد الحرائر أيضًا. انتهى كلام الفيّوميّ (^١).
قال الواحديّ: وأما الإحصان، فيقع على معانٍ ترجع إلى معنى واحد، منها: الحرية، والعَفَافُ، وكون المرأة ذات زوج، فالإحصان هو أن يَحْمِي الشيءَ، ويمنع، والحرةُ تَحْصُن نفسها، وتُحْصَن هي أيضًا، والعفة مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها من الزنا، والإسلام مانع من الفواحش، والمحصَنَةُ المزوجة؛ لأن الزوج يمنعها.
قال الواحديّ: واختَلَفَ القراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن، إلا الحرف الأول في النساء ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فإنهم أجمعوا على فتحه، قاله أبو عبيدة. انتهى كلام الواحديّ (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد نظمت المعاني الخمسة للإحصان بقولي:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٩.
(٢) راجع: "تهذيب الأسماء واللغات"، وقد حذفت بعضه؛ لركاكته، وزدت بدل المحذوف من عبارة "الصباح المنير".
[ ٣ / ٤٤ ]
قَدْ وَرَدَ الإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ عَلَى … خَمْسَةِ أَقْسَامٍ رَوَاهَا النُّبَلَا
عِفَّةٌ النِّكَاحُ وَالإِسْلَامُ … حُرِّيَّة تَزْوِيجُ مَنْ تُرَامُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٩] (٨٩)، و(البخاريّ) في "الوصايا" (٢٧٦٦)، و"الطبّ" (٥٧٦٤)، و"الحدود" (٦٨٥٧)، و(أبو داود) في "الوصايا" (٢٨٧٤)، و(النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٩٨)، و"الكبرى" (٦٤٩٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٨ و١٤٩)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٦٢)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٥٥٦١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٤٩)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٣٨٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قبح الشرك بالله تعالى، وهو وجه مناسبة إيراده هنا؛ لأن الشرك ضدّ الإيمان، ومناقض له، فلا بدّ أن تُعلم أنواعه، حتى لا يقع فيه المؤمن جهلًا، فيفسد عليه إيمانه.
٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر.
٣ - (ومنها): بيان وجوب الاجتناب عن هذه السبع الموبقات التي تُهلك من تلبّس بها، وترديه في جنهم - أعاذنا الله تعالى بمنّه منها -.
٤ - (ومنها): شدّة حرص النبيّ - ﷺ - على تحذير أمته عن اقتراف ما يُهلكها، ويُرديها، فهذا مصداق قوله ﷾: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٥ - (ومنها): تحريم الفرار من الزحف، وقد اختلف العلماء، هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟.
[ ٣ / ٤٥ ]
فرُوي عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، وبه قال أبو حنيفة، وأن ذلك خاصّ بأهل بدر، فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبيّ - ﷺ -، فأما بعد ذلك، فإن بعضهم فئة لبعض، قال إلْكِيا: وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلقٌ كثيرٌ من الأنصار، لم يأمرهم النبيّ - ﷺ - بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله - ﷺ - فيمن خَفّ معه.
ويُرْوَى عن ابن عباس، وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة.
احتَجَّ الأولون بما ذَكَرنا، وبقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نُسِخَ حكم الآية بآية الضعْف، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة، وقد فَرَّ الناس يوم أحد، فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف.
وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾، وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة، بشرط الضِّعْف الذي بيّنه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ.
والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال، وانقضاء الحرب، وذهاب اليوم بما فيه، وإلى هذا ذهب مالك، والشافعيّ، وأكثر العلماء، وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" وفيه: "والتولي يوم الزحف"، وهذا نصّ في المسألة، وأما يوم أُحد، فإنما فَرّ الناس من أكثر من ضِعْفهم، ومع ذلك عُنّفُوا، وأما يوم حنين فكذلك مَن فَرَّ إنما انكشف عن الكثرة. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أن الآية غير منسوخة، وأن الحكم عامّ لا يختصّ بيوم بدر هو الصواب؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٧/ ٣٨١ - ٣٨٢.
[ ٣ / ٤٦ ]
[فائدة]: الفرار من الزحف من كبائر الذنوب، كما سبق، فمن فرّ فليستغفر الله ﷿، لما أخرجه الترمذي من حديث بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي، عن جدّي، سمع النبيّ - ﷺ - يقول: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه، غُفِر له، وإن كان قد فَرّ من الزحف" (^١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما ورد من الآثار في الموبقات، وما قاله أهل العلم في ذلك:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: المراد بالموبقة هنا الكبيرة، كما ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - من وجه آخر، أخرجه البزّار، وابن المنذر، من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: "الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس … " الحديث، مثل رواية أبي الغيث، إلا أنه ذكر بدل "السحر": الانتقال إلى الأعرابيّة بعد الهجرة.
وأخرج النسائيّ، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق صُهيب، مولى الْعُتْوَاريين، عن أبي هريرة، وأبي سعيد - ﵄ -، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من عبد يُصلّي الخمس، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنّة" الحديث، ولكن لم يفسّرها.
والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم، وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه النسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه"، والطبرانيّ، من طريق سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، قال: "كتب رسول الله - ﷺ - كتاب الفرائض، والديات، والسنن، وبَعَثَ به مع عمرو بن حزم إلى اليمن" الحديث بطوله، وفيه: "وكان في الكتاب: وإن أكبر الكبائر الشرك"، فذكر مثل حديث سالم سواءً، وللطبرانيّ من حديث سهل بن أبي حثمة، عن عليّ - ﵁ - رفعه: "اجتنب الكبائر السبع"، فذكرها، لكن ذكر "التعرّب بعد الهجرة"، بدل "السحر"، وله في
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، راجع: "صحيح الترمذيّ" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ٣/ ١٨٢ رقم الحديث (٢٨٣١).
[ ٣ / ٤٧ ]
"الأوسط" من حديث أبي سعيد - ﵁ - مثله، وقال: "الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة". ولإسماعيل القاضي من طريق المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو، قال: "صعد النبيّ - ﷺ - المنبر، ثم قال: أبشروا، مَن صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنّة"، فقيل له: أسمعت النبيّ - ﷺ - يذكرهنّ؟ قال: نعم، فذكر مثل حديث عليّ سواءً، وقال عبد الرزّاق: أنبأنا معمرٌ، عن الحسن، قال: "الكبائر الإشراك بالله"، فذكر مثل الأصول (^١) سواءً، إلا أنه قال: "اليمين الفاجرة"، بدل "السحر".
ولابن عمرو فيما أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد"، والطبريّ في "التفسير"، وعبد الرزّاق، والخرائطيّ في "مساوئ الأخلاق"، وإسماعيل القاضي في "أحكام القرآن"، مرفوعًا، وموقوفًا، قال: "الكبائر تسع"، فذكر السبع المذكورة، وزاد: "الإلحاد في الحرم، وعُقُوق الوالدين".
ولأبي داود، والطبرانيّ، من رواية عُبيد بن عُمير بن قتادة الليثيّ، عن أبيه، رفعه: "إن أولياء الله المصلّون، ومن يجتنب الكبائر"، قالوا: ما الكبائر؟ قال: "هنّ تسعٌ، أعظمهنّ الإشراك بالله"، فذكر مثل حديث ابن عمر سواءً، إلا أنه عبّر عن "الإلحاد في الحرم" باستحلال البيت الحرام.
وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيّب، قال: "هنّ عشرٌ"، فذكر السبع التي في الأصل، وزاد: "وعقوقُ الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر".
ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث، عن عليّ - ﵁ - قال: "الكبائر"، فذكر التسع، إلا مال اليتيم، وزاد العقوق، والتعرّب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول، والزنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ثمنًا قليلًا؟ ".
وعند عبد الرزّاق، والطبرانيّ، عن ابن مسعود - ﵁ -: "أكبر الكبائر
_________________
(١) يعني: السبعة التي أوردها البخاريّ، وهي التي أوردها مسلم أيضًا.
[ ٣ / ٤٨ ]
الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله"، وهو موقوف.
وروى إسماعيل بسند صحيح، من طريق ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الأصل (^١)، لكن قال: "البهتان" بدل السحر، والقذف، فسُئل عن ذلك؟ فقال: البهتان يجمع.
وفي "الموطّأ" عن النعمان بن مرّة مرسلًا: "الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فواحش"، وله شاهد من حديث عمران بن حُصين عند البخاريّ في "الأدب المفرد"، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وسنده حسنٌ، وسيأتي في "الطهارة" حديث ابن عباس في النميمة، ومن رواه بلفظ الغيبة، وترك التنزّه من البول.
ولإسماعيل القاضي، من مرسل الحسن، ذكر "الزنا والسرقة"، وله عن أبي إسحاق السبيعيّ: "شتم أبي بكر وعمر"، وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مِقسم.
وأخرج الطبريّ عنه بسند صحيح: "الإضرار في الوصيّة من الكبائر"، وعنه: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر"، رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر ذكر النُّهْبة، ومن حديث بُريدة عند البزّار: منع فضل الماء، ومنع طروق الفحل، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم: "الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنّة"، ثم فسّر نكث الصفقة بالخروج على الإمام، وترك السنّة بالخروج عن الجماعة، أخرجه الحاكم، ومن حديث ابن عمر عند ابن مردويه: "أكبر الكبائر سوء الظنّ بالله".
ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، عن أنس - ﵁ - رفعه: "نظرت في الذنوب، فلم أرَ أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل، فنسيها"، وحديث: "من أتى حائضًا، أو كاهنًا، فقد كفر". أخرجه الترمذيّ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما وقفت عليه، مما ورد
_________________
(١) يعني: رواية البخاريّ، وهي رواية مسلم أيضًا.
[ ٣ / ٤٩ ]
التصريح بأنه من الكبائر، أو من أكبر الكبائر، صحيحًا، وضعيفًا، مرفوعًا، وموقوفًا، وقد تتبّعته غاية التتبّع، وفي بعضه ما ورد خاصًّا، ويدخل في عموم غيره، كالتسبب في لعن الوالدين، وهو داخل في العقوق، وقتل الولد، وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخلٌ في الزنا، والنُّهْبة، والغلول، واسم الخيانة يشمله، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلّم السحر، وهو داخل في السحر، وشهادة الزور، وهي داخلة في قول الزور، واليمين الغموس، وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله، كاليأس من روح الله.
والمعتمد في كلّ ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في حديث الباب، والانتقال عن الهجرة، والزنا، والسرقة، والعقوق، واليمين الغموس، والإلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزّه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون خصلة، وتتفاوت مراتبها، والمجمع على عدّه من ذلك أقوى من المختلف فيه، إلا ما عضده القرآن، أو الإجماع، فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع، ومن الموقوف ما يقاربها.
ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع.
ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف.
وبأنه أُعْلِم أوّلًا بالمذكورات، ثم أُعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك.
وقد أخرج الطبريّ، وإسماعيل القاضي، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قيل له: الكبائر سبع، فقال: هنّ أكثر من سبع، وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى السبعمائة.
ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٨٩ - ١٩٠ "كتاب الحدود" رقم (٦٨٥٧).
[ ٣ / ٥٠ ]
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر:
قد اختلف السلف في الكبائر والصغائر، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر.
وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الإسفرايينيّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كلّ ما نهى الله عنه كبيرة، ونُقِل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين، واحتجّوا بأن كلّ مخالفة لله، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. اهـ.
ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم في ذلك من الأشعريّة أبو بكر بن الطيّب، وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة، بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرّمة صغيرة بإضافتهما إلى الزنا، وكلّها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يُغْفَر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] أن المراد الشرك.
وقد قال الفرّاء: من قرأ "كبائر"، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسل إليهم غير نوح ﵇، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة. اهـ.
قال النوويّ: قد تظاهرت الأدلّة من الكتاب والسنّة إلى القول الأول، وقال الغزاليّ في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة، لا يليق بالفقيه.
قال الحافظ: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره، وبيّن أنه لا يخالف ما قاله الجمهور، فقال في "الإرشاد": المرضيّ عندنا أن كلّ ذنب يُعصَى الله به كبيرة، فربّ شيء يُعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والربّ أعظم من عُصِي، فكلّ ذنب بالإضافة
[ ٣ / ٥١ ]
إلى مخالفته عظيم، ولكن الذنوب، وإن عظمت، فهي متفاوتة في رتبها.
وظنّ بعض الناس أن الخلاف لفظيّ، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض، فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلّها كبائر. اهـ. والتحقيق أن الخلاف معنويّ، وإنما جَرَى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدالّ على أن الصغائر تُكفّر باجتناب الكبائر، كما تقدّم، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عباس أن كلّ ما نهى الله تعالى عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فجعل في المنهيّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟.
قال الحافظ: ويؤيّده ما سيأتي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في تفسير اللمم، لكن النقل المذكور عنه، أخرجه إسماعيل القاضي، والطبريّ بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عبّاس، فالأَولى أن يكون المراد بقوله: "نهى الله عنه" محمولًا على نهي خاصّ، وهو الذي قُرن به وعيد، كما قُيّد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيّده جمعًا بين كلاميه.
وقال الطيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب، فأما الطاعة، فكلّ ما تكفّره الصلاة مثلًا هو من الصغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام، أو الهجرة فهو من الكبائر.
وأما المعصية، فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيدًا، أو عقابًا أزيد من الوعيد، أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى، فهي كبيرة.
وأما الثواب، ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين، فالصغيرة بالنسبة إليه
[ ٣ / ٥٢ ]
كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لم تُعَدّ من غيرهم معصية. اهـ.
وكلامه فيما يتعلّق بالوعيد والعقاب يخصّص عموم مَن أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد، أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أن مطلق قتل النفس مثلًا كبيرة، كأنه وإن ورد الوعيد فيه، أو العقاب، لكن ورد الوعيد وإلعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصواب ما قاله الجمهور، وأن المثال المذكور، وما أشبهه ينقسم إلى كبير وأكبر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١) وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الكبيرة:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد اختلف العلماء في حدّ الكبيرة، وتمييزها من الصغيرة، فجاء عن ابن عباس - ﵄ -: كل شيء نَهَى الله عنه فهو كبيرة، وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الفقيه الشافعيّ، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى هذا المذهب عن المحققين.
واحتج القائلون بهذا بأن كلَّ مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة.
وذهب الجماهير من السلف والخلف، من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مرويّ أيضًا عن ابن عباس - ﵄ -، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها، قال أبو حامد الغزاليّ في كتابه "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه، وقد فُهِمَا من مدارك الشرع، وهذا الذي قاله أبو حامد قد قاله غيره بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تُكَفِّره الصلوات الخمس، أو صوم رمضان، أو الحجّ، أو العمرة، أو الوضوء، أو صوم عرفة، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث
_________________
(١) "فتح" ١٢/ ١٤ - ١٦ "كتاب الأدب".
[ ٣ / ٥٣ ]
الصحيحة، وإلى ما لا يُكَفِّره ذلك، كما ثبت في "الصحيح": "ما لم يَغْشَ كبيرة"، فسَمَّى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شكّ في حسن هذا، ولا يُخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها؛ لكونها أقلّ قُبْحًا، ولكونها متيسرة التكفير، والله تعالى أعلم.
وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلفوا في ضبطها اختلافًا كثيرًا منتشرًا جدًّا.
فروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: الكبائر كلُّ ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، ونحوُ هذا عن الحسن البصريّ.
وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار، أو حدّ في الدنيا.
قال الحافظ: وممن نَصّ على هذا الأخير الإمام أحمد، فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعية الماورديّ، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجه إليها الوعيد، والمنقول عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعًا، وأخرج من وجه آخر متصل لا بأس برجاله أيضًا، عن ابن عباس قال: كلُّ ما توعّد الله عليه بالنار كبيرة، وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى، منها: قولُ إمام الحرمين: كلُّ جريمة تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورِقّة الديانة، وقول الْحَلِيميّ: كل محرم لعينه منهيّ عنه لمعنى في نفسه، وقال الرافعيّ: هي ما أوجب الحدّ، وقيل: ما يُلحَق الوعيدُ بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه.
وقد استُشكِل بأن كثيرًا مما وَردت النصوص بكونه كبيرةً لا حَدّ فيه، كالعقوق.
وأجاب بعض الأئمة بأن مُراد قائله: ضبطُ ما لم يَرِد فيه نص بكونه كبيرةً.
وقال ابن عبد السلام في "القواعد": لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة، لا يَسْلَم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعِر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارَ أدون الكبائر المنصوص عليها.
[ ٣ / ٥٤ ]
قال الحافظ: وهو ضابط جيّدٌ (^١).
وقال أبو حامد الغزالي في "البسيط": والضابط الشامل المعنويّ في ضبط الكبيرة أنّ كلَّ معصية يُقْدِم المرء عليها من غير استشعار خوف، وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والمتجرئ عليه اعتيادًا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون، فهو كبيرة، وما يُحْمَل على فَلَتات النفس، أو اللسان، وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزجُ به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في "فتاويه": الكبيرةُ كل ذنب كَبُر وعَظُم عِظَمًا يَصِحُّ معه أن يُطلَق عليه اسم الكبير، ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق، قال: فهذا حدّ الكبيرة، ثم لها أمارات، منها: إيجاب الحدّ، ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها، في الكتاب أو السنة، ومنها: وصف فاعلها بالفسق نصًّا، ومنها: اللعن، كـ "لَعَنَ الله مَن غيّر مَنَارَ الأرض".
وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد": إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر، فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو رَبَت عليه فهي من الكبائر، فمَن شَتَمَ الربّ ﷾، أو رسوله - ﷺ -، أو استهان بالرسل، أو كذَّب واحدًا منهم، أو ضَمَخَ الكعبة بالعَذِرَة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرِّح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو أمسك امرأةً محصنةً لمن يزني بها، أو أمسك مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو دَلَّ الكفار على عورات المسلمين، مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته، وَيسْبُون حُرَمَهم وأطفالهم، وَيغْنَمون (^٢) أموالهم، فإن نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٢٤ - ٤٢٥ "كتاب الأدب" رقم الحديث (٥٩٧٧).
(٢) من باب فرخ.
[ ٣ / ٥٥ ]
الزحف بغير عذر، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كَذَب على إنسان كذبًا يَعلم أنه يُقتل بسببه، أما إذا كَذَب عليه كذبًا يؤخذ منه بسببه تمرة، فليس كذبه من الكبائر، قال: وقد نَصَّ الشرع على أن شهادة الزور، وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير، فيجوز أن يُجعلا من الكبائر فِطَامًا عن هذه المفاسد، كما جُعِل شرب قَطْرة من خمر من الكبائر، وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يُضْبَط ذلك بنصاب السرقة، قال: والحكم بغير الحقّ كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب، والحاكم مباشر، فإذا جُعل السبب كبيرة، فالمباشرة أولى. قال:
وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قُرِن به وعيدٌ، أو حَدٌّ، أو لَعْنٌ، فعلى هذا كلُّ ذنب عُلِم أن مفسدته كمفسدة ما قُرِن به الوعيد، أو الحدّ، أو اللعن، أو أكثر من مفسدته فهو كبيرة، ثم قال: والأولى أن تُضبَط الكبيرة بما يُشْعِر بتهاون مرتكبها في دينه إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى.
وقال الإمام أبو الحسن الواحديّ المفسر وغيره: الصحيح أن حَدَّ الكبيرة غير معروف، بل وَرَدَ الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواعٍ لم توصف، وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في عدم بيانه أن يكون العبد ممتنعًا مخافةَ أن يكون من الكبائر، قالوا: وهذا شبيهٌ بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة إجابة الدعاء من الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك، مما أُخفِيَ، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا في "الفتح" في "كتاب الحدود" بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في الكبائر، ما نصّه: هاذا تقرر ذلك عُرِف فساد مَن عَرَّف الكبيرة بأنها ما وَجَب فيها الحدّ؛ لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحدّ، قال الرافعيّ في "الشرح الكبير": الكبيرة هي الموجبة للحدّ، وقيل: ما
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ٢/ ٨٤ - ٨٥، بزيادة من "الفتح" (١٠/ ٤٢٤ - ٤٢٥) رقم الحديث (٥٩٧٦ - ٥٩٧٧).
[ ٣ / ٥٦ ]
يُلْحَق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، وقد أقره في "الروضة"، وهو يُشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد قال الماورديّ في "الحاوي": هي ما يوجب الحدَّ، أو توجَّه إليها الوعيد، و"أو" في كلامه للتنويع، لا للشكّ، وكيف يقول عالم: إن الكبيرة ما وَرَدَ فيه الحدّ مع التصريح في "الصحيحين" بالعقوق، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وغير ذلك؟ والأصل فيما ذكره الرافعيّ قولُ البغوي في "التهذيب": مَن ارتكب كبيرةً، من زنا، أو لواط، أو شرب الخمر، أو غصب، أو سرقة، أو قتل بغير حقّ تُرَدُّ شهادته، وإن فعله مرةً واحدةً، ثم قال: فكلُّ ما يوجب الحدّ من المعاصي فهو كبيرة، وقيل: ما يُلحَق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة. انتهى. والكلام الأول لا يقتضي الحصر، والثاني هو المعتمد.
وقال ابن عبد السلام: لم أقف على ضابط الكبيرة - يعني: يسلم من الاعتراض - قال: والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكلّ ذنبٍ قُرِن به وعيدٌ، أو لعن.
قال الحافظ: وهذا أشمل من غيره، ولا يَرِد عليه إخلاله بما فيه حدّ؛ لأن كل ما ثبت فيه الحدّ لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقًا، والمتراخية إذا تضيقت.
وقال ابن الصلاح: لها أماراتٌ:
[منها]: إيجابُ الحدّ.
[ومنها]: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها، في الكتاب أو السنة.
[ومنها]: وصف صاحبها بالفسق.
[ومنها]: اللعن. قال الحافظ: وهذا أوسع مما قبله.
وقد أخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لهيعة، عن أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا: "الكبائر كلُّ ذنب أدخل صاحبه النار"، وبسند صحيح عن الحسن البصريّ قال: "كلُّ ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة".
[ ٣ / ٥٧ ]
ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ في "المفهم": كلُّ ذنب أُطلق عليه بنصّ كتاب، أو سنة، أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو عُلّق عليه الحدّ، أو شُدّد النكير عليه فهو كبيرة.
قال الحافظ: وعلى هذا فينبغي تتبع ما وَرَد فيه الوعيد، أو اللعن، أو الفسق من القرآن، والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويُضَمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن، والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عُرِف منه تحرير عددها، وقد شرعتُ في جمع ذلك، وأسأل الله الإعانة على تحريره بمنّه وكرمه.
وقال الحليميّ في "المنهاج": ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تُضَمُّ إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشةً كذلك، إلا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة.
قال الحافظ: ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش، ثم ذكر الحليميّ أمثلة لما قال، فالثاني: كقتل النفس بغير حقّ، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة، والزنا كبيرةٌ، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم، أو جاهر به فهو فاحشة.
والأول: كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرةٌ، فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم فكبيرة، وسرقةُ ما دون النصاب صغير، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة. وأطال في أمثلة ذلك، وفي الكثير منه ما يُتَعَقَّب، لكن هذا عنوانه، وهو منهجٌ حسن، لا بأس باعتباره، ومدارُهُ على شدة المفسدة وخفتها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(المسألة السابعة): قال العلماء رحمهم الله تعالى: الإصرار على الصغيرة يَجعلها كبيرةً، ورُوي عن عمر، وابن عباس، وغيرهما - ﵃ -: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار"، ومعناه: أن الكبيرة تُمحَى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ١٩٠ - ١٩١ "كتاب الحدود" رقم الحديث (٦٨٥٧).
[ ٣ / ٥٨ ]
قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في حَدِّ الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يُشعِر بقلة مبالاته بدينه؛ إشعارَ ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع، بحيث يُشعر مجموعها بما يُشعر به أصغر الكبائر.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: الْمُصِرُّ مَن تلبّس من أضداد التوبة باسم العزم على المعاودة، أو باستدامة الفعل، بحيث يَدخُل به ذنبه في حيز ما يُطلَق عليه الوصف بصيرورته كبيرًا عظيمًا، وليس لزمان ذلك وعدده حصر، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" (^١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠] (٩٠) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَاد، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟، قَالَ: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أمّهُ فَيَسُبُّ أمّهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثّقَفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ٢/ ٨٦ - ٨٧.
[ ٣ / ٥٩ ]
٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة والقاسم بن محمد حَيٌّ، ثقة فاضلٌ عابد [٥] (ت ١٢٥) وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٥) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، ومن المعلوم أنهما دخلا المدينة، فقد أخذا عن مالك وغيره من أهلها.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: ابن الهاد، وسعد، وحُميد، ورواية الأولين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الخامسة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي:
وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ … فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍ وعَادَلَهْ
مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلِ عُمَرَا … وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيرَ هَذَا ذَكَرَا
وهو أحد الفقهاء المكثرين من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني: أنه من أكبر الكبائر؛
[ ٣ / ٦٠ ]
لأن شتم المسلم الذي ليس بأبٍ كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه. انتهى (^١).
وتعقّبه بعضهم بأنه لم يقصد شتم أبيه، وليس فعل السبب كفعل المسبّب على كلّ حال، فالصواب كونه كبيرةً، كما جعله في الحديث. انتهى (^٢).
والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (شَتْمُ الرَّجُلِ) هذا لا يخصّ الرجل، بل يعمّ النساء أيضًا؛ لأنهنّ لا يتخلفن عن الرجال في هذا، فتنبّه.
(وَالِدَيْهِ") وللبخاريّ: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، وله في "الأدب المفرد": "من الكبائر عند الله أن يسبّ الرجل والده".
و"الشتم": السبّ، يقال: شَتَمَه يَشْتُمه، من بابي: ضرب، ونصر، شَتْمًا، ومَشْتَمَةً بفتح التاء، ومَشْتُمَةً بضمّها: سبّه، أفاده في "القاموس" (^٣).
(قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون مجلس تحديث - ﷺ - (يَا رَسُولَ الله، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟)، قال في "المفهم": استفهام إنكار واستبعاد لوقوع ذلك من أحد من الناس، وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من المبالغة في برّ الوالدين، ومن الملازمة لمكارم الأخلاق والآداب. انتهى (^٤).
وقال في "الفتح": هو استبعاد من السائلين؛ لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك، فَبَيَّن - ﷺ - في الجواب أنه وإن لم يتعاطَ السّبّ بنفسه في الأغلب الأكثر، لكن قد يقع منه التسبب فيه، وهو مما يمكن وقوعه كثيرًا.
(قَالَ) - ﷺ - ("نَعَمْ) أي يقع شتم الرجل والديه، وذلك أن الشخص (يَسُبُّ) بضمّ السين المهملة، من باب نصر، والسبّ: العار (أَبَا الرَّجُلِ) هذا لا يخصّ الرجل، بل لو سبّ أبا المرأة، فكذلك، فتنبّه (فَيَسُبُّ) الرجل المسبوب أبوه (أَبَاهُ) أي أبا السابّ مجازاة لجريمته (ويسُبُّ أمَّهُ) أي أم الرجل (فَيَسُبُّ) المسبوب أمه أيضًا (أمَّهُ") أي أم السابّ كذلك.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على أن من تسبب في شيء جاز أن يُنسَب إليه ذلك الشيء، وإنما جُعِل هذا عقوقًا؛ لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالد
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨٥.
(٢) راجع: "مكمل إكمال الإكمال" ١/ ١٩٩.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١٠١٥.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٨٥.
[ ٣ / ٦١ ]
تأذيًا ليس بالْهَيّن كما تقدم في حدّ العقوق، وفيه قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق، ونحو ذلك. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على أن سبب الشيء قد يُنزّله الشرع منزلة الشيء في المنع، فيكون حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرًا، ويمنع بيع ثياب الخزّ ممن يلبسها، وهي لا تحلّ له، وهو أحد القولين للمالكيّة، وفيه حجة لمالك على القول بسدّ الذرائع، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، والذريعة هي الامتناع مما ليس ممنوعًا في نفسه مخافةَ الوقوع في محظور. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٧٠ و٢٧١] (٩٠)، و(البخاريّ) في "الأدب" (٥٩٧٣)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥١٤١)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٤ و٢١٤ و٢١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦٣ و٢٦٤)، وفي "الحلية" (٣/ ١٧٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١١ و٤١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحريم سبّ الوالدين، وكونه من الكبائر.
٢ - (ومنها): بيان عظمة حقّ الوالدين، وأن أيّ فعل يتأذّيان به فإنه حرام، وإن لم يكن مباشرة.
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصلٌ في سدّ الذرائع، ويؤخذ منه أن مَن آل فعله إلى مُحَرَّم يَحْرُم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يَحْرُم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى:
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٨.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٨٥.
[ ٣ / ٦٢ ]
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الَاية.
٤ - (ومنها): أنه استنبط منه الماورديّ ﵀ تحريم بيع ثوب الحرير ممن يتحقق أنه يلبسه، والغلام الأمرد ممن يتحقق أنه يفعل به الفاحشة، والعصير ممن يتحقق أنه يتخذه خمرًا.
٥ - (ومنها): ما قاله الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: فيه العمل بالغالب؛ لأن الذي يَسُبّ أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه، ويجوز أن لا يفعل، لكن الغالب أن يجيبه بنحو قوله.
٦ - (ومنها): أن فيه مراجعةَ الطالب لشيخه فيما يقوله، مما يُشْكِل عليه.
٧ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الكبائر، وقد سبق قريبًا تمام البحث فيه.
٨ - (ومنها): أن فيه أن الأصل يَفْضُلُ الفرع بأصل الوضع، ولو فضله الفرع ببعض الصفات، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان مسألة مهمّة لها صلة بهذا الحديث، بل هو من أصولها القوّية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهي البحث عن سدّ الذرائع.
(اعلم): أن "الذرائع": جمع ذريعة، وهي في اللغة: ما كان طريقًا إلى الشيء، أما في الاصطلاح فالأكثرون يقصرونها على ما أفضى إلى محرّم، فقالوا: هي كلُّ عمل ظاهر الإباحة، يُتوصّل به إلى فعل محظور، وبعضهم يرى أنها تعمّ جميع الوسائل: المباحة، والمحرّمة، ومن هؤلاء: القرافيّ، وابن تيميّة، وابن القيمّ رحمهم الله تعالى، قالوا: هي ما كانت وسيلة إلى الشيء، وصرّح القرافيّ بأنه كما يجب سدّها، يجب فتحها، وتُكره، وتُندب، وتُباح. انتهى.
وقد شاع أن المالكيّة هم القائلون دون غيرهم بسدّ الذرائع، وذلك إنما كان بسبب توسّعهم فيها، كما نبّه عليه القرافيّ؛ إذ قد قال بها الحنابلة أيضًا، قال ابن العربيّ في "أحكام القرآن": انفرد بها مالك، وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته، وخفيت على الشافعيّ وأبي حنيفة، بل جاء عن بعض العلماء ما
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤١٨.
[ ٣ / ٦٣ ]
يُفيد أن من خالفوا مالكًا في هذه المسألة إنما خالفوه عند التأصيل، وعمِلُوا بها في فروعهم، فقد نقل الشوكانيّ عن القرطبيّ أنه قال: سدّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا. انتهى (^١).
ولقد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه البديع "إعلام الموقّعين"، فأجاد، وأفاد، ودونك نصّه، قال رحمه الله تعالى: