وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٠] (١٠١) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا الَسِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن
[ ٣ / ٢١٨ ]
محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القاريّ (^١) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَص، مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ) - بالمثنّاة التحتانيّة - البغويّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن هشيم، وعبد العزيز بن أبي حازم، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، وابن علية، ومسلم بن خالد الزنجيّ، ومعاذ بن معاذ، ووكيع، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم حديثًا واحدًا، وأحمد بن حنبل، والذهليّ، وأحمد بن منيع، وعثمان بن خُرَّزَاذ، وحاتم بن الليث الجوهري، وعباس الدُّوريّ، وصالح بن محمد، وجماعة.
قال عبد الخالق بن منصور: سألت ابن معين عنه، فقال: ليته حَدَّث بما سمع، فكيف يكذب؟، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثبتًا، وقال صالح بن محمد الأسديّ: صدوقٌ، وقال ابن سعد: سَمِع سماعًا كثيرًا، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو، وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط (^٢).
٤ - (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو: عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المخزوميّ مولاهم، أبو تَمّام المدنيّ، صدوق فقيةٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وسُهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، والعلاء بن عبد الرحمن، وكثير بن زيد بن أسلم، وغيهم.
_________________
(١) "القاريّ" بتشديد الياء منسوب إلى القارة القبيلة المعروفة بجودة الرمي.
(٢) ونقل في "تهذيب التهذيب" عن "الزهرة": أن مسلمًا روى عنه ثلاثة أحاديث انتهى. وأراه غلطًا، فتنبّه.
[ ٣ / ٢١٩ ]
ورَوَى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، والقعنبي، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، وعلي بن المديني، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن أبي مريم، وهشام بن عمار، ومحمد بن الصبّاح الجرجرائيّ، وغيرهم.
قال أحمد: لم يكن يُعْرَف بطلب الحديث، إلا كتب أبيه، فإنهم يقولون: إنه سمعها، وكان يتفقه، لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد رَوَى عن أقوام لم يكن يُعرف أنه سمع منهم، وقال ابن معين: ثقة صدوق، ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: متقاربون، قيل له: فعبد العزيز؟ قال: صالح الحديث، وقال هو، وأبو زرعة: عبد العزيز أفقه من الدَّرَاوردي، وأوسع حديثًا منه، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وذكره ابن عبد البر فيمن كان مدار الفتوى عليه في آخر زمان مالك وبعده، وقال أحمد بن عليّ الأَبّار: ثنا أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ قال: قال مالك: قومٌ يكون فيهم ابن أبي حازم لا يُصيبهم العذاب، قال أبو إبراهيم: مات وهو ساجد، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٨٤)، وله ثنتان وثمانون سنة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، دون الدَّرَاوردي، وقال مصعب الزبيري: كان فقيهًا، وقد سمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى له بكتبه. وقال العجليّ، وابن نمير: ثقة.
وقال ابن سعد: وُلد سنة (١٠٧)، وقال عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة أربع وثمانين ومائة، وهو ساجد، وكذا أَرّخه مُطَيَّن، وزاد: ويقال: سنة (١٨٢).
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٥ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر حفظه بآخره [٦] مات في خلافة المنصور (ع) تقَدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٦ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن حيّان، فقد تفرّد به هو.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني بغداديّ، ويعقوب، وإن نزل الإسكندريّة، غير أنه مدنيّ الأصل.
٤ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو صالح: من أثبت من روى عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو أحفظ من روى عن رسول الله - ﷺ -، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
وقوله: (ليس منا) ذكر أبو نعيم في "مستخرجه" بعد إخراجه الحديث، ما نصّه: قال أبو عبيد: "ليس منا": أي هذه الأفعال، والأخلاق هي التي عليها الكفّار، ليست من أفعالنا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث، فالجزء الأول منه تقدّم في الباب الماضي، والجزء الثاني سيأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٥/ ٢٩٠] (١٠١)، و(ابن ماجه) في "كتاب الحدود" (٢٥٧٥)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١٢٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٨) مختصرًا على الجزء الأول منه، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨٥ و٢٨٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ٣ / ٢٢١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١] (١٠٢) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ "، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "أَفلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَام، كَي يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع و١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوه) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرقيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
وقتيبة، وأبو هريرة - ﵁ - تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء، وله فيه ثلاثة مشايخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه يحيى، فتفرّد به هو وأبو داود، وأخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والنسائيّ في "مسند عليّ"، وغير العلاء، فما أخرج له البخاريّ إلا في "جزء القراءة".
[ ٣ / ٢٢٢ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: العلاء، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "جاء النبيّ - ﷺ - إلى السوق، فإذا حنطةٌ مصبرة، فأدخل يده فيها، فرأى بللًا … ".
و"الصُّبْرة" بضمّ الصاد المهملة، وإسكان الباء الموحّدة، جمعها صُبَر، مثلُ غُرْفَة وغُرَف، وعن ابن دريد: اشتريتُ الشيءَ صُبْرَةً، أي بلا كيل، ولا وزن، وقال الأزهريّ: الصُّبرة: الْكُومة (^١) المجتمعة من الطعام، سُمّيت صُبْرةً لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل للسحاب فوق السحاب: صَبير. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "صُبرة الطعام": هي الجملة المصبورة، أي المحبوسة للبيع، والصَّبْرُ: هو الحبس. انتهى (^٣).
و"الطعام" بالفتح: اسم لما يؤكل، ويطلقه أهل الحجاز على الْبُرّ، قال ابن الأثير: الطَّعَام عامّ في كلّ ما يُقتات، من الحنطة، والشعير، والتمر، وغير ذلك. انتهى (^٤).
وقال في "التهذيب": "الطُّعْم" بالضمّ: الحبّ الذي يُلقَى للطير، وإذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عَنَوْا به البُرّ خاصّةً، وفي العرف: الطَّعَام اسم لما يُؤكلُ، مثلُ الشراب اسم لما يُشربُ، وجمعه أَطْعِمةٌ. انتهى (^٥).
(فَأَدْخَلَ) - ﷺ - (يَدَهُ فِيهَا) أي في تلك الصُّبْرة، وذلك بالوحي، ففي رواية أبي داود من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء: أن رسول الله - ﷺ - مَرّ برجل يبيع طعامًا، فسأله كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيه، فأَدخل
_________________
(١) "الْكُوْمة" بفتح الكاف، وضمها: القطعة من التراب وغيره، قاله في "المصباح" ٢/ ٥٤٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٩.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٠٠.
(٤) "النهاية" ٣/ ١٢٦.
(٥) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٣.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال رسول الله - ﷺ -: "ليس منا مَن غَشّ" (^١).
وأخرج أحمد في "مسنده"، من حديث أبي بردة بن نيار - ﵁ - قال: انطلقت مع النبيّ - ﷺ - إلى نَقِيع المصلَّى، فأدخل يده في طعام، ثم أخرجها، فإذا هو مغشوش، أو مُخْتَلِف، فقال: "ليس منا من غشنا"، وفي سنده شريك بن عبد الله، وجُميع بن عُمير متكلّم فيهما.
(فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا) أي نداوةً، ورطوبةً، قال في "القاموس": "الْبَلَلُ" محرّكةً، والْبِلّةُ، والْبِلالُ بكسرهما، والْبُلالةُ بالضمّ: النُّدْوَةُ (^٢)، وبَلَّهُ بالماء بَلًّا، وبِلَّةً بالكسر، وبلّله، فابتلّ، وتَبَلَّلَ، وككتاب: الماء، ويُثلَّثُ، وكلُّ ما يُبلُّ به الحلق. انتهى (^٣).
(فَقَالَ) - ﷺ - مستفسرًا سبب البلل ("مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (هَذَا) البللُ (يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ ") أي ما سبب رطوبة باطن طعامك هذا؟ (قَالَ) صاحب الطعام (أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي عوانة: "قال: يا رسول الله أصابه مطرٌ، فهو هذا البلل الذي ترى".
و"السماء": المطر، سُمّي بذلك؛ لنزوله من السماء، وأصل السماء: كلُّ ما علاك، فأظلّك، قاله القرطبيّ (^٤).
وقال الفيّوميّ: السماء المطر: مؤنّثةٌ؛ لأنها في معنى السحابة، وجمحُها سُمِيٌّ، على فُعُولٍ، والسماءُ السقف: مذكّرٌ، وكل عال سماءٌ حتى يقال لظهر الفرس: سماءٌ، ومنه: ينزل من السماء، قالوا: من السقف، والنسبة إلى السماء سمائيٌّ بالهمز على لفظها، وسماويّ بالواو اعتبارًا بالأصل، وهذا حكم الهمزة إذا كانت بدلًا، أو أصلًا، أو كانت للإلحاق. انتهى (^٥).
وقال ابن منظور: السماء: المطر مذكَّرٌ، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم: أي المطر، ومنهم من يؤنّثه، وإن كان بمعنى المطر، كما يذكّر
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" بسند صحيح برقم (٢٩٩٥).
(٢) "النُّدْوة" بضمّ، فسكون، ويقال أيضًا: النَّدَاوة بالفتح، راجع: "المصباح" ٢/ ٥٩٩.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٨٧١.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٠٠.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٠.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
السماء، وإن كانت مؤنّثةً، كقول تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، وقال مُعَوِّدُ الحكماء (^١) معاوية بن مالك [من الوافر]:
إِذَا سَقَطَ (^٢) السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا
ويُجمع على أَسْمِيَةٍ، وسُمِيِّ … على فُعُول، قال رؤبة [من الرجز]:
تَلُفُّهُ الأَرْوَاحُ وَالسُّمِيُّ … فِي دِفْءِ أَرْطَاةٍ لَهَا حَنِيُّ (^٣)
(قَالَ) - ﷺ - ("أَفَلَا جَعَلْتَهُ) أي المبلول (فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ) وفي رواية أبي عوانة: "أفلا جعلته على رأس الطعام حتى يراه الناس"، أي لأجل أن يروه، فلا يكونوا مخدوعين (مَنْ) شرطيّة (غَشَّ) الغشّ: ضدّ النصيحة، وهو بكسر الغين المعجمة، يقال: غَشَّهُ يغُشّه غِشًّا، وأصله من اللبن المغشوش، أي المخلوط بالماء تدليسًا، قاله القرطبيّ (^٤).
وقال الفيّوميّ: غَشّه غَشًّا، من باب قتل، والاسم الغِشّ بالكسر: لم يَنْصَحه، وزيّن له غير المصلحة، ولبنٌ مغشوشٌ: مخلوط بالماء. انتهى (^٥).
(فَلَيْسَ مِنِّي") كذا في الأصول بلفظ "منّي"، وهو صحيح (^٦)، ولفظ أبي نُعيم في "مستخرجه": "من غشّنا فليس منّا"، وعند أبي عوانة: "من غشّ فليس منّي، من غشّ فليس منّي"، مكرّرًا، ولفظ أبي داود، وابن ماجه: "ليس منّا من غشّ".
قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في "سننه": حدثنا الحسن بن الصباح، عن عليّ، عن يحيى، قال: كان سفيان يَكره هذا التفسير: ليس مِنّا: ليس مثلنا. انتهى (^٧).
_________________
(١) سُمّي معوِّد الحكماء؛ لقوله في هذه القصيدة: أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي … إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا انتهى. "لسان العرب" ١٤/ ٣٩٩.
(٢) ويروى: "إذا نزل السماء … إلخ".
(٣) راجع: "لسان العرب" ١٤/ ٣٠٩٩.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٧.
(٦) "شرح النوويّ" ٢/ ١٠٩.
(٧) أخرجه أبو داود في "سننه" بسند صحيح برقم (٢٩٩٥).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وقال البغويّ في "شرح السنّة": لم يُرد به نفيه عن دين الإسلام، إنما أراد أنه ترك اتّباعي؛ إذ ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو ليس هو على سنّتي وطريقتي في مناصحة الإخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به الموافقة والمتابعة، قال الله ﷾ إخبارًا عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية [إبراهيم: ٣٦]، والغَشُّ نقيض النصح، مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدِرُ.
وقد تقدّم تمام البحث فيه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٥/ ٢٩١] (١٠٢)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٥٢)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٣١٥)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٢٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٧)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٠٥)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ١٣٤)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٥٠ و٥٥١ و٥٥٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٢٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الغشّ، وأنه من الكبائر التي تنافي مقتضى الإيمان؛ إذ الواجب على المسلم مناصحة أخيه المسلم، فإذا غشّه فقد ناقض ذلك، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان؛ إذ هو من أضداده، والشيء يناسب ضدّه.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من العناية بما يجري بين الناس من التعامل، وإرشاد الضالّ إلى الحقّ، وتحذيره من الوقوع في خيانة إخوانه، ومن ثمّ في خيانة نفسه؛ إذ من لم يناصح إخوانه لم يناصح نفسه.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
٣ - (ومنها): حرص الشريعة على إبعاد كلّ ما يحصل به الضرر للمسلم.
٤ - (ومنها): أن التدليس في البيع حرام، مثلُ أن يُخفي العيب، أو يُصرّي الشاة، أو يُغمّر وجه الجارية، فيظنّها المشتري حسناء، أو يُجعّد شعرها، غير أن البيع مع ذلك يصحّ، ولكن يَثبُت للمشتري الخيار إذا وقف عليه، كما أثبت ذلك له النبيّ - ﷺ -، حيث قال فيما أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم، من حديث أبي هريرة - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يُتَلَّقى الركبانُ لبيع، ولا يَبعْ بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يَبع حاضر لباد، ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين، بعد أن يَحْلُبها، فإن رَضِيَها أمسكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا من تمر".
قال الإمام البغويّ رحمه الله تعالى: ولو اطّلع المشتري على العيب بعدما هلك ما اشتراه في يده، أو كان عبدًا قد أعتقه، فيرجع بالأرش، وهو أن يُنظر كم نقص العيب من قيمته، فيسترجع بنسبته من الثمن، وقال شُريح: لا يردّ العبد من ادّفان، ويُردّ من الإباق الباتّ، والادّفانُ: أن يروغ عن مواليه اليوم أو اليومين، ولا يغيب عن المصر، وعنه: أنه كان يرُدّ الرقيق من الْعَبَس، وهو البول في الفراش، فأما إذا باع عبدًا قد ألبسه ثوب الْكَتَبة، أو زيّاه بزيّ أهل حرفة، فظنّه المشتري كاتبًا، أو محترفًا بتلك الحرفة، فلم يكن، فلا خيار له على أصحّ المذهب؛ لأن الرجل قد يَلْبَس ثوب الغير عاريةً، والمشتري هو الذي اغترّ به، فلا خيار له. انتهى (^١).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب البيوع" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "شرح السنّة" ٨/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ٣ / ٢٢٧ ]