وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢] (٩١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: "إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقّ، وَغَمْطُ النَّاسِ").
[ ٣ / ٨٨ ]
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بن دِينَارٍ) التّمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن إسماعيل بن علية، وابن عيينة، وهشيم، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو زرعة، وموسى بن حماد، وأبو يعلى، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعدة.
قال أبو زرعة، ومحمد بن إبراهيم بن جُنَادة: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو القاسم البغويّ: مات سنة (٢٣٢).
قال الحافظ: وذكر ابن خلفون أن أبا داود رَوَى أيضًا عنه، نقلته من خط مغلطاي، وفرَّق ابن حبّان بين شيخ أبي زرعة، وشيخ أبي يعلى.
وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، خَتَنُ أبي عَوَانة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن أبي عوانة، وعكرمة بن عمار، وشعبة، وحماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وجويرية بن أسماء، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وروى هو أيضًا والباقون له بواسطة إسحاق بن راهويه، وإبراهيم بن دينار، والحسن بن مُدْرِك الطحان، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، وأحمد بن إسحاق السُّرْمَاريّ، وحُميد بن زَنْجويه، وأبي داود الحرانيّ، وأبي موسى محمد بن المثنى، وبُندار، وأبي قدامة السرخسيّ، ومحمد بن مَعْمَر البحرانيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، والذهليّ، وآخرين، وآخر مَن حَدَّث عنه أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجيّ.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن النعمان بن عبد السلام: لم أر أعبد منه، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وكان من أروى الناس عن أبي عوانة.
وقال البخاريّ، عن الحسن بن مُدْرِك: مات سنة خمس عشرة ومائتين.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا
[ ٣ / ٨٩ ]
الحديث، وحديث (١٥٣٦): "من كانت له أرض، فليهبها … "، و(١٥٤٩): "نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة … "، و(١٧٠٧): "جلَدَ النبيّ - ﷺ - أربعين … "، و(٢٠٤٢): "اللهمّ بارك لهم فيما رزقتهم … "، و(٢٣٠١): "إني لَبِعُقْر حوضي أذود الناس … ".
٣ - (أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ) - بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام - الرَّبَعيّ، أبو سعد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلِّم فيه للتشيّع [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، والحكم بن عُتيبة، وفُضَيل بن عَمرو الْفُقَيميّ، وأبي جعفر الباقر، وغيرهم.
ورَوَى عنه موسى بن عقبة، وشعبة، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وجماعة.
قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: صالح، وقال الْجُوزجانيّ: زائغ، مذموم المذهب، مُجاهر، وقال ابن عديّ: له نُسَخٌ عامتها مستقيمة، إذا رَوَى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح، لا بأس به.
قال الحافظ: هذا قولُ مُنصف، وأما الجوزجاني، فلا عبرة بحطه على الكوفيين، فالتشيع في عرف المتقدمين، هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتَقَد بعضهم أن عليًّا أفضل الخلق بعد رسول الله - ﷺ -، وإذا كان مُعتقد ذلك ورِعًا دَيِّنًا صادقًا مجتهدًا، فلا تُرَدُّ روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية.
وأما التشيع في عُرْف المتأخرين، فهو الرفض المحض، فلا تُقْبَل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامةَ.
وقال ابن عجلان: ثنا أبان بن تغلب، رجل من أهل العراق من النُّسّاك ثقة، ولَمّا خَرَّج الحاكم حديث أبان في "مستدركه" قال: كان قاصّ الشيعة، وهو ثقة، ومَدَحَه ابن عيينة بالفصاحة والبيان، وقال العقيليّ: سمعت أبا عبد الله يذكر عنه عقلًا وأدبًا وصحةَ حديث، إلا أنه كان غاليًا في التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأَرَّخ وفاته، ومنه نقل ابن
[ ٣ / ٩٠ ]
منجويه، وقال الأزديّ: كان غاليًا في التشيع، وما أعلم به في الحديث بأسًا.
وقال أبو نعيم في "تاريخه": مات سنة (٢٤٠)، وكان غاية من الغايات، وقال أحمد بن سَيّار: مات بعد سنة (٢٤١)، وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة (٢٤١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (١٢٤): "ليس هو كما تظنّون … "، و(٤٧٤): "كنا مع النبيّ - ﷺ - لا يحنو أحد منا ظهره … ".
[تنبيه]: قد تقدّم أن أبان يجوز صرفه، وترك صرفه، وأن الصرف أفصح، وأما "تَغْلب" فهو بفتح التاء الفوقانيّة، وسكون المعجمة، وكسر اللام (^١).
٤ - (فُضَيْلٌ الْفُقَيْمِيُّ) هو: فُضيل بن عَمْرو الْفُقَيميّ - بالفاء، والقاف، مصغّرًا - التميميّ، أبو النضر الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وإبراهيم النخعيّ، وثابت البنانيّ، وعامر الشعبيّ، وسعيد بن جبير، وأبي جَهْمَة زياد بن الحصين، وعائشة بنت طلحة، وإياس بن الطُّفَيل، ومجاهد بن جَبْر، ويحيى بن الجزّار، وغيرهم.
ورَوَى عنه أخوه الحسن بن عمرو، والعلاء بن المسيِّب، والأعمش، ومنصور، والحجاج بن أرطاة، وأبو إسرائيل الْمُلائيّ، وأبان بن تَغْلِب، وعُبيد بن مِهْران المكتب، وغيرهم.
قال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، حجةٌ، وقال العجليّ: كوفي ثقةٌ، وأخوه حسن كوفيّ ثقةٌ، وهو أصغر من فُضيل، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو من كبار أصحاب إبراهيم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة عشر ومائة، يخطئ، وكذا قال ابن منده في تاريخ وفاته، وفيها أرّخَه أبو موسى محمد بن المثنى وغيره، قال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث.
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده،
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ٨٩.
[ ٣ / ٩١ ]
وحديث (٢٦٦٢): "إن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه … "، و(٢٩٦٩): "يا رب ألم تُجرني من الظلم … ".
وله عند الترمذيّ حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديثان: أحدهما في الطهارة، والثاني في الحجّ.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ، فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا الصحابيّ تقدّم قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثُمانيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه إبراهيم، فإنه من أفراده، وقيل: روى عنه أبو داود، وغير يحيى بن حماد، فأخرج له أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وأبان بن تغلب، فما أخرج له البخاريّ، وكذا فضيل بن عمرو لم يُخرج له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في "القدر".
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من الشيوخ التسعة الذين اتّفق بالرواية عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد سبق بيانهم غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن علقمة، وهو خاله؛ لأن أمه مليكة بنت قيس أخت علقمة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنه (قَالَ: "لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ) اسم موصول فاعل "يدخل" (كَانَ فِي قَلْبِهِ
[ ٣ / ٩٢ ]
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) برفع "مثقال" على أنه اسم "كان" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله.
[تنبيه]: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: "من كان في قلبه مثقال ذرّة" كذا رويناه من أصل الحافظ أبي القاسم العساكريّ، ومن أصل أبي عامر الْعَبْديّ، وهو في أصل أبي حازم الْعَبْديّ، والأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ: "لا يدخل الجنّة مثقالُ ذَرَّة من كبر"، وهو بمعنى الأول، أي لا يدخلها صاحب مثقال ذرّة من كبر. انتهى (^١).
ومِثْقَالُ الشيء بكسر فسكون: ميزانُهُ من مثله، ويقال: أعطِهِ ثِقْله وزانَ حِمْلٍ: أي وزنه. أفاده الفيّوميّ (^٢).
وقال القرطبيّ: المثقال مِفْعالٌ من الثِّقْل، ومثقالُ الشيء: وزنه، يقال: هذا على مثقال هذا: أي على وزنه. انتهى (^٣).
"والذرّة": واحد الذّرّ، وهي صغار النمل، ومائة منها زِنَة حبّة شعير، قاله في "القاموس" (^٤).
وقوله: (مِنْ كِبْرٍ) بيان لـ "مثقال"، قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الكِبْر والكبرياء في اللغة: هو العَظَمَة، يقال فيه: كَبُر الشيء بضمّ الباء، أي عَظُم، فهو كبير وكِبَار، فإذا أفرط قيل: كُبّار بالتشديد، وعلى هذا فيكون الكبر والعظمة اسمين لمسمّى واحد، وقد جاء في الحديث ما يُشْعِر بالفرق بينهما، وذلك أن الله تعالى قال: "الكبرياء ردائي، والعَظَمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار" (^٥).
فقد فرّق بينهما، بأن عبّر عن أحدهما بالإزار، وعن الآخر بالرداء، وهما
_________________
(١) "الصيانة" ص ٢٧٣.
(٢) "المصباح" ١/ ٨٣، "ق" ص ٨٧٥.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٨٩.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٣٥٧.
(٥) رواه مسلم (٢٦٢٠)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة - ﵄ -، وهذا اللفظ لأبي داود، وابن ماجه، ولفظ مسلم عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته".
[ ٣ / ٩٣ ]
مختلفان، ويدلّ أيضًا على ذلك قوله: "فمن نازعني واحدًا منهما"، إذ لو كانا واحدًا لقال: فمن نازعنيه، فالصحيح إذن الفرق.
ووجهه أن جهة الكبرياء تستدعي مُتَكَبَّرًا عليه، ولذلك لَمّا فسّر الكبر قال: "الكبر: بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس"، وهو احتقارهم، فذكر المتكبَّر عليه، وهو الحقّ أو الخلق، والعظمة لا تقتضي ذلك، فالمتكبّر يلاحظ ترفّع نفسه على غيره بسبب مزيّة كمالها، فيما يراه، والمعظِّم يلاحظ كمال نفسه من غير ترفّع لها على غيره، وهذا التعظيم هو المعبّر عنه بالعُجْب في حقّنا إذا انضاف إليه نسيانُ منّة الله تعالى علينا فيما خصّنا به من ذلك الكمال.
وإذا تقرّر هذا، فالكبرياء والعظمة من أوصاف كمال الله تعالى، واجبان له؛ إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها بحيث لا يجوز عليه العدم، ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له بخلاف كمالنا، فإنه مستفاد من الله تعالى، ويجوز عليه العدم، وطروء النقيض والنقص، وإذا كان هذا فالتكبّر والتعاظم خَرَقٌ منا، ومستحيلٌ في حقّنا، ولذا حرّمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر؛ لأن من لاحظ كمالَ نفسه ناسيًا منّة الله تعالى عليه فيما خصّه به كان جاهلًا بنفسه وبربّه، مغترًّا بما لا أصل له، وهي صفة إبليس الحاملة له على قوله ﷿: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، وصفة فرعون الحاملة له على قوله ﷿: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ولا أقبح مما صارا إليه، فلا جَرَمَ كان فرعون وإبليس أشدّ أهل النار عذابًا، نعوذ بالله من الكبر والكفر.
وأما مَن لاحظ من نفسه كمالًا، وكان ذاكرًا فيه منّة الله تعالى عليه به، وأن ذلك من تفضّله تعالى ولطفه، فليس من الكبر المذموم في شيء، ولا من التعاظم المذموم، بل هو اعترافٌ بالنعمة، وشكرٌ على المنّة.
والتحقيق في هذا أن الخلق كلهم قوالِب وأشباحٌ، تَجرِي عليهم أحكام القُدْرة، فمن خصّه الله تعالى بكمال، فذلك الكمال يرجع للمكمّل الجاعل، لا للقالب القابل، ومع ذلك فقد كَمَّل الله الكمالَ بالجزاء، والثناء عليه، كما قد نقص النقص بالذمّ والعقوبة عليه، فهو الْمُعْطِي، والْمُثْنِي، والْمُبْلِي، والْمُعافِي، كيف لا وقد قال العليّ الأعلى: "أنا الله خالق الخير والشرّ، فطوبى لمن خلقته
[ ٣ / ٩٤ ]
للخير، وقدّرته عليه، والويل لمن خلقته للشرّ، وقدّرته عليه" (^١). فلا حيلة تَعْمَل مع قَهْر، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ولَمّا تقرّر أن الكبر يَستدعي متكَبَّرًا عليه، فالمتكبَّرُ عليه إن كان هو الله تعالى، أو رسوله - ﷺ -، أو الحقّ الذي جاء به رسوله، فذلك الكبر كفرٌ، وإن كان غير ذلك، فذلك الكبر معصيةٌ وكبيرة، يُخاف على المتلبّس بها المصرّ عليها أن تُفضي به إلى الكفر، فلا يدخل الجنّة أبدًا، فإن سلم من ذلك، ونَفَذ عليه الوعيد عوقب بالإذلال والصّغَار، أو بما شاء الله من عذاب النار، حتى لا يبقى في قلبه من ذلك الكبر مثقال ذرّة، وخُلِّص من خُبْث كبره حتى يصير كالذرّة، فحينئذ يتداركه الله برحمته، ويُخلّصه بإيمانه وبركته، وقد نصّ على هذا المعنى النبيّ - ﷺ - في المحبوسين على الصراط لَمّا قال: "حتى إذا هُذِّبُوا، ونُقّوا، أُذن لهم في دخول الجنّة" (^٢)، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٣).
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذَرَّة من كِبْر"، فقد اختُلِف في تأويله، فذكر الخطابيّ فيه وجهين:
[أحدهما]: أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا إذا مات عليه.
[والثاني]: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الإرتفاع على الناس، واحتقارهم، ودفع الحقّ، فلا ينبغي أن يُحمَل على هذين التأويلين الْمُخرِجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين، أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه، وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بُدّ أن يدخل كلُّ الموحدين الجنة، إمّا
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في "شرح السنّة" عن أبي أمامة، بإسناد ضعيف.
(٢) رواه البخاريّ في "صحيحه" (٦٥٣٥)، وأحمد في "مسنده" ٣/ ١٣ و٦٣ و٧٤.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٨٦ - ٢٨٨.
[ ٣ / ٩٥ ]
أوّلًا وإمّا ثانيًا، بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مُصِرّين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين أَوّلَ وَهْلَة. انتهى (^١).
وسئل شيخ الاسلام ابن تيميّة ﵀ عن معنى هذا الحديث، فقيل له: قوله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر"، هل هذا الحديث مخصوص بالمؤمنين، أم بالكفار؟ فإن قلنا: مخصوص بالمؤمنين، فقولنا ليس بشيء؛ لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان، وإن قلنا: مخصوص بالكافرين، فما فائدة الحديث؟.
فأجاب رحمه الله تعالى بأن لفظ الحديث في "الصحيح": "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان".
فالكبر المباين للإيمان لا يدخل صاحبه الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ومن هذا كبر إبليس، وكبر فرعون، وغيرهما ممن كان كبره منافيًا للإيمان، وكذلك كبر اليهود، والذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، والكبر كله مباين للإيمان الواجب، فمن في قلبه مثقال ذرة من كبر، لا يفعل ما أوجب الله عليه، ويترك ما حَرَّم عليه، بل كبره يوجب له جَحْدَ الحقّ، واحتقار الخلق، وهذا هو الكبر الذي فَسَّره النبيّ - ﷺ - حيث سئل في تمام الحديث، فقيل: يا رسول الله، الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حَسَنًا، ونعلُهُ حسنًا، فمن الكبر ذاك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس".
و"بَطَرُ الحقّ": جحده، ودفعه، و"غَمْطُ الناس": ازدراؤهم، واحتقارهم، فمن في قلبه مثقال ذرة من هذا، يوجب له أن يَجْحَد الحقّ الذي يَجِب عليه أن يُقِرّ به، وأن يحتقر الناس، فيكون ظالِمًا لهم، مُعتديًا عليهم، فمن كان مُضَيّعًا للحق الواجب ظالِمًا للخلق، لم يكن من أهل الجنة، ولا مُسْتَحِقًّا لها، بل يكون من أهل الوعيد.
فقوله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة" متضمن لكونه ليس من أهلها، ولا مستحقًّا
_________________
(١) راجع: "شرح مسلم" ٢/ ٩١.
[ ٣ / ٩٦ ]
لها، لكن إن تاب، أو كانت له حسنات ماحية لذنبه، أو ابتلاه الله بمصائب، كَفَّر بها خطاياه، ونحو ذلك، زالت ثمرة هذا الكبر المانعِ له من الجنة، فيدخلها، أو غَفَرَ الله له بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه، فلا يدخلها، ومعه شيء من الكبر، ولهذا قال مَن قال في هذا الحديث وغيره: إن المنفيّ هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب، لا الدخول المقيَّد الذي يَحْصُل لمن دخل النار، ثم دخل الجنة، فإنه إذا أُطلق في الحديث: فلانٌ في الجنة، أو فلان من أهل الجنة، كان المفهوم أنه يدخل الجنة، ولا يدخل النار.
فإذا تبين هذا كان معناه: أن من كان في قلبه مثقالُ ذَرَّة من كبر ليس هو من أهل الجنة، ولا يدخلها بلا عذاب، بل هو مُسْتَحِقٌّ للعذاب؛ لكبره، كما يستحقها غيره من أهل الكبائر، ولكن قد يُعَذَّب في النار ما شاء الله، فإنه لا يُخَلَّد في النار أحد من أهل التوحيد، وهذا كقوله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة قاطعُ رَحِم"، وقوله: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلكم على شيء، إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"، وأمثال هذا من أحاديث الوعيد، وعلى هذا، فالحديث عامٌّ في الكفار، وفي المسلمين.
وقول القائل: إن المسلمين يدخلون الجنة بالإسلام، فيقال له: ليس كلُّ المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب، بل أهل الوعيد يدخلون النار، ويمكثون فيها ما شاء الله، مع كونهم ليسوا كفّارًا، فالرجل الذي معه شيء من الإيمان، وله كبائر، قد يدخل النار، ثم يخرج منها إما بشفاعة النبيّ - ﷺ -، وإما بغير ذلك، كما قال - ﷺ -: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، وكما في "الصحيح" أنه قال: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، وهكذا الوعيد في قاتل النفس، والزاني وشارب الخمر، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وغير هؤلاء من أهل الكبائر، فإن هؤلاء، وإن لم يكونوا كفّارًا، لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن فُسّاق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار، كما قالت الخوارج، والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات وسيئات، يستحقون بهذا العقاب، وبهذا الثواب، وهذا مبسوط في موضعه، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀
[ ٣ / ٩٧ ]
تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وهو الذي سبق اختيار النوويّ له تبعًا للقاضي عياض، وغيره من المحققين، فتأملّه بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ رَجُلٌ) هو مالك بن مُرارة الرُّهَاويُّ، قاله القاضي عياض، وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى، وقد جمع أبو القاسم خَلَف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالًا من جهات، فقال: هو أبو رَيْحانة، واسمه شمعون، ذكره ابن الأعرابيّ، وقال عليّ ابن المدينيّ في "الطبقات": اسمه ربيعة بن عامر، وقيل: سَوَاد - بالتخفيف - بن عمرو، ذكره ابن السكن، وقيل: معاذ بن جبل، ذكره ابن أبي الدنيا في "كتاب الخمول والتواضع"، وقيل: مالك بن مُرَارة الرّهَاويّ، ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاصي، ذكره معمر في "جامعه"، وقيل: خُرَيم بن فاتك، هذا ما ذكره ابن بشكوال.
وقولهم: "ابن مُرَارة الرُّهاويّ": هو مُرارة - بضم الميم، وبراء مكررة، وآخره هاء - و"الرّهَاويّ": هنا نسبة إلى قبيلة، ذكره الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ بفتح الراء، ولم يذكره ابن ماكولا، وذكر الجوهريّ في "صحاحه": أن الرّهَاويّ نسبة إلى رُهَا بضم الراء، حيّ من مَذْحِج.
وأما "شمعون": فبالعين المهملة، وبالمعجمة، والشين معجمة فيهما. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^٢).
(إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً) إنما أنّث الصفة؛ لأن النعل مؤنّثة، قال الفيّوميّ: النَّعْلُ: الْحِذَاءُ، وهي مؤنّثةٌ، وتُطْلَق على التاسومة، والجمع أنعُلٌ، ونِعَال، مثلُ سَهْمٍ وأَسْهُمٍ، وسِهَام. انتهى (^٣).
(قَالَ) - ﷺ - مجيبًا عن سؤال الرجل ("إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) أي الْحُسْن، قال في "القاموس": الجمال: الْحُسْنُ في الْخُلُقِ والْخَلْق، جَمُلَ ككَرُمَ، فهو جَميلٌ، كأميرٍ، وغُرَاب، ورُمّان. انتهى.
وقال في "المصباح": جَمِلَ الرجلُ بالضمّ والكسر - يعني: من بابي كَرُم،
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٧/ ٦٧٧ - ٦٧٩.
(٢) "شرح مقدّمة مسلم" ٢/ ٩٢.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٣.
[ ٣ / ٩٨ ]
وتَعِبَ - جَمَالًا، فهو جَميلٌ، وامرأة جميلةٌ، قال سيبويه: الجمالُ رِقَّةُ الحسن، والأصل جَمَالَةٌ بالهاء، مثلُ صَبُحَ صَبَاحَةً، لكنهم حذفوا الهاء؛ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وتجمّل تجمُّلًا بمعنى تزيّن، وتحسّن: إذا اجتلب البهاءَ والإضاءةَ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الجمال لغةً: هو الْحُسْن، يقال: جَمُل الرجل، يَجمُلُ بالضمّ جَمَالًا فهو جميلٌ، والمرأة جميلة، ويقال: جَمْلاءُ عن الكسائيّ.
وهذا الحديث يدلّ على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في معناه، فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيريّ. وقيل: معناه ذو النور والبهجة: أي مالكهما، قاله الخطابيّ. وقيل: جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم، فهو يُحبّ التجمّل منكم في قلّة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفيّ، وقال: الجميل: الْمُنَزَّه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال، الآمر بالتجمّل له بنظافة الثياب والأبدان، والنَّزَاهة عن الرذائل والطغيان. انتهى (^٢).
وقال النوويّ في "شرحه": اختلفوا في معناه، فقيل: إن معناه أن كل أمره ﷾ حَسَنٌ جميل، وله الأسماء الحسنى، وصفات الجمال والكمال، وقيل: جميل بمعنى مُجْمِل، ككريم وسميع، بمعنى مُكْرِم، ومُسْمِع، وقال الإمام أبو القاسم القُشَيريّ رحمه الله تعالى: معناه جليل، وحَكَى الإمام أبو سليمان الخطابيّ أنه بمعنى ذي النور والبهجة: أي مالكهما، وقيل: معناه: جميل الأفعال بكم، باللطف والنظر إليكم، يُكَلِّفكم اليسير من العمل، ويُعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه. انتهى (^٣). وسيأتي تمام البحث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ) مبتدأ وخبره، ومعناه: دفع الحقّ، وإنكاره؛ ترفعًا وتجبرًا (^٤)، قال في "القاموس": "الْبَطَرُ" محرَّكةً: النَّشاطُ، والأَشَرُ، وقلّةُ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١١٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٨٨.
(٣) "شرح مسلم" ٢/ ٩٠.
(٤) "شرح مسلم" ٢/ ٩٠، و"المفهم" ١/ ٢٨٩.
[ ٣ / ٩٩ ]
احتمال النِّعْمَة، والدَّهَشُ، والْحَيْرَةُ، أو الطُّغيانُ بالنعمة، وكَرَاهيةُ الشيء من غير أن يَستَحِقَّ الكراهةَ، فِعْلُ الكلِّ كفَرِحَ، وبَطَرُ الحقِّ: أن يتكبّر عنه، فلا يقبله. انتهى (^١).
وقال في "النهاية": "بَطَرُ الحقّ": هو أن يَجعلْ ما جعله الله حقًّا من توحيده، وعبادته باطلًا، وقيل: هو أن يتجبّر عند الحقّ، فلا يراه حقًّا، وقيل: هو أن يتكبّر عن الحقّ، فلا يقبله. انتهى (^٢).
(وَغَمْطُ النَّاسِ") أي احتقارهم، وهو بفتح الغين المعجمة، وإسكان الميم، وبالطاء المهملة، قال في "النهاية": "الغَمْطُ": الاستهانة، والاستحقار، وهو مثلُ الْغَمْصِ - بالصاد -، يقال: غَمِطَ يَغْمَطُ - بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع -، وغَمَطَ يَغْمِطُ - بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع -. انتهى (^٣).
وقال في "القاموس": غَمَطَ الناسَ: كضرب، وسَمِعَ: استحقرهم، والعافيةَ لم يَشْكُرها، والنعمةَ بَطِرَهَا، وحَقَرها. انتهى (^٤).
وقال النوويّ في "شرحه": هكذا هو في نسخ "صحيح مسلم" ﵀، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا، وفي البخاريّ إلا بطاء، قال: وبالطاء ذكره أبو داود في "مصنفه"، وذكره أبو عيسى الترمذيّ وغيره "غَمْص" بالصاد، وهما بمعنى واحد، ومعناه: احتقارهم واستصغارهم؛ لما يَرَى من رِفْعته عليهم، يقال في الفعل منه: غَمَطَهُ بفتح الميم يَغْمِطه بكسرها، وغَمِطَهُ بكسر الميم يَغْمَطُهُ بفتحها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديثُ عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٣١٧.
(٢) "النهاية" ١/ ١٣٥.
(٣) "النهاية" ٣/ ٣٨٧.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٦١٢.
[ ٣ / ١٠٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف ﵀ هنا في "الإيمان" [٤١/ ٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤] (٩١)، و(أبو داود) في "اللباس" (٤٠٩١)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٩٨ و١٩٩٩)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٥٩) وفي "الزهد" (٤١٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٩/ ٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩٩ و٤١٢ و٤١٦ و٤٥١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٨٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦٥ و٢٦٦)، و(ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٣٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٤)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٤٠ و٥٤١ و٥٤٢)، و(الطبرانيّ) (١٠٠٠٠ و١٠٠٠١ و١٠٠٦٦ و١٠٥٣٣)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان تحريم الكبر، وأنه من الكبائر التي توجب لصاحبها دخول النار، وأنه ينافي الإيمان، ولذا مُنِع من كان عنده مثقال ذرّة من كبر من دخول الجنة، مع أن من كان عنده مثقال حبة خردل من إيمان يدخل الجنة، فعُلِم بهذا أنه مناف للإيمان، وهو وجه إيراد المصنّف له في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): بيان فضل الإيمان، وأنه سبب لدخول صاحبه الجنة، وتحريمه على النار.
٣ - (ومنها): بيان زيادة الإيمان ونقصانه.
٤ - (ومنها): بيان أن الله ﷾ لا يظلم أحدًا، وإن كان عمله قليلًا، كمثقال ذرّة، أو حبة خردل، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
٥ - (ومنها): أن الجميل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، وقد قال به جماعة، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها الحديث برواياته، لا بخصوص سياق المصنّف، فتنبّه.
[ ٣ / ١٠١ ]
٦ - (ومنها): إباحة التجمّل بلبس الثياب الجميلة، والنعال الجميلة، لكن بشرط أن يخلو ذلك من الْمَخِيلة، والإسراف؛ لما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كُلُوا، وتَصَدَّقوا، والْبَسُوا في غير إسراف ولا مَخِيلة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أسماء الله تعالى، هل هي توقيفيّة، أم لا؟:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد اختَلَفَ أهل السنة في تسمية الله تعالى، ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يَرِد به الشرِع، ولا مَنَعَه، فأجازه طائفةٌ، ومنعه آخرون، إلا أن يَرِدَ به شرع مقطوع به، من نصِّ كتاب الله، أو سنة متواترة، أو إجماع على إطلاقه، فإن ورد خبر واحد، فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة، وقالوا: الدعاء به والثناء من باب العمل، وذلك جائز بخبر الواحد، ومنعه آخرون؛ لكونه راجعًا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على الله تعالى، وطريق هذا القطع، قال القاضي: والصواب جوازه؛ لاشتماله على العمل، ولقوله الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ جواز تسمية الله تعالى ووصفه بما ورد في خبر الآحاد، مثل هذا الحديث، وأن خبر الآحاد الصحيح الثابت عن رسول الله - ﷺ - مما يوجب العلم والعمل معًا، والقول بأنه لا يوجب العلم، والإشتراط في باب العقائد التواتر قول ضعيف، بل باطلٌ، وإن كان كثُر القائلون به من المتكلّمين ومن سار على منهجهم، وقد ذكرتُ تحقيقه في "التحفة السنيّة"، وشرحها، وقد تقدّم أيضًا في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقال في "الفتح": اختُلِفَ في الأسماء الحسنى، هل هي توقيفية؟ بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يَشْتَقَّ من الأفعال الثابتة لله تعالى أسماء، إلا إذا وَرَدَ
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" ٢/ ٩٠ - ٩١.
[ ٣ / ١٠٢ ]
نَصّ، إما في الكتاب، أو السنة، فقال الفخر: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية، وقالت المعتزلة، والكرامية: إذا دَلَّ العقل على أن معنى اللفظ ثابتٌ في حقّ الله جاز إطلاقه على الله، وقال القاضي أبو بكر، والغزاليّ: الأسماء توقيفية دون الصفات، قال: وهذا هو المختار، واحتج الغزاليّ بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نُسَمِّي رسول الله - ﷺ - باسم لم يسمه به أبوه، ولا سَمَّى به نفسه، وكذا كل كبير من الخلق، قال: فإذا امتَنَع ذلك في حقّ المخلوقين، فامتناعه في حق الله تعالى أولى، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يُطْلَق عليه اسم، ولا صفةٌ تُوهِم نقصًا، ولو وَرَدَ ذلك نصًّا، فلا يقال: ماهدٌ، ولا زارعٌ، ولا فالقٌ، ولا نحوُ ذلك، وإن ثَبَت في قوله ﷿: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، ونحوها، ولا يقال له: ماكرٌ، ولا بَنَّاءٌ، وإن وَرَدَ ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ [الذاريات: ٤٧].
وقال أبو القاسم القشيريّ: الأسماء تُؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة والإجماع، فكلُّ اسم وَرَدَ فيها وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يَرِد لا يجوز، ولو صَحَّ معناه.
وقال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يَصِفْ به نفسه.
والضابط أن كلَّ ما أذن الشرع أن يُدْعَى به، سواءٌ كان مُشْتَقًّا، أو غير مُشْتَقّ، فهو من أسمائه، وكل ما جاز أن يُنْسَبَ إليه، سواءٌ كان مما يدخله التأويل أو لا، فهو من صفاته، ويُطلَق عليه أيضًا.
قال الحليميّ: الأسماء الحسنى تنقسم إلى العقائد الخمس:
[الأولى]: إثبات الباري؛ رَدًّا على المعطلين، وهي الحيّ، والباقي، والوارث، وما في معناها.
[والثانية]: توحيده ردًّا على المشركين، وهي الكافي، والعليّ، والقادر، ونحوها.
[والثالثة]: تنزيهه ردًّا على المشبّهة، وهي القدوس، والمجيد، والمحيط، وغيرها.
[والرابعة]: اعتقاد أن كلَّ موجود من اختراعه؛ ردًّا على القول بالعلّة
[ ٣ / ١٠٣ ]
والمعلول، وهي الخالق، والبارئ، والمصوِّر، والقويّ، وما يلحق بها.
[والخامسة]: أنه مُدَبّرٌ لما اخترَعَ، ومُصَرِّفه على ما شاء، وهو القيُّوم، والعليم، والحكيم، وشبهها.
وقال أبو العباس بن مَعَدّ: من الأسماء ما يدل على الذات عينًا، وهو الله، وعلى الذات مع سلب، كالقدوس، والسلام، ومع إضافة، كالعليّ العظيم، ومع سلب وإضافة، كالملك، والعزيز، ومنها: ما يَرجع إلى صفة، كالعليم، والقدير، ومع إضافة، كالحليم، والخبير، أو إلى القدرة مع إضافة، كالقهّار، وإلى الإرادة، مع فعل وإضافة، كالرحمن الرحيم، وما يرجع إلى صفة فعل، كالخالق، والبارئ، ومع دلالة على الفعل، كالكريم واللطيف، قال: فالاسماء كلُّها لا تخرج عن هذه العشرة، وليس فيها شيء مترادف؛ إذ لكل اسم خصوصيةٌ مَا، وإن اتفق بعضها مع بعض في أصل المعنى. انتهى كلامه.
وقال الفخر الرازيّ: الألفاظ الدالة ثلاثةٌ ثابتةٌ في حقّ الله قطعًا، وممتنعة قطعًا، وثابتةٌ لكن مقرونة بكيفية، فالقسم الأول: منه ما يجوز ذكره مفردًا ومضافًا، وهو كثيرٌ جدًّا، كالقادر والقاهر، ومنه ما يجوز مفردًا، ولا يجوز مضافًا إلا بشرط، كالخالق، فيجوز خالقٌ، ويجوز خالق كل شيء مثلًا، ولا يجوز خالق القِرَدَة، ومنه عكسه يجوز مضافًا، ولا يجوز مفردًا، كالمنشئ، يجوز منشئ الخلق، ولا يجوز منشئ فقط، والقسم الثاني: إن ورد السمع بشيء منه أُطلق، وحُمِل على ما يليق به، والقسم الثالث: إن ورد بشيء منه أطلق ما ورد منه، ولا يقاس عليه، ولا يتصرف فيه بالإشتقاق، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، و﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، فلا يجوز ماكر، ومستهزئ. انتهى ما ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن أسماء الله تعالى توقيفيّة من حيث الدعاء بها، وأما الإخبار بها، فبابه واسع، فيجوز أن يُخْبَر عن الله ﷾ بكلّ ما لا ذمّ فيه أصلًا، بل فيه كماله تعالى، وإن لم يَرِد بذلك نصّ، وسيأتي
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٢٦ - ٢٢٧ "كتاب الدعوات" رقم الحديث (٦٤١٠).
[ ٣ / ١٠٤ ]
تحقيق ذلك في كلام الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قد حقّق هذا الموضوع الإمام الناقد البصير ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى في كتابه "بدائع الفوائد"، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ؛ لكونه مشتملًا على تحقيقات بديعة، لا توجد عند غيره مجموعة، قال رحمه الله تعالى:
(فائدةٌ جليلةٌ): ما يَجري صفةً، أو خبرًا على الربّ ﵎ أقسام:
[أحدها]: ما يَرجِع إلى نفس الذات، كقولك: ذات، وموجود، وشيء.
[الثاني]: ما يَرجِع إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع.
[الثالث]: ما يَرجع إلى أفعاله، نحو: الخالق، والرزاق.
[الرابع]: ما يرجع إلى التَّنْزِيه المحض، ولا بُدّ من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدم المحض، كالقُدُّوس، والسلام.
[الخامس]: ولم يذكره أكثر الناس، وهو الاسم الدالّ على جملة أوصاف عديدة، لا تختص بصفة معينة، بل هو دال على معناه، لا على معنى مفرد، نحو: المجيد العظيم الصمد، فإن المجيد مَن اتصف بصفات متعددة، من صفات الكمال، ولفظه يدلّ على هذا، فإنه موضوع للسعة، والكثرة، والزيادة، فمنه: استمجد الْمَرْخُ، والْعَفَار (^١)، وأمجدَ الناقةَ علفًا (^٢)، ومنه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٥]، صفة للعرش؛ لسعته وعظمه وشرفه، وتأمَّل كيف جاء هذا الاسم مقترنًا بطلب الصلاة من الله تعالى على رسوله - ﷺ -، كما عَلَّمَنَاه - ﷺ -، لأنه في مقام طلب المزيد، والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأَتَى في هذا المطلوب باسم يقتضيه، كما تقول: اغفر لي، وارحمني، إنك
_________________
(١) قال في "القاموس": "الْمَرْخُ": شجر سريع الْوَرْي، و"الْعَفَارُ" كسحاب: شجرٌ يُتّخذ منه الزناد، وقال أيضًا: استمجد الْمَرْخُ والْعَفَارُ: استكثرا من النار. انتهى. ص ٢٣٦ و٢٨٨ و٣٩٨.
(٢) أي أشبعها، أو علفها ملء بطنها، أو نصف بطنها. انتهى. "ق" ص ٢٨٨.
[ ٣ / ١٠٥ ]
أنت الغفور الرحيم، ولا يَحْسُن: إنك أنت السميع البصير (^١)، فهو راجع إلى المتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل، وأحبها إليه.
ومنه الحديث الذي في "المسند"، والترمذيّ: "أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام" (^٢).
ومنه: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمدَ، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام"، فهذا سؤال له، وتوسل إليه بحمده، وأنه الذي لا إله إلا هو المنان، فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة، وأعظمه موقعًا عند المسؤول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد، أشرنا إليه إشارةً، وقد فُتِحَ لِمَن بَصّره الله تعالى.
ولنرجع إلى المقصود، وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة، فالعظيم من اتَّصَف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس - ﵄ -: هو السيد الذي كَمُلَ في سؤدده (^٣)، وقال أبو وائل (^٤): هو السيد الذي انتهى سؤدده، وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد، وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد، فقد صَمَدَ له كلُّ شيء، وقال ابن الأنباريّ: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يَصمُد
_________________
(١) هكذا قال ابن القيّم، والمقام مقام نظر، وتأمّل، والله تعالى أعلم.
(٢) حديث صحيح، أجاد في تخريجه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى، راجع: "الصحيحة" ٤/ ٤٩ - ٥١ رقم (١٥٣٥).
(٣) ذكر الحافظ ابن كثير في "تفسيره" كلام ابن عباس - ﵄ - هذا مطوّلًا، فقال: قال علي بن طلحة، عن ابن عباس: هو السيّد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهّار. انتهى. "تفسير ابن كثير" ١٤/ ٥١٣.
(٤) وقع في النسخة: "ابن وائل"، والظاهر أنه تصحيف، راجع: "تفسير ابن كثير" في "سورة الإخلاص"، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ١٠٦ ]
إليه الناس في حوائجهم وأمورهم، واشتقاقه يدل على هذا، فإنه من الجمع، والقصد: الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد، وهذا أصله في اللغة، كما قال [من الطويل]:
أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ … بِعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
والعربُ تُسمي أشرافها بالصمد؛ لاجتماع قصد القاصدين إليه، واجتماع صفات السيادة فيه.
[السادس]: صفة تَحصُل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما، نحو: الغنيّ الحميد العفو القدير الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة، والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغِنَى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفو القدير والحميد المجيد والعزيز الحكيم، فتأمله، فإنه من أشرف المعارف.
وأما صفات السلب المحض، فلا تدخل في أوصافه تعالى، إلا أن تكون متضمنة لثبوت، كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية، والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يُضَادُّ كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسُّلُوب، هو لتضمنها ثبوتًا كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإنه مُتَضَمِّنٌ لكمال حياته وقيوميته، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] متضمن لكمال قدرته، وكذلك قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] متضمن لكمال علمه، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص: ٣] متضمن لكمال صمديته وغناه، وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤] متضمن لتفرده بكماله، وأنه لا نظير له، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] متضمن لعظمته، وأنه جَلّ عن أن يُدْرَك بحيث يحاط به، وهذا مُطَّرِدٌ في كلّ ما وَصَف به نفسه من السُّلُوب، ويجب أن تُعْلَم هنا أمور:
[أحدها]: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يَدخُل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء، والموجود، والقائم بنفسه، فإنه يُخْبَر به عنه، ولا يَدخُل في أسمائه الحسنى، وصفاته العليا.
[ ٣ / ١٠٧ ]
[الثاني]: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص، لم تَدخُل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد، والفاعل، والصانع، فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غَلِطَ مَن سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا.
[الثالث]: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يُشْتَقَّ له منه اسم مطلق، كما غَلِطَ فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى المضلّ الفاتن الماكر، تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يُطلَق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخضوصة معينةٌ، فلا يجوز أن يُسَمَّى بأسمائها.
[الرابع]: أن أسماءه ﷿ الحسنى هي أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العَلمية، بخلاف أوصاف العباد، فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مُشترَكَةٌ، فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصافه تعالى.
[الخامس]: أن الاسم من أسمائه له دلالاتٌ: دلالة على الذات والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
[السادس]: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران: اعتبارٌ من حيث الذات، واعتبار من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأول: مترادفة، وبالاعتبار الثاني: متباينة.
[السابع]: أن ما يُطلَق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفيّ، وما يُطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا، كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه.
فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه، هل هي توقيفية، أو يجوز أن يُطْلَق عليه منها بعض ما لم يَرِد به السمع؟.
[الثامن]: أن الاسم إذا أُطلق عليه جاز أن يُشتَقَّ منه المصدرُ والفعلُ، فَيُخْبَر به عنه فعلًا ومصدرًا، نحو السميع البصير القدير، يُطلَق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويُخْبَر عنه بالأفعال من ذلك، نحو ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١]، و﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٣]، هذا إن كان الفعل متعديًا، فإن كان لازمًا لم يُخبَر عنه به، نحو الحيّ، بل يُطلَق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يقال: حَيِيَ.
[ ٣ / ١٠٨ ]
[التاسع]: أن أفعال الرب ﵎ صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم، فالرب ﵎ فعاله عن كماله، والمخلوق كماله عن فعاله، فاشتُقَّت له الأسماء بعد أن كَمُلَ بالفعل، فالربّ لم يزل كاملًا فحَصَلَت أفعاله عن كماله؛ لأنه كامل بذاته وصفاته، فأفعاله صادرة عن كماله، كَمُلَ فَفَعَلَ، والمخلوق فَعَلَ فَكَمُلَ الكمال اللائق به.
[العاشر]: إحصاء الأسماء الحسنى، والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلوماتِ سواه إما أن تكون خلقًا له تعالى، أو أمرًا، إما عِلْمٌ بما كَوَّنَهُ، أو عِلْمٌ بما شَرَّعَهُ، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباطَ المقتضَى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حَسَنٌ، لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم، والإحسان إليهم، بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كُلُّه مصلحة وحكمة ولطف وإحسان؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كلُّه لا يَخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه ولا عَبَثَ، ولم يَخلُق خلقه باطلًا ولا سُدًى ولا عبثًا، وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود مَن سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه، وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم؛ إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها، ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تَجِد فيها خللًا ولا تفاوتًا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله، إما أن يكون لجهله به، أو لعدم حكمته، وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يَلْحَق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض.
[الحادي عشر]: أن أسماءه كلها حسنى، ليس فيها اسم غير ذلك أصلًا، وقد تقدم أن من أسمائه ما يُطلَق عليه باعتبار الفعل، نحو الخالق والرازق والمحيي والمميت، وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض، لا شَرَّ فيها؛ لأنه لو فعل الشر لاشتُقَّ له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، وهذا باطلٌ، فالشر ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته، ولا يَلحَق ذاته، لا
[ ٣ / ١٠٩ ]
يدخل في أفعاله، فالشرّ ليس إليه، لا يضاف إليه فعلًا ولا وصفًا، وإنما يدخل في مفعولاته.
وفَرْقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله.
فتأمل هذا، فإنه خَفِيَ على كثير من المتكلمين، وزَلَّت فيه أقدامٌ، وضَلَّت فيه أفهام، وهَدَى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
[الثاني عشر]: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السعادة، ومدار النجاة والفلاح:
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهو مرتبتان:
إحداهما: دعاءُ ثناءٍ وعبادةٍ.
والثاني: دعاءُ طلب ومسألة، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجود، أو يا شيء، أو يا ذات اغفر لي، وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم.
ومن تأمل أدعية الرسل ﵈، ولا سيما خاتمهم - ﷺ - وإمامهم، وَجَدَها مطابقة لهذا، وهذه العبارة أولى من عبارة مَن قال: تَخَلَّقُوا بأسماء الله، فإنها ليست بعبارة سديدة، وهي مُنتزَعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة.
وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن برهان، وهي التعبد، وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن، وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال.
فمراتبها أربعٌ، أشدها إنكارًا عبارة الفلاسفة، وهي التشبه، وأحسن منها عبارة مَن قال: التخلق، وأحسن منها عبارة مَن قال: التعبد، وأحسن من الجميع الدعاء، وهي لفظ القرآن.
[ ٣ / ١١٠ ]
[الثالث عشر]: اختَلَف النُّظَّار في الأسماء التي تُطلَق على الله، وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها:
فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقةٌ في العبد، مجاز في الربّ، وهذا قول غلاة الجهمية، وهو أخبث الأقوال، وأشدُّها فسادًا.
الثاني: مقابلها وهو أنها حقيقة في الربّ، مجازٌ في العبد، وهذا قول أبي العباس الناشئ.
الثالث: أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة، وهو الصواب، واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقةً فيهما، وللرب تعالى منها ما يَليق بجلاله، وللعبد منها ما يَليق به.
وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها، وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سِفْرين أو أكثر.
[الرابع عشر]: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:
اعتبارٌ من حيث هو، مع قطع النظر عن تقييده بالربّ ﵎، أو العبد، اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به، اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به، فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للربّ والعبد، وللرب منه ما يَليق بكماله، وللعبد منه ما يَليق به.
وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لَزِمَ هذه الأسماء لذاتها، فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل ثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه، ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه، وجَحَد صفات كماله، ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه، فقد شبّهه بخلقه، ومن شبّه الله بخلقه فقد كَفَر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليق بجلاله وعظمته، فقد برئ من فَرْث التشبيه، ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة
[ ٣ / ١١١ ]
العبد من النوم والسِّنَةِ والحاجة إلى الغذاء، ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به، ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه، وكونه محمولًا به مفتقرًا إليه محاطًا به، كلُّ هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎.
وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق.
فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا، وعقلتها كما ينبغي، خَلَصتَ من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور، أثبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة، فخَلَصت من التعطيل، ونَفَيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع، واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
[الخامس عشر]: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان، وأمران معنويان.
فاللفظيان: ثبوتيّ، وسلبيّ، فالثبوتيّ أن يُشْتَقَّ للموصوف منها اسم، والسلبيّ أن يمتنع الإشتقاق لغيره.
والمعنويان: ثبوتيّ، وسلبيّ، فالثبوتيّ أن يعود حكمها إلى الموصوف، ويُخبَر بها عنه، والسلبيّ أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرًا عنه، وهي قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات.
فلنذكر من ذلك مثالًا واحدًا: وهو صفة الكلام، فإنه إذا قامت بمحلّ، كانت هو التكلم، دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، فيقال: قال، وأمر، ونهى، ونادى، وناجى، وأخبر، وخاطب، وتكلم، وكلَّم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيُستَدَلُّ بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به، وسلبها عن غيره على عدم قيامها به، وهذا هو أصل السنة الذي رَدُّوا به على المعتزلة والجهمية، وهو من أصحّ الأصول طردًا وعكسًا.
[ ٣ / ١١٢ ]
[السادس عشر]: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تُحَدَّ بعدد، فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (^١)، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام:
قسمٌ سَمَّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم يُنْزِل به كتابَهُ، وقسم أَنْزَل به كتابه، فتعَرَّفَ به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه، فلم يَطَّلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به": أي انفَرَدت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به؛ لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه.
ومن هذا قول النبيّ - ﷺ - في حديث الشفاعة: "فيَفْتَح عليّ من محامده بما لا أُحسنه الآن" (^٢)، وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته.
ومنه قوله - ﷺ -: "لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (^٣).
_________________
(١) هو ما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده"، فقال:
(٢) حدثنا يزيد، أنبأنا فضيل بن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهنيّ، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أصاب أحدًا قط همّ، ولا حزنٌ، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سَمَّيت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجَلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله هيه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا"، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها". وقوله: "فرجًا" بالجيم، وفي رواية "فرحًا" بالحاء المهملة. وهو حديث صحيح، على الراجح، وقد أشبع الكلام فيه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٥/ ٢٦٧)، والشيخ الألبانيّ في "الصحيحة" (١/ ٣٣٦ - ٣٤١) رقم (١٩٩)، فراجعه تستفد.
(٣) متّفق عليه.
(٤) رواه مسلم وأبو داود.
[ ٣ / ١١٣ ]
وأما قوله - ﷺ -: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (^١)،
فالكلام جملة واحدةٌ، وقوله: "من أحصاها دخل الجنة" صفة، لا خبر مستقبل، والمعنى: له أسماء متعددة، مِن شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك، وقد أعَدَّهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم مُعَدُّون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه.
[السابع عشر]: أن أسماءه تعالى منها: ما يُطلَق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، فالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدْعَى به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم، وأن يُفْرَد كلُّ اسم، وكذلك في الثناء عليه، والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع.
ومنها: ما لا يُطلَق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله، كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يُفرَد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفوّ، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفوّ المعز المذل؛ لأن الكمال في اقتران كلّ اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم عطاءً ومنعًا ونفعًا وضرًّا وعفوًا وانتقامًا، وأما أن يُثنَى عليه بمجرد المنع والإنتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مَجرَى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تُطلَق عليه إلا مقترنة، فاعلمه.
فلو قلت: يا مُذِلّ يا ضار يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه، ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها.
[الثامن عشر]: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال، وصفات نقص، وصفات لا تقتضي كمالًا ولا نقصًا، وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى مُنَزَّه عن الأقسام
_________________
(١) متّفقٌ عليه.
[ ٣ / ١١٤ ]
الثلاثة، وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض، فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله، وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته، هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
وإذا عرفت هذا، فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات: العليمُ الخبيرُ، دون العاقل الفقيه، والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان: البرُّ الرحيم الودود، دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العليُّ العظيمُ، دون الرفيع الشريف، وكذلك الكريمُ، دون السخيّ، والخالق البارئ المصور، دون الفاعل الصانع المشكّل، والغفور العفوّ، دون الصَّفُوح الساتر، وكذلك سائر أسمائه تعالى يَجرِي على نفسه منها أكملُهما وأحسنُها، وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمّل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تَعْدِل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تَتَجَاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - ﷺ - إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون.
[التاسع عشر]: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالًّا على عِدّة صفات، ويكون ذلك الاسم متناولًا لجميعها تناولَ الاسم الدالّ على الصفة الواحدة لها، كما تقدم بيانه، كاسمه العظيم والمجيد والصمد، كما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: الصمد السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كَمُل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع شرفه وسؤدده، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار، هذا لفظه (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" ٢٤/ ٦٩٢، وأبو الشيخ في "العظمة" (٩٨)، والبيهقيّ =
[ ٣ / ١١٥ ]
وهذا مما خَفِي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففَسَّر الاسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يَعلَم، فمن لم يُحط بهذا علمًا بَخَس الاسم الأعظم حقه، وهَضمه معناه، فتدبره.
[العشرون]: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه، وهي معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت
لها، وهو مأخوذ من الميل، كما يدلّ عليه مادته (ل ح د) فمنه اللَّحْدُ، وهو الشَّقُّ في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه الْمُلْحِد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل، قال ابن السِّكِّيت: الْمُلْحِدُ: المائل عن الحق، المدخل فيه ما ليس منه، ومنه الْمُلْتَحَدُ، وهو مُفْتَعَلٌ من ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]، أي مَن تَعْدِل إليه، وتهرُب إليه، وتلتجئ إليه، وتبتهل فتميل إليه عن غيره، تقول العرب: التحد فلان إلى فلان: إذا عَدَل إليه.
إذا عُرِف هذا فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
[أحدها]: أن يُسَمِّي الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقةً، فإنهم عَدَلُوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.
[الثاني]: تسميته بما لا يَليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له موجِبًا بذاته، أو عِلَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك.
[وثالثها]: وصفه بما يتعالى عنه، ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه فقير، وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.
[ورابعها]: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجَحْدُ حقائقها، كقول مَن يقول
_________________
(١) = في "الأسماء والصفات"، وفي إسناده: أبو صالح كاتب الليث، وهو متكلّم في حفظه.
[ ٣ / ١١٦ ]
من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجرَّدَةٌ لا تتضمن صفات، ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغةً وفطرةً، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أَعْطَوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله، وجحدوها وعطّلوها، فكلاهما مُلْحِد في أسمائه.
ثم الجهمية وفُروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي، والمتوسط، والمنكوب.
وكُلُّ مَن جَحَد شيئًا مما وَصَف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -، فقد ألحد في ذلك، فليستقلّ، أو ليستكثر.
[وخامسها]: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نَفَوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبَّهوها بصفات خلقه، فجَمَعَهُم الإلحاد، وتفَرَّقت بهم طرقه.
وبَرَّأ الله أتباع رسوله - ﷺ -، وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصِفُوه إلا بما وَصَف به نفسه، ولم يَجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها بصفات خلقه، ولم يَعْدِلوا بها عما أُنزِلت عليه لفظًا ولا معنًى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كَمَن شَبَّهَ حتى كأنه يعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا.
وأهلُ السنة وَسَطٌ في النِّحَل، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل، تَتَوَقَّدُ مصابيح معارفهم من ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره، ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته، ومتابعة رسوله - ﷺ -، إنه قريب مجيب.
فهذه عشرون فائدةً مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب ﵎، فعليك بمعرفتها، ومراعاتها، ثم اشْرَحْ الأسماء
[ ٣ / ١١٧ ]
الحسنى، إن وجدت قلبًا عاقلًا، ولسانًا قائلًا، ومحلًّا قابلًا، وإلا فالسكوت أولى بك، فجناب الربوبية أجلّ وأعزّ مما يخطر بالبال، أو يُعَبِّر عنه المقال، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علمًا.
وعسى الله أن يُعِين بفضله على تعليق شرح الأسماء الحسنى، مراعيًا فيه أحكام هذه القواعد، بريئًا من الإلحاد في أسمائه، وتعطيل صفاته، فهو المانُّ بفضله، والله ذو الفضل العظيم. انتهى كلام الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، ولقد شفى، وكفى لمن تأمّله بالإنصاف، ولم يُعم بصيرته التقليد والاعتساف.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣] (…) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنْجاب - بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم جيم، ثم موحّدة - بن الحارث بن عبد الرحمن التميميّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن عليّ بن مُسهِر، وبشر بن عُمارة الخثعميّ، ويزيد بن المقدام بن شُريح بن هانئ، وحصين بن عمرو الأحمسيّ، وحاتم بن إسماعيل، وأبي الأحوص، وشَريك، وابن المبارك، وأبي عامر الْعَقَديّ، وجماعة.
[ ٣ / ١١٨ ]
ورَوَى عنه مسلم، وروى ابن ماجه في "التفسير" عن رجل عنه، وأبو حاتم، والذهليّ، وأبو خيثمة، زهير بن حرب، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأحمد بن عليّ الْأَبَّار، وجعفر بن محمد الفريابيّ، وآخرون.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو ومطيّن وغيره: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرَويّ الأصل، ثمّ الْحَدَثَانيّ، ويقال: الأَنْبَاريّ، أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يَتَلَقّن ما ليس من حديثه، فأفحش ابن معين القول فيه، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) (م ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القُرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور قبل باب، والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الإسناد لطيفتان من لطائف الإسناد:
(إحداهما): أن فيه ثلاثةً تابعيين يروي بعضهم عن بعض، وهم: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة.
(والثانية): أنه إسناد كوفيّ، فمِنْجَاب، وعبد الله بن مسعود، ومَن بينهما كوفيّون، إلا سُوَيد بن سعيد، رفيق مِنجاب، فيُغني عنه منجاب. انتهى (^١).
وقوله: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) المراد به دخولَ الكفّار، وهو دخولُ الخلود. قاله النوويّ رحمه الله تعالى.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: المراد بالإيمان في هذا الحديث: التصديق القلبيّ المذكور في حديث جبريل ﵇، ويُستفاد منه أن التصديق القلبيّ على مراتب، ويزيد وينقص.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٨٩ - ٩٠.
[ ٣ / ١١٩ ]
وهذه النار المذكورة هنا هي النار المعدّة للكفّار التي لا يَخرُج منها من دخلها؛ لأنه قد جاء في أحاديث الشفاعة: أن خلقًا كثيرًا ممن في قلبه ذرّات كثيرة من الإيمان يدخلون النارَ، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقَبْضة، ووجه التلفيق أن النار دَرَكات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وأهلها في العذاب على مراتب ودركات، كما قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وأن نار من يُعذّب من الموحّدين أخفّها عذابًا، وأقربها خروجًا، فمن أُدخل النار من الموحّدين لم يدخل نار الكفّار، بل نارًا أخرى يموتون فيها، ثم يُخرجون منها، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
وقوله: (مِنْ خَرْدَلٍ) بفتح، فسكون: حَبّ شجر معروف. قاله في "القاموس".
وقوله: (مِنْ كِبْرِيَاءَ) ممنوع من الصرف؛ لوجود علّة واحدة تقوم مقام العلّتين، وهي ألف التأنيث الممدودة، كما قال في "الخلاصة":
فَأَلِفُ التَّأْنِيثِ مُطْلَقًا مَنَعْ … صَرْفَ الَّذِي حَوَاهُ كَيْفَمَا وَقَعْ
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨٩.
[ ٣ / ١٢٠ ]
[٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣، والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.