وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧] (١٠٥) - (وَحَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضبَعِيُّ، قَالَا: حَدَّثنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنهُ بَلَغَهُ أَن رَجُلًا يَنِمُّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عيهم يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَزُوخَ) (^١) الْحَبَطِيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - هو: عبد الله بن محمد بن أسماء بن عُبيد بن مُخارق، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليل [١٠].
رَوَى عن عمه جويرية بن أسماء، ومَهْديّ بن ميمون، وحفص بن غياث، وابن المبارك وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، ورَوَى له أبو داود أيضًا، والنسائيّ بواسطة الذّهليّ، وأبو بكر محمد بن إسماعيل الطبرانيّ، وعباس بن عبد العظيم، والحسن بن أحمد بن حبيب، وأحمد بن سعد بن أبي مريم، وسَوّار بن سهل القرشيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والْبُوشَنْجِيّ، وابن وَارَة، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن سعد بن هارون، ومعاذ بن المثنيّ، وأبو خليفة، ويوسف بن يعقوب القاضي، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم.
قال أبو زرعة: لا بأس به، شيخٌ صالح، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن
_________________
(١) غير منصرف؛ للعلميّة، والعجمة.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وَارَة: قيل لي: إنه أفضل أهل البصرة، فذكرته لابن المدينيّ، فعَظَّم شأنه، وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ: لم أر بالبصرة أفضل منه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ذكر أبو داود، عن أبي العباس الأحول، أنه مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وكذا أَرّخه ابن حبان، وابن قانع، وقال: ثقة.
وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا (^١).
٣ - (مَهْدِيٌّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ - بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الواو - مولاهم، أبو يحيى البصريّ، ثقة، من صغار [٦].
رَوَى عن أبي رجاء العطارديّ، وواصل مولى أبي عيينة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، وغيلان بن جرير، ومحمد بن سيرين، وأبي الوازع، جابر بن عمرو، وواصل الأحدب، وهشام بن عروة، وغيرهم.
ورَوَى عنه هشام بن حسان، وهو أكبر منه، وابن مهديّ، ووكيع، وعليّ بن نصر الْجَهْضميّ، وعبد الله بن بكر السَّهْميّ، والقطان، وحَبّان بن هلال، وعفان، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وسعيد بن منصور، وشيبان بن فَرّوخ، وجماعة.
قال أبو سعيد الأشجّ، عن عبد الله بن إدريس: قلت لشعبة: أيَّ شيء تقول في مهدي بن ميمون؟ فقال: ثقة، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة، وهو أحب إليّ من سلام بن مسكين، وأبي الأشهب، وحَوْشب بن عَقِيل، وقال ابن معين، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وقال ابن سعد، عن ابن عائشة: كان كُرْديًّا، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى، أو اثنتين وسبعين ومائة، وقال محمد بن محبوب وغيره: مات سنة إحدى وسبعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٤ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأسديّ الكوفيّ، بيّاع
_________________
(١) ونقل في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١) عن "الزهرة" أنه: روى عنه البخاريّ اثنين وعشرين حديثًا، ومسلم سبعة عشر حديثًا.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
السابِرِيّ (^١)، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩.
٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ، الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٦ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان الْعبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵁ -، مات في أول خلافة عليّ - ﵁ - سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٥٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فقد سكن المدائن، وغير شيخيه، فإنهما بصرتان، وشيبان أُبُلّيّ - بضمتين، وتشديد اللام - نسبة إلى قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهو أمين سرّ رسول الله - ﷺ -، فقد صحّ عنه أن رسول الله - ﷺ - أعلمه بما كان، وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأعلمه أيضًا بأسماء المنافقين، حتى إن عمر - ﵁ - كان يسأله هل هو منهم أم لا؟، وهو ابن صحابيّ، فاليمان، واسمه حِسْلٌ، أو حُسَيلٌ صحابيّ أيضًا، استُشهِد بأحد - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) - ﵁ - (أنهُ بَلَغَهُ أَن رَجُلًا) لم يُعرف اسمه (^٢) (يَنِمُّ الْحَدِيثَ) بضمّ النون وكسرها، قال ابن الأثير: النميمة هي: نقلُ الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشرّ، وقد نَمَّ الحديثَ يَنِمّه بضمّ النون وكسرها نَمًّا،
_________________
(١) بكسر الموحّدة: ثوب رقيقٌ جيّد، قاله في "ق" ص ٣٦٤.
(٢) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤٨٨، و"تنبيه المعلم" ص ٦٥.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
فهو نمّام، والاسم النميمة، ونَمَّ الحديثُ: إذا ظهرَ، فهو متعدٍّ ولازمٌ. انتهى بتصرّف يسير (^١).
وقال الفيّوميّ: نَمَّ الرجلُ الحديث نَمًّا، من بابي قَتَلَ، وضَرَبَ: سَعَى به لِيُوقع فِتْنَةً، أو وَحْشَةً، فالرجلُ نَمّ - بالفتح - تسميةً بالمصدر، ونَمّامٌ مبالغةً، والاسم النميمة، والنَّمِيم أيضًا. انتهى (^٢).
وقال النوويّ: قال العلماء: النميمةُ نَقْلُ كلامِ الناس بعضِهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. انتهى (^٣).
وفي رواية همّام بن الحارث التالية: "قال: كان رجل ينقُلُ الحديث إلى الأمير، فكنّا جلوسًا في المسجد، فقال القوم: هذا ممن ينقل الحديث إلى الأمير … " الحديث، وفي رواية: "إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء … "، وفي رواية البخاريّ عن همّام: "قال: كنّا مع حذيفة، فقيل له: إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان … " الحديث، وعثمان: هو ابن عفّان الخليفة الراشد - ﵁ -.
(فَقَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ -، وفي رواية همّام الآتية: "فقال حذيفة إرادة أن يُسمعه: سمعت رسول الله - ﷺ - … " الحديث، يعني: إنما ذكر حذيفة - ﵁ - الحديث؛ لأجل أن يسمع الرجل النمّام الوعيد، فينزجر عن نميمته (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، وهو (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي في أوّل وَهْلَة، أو إن استحلّه، كما مرّ في نظائره.
وقال النوويّ: فيه التأويلان المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أن يُحْمَل على المستحلّ بغير تأويل، مع العلم بالتحريم.
[والثاني]: أنه لا يدخلها دخولَ الفائزين، والله تعالى أعلم (^٤).
(نَمَّامٌ") بفتح النون، وتشديد الميم، تقدّم أنه للمبالغة، وفي الرواية التالية: "قَتّات" - بقاف، ومثناة ثقيلة، وبعد الألف مثناة أخرى -: هو النّمّام، وقيل: الفرق بين "القَتات"، و"النّمّام" أن النّمام الذي يَحْضُر القصة، فينقلها،
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ١٢٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٦.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٢.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٣.
[ ٣ / ٢٦١ ]
و"القتات" الذي يتسمع من حيث لا يُعْلَم به، ثم ينقل ما سمعه.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن النميمة إنما تُطْلَق في الأكثر على مَن يَنِمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلانٌ يتكلم فيك بكذا، قال: وليست النميمة مخصوصة بهذا، بل حَدُّ النميمة كَشْفُ ما يُكْرَهُ كشفُهُ، سواءٌ كَرِهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالثٌ، وسواءٌ كان الكشف بالكناية، أو بالرَّمْز، أو بالإيماء، فحقيقةُ النميمة: إفشاء السرّ، وهَتْكُ السَّتْرِ عما يُكْرَهُ كشفُهُ، فلو رآه يُخْفِي مالًا لنفسه، فذكره، فهو نميمة. انتهى (^١).
[تنبيه]: اختُلِفَ في الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان، أو متحدتان؟ والراجح التغاير، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا وَجْهيًّا، وذلك لأن النميمة نَقْلُ حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواءُ كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذِكْرُه في غيبته بما لا يُرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يُشتَرط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غَيْبَة المقول فيه، واشتركتا فيما عَدَا ذلك، ومن العلماء من لم يَشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبًا (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّقُ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٧/ ٢٩٧ و٢٩٨ و٢٩٩، (١٠٥)، و(البخاريّ) في "الأدب" (٦٠٥٦)، وفي "الأدب المفرد" (٣٢٢)، و(أبو داود) في "الأدب" (٤٨٧١)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلَة" (٢٠٢٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٢١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٤٣)، و(أحمد) في
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١١٢ - ١١٣.
(٢) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤٨٨ "كتاب الأدب" رقم الحديث (٦٠٥٦).
[ ٣ / ٢٦٢ ]
"مسنده" (٥/ ٣٨٢ و٣٨٩ و٣٩١ و٣٩٢ و٣٩٦ و٣٩٧ و٣٩٩ و٤٠٢ و٤٠٤)، و(النسائيّ) في "التفسير" (١١٥٥٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٨٦ و٨٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٦٥)، وفي "روضة العقلاء" (ص ١٧٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٢١)، وفي "الصغير" (٥٦١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٤٧)، وفي "الأدب" (١٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٦٩ و٣٥٧٠)، و(القضاعيّ) في "مسند الشهاب" (٨٧٦)، و(ابن أبي الدنيا) في "الصمت" (٢٥٢ و٢٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم النميمة، وأنه ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): حرص الشريعة على إبعاد المسلمين من أن يضُرّ بعضهم بعضًا؛ إذ النميمة فيها ما لا يخفى من إفساد المجتمع.
٣ - (ومنها): فضل حذيفة - ﵁ - حيث سلك في الدعوة مسلك الحكمة، فإنه لما عَلِم أن الرجل له وجاهة عند الأمير خشي أن لا يقبل نصيحته لو واجهه بها، وبيّن له حديث النبيّ - ﷺ - أَنَفَةً وتكبّرًا، فأراد نصيحته، وإبلاغه الحديث من غير أن يُعلمه أنه المعنيّ به، رفع صوته بالحديث حتى يسمع، وينزجر عن غيّه، وهذا هو عين ما أمر الله تعالى به نبيه - ﷺ - في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، فكان من هديه - ﷺ - إذا رأى منكرًا من شخصه أن لا يواجهه بالإنكار عليه، بل ينصحه من غير مباشرة، فيقول: "أما بعد، فما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ ".
٤ - (ومنها): أن نقل الحديث للمصلحة جائز، ففي الرواية التالية: "فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ" يعني: أنهم شكوه إلى حذيفة - ﵁ - لينصحه، حتى يترك النميمة، فأقرّهم حذيفة - ﵁ - على ذلك، مع أن قولهم هذا نميمة أيضًا؛ لما يترتّب على ذلك من مصلحة نصح حذيفة - ﵁ - له، وزجره عن نميمته.
٥ - (ومنها): ما قاله الغزاليّ رحمه الله تعالى: كلُّ مَن حُمِلت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:
[ ٣ / ٢٦٣ ]
[الأول]: أن لا يُصَدِّقه؛ لأن النَّمّام فاسقٌ.
[الثاني]: أن ينهاه عن ذلك، ويَنْصَحه، ويُقَبِّح له فعله.
[الثالث]: أن يُبغِضه في الله تعالى، فإنه بَغِيض عند الله تعالى، ويجب بُغْض مَن أبغضه الله تعالى.
[الرابع]: أن لا يَظُنَّ بأخيه الغائب السوء.
[الخامس]: أن لا يَحْمِله ما حُكِي له على التجَسُّس، والبحث عن ذلك.
[السادس]: أن لا يَرْضَى لنفسه ما نَهَى النّمّامَ عنه، فلا يَحْكِي نميمته عنه، فيقول: فلان حَكَى كذا، فيصير به نَمّامًا، ويكون آتيًا ما نَهَى عنه. انتهى كلام الغزاليّ رحمه الله تعالى.
قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد نقله كلام الغزاليّ هذا، ما نصّهُ: وكلُّ هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية، فإن دَعَت الحاجة إليها، فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانًا يريد الْفَتْك به، أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام، أو مَن له ولاية بأن إنسانًا يَفعَلُ كذا، ويَسْعَى بما فيه مفسدةٌ، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته، فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا، وبعضه مستحبًّا على حسب المواطن. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨] (…) - (حَدَّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِث، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِير، فَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِير، قَالَ: فَجَاءَ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مَرْو، ثقةٌ
[ ٣ / ٢٦٤ ]
حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ) بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن حارثة النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وحذيفة، والمقداد بن الأسود، وأبي مسعود، وعمار بن ياسر، وعديّ بن حاتم، وجرير، وعائشة.
ورَوَى عنه إبراهيم النخعيّ، ووَبَرَةُ بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره أبو الحسن المدائنيّ في عُبّاد أهل الكوفة، وذكر ابن سعد أنه مات في ولاية الحجاج، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال: وكان من الْعُبّاد، وكان لا ينام إلا قاعدًا، وقال مات في إمارة يزيد بن معاوية سنة ثلاث، وقد قيل: مات في إمارة عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ على الكوفة سنة خمس وستين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا، وأعاده بعده، وحديث (٢٧٢): "بال، ثم توضّأ، ومسح على خفّيه"، و(٢٨٨): "كنت أفرُكه من ثوب رسول الله - ﷺ - "، و(١٩٢٩): "إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم، وذكرتَ اسم الله … "، و(٣٠٠٢): "إذا رأيتم المدّاحين، فاحثوا في وجوههم التراب".
[ ٣ / ٢٦٥ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والإخبار، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، سوى شيخيه: فالأول: ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني: ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها):. أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فمروزيّان، والصحابيّ مدائنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن همام، وعلى قول من يقول بأن منصورًا تابعيّ صغير، ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كَانَ رَجُلٌ) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه.
وقوله: (يَنْقُلُ الْحَدِيثَ) هو معنى قوله في الحديث الماضي: "ينِمّ الحديث".
وقوله: (إِلَى الْأَمِيرِ) تقدّم أنه عثمان بن عفّان أمير المؤمنين - ﵁ -، ففي رواية البخاريّ: "إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان".
وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ) أي المسجد النبويّ.
وقوله: (فَجَاءَ) أي ذلك الرجل النمّام.
وقوله: (حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا) أي معنا، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِث، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْمَسْجِد، فَجَاءَ رَجُلٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ
[ ٣ / ٢٦٦ ]
إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ؛ إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مِنْجَابُ (^١) بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقة، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
وأما ("أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ")، واسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"أَبُو مُعَاوِيَةَ"، واسمه محمد بن خازم، و"وَكِيع" بن الجرّاح، و"الْأَعْمَشُ" سليمان بن مهران، فقد تقدّموا في الباب الماضي، والباقون ذكروا في السند الماضي.
وقوله: (إِلَى السُّلْطَانِ) تقدّم أنه عثمان بن عفّان - ﵁ -.
وقوله: (إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ) بنصب إرادة على أنه مفعول لأجله، كما قال في "الخلاصة":
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ "جُدْ شُكْرًا وَدِنْ"
وقوله: ("قَتَّاتٌ") بوزن نَمَّام، ومعناه. قال ابن الأثير: الْقَتَّاتُ: هو النّمّام، يقال: قَتَّ الحديثَ يقُتُّهُ - أي من باب نصر -: إذا وّره، وهيّأه، وسَوّاهُ، وقيل: النّمّام: الذي يكون مع القوم يتحدّثون، فيَنِمُّ عليهم، والْقَتَّاتُ: الذي يَتَسَمَّعُ على القوم، وهم لا يعلمون، ثم يَنِمُّ، والْقَسَّاسُ: الذي يَسْأَلُ عن الأخبار، ثم يَنُمُّها. انتهى (^٢).
وقال في "القاموس": "الْقَتُّ": نَمُّ الحديث، كالتَّقْتِيت، والْقَتْقَتَةِ والْقِتِّيتَى، وقال أيضًا: ورجلٌ قَتَّاتٌ وقَتُوتٌ، وقِتِّيتَى: نَمَّامٌ، أو يَسَّمَّعُ أحاديث الناس من حيثُ لا يعلمون، سواءٌ نَمَّهَا، أم لم يَنُمَّها. انتهى (^٣)، وتمام شرح
_________________
(١) بكسر الميم، وسكون النون، ثم جيم، ثم ألف، ثم موحّدة.
(٢) "النهاية" ٤/ ١١.
(٣) "القاموس المحيط".
[ ٣ / ٢٦٧ ]
الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.