[٢٨١] (٩٥) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَار، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَد، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّار، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْف، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لله، أَفَأَقْتُلُهُ، يَا رَسُولَ الله، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَقْتُلْهُ"، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ المذكور قبل بابين.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المذكور قبل بابين أيضًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" أيضًا جـ ٢ ص ٤٨٦.
[ ٣ / ١٥٣ ]
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النّوْفليّ المدنيّ، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، والمقداد بن الأسود، ووَحْشيّ بن حَرْب، والْمِسْور بن مَخْرمة، وابن عباس، وكعب الأحبار.
ورَوَى عنه عروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وجعفر بن عمرو بن أمية، وعبيد الله بن المغيرة بن مُعيقيب، وعروة بن عياض، ومعمر بن أبي حبيبة، ويحيى بن يزيد الباهليّ.
قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه وُلد على عهد رسول الله - ﷺ -، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: أمه: أمُّ قتال بنت أُسَيد بن أبي العيص، ومات بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة، قليل الحديث، وقال خليفة: مات في آخر خلافة الوليد، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وهو ابن أخت عثمان، وقال ابن ماكولا: قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، وقال ابن إسحاق: حدثني الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عديّ بن الْخِيَار، وكان من فُقهاء قُريش وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبيّ - ﷺ - متوافرين، وذكره ابن حبان في الصحابة، وقال: وُلد في زمن النبيّ - ﷺ - ثم ذكره في ثقات التابعين، وقال: مات سنة (٩٥).
قال الحافظ: وأما كون أبيه قتل ببدر فليس بمتفق عليه، فقد ذكر ابن سعيد أباه في مسلمة الفتح، وذكر له المدينيّ قصةً مع عثمان بن عفان في خلافته، ولعلها التي وقعت في البخاريّ بسبب الوليد بن عقبة. انتهى (^١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٧ - (الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثُمامة بن مَطْرُود الْبَهْرَانِيّ الْكِنْديّ، أبو الأسود الزهريّ، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو مَعْبَد، وقيل غير ذلك في نسبه.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢١.
[ ٣ / ١٥٤ ]
قال ابن الكلبيّ: كان عمرو بن ثعلبة أصاب دمًا في قومه، فلحِق بحضرموت، فحالف كندة، فكان يقال له: الكِنديّ، وتزوّج هناك امرأة، فولدت له المقداد، فلما كبِرَ المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حُجر الكنديّ، فضرب رجله بالسيف، وهَرَب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، وكَتَب إلى أبيه، فقدِمَ عليه، فتبنّى الأسودُ المقدادَ، فصار يقال له: المقداد بن الأسود، وغلبت عليه، واشتهر بذلك، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قيل له: المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود.
أسلم قديمًا، وشَهِد بدرًا، والمشاهد، وكان فارسًا يوم بدر، ولم يثبت ممن شَهِدها فارسًا غيره.
روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه عليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار، وهمام بن الحارث، وسليمان بن يسار، وسُليم بن عامر، وأبو معمر عبد الله بن سَخْبَرَة الأزديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجُبير بن نُفير، وعُمر بن إسحاق، وزوجته ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وابنته كَرِيمة بنت المقداد، وابنته ضُبَاعة على خلاف في ذلك.
قال ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شِماسة الْمَهْريّ، عن سفيان بن صُهَابة، قال: كنت صاحبَ المقداد بن الأسود في الجاهلية، وكان رجلًا من بَهْراء، فأصاب دمًا، فَهَرَب إلى كِندة، فحالفهم، ثم أصاب الهجرة الثانية، في قول ابن إسحاق، ثم شَهِد بدرًا والمشاهد، ويقال: إن رسول الله - ﷺ - آخى بينه وبين عبد الله بن رَوَاحة، وقال زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود: أَوّلُ مَن أظهر إسلامه سبعة، فذكره فيهم، وقال مُخارق، عن طارق، عن ابن مسعود: شَهِدت من المقداد مَشْهَدًا، لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عُدِل به، فذكر القصة يوم بدر، وهي في البخاريّ.
وقال أبو ربيعة الإياديّ، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه: أن النبيّ - ﷺ - أَمَرَني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: عليّ، والمقداد، وأبو ذَرّ، وسلمان. أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وسنده حسن (^١).
_________________
(١) "الإصابة" ٦/ ١٥٩ - ١٦١.
[ ٣ / ١٥٥ ]
وذكر البغويّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرّ: أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود.
ومن طريق موسى بن يعقوب الزّمَعيّ، عن عمّته قُريبة، عن عمتها كريمة بنت المقداد، عن أبيها: شهِدتُ بدرًا على فرسٍ لي، يقال لها: سَبْحَة.
ومن طريق يعقوب بن سليمان، عن ثابت البنانيّ، قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين، فقال له: ما لك لا تتزوّج؟ قال: زوّجني ابنتك، فغضب عبد الرحمن، وأغلظ له، فشكا ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: أنا أزوّجك، فزوّجه بنت عمه ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطّلب.
وأخرج يعقوب بن سفيان، وابن شاهين، من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام رُوميّ، فقال له: أشُقّ بطنك، فأُخرج من شحمه حتى تلطُف، فشقّ بطنه، ثم خاطه، فمات المقداد، وهَرَب الغلام.
قال خليفة بن خياط، وغير واحد: مات سنة ثلاث وثلاثين، قال بعضهم: وهو ابن سبعين سنة بِالْجُرُف، على ثلاثة أميال من المدينة، وحُمِل إلى المدينة، ودُفِن بها.
وفي "فوائد ابن الْبُحْتُريّ"، من رواية سَوّار بن حمزة، عن ثابت، عن أنس: أن المقداد قال: لا أَتَحَمَّل على أحد أبدًا، فكانوا يقولون: تَقَدَّم، فَصَلّ، فيأبى، وفيه قصّةُ أنه حين استعمله النبيّ - ﷺ - (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط (^٢): هذا الحديث، وحديث (٢٠٥٥): "احتلبوا هذا اللبن بيننا … "، و(٢٨٦٤): "تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق … "، و(٣٠٠٢): "أن نَحْثي في وجوه المداحين التراب … "، وأعاده بعده.
_________________
(١) "الإصابة" ٦/ ١٥٩ - ١٦١، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٤٦.
(٢) ذكرت في "قرّة العين" (ص ٤٥٧) أنه روى من الأحاديث (٤٢) حديثًا، اتّفقا على حديث، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث.
[ ٣ / ١٥٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن له فيه شيخين، فرّق بينهما، وإنما لم يقرن بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء، وفي اسم شيخهما، حيث قال قتيبة: حدثنا، وقال ابن رُمح: أخبرنا الليث، فالأول أخذه سماعًا، والثاني أخذه قراءةً، والأول قال: ليثٌ، والثاني قال: الليث بإدخال "أل"، وهو جائز للمح الأصل، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
٣ - (ومنها): أن فيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة، والإخبار.
٤ - (ومنها): كتابة (ح) وهي إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم أنها مختصرة من التحويل، أو من الحديث، أو من صحّ، أو من حاجز.
٥ - (ومنها): أن في قوله: "واللفظ متقارب" إشارةً إلى أن لفظ هذا السياق ليس لواحد منهما، وإنما هو معناه، ولكن لفظهما متقاربان، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَمَنْ رَوَى مَتنًا عَنَ اشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أَوْ قَالَ "قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ" أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ "قَالَ" أَوْ "قَالَا" فَذَاكَ أَحْسَنُ
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عديّ.
٧ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن شهاب، وقتيبة بغلانيّ، والباقيان مصريّان.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من أوائل من أسلم، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، منهم: المقداد، وهاجر إلى الحبشة، ويُكنى أبا الأسود، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا معبد، وليس له في
[ ٣ / ١٥٧ ]
"الصحيحين" إلا أربعة أحاديث (^١)، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وكذا عبيد الله، كما أسلفناه آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن الْمِقْدَادِ بْن الْأَسْوَدِ) تقدّم أنه المقداد بن عَمرو، وإنما الأسود تبنّاه (أَنَّهُ) أي المقداد (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عبيد الله (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في أكثر الأصول المعتبرة، وفي بعضها: "أرأيتَ لقيتُ" بحذف "إن"، والأول هو الصواب. انتهى (^٢).
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "قال: يا رسول الله إن لقِيتُ كفارًا، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديّ بالسيف … "، قال في "الفتح": قوله: "إن لقيتُ" كذا للأكثر بصيغة الشرط، وفي رواية أبي ذرّ: "إني لقيتُ كافرًا، فاقتتلنا، فضرب يدي فقطعها"، وظاهر سياقه أن ذلك وقع، والذي في نفس الأمر بخلافه، وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع. انتهى.
(فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْف، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي) أي اعتصم منّي، وهو معنى قوله: "قالها مُتَعَوّذًا": أي معتصمًا، وهو بكسر الواو، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: لاذ الرجل بالجبل، يَلُوذ لِوَاذًا بكسر اللام، وحُكِي التثليث، وهو الالتجاء، ولاذ بالقوم، وهي الْمُداناة، وألاذ بالألف لغة فيهما. انتهى.
وقال المجد: اللَّوْذُ بالشيء: الاستتار، والاحتصان به، كاللُّوَاذ، مثلَّثةً، واللياذ، والْمُلاوذة، والإحاطةُ، كالإلاذة، وجانبُ الجبل، وما يُطيف به، ومُنعَطَف الوادي، جمعه أَلْوَاذٌ. انتهى (^٣).
(بِشَجَرَةٍ) قال في "الفتح": الشجرة مثال. انتهى. يعني أنه إنما ذُكر على سبيل المثال، لا على سبيل التحديد، فلو لاذ بغير شجرة، كالِجدار ونحوه،
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٨/ ٢٠٥ - ٢١١.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ١٠٤.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٣٠٥.
[ ٣ / ١٥٨ ]
كان حكمه كذلك (فَقَالَ: أَسْلَمْت للهِ) أي دخلتُ في دين الإسلام، وتديّنتُ به، وفيه دليلٌ على أن كلَّ من صَدَرَ عنه أمرٌ يدلّ على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل حُكِم له لذلك بالإسلام، وأن ذلك ليس مقصورًا على النطق بكلمتي الشهادة، وقد حَكَم النبيّ - ﷺ - بإسلام بني جَذِيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد، وهم يقولون: صَبَأْنا صَبَأْنَا، ولم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فلما بَلَغ النبيّ - ﷺ - قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صَنَعَ خالد"، رافعًا يديه إلى السماء، ثم وَدَاهم، رواه البخاريّ.
على أن قوله في هذه الرواية: "أسلمت لله" يَحْتَمِل أن يكون ذلك نقلًا بالمعنى، فيكون بعض الرواة عَبّر عن قوله: لا إله إلا الله بأسلمتُ، كما قد جاء مُفسَّرًا في رواية أخرى، قال فيها: فلَمّا أهويتُ لأقتله قال: لا إله إلا الله.
(أَفَأَقْتُلُهُ، يَا رَسُولَ الله، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟) أي الكملة التي هي قوله: أسلمتُ لله (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ("لَا تَقْتُلْهُ") أي لأنه معصوم الدم بسبب تلك الكلمة (قَالَ) المقداد - ﵁ - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ) أي ما قاله من كلمة الإسلام (بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا) أي يده (أَفَأَقْتُلُهُ؟) أعاده تأكيدًا للسؤال (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني - والله أعلم -: أَنه بمنزلك في عصمة الدم؛ إذ قد نطق بما يوجب عصمته من كلمتي الشهادة. انتهى (^١). وقال الكرمانيّ رحمه اللهُ تعالى: القتل ليس سببًا لكون كل منهما بمنزلة الآخر، لكن عند النحاة مؤول بالإخبار: أي هو سبب لإخباري لك بذلك، وعند البيانيين المراد لازمه، كقوله: يباح دمك إن عصيت. انتهى.
(وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ") قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختُلِف في معناه، فأحسن ما قيل فيه، وأظهره ما قاله الإمام الشافعيُّ، وابن القصار المالكيّ، وغيرهما: إن معناه: فإنه معصوم الدم، مُحَرَّمٌ قتله بعد قوله: لا إله إلا الله، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم، ولا مُحَرَّم القتل، كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله، قال ابن
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٩٤.
[ ٣ / ١٥٩ ]
القصّار: يعني: لولا عُذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك، قال القاضي: وقيل: معناه: أنك مثله في مخالفة الحقّ، وارتكاب الإثم، وإن اختلف أنواع المخالفة والإثم، فيسمى إثمه كفرًا، وإثمك معصيةً وفسقًا. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قال الخطابيّ: معناه: أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مُصان الدم كالمسلم، فإن قَتَله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه في الكفر، كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة.
وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ، فالأول: أنه مثلك في صون الدم، والثاني: أنك مثله في الْهَدَر.
ونقل ابن التين عن الداودي، قال: معناه: أنك صِرْتَ قاتلًا كما كان هو قاتلًا، قال: وهذا من المعاريض؛ لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه، وإنما أراد أن كلًّا منهما قاتل، ولم يُرد أنه صار كافرًا بقتله إياه.
ونَقَل ابنُ بطال عن المهلب معناه، فقال: أي أنك بقصدك لقتله عمدًا آثم، كما كان هو بقصده لقتلك آثمًا، فأنتما في حالة واحدة من العصيان.
وقيل: المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تُسلم، وكنت مثله في الكفر، كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك.
وقيل: معناه: أنه مغفور له بشهادة التوحيد، كما أنك مغفور لك بشهود بدر.
ونقل ابن بطال عن ابن القصّار أن معنى قوله: "وأنت بمنزلته": أي في إباحة الدم، وإنما قَصَدَ بذلك رَدْعه وزجره عن قتله، لا أن الكافر إذا قال: أسلمت حَرُمَ قتله.
وتُعُقّب بأن الكافر مباح الدم، والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله، ولم يكن عَرَف أنه مسلم، إنما قتله مُتأوّلًا، فلا يكون بمنزلته في إباحته.
وقال القاضي عياض: معناه: أنه مثله في مخالفة الحقّ، وارتكاب الإثم، وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفرًا، والآخر معصيةً، وقيل: المراد إن
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ٢/ ١٠٦.
[ ٣ / ١٦٠ ]
قتلته مستحلًا لقتله، فأنت مثله في الكفر، وقيل: المراد بالمثلية أنه مغفور له بشهادة التوحيد، وأنت مغفور لك بشهود بدر.
ونَقَل ابن التين أيضًا عن الداوديّ أنه أوّله على وجه آخر، فقال: يفسره حديث ابن عباس الذي في آخر الباب (^١)، ومعناه: أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطعُ لليد مؤمنًا يكتم إيمانه، مع قوم كُفّار، غَلَبوه على نفسه، فإن قتلته فأنت شاكّ في قتلك إياه أنى ينزله الله من العمد والخطأ، كما كان هو مشكوكًا في إيمانه؛ لجواز أن يكون يَكْتُم إيمانه.
ثم قال: فإن قيل: كيف قَطَع يد المؤمن، وهو ممن يكتم إيمانه؟.
فالجواب: أنه دَفَع عن نفسه من يريد قتله، فجاز له ذلك، كما جاز للمؤمن أن يدفع عن نفسه مَن يريد قتله، ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله، فإن دمه يكون هَدَرًا، فلذلك لم يُقِد النبيّ - ﷺ - من يد المقداد؛ لأنه قَطَعها مُتأوّلًا.
وتعقّبه الحافظ: فقال: وعليه مؤاخذات:
منها: الجمع بين القصتين بهذا التكلّف، مع ظهور اختلافهما، وإنما الذي ينطبق على حديث ابن عباس قصة أسامة الآتية بعد هذا، حيث حَمَلَ على رجل أراد قتله، فقال: إني مسلم، فقتله ظنًّا أنه قال ذلك مُتَعَوِّذًا من القتل، وكان الرجل في الأصل مُسلمًا، فالذي وقع للمقداد نحوُ ذلك، كما سأبيّنه، وأما قصة قطع اليد فإنما قالها مستفتيًا على تقدير أن لو وقعت، كما تَقَدَّم تقريره، وإنما تَضَمَّن الجواب النهي عن قتله؛ لكونه أظهر الإسلام، فحُقِن دمه، وصار ما وقع منه قبل الإسلام عَفْوًا.
ومنها: أن في جوابه عن الاستشكال نظرًا؛ لأنه كان يمكنه أن يَدفع بالقول، بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله: إني مسلم، فيكُفّ عنه، وليس له أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه. انتهى (^٢).
_________________
(١) أراد ما أورده البخاريّ تعليقًا، فقال: وقال حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ - ﷺ - للمقداد: "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه، مع قوم كُفّار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل".
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٩٧ - ١٩٨ رقم الحديث (٦٨٦٥).
[ ٣ / ١٦١ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس بين أكثر هذه التأويلات تعارضٌ، وأولاها وأقربها في نظري ما تقدّم عن الشافعيّ رحمه الله تعالى.
قال الحافظ أبو عوانة في "مسنده" بعد إخراجه الحديث، ما نصّه: سمعت الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعيّ يقول: معناه: أن يصير مباح الدم، لا أنه يصير مشركًا، كما كان مباح الدم قبل الإقرار. انتهى (^١).
وحاصله أنه معصوم الدم، مُحرَّمٌ قتله بعد قوله: لا إله إلا الله، كما كنت أنت كذلك قبل أن تقتله، وأنك بعد قتله غير معصوم الدم، ولا محرّم القتل، كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله، وهذا معنى واضحٌ، فتأملّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المقداد بن الأسود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٣/ ٢٨١ و٢٨٢ و٢٨٣] (٩٥)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٠١٩)، و"الديات" (٦٨٦٥)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٦٤٤)، و(النسائيّ) في "السير" من "الكبرى" (٨٥٣٧)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٨٧١٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ١٢٦ و١٢/ ٣٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣ و٤ و٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٧ و١٨٨ و١٨٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤ و٢٧٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٥ و٥٦ و٥٧ و٥٨ و٥٩ و٦٠)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٤٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا الله.
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ١/ ٦٧ رقم (١٨٩).
[ ٣ / ١٦٢ ]
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على صحة قول مَن قال: أسلمت لله، ولم يزد على ذلك، هكذا قيل: لكن فيه نظر؛ لأن ذلك كافٍ في الكفّ، على أنه ورد في بعض الروايات الإشارة إلى أنه قال: لا إله إلا الله، وهي رواية معمر، عن الزهريّ الآتية بعد هذا.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها؛ بناءً على ما تقدم ترجيحه من أن المقداد - ﵁ - إنما سأل عمّا لم يقع له، وأما ما نُقِل عن بعض السلف من كراهة ذلك فمحمول على ما يَنْدُر وقوعه، وأما ما يمكن وقوعه عادةً، فيُشْرَع السؤال عنه؛ ليُعْلَم حكمه إذا وقع.
٤ - (ومنها): بيان فضل كلمة التوحيد؛ إذ بقولها عُصِم دم من كان كافرًا طول حياته.
٥ - (ومنها): بيان فضل الصحابة - ﵃ - حيث إنهم كانوا حريصين على التفقّه في دين الله تعالى، فكانوا يسألون النبيّ - ﷺ - حتى عما لم يقع؛ ليعلموا حكمه إذا وقع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أورد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" بعد هذا الحديث، ما نصّه:
وقال حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ - ﷺ - للمقداد: "إذا كان رجل مؤمنٌ، يُخفي إيمانه، مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلته، فكذلك كنت أنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل".
فقال في "الفتح": قوله: "وقال حبيب بن أبي عمرة": هو القَصّاب الكوفيّ، لا يعرف اسم أبيه، وهذا التعليق وصله البزّار، والدارقطنيّ في "الأفراد"، والطبراني في "الكبير" من رواية أبي بكر بن عليّ بن عَطَاء بن مُقَدَّم، والد محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ، عن حبيب، وفي أوّله: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيَّةً فيها المقداد، فلما أَتَوهم وجدوهم تفرَّقوا، وفيهم رجل له مالٌ كثيرٌ، لم يَبْرَح، فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله … " الحديث، وفيه: فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "يا مقداد، قتلت رجلًا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله؟ " فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
[ ٣ / ١٦٣ ]
آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [النساء: ٩٤]، فقال النبيّ - ﷺ - للمقداد: "كان رجلًا مؤمنًا يُخفي إيمانه … " إلخ.
قال الدارقطنيّ: تفرد به حبيب، وتفرد به أبو بكر عنه.
قال الحافظ: قد تابع أبا بكر سفيان الثوريّ، لكنه أرسله، أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عنه، وأخرجه الطبريّ، من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن الثوريّ كذلك، ولفظ وكيع بسنده، عن سعيد بن جبير: "خَرَج المقداد بن الأسود في سرية … "، فذكر الحديث مختصرًا إلى قوله: فنزلت، ولم يذكر الخبر الْمُعَلَّق. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، أمَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ: أَسْلَمْتُ لله، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِه، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه المروزيّ الحافظ الإمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نَصْر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الرحمن، ثقة حافظ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّفٌ عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٩٨ "كتاب الديات" رقم الحديث (٦٨٦٦).
[ ٣ / ١٦٤ ]
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاريّ الْخَطميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ مُتقنٌ [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وجرير بن عبد الحميد، وأبي ضَمْرة، وابن وهب، ومعاذ بن معاذ، ومَعْن بن عيسى الْقَزَّاز، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابنه موسى بن إسحاق الحافظ القاضي، وابن خزيمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح جَزَرة، وموسى بن هارون، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحسين القبانيّ، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: كان أبي يُطْنِب القول فيه في صدقه وإتقانه، وقال النسائيّ: أصله كوفيّ، وكان في العسكر، ثقةٌ، وقال الخطيب: وَرَدَ بغداد، وحَدّث بها، وكان ثقةً، وقال ابن عساكر: وَلِيَ القضاء بنيسابور، وقال يحيى بن محمد الذهليّ: هو من أهل السنة، قال البغويّ: مات سنة (٢٤٤) بحمص، وقال أبو الحسن محمد بن أحمد الْقَوّاس الْوَرّاق: مات بِجُوسِيَةَ راجعًا من دمشق، وقال الحاكم: قَدِمَ نيسابور أوّلًا على القضاء في حياة يحيى بن يحيى، ثم وَرَدَ ثانيًا سنة (٤٠)، وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٦ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٧ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه الدمشقيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمَة" ٤/ ١٨.
٩ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩، والزهريّ تقدّم في السند الماضي.
[ ٣ / ١٦٥ ]
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ) يعني أن معمرًا، والأوزاعيّ، وابن جريج كلهم رووا هذا الحديث عن الزهريّ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أشار به إلى الإسناد الماضي، وهو إسناد الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود.
وقوله: (أمَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا) هكذا وقع في كثير من النسخ بلفظ: "ففي حديثهما" بفاءين، وهذا هو الأصل، والجيِّد؛ لأن جواب "أما" يجب اقترانه بالفاء، كما قال في "الخلاصة":
"أَمَّا" كَـ"مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ" وَفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
ووقع في أكثر الأصول بلفظ: "في حديثهما" بفاء واحدة، وهذا أيضًا له وجه؛ لأنه قد تُحذف الفاء من جواب "أما" قليلًا، وإن قُدّر القول فلا يكون قليلًا، بل هو كثير، كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
فالأولى هنا تقدير القول معها، فيكون تقدير الكلام: أما الأوزاعيّ، وابنُ جريج، فقالا في حديثهما: كذا، ومثل هذا في القرآن العزيز، وكلام العرب كثير، فمنه في القرآن قوله ﷿:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾، أي فيقال لهم: أكفرتم؟، وقوله ﷿: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١]، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
فَأَمَّا الْقِتَالُ لَا قِتَالُ لَدَيْكُمُ … وَلَكِنَّ سَيْرًا فِي عِرَاضِ الْمَوَاكِبِ
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ التي أشار إليها المصنّف هنا، أخرجها ابن منده في "الإيمان" (١/ ٢٠٣)، فقال:
(٥٩) أنبأ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مِهوان النيسابوريّ، حدثني أبي، ثنا دُحَيم، وهشام قالا: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عَديّ بن الخيار، عن
[ ٣ / ١٦٦ ]
المقداد بن الأسود، قال: قلت: يا رسول الله، رجلٌ قَطَع يدي، ثم لاذ مِنِّي بشجرة، أأقتله؟ .. فذكر الحديث. انتهى.
ثم قال: هذا حديث وَهَمٌ من حديث الأوزاعيّ، وتفرَّد به الوليد، وعنه مشهور، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، والصواب من حديث الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرَّة، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عديّ. انتهى.
قال الجامع: سيأتي قريبًا تمام البحث في رواية الأوزاعيّ هذه - إن شاء الله تعالى -.
وأما رواية ابن جريج، فقد أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٢٧١٣) حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن عبيد الله بن عَديّ بن الخيار، أنه قال: أخبرني أن المقداد أخبره، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فقاتلني، فاختلفنا ضربتين، فضرب إحدى يديَّ بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أقاتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تقتله"، قلت: يا رسول الله، إنه قَطَع إحدى يديّ، ثم قال ذلك بعدما قطعها، أقاتله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
وكذا أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٦٦ - ٦٧) رقم (١٨٧).
وقوله: (وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ … إلخ) يعني رواية معمر بن راشد عن الزهريّ بلفظ: "فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" بدل رواية الأوزاعيّ، وابن جريج عنه بلفظ: "أَسْلَمْتُ للهِ"، وقد تقدّم أنه بمعناه.
وقوله: (فَلَمَّا أَهْويتُ لِأَقْتُلَهُ … إلخ) معناه: مِلْتُ لقتله، قال الجوهريّ: أهوى إليه بيده ليأخذه، وقال الأصمعيّ: أهويتُ بالشيء: إذا أومأت إليه، ويقال: أهويتُ له بالسيف، فأما هَوَى: فمعناه: سَقَطَ إلى أسفل، ويقال: انهوى بمعناه، فهو مُنْهَوٍ، قاله في "المفهم" (^١).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
[ ٣ / ١٦٧ ]
وقال في "الإكمال": قال الخليل: أهوى إليه بيده، وقال أبو بكر بن الْقُطيّة: هَوَى إليه بالسيف، والشيُ هُوِيًّا، وأهويته: أي أملته، وقال أبو زيد: والإهواء: التناول باليد والضرب. انتهى (^١).
وفي "المصباح": وأهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرْبٍ، فإن كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأتُ به. انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية معمر هذه، أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٦٧)، فقال:
(١٩٠) حدثنا السّلميّ، ومحمد بن مهل الصنعانيّ، قالا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، ثم الْجُنْدَعيّ، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار أن المقداد بن الأسود حدثه، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين بالسيف، فقَطَع يدي، فلما أهويت إليه لأضربه، قال: لا إله إلا الله، أقتله، أم أَدَعُه؟ قال: "لا، بل دَعْهُ"، قلت: وإن قطع يدي؟ قال: "وإن فعل"، فراجعته مرتين أو ثلاثًا، قال النبيّ - ﷺ -: "إن قتلته بعد أن يقول: لا إله إلا الله، فأنت مثله قبل أن يقولها، وهو مثلك قبل أن تقتله". انتهى.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: (اعلم): أن في إسناد بعض روايات هذا الحديث ما أنكره الدارقطنيّ وغيره، وهو قول مسلم:
"حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حُميد قالا: أنبأ عبد الرزاق، أنبأ معمر (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ (ح) وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج جميعًا عن الزهريّ بهذا الإسناد".
فهكذا وقع هذا الإسناد في رواية الْجُلُوديّ، قال القاضي عياض: ولم يقع هذا الإسناد عند ابن ماهان - يعني رفيقَ الْجُلُوديّ - قال القاضي: قال أبو مسعود الدمشقيّ: هذا ليس بمعروف عن الوليد بهذا الإسناد، عن عطاء بن
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٤٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.
[ ٣ / ١٦٨ ]
يزيد، عن عُبيد الله، قال: وفيه خلاف على الوليد، وعلى الأوزاعيّ.
وقد بَيَّن الدارقطنيّ في "كتاب العلل" الخلاف فيه، وذكر أن الأوزاعيّ يرويه عن إبراهيم بن مُرّة، واختُلِف عنه، فرواه أبو إسحاق الفزاريّ، ومحمد بن شعيب، ومحمد بن حِمْير (^١)، والوليد بن مَزْيَد، عن الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرّة، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن الْخِيَار، عن المقداد، لم يذكروا فيه عطاء بن يزيد.
واختُلِف عن الوليد بن مسلم، فرواه أبو الوليد (^٢) القرشيّ، عن الوليد، عن الأوزاعيّ، والليث بن سعد، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن الخيار، عن المقداد، لم يذكر فيه عطاء، وأسقط إبراهيم بن مُرّة.
وخالفه عيسى بن مُسَاوِر، فرواه عن الوليد، عن الأوزاعيّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن الخيار، عن المقداد، لم يذكر فيه إبراهيم بن مُرّة، وجَعَل مكان عطاء بن يزيد حميدَ بنَ عبد الرحمن.
ورواه الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرّة، عن الزهريّ مرسلًا، عن المقداد.
قال أبو عليّ الجيانيّ (^٣): الصحيح في إسناد هذا الحديث ما ذكره مسلم أوّلًا، من رواية الليث، ومعمر، ويونس، وابن جريج، وتابعهم صالح بن كيسان. هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٤).
قال النوويّ: وحاصل هذا الخلاف والاضطراب، إنما هو في رواية الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وأما رواية الليث، ومعمر، ويونس، وابن جريج، فلا شَكّ في صحّتها، وهذه الروايات هي المستقلّة بالعمل، وعليها الاعتماد، وأما رواية الأوزاعيّ، فذكرها متابعةً، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يُحْتَمَل فيها ما فيه نوعُ ضَعْف؛ لكونها لا اعتماد عليها، وإنما هي لمجرد الاستئناس.
_________________
(١) وقع في شرح النوويّ: "محمد بن حُميد" بالدال، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) وقع في شرح النووي: "فرواه الوليد … إلخ" وهو غلط، فتنبّه.
(٣) راجع: "تقييد المهمل" ٣/ ٧٧٧ - ٧٧٩.
(٤) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٤٤٢ - ٤٤٥.
[ ٣ / ١٦٩ ]
فالحاصل أن هذا الاضطراب الذي في رواية الوليد، عن الأوزاعيّ، لا يَقْدَح في صحّة أصل هذا الحديث، فلا خلاف في صحّته، وقد قدمنا أن أكثر استدراكات الدارقطني من هذا النحو، ولا يُؤَثِّر ذلك في صحّة المتون، وقدمنا أيضًا اعتذار مسلم رحمه الله تعالى عن نحو هذا بأنه ليس الاعتماد عليه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَار، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو بْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ … "، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤، والباقون تقدّموا في الحديث الماضي.
وقوله: (اللَيْثِيُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ) فبضم الجيم، وإسكان النون، وبعدها دال، ثم عين مهملتان، وتفتح الدال، وتضمّ لغتين، و"جُنْدُع" بطنٌ من ليث،
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٣ / ١٧٠ ]
فلهذا قال: الليثيّ، ثم الجندعيّ، فبدأ بالعامّ، وهو ليث، ثم الخاصّ، وهو جُندع، ولو عُكِس هذا، فقيل: الجندعيّ، ثمّ الليثيّ، لكان خطأً من حيث إنه لا فائدة في قوله: "الليثيّ" بعد الجندعيّ، ولأنه أيضًا يقتضي أن ليثًا بطن من جندع، وهو خطأ، قاله النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
وقوله: (أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو بْنَ الْأَسْوَدِ) هو المقداد ابن الأسود الذي سبق في السند الماضي، قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قد يُغْلَط في ضبطه، وقراءته، والصواب فيه أن يُقْرَأ "عمرٍو" مجرورًا منونًا، و"ابنَ الأسود" بنصب النون، ويُكتب بالألف؛ لأنه صفة للمقداد، وهو منصوبٌ، فينصب، وليس "ابن" ها هنا واقعًا بين علمين متناسلين، فلهذا قلنا: تتعين كتابته بالألف، ولو قُرِئ "ابن الأسود" بجر "ابن" لفسد المعنى، وصار عمرو بن الأسود، وذلك غَلَطٌ صريحٌ، ولهذا الاسم نظائر، منها: "عبد الله بن عمرٍو ابنُ أم مكتوم"، كذا رواه مسلم ﵀ آخر الكتاب، في حديث الْجَسّاسة، و"عبد الله بن أُبيٍّ بنُ سَلُولَ"، و"عبد الله بن مالكٍ ابنُ بُحَينة"، و"محمد بن عليٍّ ابنُ الْحَنَفِيَّة"، و"إسماعيل بن إبراهيمَ ابنُ عُلَيَة"، و"إسحاق بن ابراهيمَ ابنُ راهويه"، و"محمد بن يزيد بن ماجه"، فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنًا لمن بعده، فيتعين أن يُكتَب "ابن" بالألف، وأن يُعْرَب بإعراب الابن المذكور أوّلًا، فـ"أمُّ مكتوم" زوجة عمرو، و"سَلُول" زوجة أُبَيّ، وقيل غير ذلك مما سنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - و"بُحَينة" زوجة مالك، وأمُّ عبد الله، وكذلك "الحنفية"، زوجة عليّ - ﵁ -، و"عُلَيَّةُ" زوجة إبراهيم، و"راهويه"، هو إبراهيم، والد إسحاق، وكذلك "ماجه" هو يزيد (^٢)، فهما لقبان، والله تعالى أعلم.
ومرادهم في هذا كله تعريفُ الشخص بوصفيه؛ ليَكْمُل تعريفه، فقد يكون الإنسان عارفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فيجمعون بينهما؛ ليتم التعريف لكل أحد، وقُدِّم هنا نسبته إلى عمرو على نسبته إلى الأسود؛ لكون عمرو هو الأصل، وهذا من المستحسنات النفيسة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٣.
(٢) هذا فيه اختلاف بين العلماء، وقد حقّقته في مقدمة "شرح سنن ابن ماجه"، فارجع إليه، تستفد.
[ ٣ / ١٧١ ]
وقوله: (الْكِنْدِيَّ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه إشكال من حيث إن أهل النسب قالوا: إنه بَهْرَانيّ صُلْبِيَّةً من بَهْراء بن الْحَاف - بالحاء المهملة، وبالفاء - ابن قُضَاعة، لا خلاف بينهم في هذا، وممن نقل الإجماع عليه القاضي عياض وغيره - رحمهم الله تعالى -.
وجوابه: أن أحمد بن صالح الإمام الحافظ المصريَّ، كاتب الليث بن سعد - رحمه الله تعالى - قال: إن والد المقداد حالف كِنْدَة، فنسب إليها، ورَوَينا عن ابن شِمَاسة، عن سفيان، عن صُهَابة - بضم الصاد المهملة، وتخفيف الهاء، وبالباء الموحدة - الْمَهْريّ، قال: كنت صاحب المقداد بن الأسود في الجاهلية، وكان رجلًا من بَهْراء، فأصاب فيهم دمًا، فَهَرَب إلى كِندة، فحالفهم، ثم أصاب فيهم دمًا، فَهَرَب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث، فعلى هذا تَصِحُّ نسبته إلى بهراء؛ لكونه الأصل، وكذلك إلى قُضَاعة، وتصحّ نسبته إلى كندة؛ لِحِلْفه، أو لِحِلف أبيه، وتصح إلى زُهْرة؛ لِحِلفه مع الأسود.
انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ) أي لمحالفته الأسودَ بن عبد يغوث الزهريَّ، فقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن الأسود حالفه أيضًا، مع تبنيه إياه، كما أسلفنا هذا كلّه قريبًا.
وقوله: (أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو ابْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ - إلى قوله: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ … إلخ).
فأعاد لفظة "أَنَّهُ"؛ لطول الكلام، ولو لم يذكرها لكان صحيحًا، بل هو الأصل، ولكن لَمّا طال الكلام جاز، أو حَسُنَ ذكرها، ونظيره في كلام العرب كثيرٌ، وقد جاء مثله في القرآن العزيز، والأحاديث الشريفة، ومما جاء في القرآن قوله ﷿ حكايةً عن الكفار: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾؛ للطول، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]، فأعاد ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وقد تقدّم تحقيق نظير هذه المسألة، فلا تكن من الغافلين.
[تنبيه]: رواية يونس التي أحالها المصنف على رواية الليث ساقها
[ ٣ / ١٧٢ ]
البخاري ﵀ في "صحيحه" فقال: (٦٨٦٥) حدّثنا عبدان، حدّثنا عبد الله، حدّثنا يونس عن الزهريّ، حدّثنا عطاء بن يزيد، أنّ عبيد الله بن عديّ حدّثه أن المقداد بن عمرو الكنديّ حليف بني زهرة حدّثه، وكان شهد بدرًا مع النبيّ - ﷺ - أنه قال: يا رسول الله إني لقيتُ كافرًا، فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ منِّي بشجرة، وقال: أسلمت لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقتله"، قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديّ، ثم قال ذلك بعدما قطعها، آقتله؟ قال: "لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال". انتهى.
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٤] (٩٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَقالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاح، قَالَ: "أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟ "، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِي أُسَامَةَ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ألَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
[ ٣ / ١٧٣ ]
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو: سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠٥.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه المذكور قبل حديث.
٥ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير المذكور في الباب الماضي.
٦ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران المذكور في الباب الماضي.
٧ - (أَبُو ظَبْيَانَ) - بفتح الظاء المعجمة، وسكون الموحّدة - هو: حُصين بن جُندب بن الحارث بن وَحْشِيّ بن مالك الْجَنْبيّ - بفتح الجيم، وسكون النون، ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وسلمان، وأسامة بن زيد، وعمار، وحذيفة، وأبي موسى، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم، ومن التابعين عن علقمة، وأبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه قابوس، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسلمة بن كُهيل، والأعمش، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو حَصِين، وعطاء بن السائب، وسِمَاك بن حَرْب، وجماعة.
قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة يُنكر أن يكون سَمِع من سلمان، وقال أبو حاتم: قد أدرك ابن مسعود، ولا أظنُّهُ سمع منه، ولا أظنه سمع من سلمان حديثَ العَرَب، ولا يثبت له سماع من عليّ، والذي ثبت له ابنُ عباس، وجرير، وقال ابن حزم: لم يَلْقَ معاذًا، ولا أدركه، وسئل الدارقطنيّ: ألقي أبو ظبيان عُمَر وعليًّا؟ قال: نعم، وقال عَبّاس الدُّوريّ: سألت يحيى عن حديث الأعمش، عن أبي ظَبْيان، قال لي عمر: يا أبا ظبيان أَتَجِد مالًا؟ فقال يحيى: ليس هذا أبو ظبيان الذي يَروِي عن عليّ، ورَوَى عنه سلمة بن كُهَيل، ذاك أبو ظبيان آخر، هو القرشي.
قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٨٩) وقال ابن سعد وغيره: مات سنة (٩٠)، وقيل: غير ذلك.
[ ٣ / ١٧٤ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٢٣١٩): "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿".
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": وأما قوله: "عن أبي ظبيان": فهو بفتح الظاء المعجمة، وكسرها، فأهل اللغة يفتحونها، ويُلَحِّنون مَن يكسرها، وأهلُ الحديث يكسرونها، وكذلك قَيَّده ابن ماكولا وغيره. انتهى (^١).
٨ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْد) بن حارثة بن شَرَاحيل بن عبد الْعُزَّى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وَدّ بن عوف بن كِنانة بن بكر بن عَوف بن عُذْرة بن زيد اللات بن رُفَيدة بن ثَوْر بن كَلْب بن وبرة الكلبيّ، أبو محمد، ويقال: أبو زيد، وقيل غير ذلك في كنيته، الْحِبُّ ابن الْحِبّ، مولى رسول الله - ﷺ -، وأمه أم أيمن حاضنة النبيّ - ﷺ -.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبيه، وأم سلمة.
ورَوَى عنه ابْنَاه: الحسن ومحمد، وابنُ عباس، وأبو هريرة، وكُرَيب، وأبو عثمان النَّهْديّ، وعمرو بن عثمان بن عفان، وأبو وائل، وعامر بن سعد، وعروة بن الزبير، والزِّبْرِقان بن عمرو بن أمية الضَّمْريّ، وقيل: لم يلقه، والحسن البصريّ على خلاف فيه، فقد قال ابن المدينيّ، وأبو حاتم: إن الحسن البصريّ لم يسمع منه شيئًا، وجماعةٌ.
استعْمَلَه رسول الله - ﷺ - على جيشٍ فيه أبو بكر وعمر - ﵃ -، فلم يَنفُذ حتى تُوُفِّي النبيّ - ﷺ -، فبعثه أبو بكر إلى الشام.
وكان عمر - ﵁ - يُجِلُّه ويُكرمه، وفَضَّله في العطاء على ولده عبد الله بن عمر، واعتزل أسامة الْفِتَن بعد قتل عثمان - ﵁ - إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سَكَن الْمِزَّة من عَمَلِ دِمَشْق، ثم رجع، فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالْجُرُف، وصَحَّح ابن عبد البر أنه مات سنة أربع وخمسين، وهو ابن (٧٥)، وقال ابن حبان: مات سيدنا رسول الله - ﷺ -، ولأسامة عشرون سنة، زاد ابن سعد: ولم يَعْرِف إلا الإسلام، ولم يَدِنْ بغيره،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٣.
[ ٣ / ١٧٥ ]
وذكر ابن أبي خيثمة أن النبيّ - ﷺ -: تُوُفِّي، وله (١٨) سنةً، وقال مصعب الزبيريّ: تُوُفي آخر أيام معاوية بن أبي سفيان، سنة (٨) أو (٥٩) (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا (^٢)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، فله إلى الأعمش إسنادان: الأول: أبو بكر، عن أبي حيّان، عن الأعمش، والثاني: أبو كريب، وإسحاق كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش.
٤ - (ومنها): أنه له فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين منهما، وأبو كريب هو من التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوبة أثبت من روى عن الأعمش.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي ظبيان.
٧ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ظبيان غير هذا، وأما أبو ظبيان القرشيّ الذي يروي عن عمر، وعنه سلمة بن كُهيل، وهو مجهول من الطبقة الثالثة، فليس من رجالها، وإنما يُذكر في كتب الرجال للتمييز فقط، فتنبّه.
وتقدّم أيضًا أن هذا الباب أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وتقدّم عدد
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، و"تهذيب التهذيب" ١/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) هكذا في برنامج الحديث (صخر)، والذي ذكرته في "قرّة العين" نقلًا عن ابن الجوزيّ: أنه روى من الأحاديث (١٢٨) حديثًا، اتفق الشيخان على (١٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين، ولا اختلاف بين هذا وبين ما في البرنامج؛ لأن ما في البرنامج بالمكرّرات، فتأمله، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ١٧٦ ]
مرويّاته، وأن اسمه حصين بن جُندب، ولا يوجد في هذا الكتاب ممن اسمه حُصين إلا ثلاثة: هذا أحدهم، والثاني حُصين بن عبد الرحمن، أبو الهذيل الكوفيّ الثقة من الطبقة الخامسة، والثالث: حُصين محمد الأنصاريّ السالميّ المدنيّ من الطبقة الثانية، ويزيد البخاريّ على هؤلاء حُصين بن نُمير الواسطيّ من الطبقة الثامنة.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه حبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبّه، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أسامة بن زيد - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -: أنه كان يأخذه والحسن، ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"، أو كما قال، ومناقبه كثيرة، وفضائله شهيرة، وأن هذا الباب أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وتقدّم عدد مرويّاته فيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ) بظاء معجمة مفتوحة، ثم موحدة ساكنة، ثم ياء آخر الحروف (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) - ﵄ -، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ) يعني أن المتن الذي ساقه هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما شيخاه: أبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، فروياه بمعناه (قَالَ) أسامة - ﵁ - (بَعَثنا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وكسر الراء، وتشديد الياء: القطعة من الجيش، فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سرايا، وسَرِيّات، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا وعَطِيَّات. قاله الفيّوميّ، وقال ابن الأثير: السَّرِيّة: طائفة من الجيش، يَبلُغ أقصاها أربعمائة تُبْعَثُ إلى العدوّ، سُمّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصة الْعَسكر وخيارهم، من الشيء السّرِيّ، أي النفيس، وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سِرًّا وخُفَيةً، وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راءٌ، وهذه ياء. انتهى (^١).
(فَصَبَّحْنَا) بتشديد الباء الموحّدة، ويجوز تخفيفها، يقال: صَبَحه، كمنَعَهُ، وصَبّحه بالتشديد: إذا أتاه وقت الصبح (^٢)، أي أتيناهم، وهَجَمْنَا عليهم صباحًا بغتة قبل أن يَشْعُروا بنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣٦٣.
(٢) راجع: "القاموس" ص ٢٠٧.
[ ٣ / ١٧٧ ]
عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾ [القمر: ٣٨] (الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ) "الْحُرَقات" - بضم المهملة، وفتح الراء، ثم قاف -: هم بطن من جُهَينة، ولذا قال: "من جهينة"، وسُمُّوا بذلك؛ لوقعة كانت بينهم وبين بني مُرَّة بن عوف بن سَعْد بن ذُبْيَان، فأحرقوهم بالسهام؛ لكثرة من قَتَلُوا منهم، ذكره في "الفتح" (^١)، وذكر في موضع آخر، فقال: نسبة إلى الحرقة، واسمه جُهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جُهينة، تَسَمّى الْحُرَقة؛ لأنه حرّق قومًا بالقتل، فبالغ في ذلك، ذكره ابن الكلبيّ. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الْحُرقات" رَوَيناه بضمّ الراء، وفتحها، وهو موضع معروفٌ من بلاد جُهينة، يُسمّى بجمع المؤنّث السالم، كعرفات، وأذرعات. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكره القرطبيّ، ومما سبق عن "الفتح": أن "الحرقات" تُطلق على قبيلة، وعلى بلدة، وقد جمع بينهما في "لُبّ اللباب"، حيث قال ما حاصله: الْحُرَقيّ بضم الحاء، وفتح الراء، وفي آخره قاف: هذه النسبة إلى الْحُرقات من جُهينة، وبطنٌ من غافق، وناحيةٌ بعُمَان. انتهى (^٤).
[تنبيه]: قال في "الفتح": هذه السرية يقال لها سَريّة غالب بن عبيد الله الليثيّ، وكانت في رمضان سنة سبع، فيما ذكره ابن سعد، عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في "المغازي": حدثني شيخ من أسلم، عن رجال من قومه، قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - غالب بن عبيد الله الكلبيّ، ثم الليثيّ إلى أرض بني مُرّة، وبها مِرْداس بن نَهِيك حليف لهم من بني الْحُرَقة، فقتله أسامة، فهذا يُبَيِّن السبب في قول أسامة: "بعثنا إلى الحرقات من جهينة"، والذي يظهر أن قصة الذي قَتَل، ثم مات فدُفن، ولفظته الأرض غير قصة أسامة؛ لأن أسامة عاش بعد ذلك دهرًا طويلًا، وترجم البخاري في "المغازي": "بَعْثُ النبيّ - ﷺ -
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٠٢ "كتاب المغازي" رقم الحديث (٦٨٧٢ - ٦٨٧٥).
(٢) "الفتح" ٧/ ٥٩١ "كتاب المغازي" رقم الحديث (٤٢٧٢ - ٤٢٧٣).
(٣) "المفهم" ١/ ٢٩٦.
(٤) "لبّ اللباب" ١/ ٢٤٣.
[ ٣ / ١٧٨ ]
أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة"، فجرى الداودي في "شرحه" على ظاهره، فقال: "تأمير مَن لم يبلغ".
وتُعُقِّب من وجهين:
[أحدهما]: أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير؛ إذ يَحتمل أن يكون جَعَل الترجمة باسمه؛ لكونه وقعت له تلك الواقعة، لا لكونه كان الأمير.
[والثاني]: أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا بالغًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان له لما مات النبيّ - ﷺ - ثمانية عشر عامًا. انتهى (^١).
(فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا) وفي الرواية التالية: "فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، حَتَّى قَتَلْتُهُ".
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: اسمه - يعني: الرجل المقتول - مِرْداس بن عمرو الْفَدَكيّ، ويقال: مِرداس بن نَهِيك الْفَزَاريّ، وهو قول ابن الكلبيّ، قتله أُسامة، وساق القصة.
وقال صاحب "التنبيه": هو مِرْداس بن نَهِيك، قاله ابن بشكوال، وجزم به ابن القيّم في "الهدي"، وذكره الطبريّ، ويقال: مِرداس بن عمرو بن نَهِيك، وقال ابن طاهر: هو مِرداس بن عُمَر الفَدَكيّ. انتهى. نقله عنه الحافظ وليّ الدين العراقيّ، والظاهر أنه تحريفٌ من الكاتب، وإنما هو ابن عَمْرو بالواو في آخره، وهذا الرجل يقال فيه: مِرداس بن عمرو، ويقال: مِرداس بن نَهِيك، قاله الذهبيّ في "التجريد". انتهى (^٢).
وذكر ابن منده أن أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيّةً فيها أسامة إلى بني ضَمْرة، فذكر قتل أسامة الرجل.
وقال ابن أبي عاصم في "الديات": حدثنا يعقوب بن حُميد، حدثنا يحيى بن سُليم، عن هشام بن حسان، عن الحسن، أن رسول الله - ﷺ - بعث
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٠٣.
(٢) راجع: "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٦١.
[ ٣ / ١٧٩ ]
خيلًا إلى فَدَك، فأغاروا عليهم، وكان مِرْداس الْفَدَكيّ قد خرج من الليل، وقال لأصحابه: إني لاحق بمحمد وأصحابه، فبَصُرَ به رجل، فحَمَل عليه، فقال: إني مؤمن، فقتله، فقال النبيّ - ﷺ -: "هلا شَقَقت عن قلبه؟ "، قال: فقال أنس - ﵁ -: إن قاتل مِرداس مات، فدفنوه، فأصبح فوق القبر، فأعادوه، فأصبح فوق القبر مرارًا، فذكروا ذلك للنبيّ - ﷺ -، فأَمَر أن يُطْرَح في واد بين جبلين، ثم قال: "إن الأرض لَتَقْبَلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله وَعَظَكم".
قال الحافظ: إن ثبت هذا فهو مِرداس آخر، وقتيل أسامة لا يُسَمَّى مِرداسًا، وقد وقع مثل هذا عند الطبريّ في قتل مُحَلِّم بن جَثّامةَ عامرَ بنَ الأضبط، وأن مُحَلِّمًا لَمّا مات، ودُفِن لفظته الأرض، فذكر نحوه. انتهى (^١).
(فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ) أي بالرمح، ففي الرواية الآتية: "فأدركت رجلًا، فطعنته برمحي حتى قتلته"، وفي حديث جندب الآتي أيضًا: "فلما رَفَع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله".
ويُمكن الجمع بأنه رَفَع عليه السيف أوّلًا، فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح، قاله في "الفتح".
(فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: "فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبيّ - ﷺ -"، ولا منافاة بينهما؛ لأنه يُحْمَل على أن ذلك بلغ النبيّ - ﷺ - من أسامة، لا من غيره، فيكون تقدير الثاني: بلغ ذلك النبيّ - ﷺ - مني، أفاده في "الفتح".
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قول أسامة في الرواية الأولى: "فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبيّ - ﷺ -"، وفي الرواية الأخرى: "فلما قَدِمنا بلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فقال لي: يا أسامة، أقتلته؟ "، وفي الرواية الأخرى: "فجاء البشير إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله، فأخبره حتى أخبره خبر الرجل، فدعاه - يعني: أسامة - فسأله"، فيحتمل أن يُجمَع بينها بأن أسامة وقع في نفسه من ذلك شيءٌ بعد قتله، ونَوَى أن يسأل عنه، فجاء البشير، فأَخبَر به قبل مَقْدَم أسامة، وبلغ النبيّ - ﷺ - أيضًا بعد قدومهم، فسأل أسامةَ، فذكره، وليس في
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٣ / ١٨٠ ]
قوله: "فذكرته" ما يدُلّ على أنه قاله ابتداءً قبل تقدُّم علم النبيّ - ﷺ - به، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟ ") قال ابن التين رحمه الله تعالى: في هذا اللَّوْم تعليم، وإبلاع في الموعظة حتى لا يُقْدِم أحدٌ على قتل مَن تلفظ بالتوحيد.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في تكراره القول إنكار شديد، وزجرٌ وَكِيدٌ، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: "إنما قالها خوفًا من السلاح". انتهى.
(قَالَ) أسامة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا) أي كلمة التوحيد (خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ) وفي رواية حصين الآتية: "إنما كان مُتَعَوِّذًا"، وفي رواية ابن أبي عاصم من وجه آخر، عن أسامة: "إنما فَعَلَ ذلك لِيَحْرِز دمه".
(قَالَ) - ﷺ - ("أفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَمَ أَقالَهَا أَمْ لَا؟ ") قال النوويّ رحمه الله تعالى: الفاعل في قوله: "أقالها؟ " هو القلب، ومعناه: أنك إنما كُلِّفتَ بالعمل بالظاهر، وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال: "أفلا شققت عن قلبه"؛ لتنظر هل قالها القلبُ، واعتقدها، وكانت فيه، أم لم تكن فيه، بل جَرَت على اللسان فحسبُ؟، يعني: وأنت لست بقادر على هذا، فاقتصر على اللسان فحسبُ، يعني: ولا تطلب غيره. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^٢).
(فَمَا زَالَ) - ﷺ - (يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ) أي يُعِيد مقالته المذكورة، وقال القرطبيّ: قوله: "يكرّرها": أي كلمة الإنكار، وظاهر هذه الرواية: أن الذي كرّر عليه إنما هو قوله: "أفلا شَقَقتَ عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟ "، وفي الرواية الأخرى: أن الذي كرّره عليه إنما هو قوله: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ "، ووجه التوفيق بينهما أن يكون النبيّ - ﷺ - كرّر الكلمتين
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٤.
[ ٣ / ١٨١ ]
معًا، غير أن بعض الرواة ذكر إحدى الكلمتين، وذكر آخر الأخرى. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون بعض الرواة رواه بالمعنى، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ) أي أن إسلامي كان ذلك اليوم؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فتمنى أن يكون ذلك الوقت أَوّلَ دخوله في الإسلام؛ ليأمن من جَرِيرة تلك الْفَعْلة، ولم يُرد أنه تَمَنَّى أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك.
وقال الخطابي: لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، ولذلك عَذَره النبيّ - ﷺ -، فلم يُلزِمه ديةً ولا غيرها.
قال الحافظ: كأنه حَمَل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيدًا، بأن يَجِبَ الكَفُّ عنه حتى يُخْتَبَر أمره، هل قال ذلك خالصًا من قلبه، أو خشيةً من القتل؟، وهذا بخلاف ما لو هَجَم عليه الموتُ، ووَصَلَ خروج الروح إلى الغرغرة، وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما تمنّى أسامة أن يتأخّر إسلامه إلى يوم المعاتبة ليسلم من تلك الجناية السابقة، وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام، والعمل الصالح قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من تلك الجناية؛ لِمَا حَصَلَ في نفسه من شدّة إنكار النبيّ - ﷺ - لذلك وعِظَمه.
[فإن قيل]: إذا استحال أن يكون قتل أسامة لذلك الرجل عمدًا؛ لما ذكرتم، وثَبَتَ أنه خطأ، فلِمَ لم تلزمه الكفّارة، والعاقلةَ الديةُ؟.
[فالجواب]: أن ذلك مسكوت عنه، وغير منقول شيءٌ منه في الحديث، ولا في شيء من طرقه، فيَحْتَمِلُ أن يكون النبيّ - ﷺ - حَكَمَ بلزوم ذلك أسامة وعاقلته، ولم يُنقَل، وفيه بُعدٌ؛ إذ لو وقع شيء من ذلك لنُقِل في طريق من الطرق، مع أن العادة تقتضي التحديث بذلك والإشاعة، ويحتمل أن يقال: إن ذلك كان قبل نزول حكم الكفّارة والدية، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
[ ٣ / ١٨٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) أي أبو ظبيان (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقّاص - ﵁ - (وَأَنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ) - بضم الباء - تصغير بَطْن، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيل لأسامة: ذو الْبُطَين؛ لأنه كان له بطن عظيم.
انتهى. وقوله: (- يَعْنِي أُسَامَةَ -) العناية من أحد الرواة، المصنّف، أو من فوقه، يعني بقوله: "ذو البطين": أسامة بن زيد صاحب القصّة هنا.
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو ظبيان (قَالَ رَجُلٌ) منكرًا قول سعد - ﵁ - المذكور (أَلمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟)، قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره" (٢/ ٣٥٣): هذا أمرٌ بالقتال لكل مشرك، في كل موضع، على مَن رآها ناسخةً، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾، والأول أظهر، وهو أَمْر بقتالٍ مُطلق، لا بشرطِ أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، وقال - ﷺ -: "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فدَلَّت الآية والحديث على أنّ سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي كُفْرٌ، فجَعَل الغاية عدمَ الكفر، وهذا ظاهرٌ، قال ابن عباس، وقتادة، والربيع، والسُّدِّيّ، وغيرهم: الفتنة هنا الشرك، وما تابعه من أذى المؤمنين، وأصل الفتنة الاختبار والامتحان، مأخوذ من فَتَنْتُ الفضة: إذا أدخلتها في النار؛ لتميز رديئها من جَيِّدها. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" (٢/ ٣٠٩): وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسُّدّيّ، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير وغيره، من علمائنا: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يُفْتَنَ مسلم
_________________
(١) "جامع أحكام القرآن" ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ٣ / ١٨٣ ]
على دينه، وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُخْلَص التوحيد دئه، وقال الحسن، وقتادة، وابن جرير: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شركٌ، ويُخْلَع ما دونه من الأنداد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفرٌ، ويشهد لهذا ما ثَبَتَ في "الصحيحين" من حديث ابن عمر - ﵄ -، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿".
وأخرجا من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﷺ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً، أَيُّ ذلك في سبيل الله ﷿؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ﷿" (^١).
(فَقَالَ سَعْدٌ) بن أبي وقّاص - ﵁ - ردًّا على إنكاره (قَدْ قَاتَلْنَا) أي الكفّار (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي حتى لا يَفْتِن الكفّار المؤمنين (وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ) يريد الذين يتقاتلون بينهم، لا للكفر، بل لأغراض أخرى بتأويل، أو بغير تأويل، فسعد - ﵁ - ممن لم ير القتال معهم (تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ) أي حتى توجد الفتنة بين المسلمين.
[تنبيه]: هذا الذي جرى بين سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - وبين الرجل، قد جرى مثله لعبد الله بن عمر - ﵄ -، وذلك فيما أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال:
(٤١٥٣) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صَنَعُوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبيّ - ﷺ -، فما يمنعك أن تَخْرُج؟ فقال: يمنعني أن الله حَرَّم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٧/ ٧٥ - ٧٨.
[ ٣ / ١٨٤ ]
وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب، قال: أخبرني فلان، وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو الْمَعَافريّ، أن بُكير بن عبد الله حدَّثه، عن نافع: أن رجلًا أتَى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حَمَلك على أن تَحُجّ عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد عَلِمت ما رَغَّب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي، بُنِي الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت، قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفْتَن في دينه، إما قتلوه، وإما يعذبونه، حتى كَثُر الإسلام، فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما عليّ فابن عم رسول الله - ﷺ -، وخَتَنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون.
و(٤٦٥١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان أن ابن وَبَرَة حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خَرَج علينا، أو إلينا ابن عمر - ﵄ -، فقال رجلٌ: كيف تَرَى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد - ﷺ - يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُسامة بن زيد - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٣/ ٢٨٤ و٢٨٥] (٩٦)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٢٦٩)، و"الديات" (٦٨٧٢)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٦٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠٠)، و(النسائيّ) في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (١/ ٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٢ و١٩٣
[ ٣ / ١٨٥ ]
و١٩٤ و١٩٥ و١٩٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٧٦ و٢٧٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعدما قال: "لا إله إلا الله".
٢ - (ومنها): الإنكار على من يتسارع في النيل ممن أظهر إسلامه، بظنّ أنه إنما يريد به غرضًا دنيويًّا؛ لأن الحكم بما ظهر، لا بما استتر.
٣ - (ومنها): بيان قدر "لا إله إلا الله"، فإن النبيّ - ﷺ - قال لأسامة - ﵁ -: "كيف تصنع بلا إله إلا الله"؟.
٤ - (ومنها): أن "لا إله إلا الله" تُحَاجّ عن صاحبها يوم القيامة؛ لأنه - ﷺ - قال له: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ "، وهو نظير ما وقع لأبي طالب، حيث قال له النبيّ - ﷺ -: "أي عمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجّ لك بها عند الله"، متفقّ عليه.
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على ترتُّب الأحكام على أسبابها الظاهرة دون الباطنة.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: "أفلا شَقَقت عن قلبه؟ "، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول، أن الأحكام يُعْمَل فيها بالظواهر، والله يتولى السرائر. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): أن في قول أسامة - ﵁ -: "حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذ" إشعارًا بأنه - ﵁ - استصغر ما سَبَقَ له قبل ذلك من عمل صالح، في مقابلة هذه الْفَعْلة لَمّا سَمِع من النبيّ - ﷺ -، من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة، قاله القرطبيّ.
٧ - (ومنها): أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فإن أسامة - ﵁ - ما تمنّى إسلامه يومئذ إلا لما عَلِم أنه يزيل عنه التبعات، وقد جاء مصرّحًا به في حديث عمرو بن العاص - ﵁ - الآتي للمصنّف أنه - ﷺ - قال له: "أما علمت أن الإسلام يَهْدِم ما كان قبله، وأن الهجرة تَهدِم ما كان قبلها، وأن الحج يَهدِم ما كان قبله؟ ".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٧.
[ ٣ / ١٨٦ ]
٨ - (ومنها): أنه استدل به النوويّ على رَدّ الفرع الذي ذكره الرافعيّ فيمن رأى كافرًا أسلم، فأُكرِم إكرامًا كثيرًا، فقال: ليتني كنت كافرًا لأكرم، وقال الرافعيّ: يكفر بذلك، وردّه النووي: بأنه لا يَكفُر؛ لأنه جازمُ الإسلام في الحال والاستقبال، وإنما تَمَنَّى ذلك في الحال الماضي مُقَيِّدًا له بالإيمان؛ ليتم له الإكرام، واستَدَلَّ بقصة أسامة - ﵁ -، ثم قال: ويمكن الفرق. انتهى.
٩ - (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: إن هذه القصة كانت سبب حلف أسامة - ﵁ - أن لا يقاتل مسلمًا بعد ذلك، ومن ثَمَّ تَخَلَّف عن علي - ﵁ - في الْجَمَل وصِفِّين. انتهى.
١٠ - (ومنها): أن القرطبي قال: فيه دليلٌ لأهل السنّة على أن حديث النفس كلام وقولٌ، فهو ردّ على من أنكر ذلك من المعتزلة، وأهل البِدَعِ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القرطبيّ بهذا الحديث على إثبات الكلام النفسيّ، إن أراد به ما أراده المتكلّمون من أن المراد بكلام الله تعالى هو الكلام النفسيّ، وأما الكلام اللفظيّ فهو عبارة عن النفسيّ، وهو مذهب الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، فهذا مذهبٌ باطل منابذٌ لنصوص الكتاب والسنّة التي هي صريحة في إثبات الكلام اللفظيّ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] الآية، وكقوله - ﷺ -: "من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " (^١)، وغير ذلك من النصوص، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في عدم ذكر وجوب القصاص والدية والكفّارة على أسامة - ﵁ - في هذا الحديث:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: أما كونه - ﷺ - لم يوجب على أسامة قصاصًا، ولا ديةً، ولا كفارةً، فقد يُسْتَدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة
_________________
(١) حديث صحيحٌ، أخرجه الترمذيّ في "جامعه" (٢٨٣٥) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ١٨٧ ]
واجبةٌ، والقصاص ساقطٌ للشبهة، فإنه ظنّه كافرًا، وظنّ أن إظهاره كلمة التوحيد في هذا الحال لا يجعله مسلمًا، وفي وجوب الدية قولان للشافعي رحمه الله تعالى، وقال بكل واحد منهما بعضٌ من العلماء، ويجاب عن عدم ذكر الكفارة في قصّة أسامة - ﵁ -: بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما الدية على قول من أوجبها، فيَحْتَمِل أنّ أسامة كان في ذلك الوقت مُعسِرًا بها، فأُخِّرت إلى يساره. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وأما كونه - ﷺ - لم يُلزِمه ديةً، ولا كفارةً فتوقف فيه الداوديّ، وقال: لعله سَكَت عنه؛ لعلم السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة.
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: لم يَذكُر في الحديث قصاصًا، ولا عقلًا، فيحتمل أن يكون إنما أَسقَط ذلك عنه؛ لأنه متأوّلٌ، ويكون ذلك حجّةً في إسقاط العقل على إحدى الروايتين عند المالكيّة في خطأ الإمام، ومن أَذِن له في شيء، فأتلفه غلطًا، كالأجير والخاتن.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا امتراء أن أسامة - ﵁ - إنما قتله متأوّلًا، وظانًّا أن الشهادة عند معاينة القتل لا تنفع، كما لا تنفع عند حضور الموت، ولم يَعلَم بعدُ حكم النبيّ - ﷺ - فيه، ألا تراه كيف قال: إنما قالها متعوّذًا؟، فحكمه حكم الخاطئ، فسقوط القصاص عنه بَيِّنٌ، وأما سقوط الدية، فلكونه من العدوّ، ولعله لم يكن له وليّ من المسلمين تكون له ديته كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، فلم يجعل عليه قصاصًا، ولا ديةً سوى الكفّارة، وهذا مذهب ابن عبّاس، وجماعة في الآية أنها في المؤمن يُقتَلُ خطأ، وقومه كفّار، فليس على عاقلته سوى الكفّارة.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيمن كان أولياؤه معاهدين، وذُكر عن مالك،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٦.
[ ٣ / ١٨٨ ]
والمشهور عنه أنها فيمن لم يُهاجر من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
فيكون هذا الحديث ومثله، حُجّةً لهذه المقالات، أو يكون قتله هذا لم يُعلَم إلا بقول أُسامة - ﵁ -، ولم تَقُم بذلك بينةٌ، ولا تعقل العاقلة اعترافًا.
قال الجامع: في قوله: "إلا بقول أسامة … إلخ" نظر؛ لأنه سيأتي في الرواية الآتية: أن البشير بَلَّغ بذلك النبيّ - ﷺ - قبل أسامة، فتبصر، والله تعالى أعلم.
قال: ولم يكن لأسامة - ﵁ - مالٌ، فيكون فيه الدية، أو يكون قد تحقّق النبيّ - ﷺ - بوحي الله تعالى أن المقتول لم يقل: لا إله إلا الله مخلصًا، بل قالها معتصمًا بها من القتل، غير معتقد لها، فكان كافرًا في الباطن، لكن شدّد النبيّ - ﷺ - على أسامة الأمر، وعظّمه عليه؛ لئلا يواقعه ثانية في قائلها عن صحّة وحقيقة، وممن يكتم إيمانه، كما قال للمقداد - ﵁ -، فلهذا كان أسامة بعدُ لا يقاتل مسلمًا، وحَلَفَ على ذلك، ولهذا قَعَد عن نصرة عليّ - ﵁ -. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع: قوله: "إن المقتول لم يَقُلْ مخلصًا، بل معتصمًا … إلخ" فيه نظر؛ إذ السياق يدفعه، فتأمله بإنصاف، ولهذا قال القرطبيّ رحمه الله تعالى بعدما ذكر نحو هذه الأجوبة، ما نصّه: وهذه الأوجه لا تَسْلَمُ عن الاعتراض، وتتبّع ذلك يُخرج عن المقصود، ولم أجد لأحد من العلماء اعتذارًا عن سقوط إلزام الكفّارة، فالأولى التمسّك بالاحتمالين المتقدّمين. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
قال الجامح عفا الله عنه: أراد القرطبيّ بالاحتمالين: احتمال كون النبيّ - ﷺ - حكم بلزوم ذلك لأسامة وعاقلته، ولكنه لم يُنقَل، واحتمال أن يكون ذلك قبل نزول حكم الكفّارة والدية.
والذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني هو أوجه الاحتمالين، وأرجحهما، وذلك لأن الاحتمال الأول بُعده ظاهرٌ، كالاحتمالات السابقة؛ لأن كونه - ﷺ - حكم به، ثم لا ينقله أحد من الرواة، ولا يثبت في طرق من طرق الحديث
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٤٥ - ٤٤٨.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
[ ٣ / ١٨٩ ]
أبعد، وأبعد؛ لأن العادة تقتضي التحدّث بمثل ذلك، وإشاعته.
والحاصل أن أقرب الأجوبة هو: أن الواقعة إنما وقعت قبل شرع الكفّارة والدية، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٥] (…) - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زيدِ بْنِ حَارِثَةَ، يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْحُرَقَة، مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَار، رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَقَالَ: "أقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ " قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيوْمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (حُصَيْن) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ابن عم منصور بن المعتمر، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣).
رَوَى عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رُوَيبة، وعن زيد بن وهب، وعمرو بن ميمون، ومُرّة بن شَرَاحيل، وهلال بن يساف، وأبي وائل، وأبي ظبيان، والشعبي، وغيرهم.
[ ٣ / ١٩٠ ]
وروى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وجرير بن حازم، وسليمان التيمي، وهُشيم بن بشير، وخلف بن خليفة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي، وغيرهم.
قال أبو حاتم عن أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون، من كبار أصحاب الحديث، وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، والواسطيون أروى الناس عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: إي والله، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، وفي آخر عمره ساء حفظه، وقال هشيم: أَتَى عليه (٩٣) سنة، وكان أكبر من الأعمش، وقال علي بن عاصم عن حصين: جاءنا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأن وجوهنا طُلِيت رمادًا، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجلٌ مُنَاهِد، وقال أسلم بن سهل في "تاريخ واسط": ثنا أحمد بن سنان، سمعت عبد الرحمن يقول: هشيم عن حصين أحب إلي من سفيان، وهشيم أعلم الناس بحديث حصين، وقال علي بن عاصم: قَدِمُت الكوفة يوم مات منصور، فاشتد عليّ، فلقيت حصينًا - يعني: وأنا لا أعرفه - فقال: أدلك على مَنْ يذكر يومَ أُهدِيت أم منصور إلى أبيه؟ قلت: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال أسلم: قال هشيم: رَوَى حصين عن ستة من الصحابة، قال أسلم: واتصل بنا أنه رَوَى عن ثمانية وامرأتين، فذكر أبا جحيفة، وعمرو بن حريث، وابن عمر، وأنسًا، وعُمارة بن رُويبة، وجابر بن سمرة، وعُبيد الله بن مُسلم الحضرمي، وأم عاصم امرأة عتبة بن فَرْقد، وأم طارق مولاة سعد، كذا قال، قال الحافظ: وفيه بعض ما فيه.
وقال النسائي: تغير، وذكره الْعُقيليّ، ولم يذكر إلا قول يزيد بن هارون: إنه نَسِيَ. وقال الحسن - يعني: الحلواني - عن يزيد بن هارون: اختلط، وأنكر ذلك ابن المديني في "علوم الحديث"، فقال: ما اختلط، ولكن تغير، وقال ابن عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا باس به، وذكر ابن أبي خيثمة عن يزيد بن هارون قال: طلبت الحديث، وحصين حَيّ يُقرأ عليه بالْمُبَارك (^١)، وقد نَسِي،
_________________
(١) اسم موضع.
[ ٣ / ١٩١ ]
وقال ابن حبان في أتباع التابعين من "الثقات" له: يقال: إنه سمع من عُمارة بن رُوَيبة، فإن صحّ ذلك فهو من التابعين، وكان قد ذكر في التابعين: حُصين بن عبد الرحمن السُّلَميّ، سَمِع عمارة بن رُويبة، رَوَى عنه أهل العراق، مات سنة (١٦٣). قال الحافظ: فكأنه ظنّ غيرَ هذا، وهو هو، وإنما لَمّا وقع له الغلط في تاريخ وفاته ظنه آخرَ، والصواب في سنة وفاته - كما قاله مطيّن - أنه سنة (١٣٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ) قال في "الفتح": "لم أقف على اسم الأنصاريّ المذكور في هذه القصّة"، وكذا قال صاحب "التنبيه " (^١): لا أعرف الأنصاريّ، وقال في "هدي الساريّ": لم أعرف اسم الأنصاريّ، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء - ﵁ -، ففي تفسير عبد الرحمن بن زيد ما يُرشد إليه. انتهى (^٢).
وقوله: (رَجُلًا مِنْهُمْ) قد تقدّم أنه مِرداس بن نَهِيك، أو ابن عمرو بن نَهِيك.
وقوله: (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، معجمتين، من باب تَعِبَ، أي: لَحِقنا به، حتى تَغَطَّى بنا.
وقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي المدينة النبويّة.
وقوله: (بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -) وفي رواية الأعمش الماضية: "فوقع في نفسي من ذلك شيء، فذكرته للنبيّ - ﷺ -"، وفي حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - الآتي: "فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - " فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ … "، وتقدّم وجه التوفيق بين هذه الروايات في الحديث الماضي، فلا تغفُل.
وقوله: (إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) أي متحصّنًا ومعتصمًا بهذه الكلمة، وتمام شرح
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٦١ - ٦٢.
(٢) راجع: "الفتح" ١٢/ ١٩٥، و"هدي الساري" ص ٣٠٧.
[ ٣ / ١٩٢ ]
الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، قد استوفيتهما في الحديث الماضي، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٦] (٩٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، أَنَّ خَالِدًا الْأَثْبَجَ، ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ، بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلَامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْر، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ، حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِه، حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ، فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْه، حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِه، فَقَالَ: إِنِّي أَتيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُل، كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "لِمَ قَتَلْتَهُ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْه، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَقَتَلْتَهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: "وَكيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا الله، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: "كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ المذكور في الباب الماضي.
[ ٣ / ١٩٣ ]
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بن عُبيد الله بن الوازع الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء، من صغار [٩].
رَوَى عن جدّه، وشعبة، وحمّاد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وسليمان بن المغيرة، وعمران القطان، ومعتمر بن سليمان، وعدة.
ورَوَى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن إسحاق السُّرْماريّ، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن الحسن بن خِرَاش، وأبو خيثمة، وأبو موسى محمد بن المثنى، وبندار، وعُقبة بن مُكْرَم، وإبراهيم الْجُوزجانيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحراني، ومحمد بن يونس الْكُديميّ، وآخرون.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: صالح، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا أنشط لحديثه، قال: وسألته عنه، وعن الحوضيّ في همام، فقَدَّم الحوضيّ، قال: وقال بندار: لولا فَرَقي من آل عمرو بن عاصم، لتركت حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال إسحاق بن سيار: سمعته يقول: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا.
ولَمّا ذكر الذهبي قول بندار عَبّر بقوله: لولا شيءٌ لتركته، ثم قال: وكذا قال أبو داود: يا بُندار، قال: لولا سلامةٌ في بندار لتركته.
قال البخاري وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكذا ذكر ابن حبان، وزاد: في غرة جمادى الأولى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، و(٦٣٥): "من صلّى البردين دخل الجنة"، و(٢٤٥٤): "كان رسول الله - ﷺ - يزورها … "، و(٢٤٥٥): "إني أرحمها، قُتل أخوها معي"، و(٢١٤٤): "بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، و(٢٤٦٥): "من جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -"، و(٢٧٦٤): "هل حضرت الصلاة معنا … ".
٣ - (مُعْتَمِر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخَان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣)، وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
[ ٣ / ١٩٤ ]
٥ - (خَالِدٌ الْأَثْبَجُ، ابْنُ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) هو: خالد بن عبد الله بن مُحْرِز المازنيّ البصريّ، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن عمه صفوان، وعن عبد الله بن عمر، والصحيح عن عمه عنه، وعن زُرارة بن أوفى، والحسن البصريّ، وسِنَان بن سَلَمة بن الْمُحَبِّق، وغيرهم.
ورَوى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ، وإبراهيم بن طَهْمان، وغيرهم.
قال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، هذا الحديث فقط، والنسائيّ.
٦ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ) بن زياد المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال الأصمعيّ: كان نازلًا في بني مازن، وليس منهم، ثقةٌ، عابدٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصين، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وجندب بن عبد الله.
ورَوى عنه أبو صَخْرة جامع بن شداد، وخالد بن عبد الله الأثبج، وعاصم الأحول، وقتادة، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم.
قال أبو حاتم: جليل، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فَضْلٌ وورَعٌ، قال الواقديّ: تُوُفّي في ولاية بشر بن مروان، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العباد، اتَّخَذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه، ورَوَى محمد بن نصر في "قيام الليل" من طريق يزيد الرَّقَاشيّ: أن صفوان بن مُحرز كان إذا قام إلى التهجد قام معه سكان داره من الجنّ، فصَلَّوْا بصلاته، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي، ما نصّه: قتادةُ، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان إنما طلبوا العلم قبل التسعين وبعدها، فهذا يدل على أن الواقديّ وَهِمَ في تاريخ موته، وتَبِعَهُ ابنُ حبان.
قلت (^١): ما وَهِمَ الواقديّ، فقد قال خليفة في "الطبقات": مات بعد
_________________
(١) القائل هو الحافظ ابن حجر ﵀ ثعالى.
[ ٣ / ١٩٥ ]
انقضاء أمر ابن الزبير بقليل، ومن هنا أخذ ابن حبان قولَهُ: مات سنة أربع؛ لأن قتل ابن الزبير كان آخر سنة ثلاث، وما ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبي من أن الذين سماهم لم يطلبوا العلم إلا بعد ذلك لا يمنع سماعهم من صفوان، فكم ممن سَمِعَ حديثًا أو أحاديث قديمًا، ثم اشتغل بعد مُدّة وطَلَبَ، والله أعلم. انتهى (^١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٤): "أنا بريء ممن حَلَق، وسَلَق، وخَرَق"، و(٢٧٦٨): "يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه ﷿ … ".
٧ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن سفيان الْبَجَليّ، ثمّ الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وقد يُنسَب إلى جدّه، فيقال: جندب بن سفيان، سَكَن الكوفة، ثم البصرة، قَدِمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين، قلت: وروى عنه من أهل الشام شهر بن حوشب، فقال: حدثني جندب بن سفيان، قال ابن السكن: وأهل البصرة يقولون: جندب بن عبد الله، وأهل الكوفة يقولون: جندب بن سفيان، غير شريك وحده، ويقال له: جندب الخير، وأنكره ابن الكلبيّ، وقال البغويّ: يقال له: جندب الخير، وجندب الفاروق، وجندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب بن عبد الله بن سفيان، ومن قال: ابن سفيان نسبه إلى جده، وقد قيل: إنه جندب بن خالد بن سفيان، والأول أصحّ، وحَكَى الطبرانيّ نحو ذلك، وفي الطبرانيّ من طريق أبي عمران الْجَوْنيّ قال: قال لي جندب: كنت على عهد رسول الله - ﷺ - غلامًا حَزَوَّرًا (^٢).
رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس، وأنس بن سيرين، والحسن البصري، وأبو مِجْلَز، وأبو عمران الْجَونيّ، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، وصفوان بن مُحرِز، وغيرهم.
وقال البغوي عن أحمد: جُنْدب ليست له صحبة قديمة، قال البغوي:
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) "الإصابة" ١/ ٥٠٩.
[ ٣ / ١٩٦ ]
وهو جندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب الخير، وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في "التاريخ" فيمن توفي من الستين إلى السبعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا (^١)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وخالدًا الأثبج، فتفرّد به هو والنسائيّ، وصفوان بن محرز، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وبالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ سكن الكوفة، ثم البصرة، وروى عنه أهل البلدتين (^٢).
٤ - (ومنها): أن من شيخه، ومعتمرًا، وأباه، هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد تقدّم عدد مروياتهم آنفًا، فلا تغفل.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن عمه.
٦ - (ومنها): أن رواية سليمان بن طرخان عن خالد الأثبج من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان تابعيّ، وخالد من تابعي التابعين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن سليمان التيميّ (أَنَّ خَالِدًا الْأَثْبَجَ) - بفتح الهمزة، وبعدها ثاء مثلثة ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم - قال أهل اللغة: "الأَثْبَجُ": هو عَرِيضُ
_________________
(١) هكذا في برنامج الحديث "صخر"، والذي ذكرته في "قرّة العين" نقلًا من ابن الجوزيّ: أن له (٤٣) حديثًا، اتفق الشيخان على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث، والظاهر أن ما في البرنامج مع التكرار كما هو ظاهر لمن تأمله، والله تعالى أعلم.
(٢) راجع: "الإصابة" ١/ ٦١٣.
[ ٣ / ١٩٧ ]
الثَّبَج - بفتح الثاء والباء - وقيل: ناتئ الثَّبَج، والثَّبَج: ما بين الكاهل والظهر، و"الكاهل": مقدَّم أعلى الظهر مما يلي الْعُنُق، كما في "المصباح" (ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) - بإسكان الحاء المهملة، وبراء، ثم زاي (حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ) أي صفوان (حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ) بضم الجيم، والدال وتفتح (ابْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) - بفتحتين - نسبة إلى قَبيلة بَجِيلة - بفتح، فكسر - وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الْغَوْث، أَخي الأسد بن الْغَوث، وقيل: "إن بَجِلة اسم أمهم، وهي من سَعْد الْعَشِيرة، وأختها باهلة ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة"، قاله في الأنساب (^١). (بَعَثَ) أي أرسل (إِلَى عَسْعَسِ) - بعينين، وسينين مهملات، والعينان مفتوحتان، والسين بينهما ساكنة - (ابْنِ سَلَامَةَ) - بتخفيف اللام - قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في "الاستيعاب": هو بصريّ رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، يقولون: إن حديثه مرسلٌ، وإنه لم يسمع النبيّ - ﷺ -، وكذا قال البخاريّ في "تاريخه": حديثه مرسل، وكذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره في التابعين، قال البخاريّ وغيره: كنية عَسْعَس أبو صفرة، وهو تميميّ بصريّ، وهو من الأسماء المفردة، لا يُعْرَف له نظير، قاله النوويّ في "شرحه" (^٢).
وقال في "الإصابة" (٤/ ٤٩٩):
عَسْعَس بن سلامة، أبو صفرة التميميّ البصريّ، له ذكر في "الصحيح" في حديث جندب، وذكره ابن أبي حاتم بين صحابيين في الأفراد، من حرف العين، ولم يُفْصِح البخاريّ بشيء، بل رَسَمَ الترجمة، وقال: نسبه شعبة عن الأزرق، وكذا صنع مسلم، وقال ابن منده: ذُكِر في الصحابة، ولا يثبت، وقال ابن عبد البر: يقولون: إن حديثه مرسل، وبذلك جزم العسكريّ، وابن حبّان، وقد رَوَى حديثه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن الأزرق، عنه: أن النبيّ - ﷺ - قال: "صبر ساعة في بعض المواطن، خير من عبادة أربعين عامًا … " الحديث، وله حديث آخر، أخرجه الدارقطنيّ، وقال ابن المبارك في "الزهد": أنبأنا محمد بن ثابت العبديّ، حدثنا هارون بن رئاب، سَمِعت
_________________
(١) راجع: "الأنساب" ١/ ٢٩٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
[ ٣ / ١٩٨ ]
عسعس بن سلامة يقول لأصحابه: سأحدثكم ببيت من شعرٍ، فتعجبوا، فقال [من الطويل]
إِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ … وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ مَاضِيَا
أي إن تنج من مسألة القبر، فأخذ القوم يبكون بكاءً ما رأيتهم بَكَوا من شيء ما بَكَوا يومئذ. انتهى (^١).
(زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أي أيام حربه مع بني أميّة، وهي قصّة مشهورة، وذلك أن ابن الزبير حين مات معاوية - ﵁ - امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وأَصَرَّ على ذلك حتى أغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة بالمدينة، فكانت وقعة الْحَرَّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام بأمر الجيش الشاميِّ حُصَين بن نُمَير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوا الكعبة بالْمَنْجَنِيق حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخُراسان، وكثير من أهل الشام، ثم غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير بِمَرْج راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغَلَب عليها، وذلك كلُّه في سنة أربع وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين، وقام عبد الملك بن مروان مَقَامه، وغَلَب المختار بن أبي عُبيد على الكوفة، ففَرَّ منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة، منذ قُتِل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير، وحَصَرهم، فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بينبع، فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث،
_________________
(١) "الإصابة" ٤/ ٤١٢.
[ ٣ / ١٩٩ ]
أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل: عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك، وعند الواقديّ: أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزَعَمت الكيسانية أنه حيّ لم يَمُت، وأنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يملك الأرض، في خُرَافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١).
(فَقَالَ) جُندب - ﵁ - (اجْمَعْ لِي نَفَرًا) بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفتوميّ (^٢). (مِنْ إِخْوَانِكَ) الظاهر أنه أراد بالإخوان ما يعمّ النسب والدين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية (حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ) بالنصب بـ "أن" مضمرة بعد "حتى"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ"
ومعنى "حتى" هنا التعليل، بمعنى "كي"، أي كي أُحدّثهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ الآية (^٣) [المناففون: ٧] (فَبَعَثَ) عسعسٌ (رَسُولًا إِلَيْهِمْ) أي إلى إخوانه، قال صاحب "التنبيه": لا أعرف هذا الرسول. انتهى (^٤). (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ) - ﵁ - (وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ) جملةٌ في محلّ نصب على الحال، و"الْبُرْنُسُ" - بضم الباء، وسكون الراء، وضمّ النون - قال ابن الأثير: هو كلُّ ثوب رأسُهُ منه، مُلْتزِقٌ به، دُرَّاعَةً كان، أو جُبَّةً، أو مِمْطَرةً، أو غيرها، وقال الجوهريّ: هو قَلَنْسُوَةٌ طويلةٌ كان النُّسّاك يَلبسُونها في صدر الإسلام، وهو من الْبِرْسِ - بكسر الباء - القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربيّ. انتهى (^٥).
وقوله: (أَصْفَرُ) صفة لبُرْنُس، "والصُّفْرة": لونٌ دون الْحُمْرة، والأصفر:
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٧٧ - ١٧٨ "كتاب التفسير" "سورة التوبة" رقم الحديث (٤٦٦٥).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٧.
(٣) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ١٢٥.
(٤) "تنبيه المعلم" ص ٦٣.
(٥) "النهاية" ١/ ١٢٢.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
أيضًا الأسود (^١). (فَقَالَ) جندب - ﵁ - (تَحَدَّثُوا) فعل أمر من التحدُّث، وإنما أمرهم؛ لئلا يستوحشوا، فيقطعوا حديثهم بسبب حضوره حياءً منه (بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ) بفتح التاء، أصله تتحدّثون، فحُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ) أي انتقل الحديث بين الحاضرين من شخص إلى آخر (فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ) أي إلى جندب - ﵁ - (حَسَرَ) بفتح السين المهملة، من بابي نصر وضرب: أي كشف، وأزال (الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ) أي ليمكنه مواجهتهم، ويمكنهم مواجهته بلا مانع يمنع من رؤيته.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما ما فعله جُنْدب بن عبد الله - ﵁ - من جمع النفر، ووعظهم، ففيه: أنه ينبغي للعالم، والرجل العظيم المطاع، وذي الشُّهْرة أن يُسَكِّن الناس عند الْفِتَن، ويَعِظهم، ويُوَضِّح لهم الدلائل. انتهى (^٢).
(فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ) - ﷺ -، قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا وقع في جميع الأصول - أي بزيادة "لا" - وفيه إشكال من حيث إنه قال في أول الحديث: "بَعَثَ إلى عسعس، فقال: اجمع لي نفرًا من إخوانك حتى أحدثهم"، ثم يقول: بعده: "أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم"، فيحتمل هذا الكلام وجهين:
[أحدهما]: أن تكون "لا" زائدة، كما في قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢].
[والثاني]: أن يكون على ظاهره، أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم - ﷺ -، بل أَعِظُكم، وأحدثكم بكلام من عند نفسي، لكني الآن أزيدكم على ما كنت نويته، فأخبركم أن رسول الله - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا، وذكر الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٥.
[ ٣ / ٢٠١ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول أقرب عندي؛ لأن زيادة "لا" كثير في كلام العرب.
ثم إني وجدت في هامش بعض النسخ، ما نصّه: "إني أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم إلا عن نبيّكم"، وعلى هذا فقد زال الإشكال، والله تعالى أعلم.
(إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا) من باب منع أي أرسل سريّة، قال الفيّوميّ: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثه كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كسرته فانكسر، وكل شيء ينبعث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيقال: بعثته، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب، والهديّة، فإن الفعل يتعدّى إليه بالباء، فيقال: بَعَثتُ به، وأوجز الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجّهَهُ. انتهى (^١). (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هم السريّة الذين تقدّموا في قصّة أسامة - ﵁ - (إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هم الْحُرقات من جُهينة (وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا) بفتح القاء، أصله التقيوا، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين، فصار التقوا بفتح التاء؛ لأنها ليست ما قبل الواو (فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هو الذي قتله أسامة - ﵁ -، كما تقدّم (إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ) بكسر الصاد، من باب ضرب (إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ) يقال: قصدت الشيءَ، وله، وإليه قَصْدًا، من باب ضرب: إذا طلبته بعينه (^٢). (فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ) أي غفلة ذلك الرجل المشرك الذي أكثر القتل في المسلمين (قَالَ) جندب - ﵁ - (وَكُنَّا نُحَدَّثُ) بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة: أي نُخْبَر (أَنَّهُ) أي الرجل الذي قصد غفلة ذلك المشرك (أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ) - ﵄ -، هذا مخالف لما سيأتي من رواية الطبرانيّ في "الكبير" من طريق شهر بن حوشب، عن جندب - ﵁ -، فإن فيه: أن ذلك الرجل لما مات لَفَظَتْهُ الأرض ثلاث مرّات، وهذا بيقين أنه ليس أسامة - ﵁ -، إلا أن في شَهْرٍ، والراوي عنه عبد الحميد بن بَهْرام، كلامًا في الاحتجاج بهما، وقد سبق في "شرح المقدّمة" أن رجّحت كون شهرٍ حسن الحديث، لكن إذا خالفت روايته ما في "الصحيح"، فما في "الصحيح" يقدّم بلا شكّ، فليُتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٢.
(٢) "المصباح" ٢/ ٥٠٤.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
(فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ) هكذا وقع في بعض النسخ: "رفع" بالفاء، ووقع في بعضها: "رجع" بالجيم، قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "فلما رجع عليه السيفَ"، كذا في بعض الأصول المعتمدة: "رَجَعَ" بالجيم، وفي بعضها: "رَفَعَ" بالفاء، وكلاهما صحيح، و"السيفَ" منصوبٌ على الروايتين، فـ "رَفَعَ"؛ لتعديه، و"رَجَعَ" بمعناه، فإن "رَجَعَ" يُستَعمل لازمًا، ومتعديًا، والمراد هنا المتعدي، ومنه قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
(قَالَ) ذلك المشرك (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ البَشِيرُ) أي الذي يَحمل البشارة بنصر المسلمين، وهزيمة الكفّار، وهو اسم فاعل من بَشَرَ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ) أي عن خبر الحرب (فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ) يعني الذي قيل: إنه أسامة (كَيْفَ صَنَعَ) أي بالرجل المشرك الذي قتله بعد قوله: لا إله إلا الله (فَدَعَاهُ) أي دعا النبيّ - ﷺ - ذلك الرجل (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) هذا تفسير لسؤاله ("لِمَ قَتَلْتَهُ؟ ") أي بعد قوله: لا إله إلا الله، وقد تعلم أني قلت: أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ) أي ألحق بهم الضرر، وآلمهم بالضرب والقتل (وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا) لكنهم لا يُعرفون، كما قال صاحب "التنبيه" (^٢). (وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي شددتُ عليه، واجتهدتُ في قتله (فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَقَتَلْتَهُ؟ ") كرّر عليه تشديدًا للإنكار (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ") أي ليُخاصمك بها صاحبها (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ) - ﷺ - ("وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ") كرّره أيضًا للتشديد (قَالَ: فَجَعَلَ) - ﷺ - (لَا يَزِيدُهُ) أي الرجل القاتل (عَلَى أَنْ يَقُولَ: "كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ")، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - هذا تفرّد
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٢/ ١٠٥.
(٢) "تنبيه المعلم" ص ٦٣.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
به المصنّف رحمه الله تعالى، ولم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ٩١) بنحوه، فقال:
(١٥٢٢) حدثنا عبيد الله بن عمر القواريريّ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدّثني عبد الحميد بن بَهْرام، حدّثنا شَهْر بن حوشب، قال: حدثني جندب بن سفيان، رجل من بَجِيلة قال: إني عند رسول الله - ﷺ - حين جاءه بشير من سَرِيّة بعَثَها، فأَخبره بالنصر الذي نَصَرَ الله سريته، وبفتح الله الذي فَتَح لهم، قال: يا رسول الله، بينما نحن بطلب العدوّ، وقد هَزَمهم الله، إذ لَحِقت رجلًا بالسيف، فلما أَحَسّ أن السيف قد واقعه، التفت، وهو يَسْعَى، فقال: إني مسلم، إني مسلم، فقتلته، وإنما كان يا نبيّ الله مُتَعَوّذًا، قال - ﷺ -: "فهلا شَقَقت عن قلبه، فنَظَرت، صادقٌ هو، أم كاذبٌ؟ " قال: لو شققتُ عن قلبه ما كان يُعْلِمني القلبُ؟، هل قلبه إلا مُضْغَةٌ من لحم؟ قال - ﷺ -: "فأنت قتلته لا ما في قلبه علمتَ، ولا لسانه صدَّقتَ"، قال: يما رسول الله، استغفر لي، قال - ﷺ -: "لا أستغفر لك"، فدفنوه (^١)، فأصبح على وجه الأرض، ثلاث مرات، فلما رأى ذلك قومه استَحْيَوا، وخَزُوا مما لَقِي، فاحتملوه، فألقَوْه في شِعْب من تلك الشعاب. انتهى.
وأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢/ ١٧٦) رقم (١٧٢٣).
قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى في "المجمع": وفي إسناده عبد الحميد بن بَهْرام، وشَهْر بن حَوْشَب، وقد اختُلف في الاحتجاج بهما. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شهر فقد روى عنه جماعة، وأثنى عليه أحمد، ووثقه ابن معين، وفي رواية عنه أنه قال: ثَبْت، ووثقه العجليّ، وغيرهم، وقد حقّقت الكلام فيه في "شرح المقدّمة"، وتوصّلتُ فيه إلى أنه حسن الحديث.
وأما عبد الحميد فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو
_________________
(١) وفي رواية الطبرانيّ: قال: فمات ذلك الرجل، فدفنوه
(٢) "مجمع الزوائد" ١/ ٢٧.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
داود، وغيرهم، وقال شعبة: صدوقٌ، وقال أحمد: أحاديثه عن شهر مُقاربُ، كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، أحاديثه عن شهر صحاح، لا أعلم رُوي عن شهر أحاديث أحسن منها، وقال أحمد بن صالح المصريّ: عبد الحميد بن بَهرام ثقةٌ، يُعجبني حديثه، أحاديثه عن شهر صحيحة. انتهى (^١).
وخلاصة القول فيهما أن حديثهما حسنٌ، يصلح للاحتجاج به، وما تكلّم فيهما إلا المتشدّد، كشعبة، فلا تلتفت إليه، وتبصّر بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.