وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٧] (١٠٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِه، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِه، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا؛ أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا").
_________________
(١) هو الحديث الماضي قبل أربعة أحاديث.
(٢) "الفتح" ١٣/ ٢١٥ "كتاب الأحكام" رقم (٧٢١٢).
[ ٣ / ٣٠١ ]
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ) وهو: عبد الله بن سعيد بن حُصَين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن شيخه الأشجّ أحدُ المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، وبقيّة اللطائف مرّت قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) "من" شرطية، وجوابها: جملة قوله: "فحديدته … إلخ"، وقوله: (بِحَدِيدَةٍ) متعلّقٌ بـ "قتل"، ولفظ الحديدة أعمّ من السكّين، فيشمل آلات النجار، وآلات الحداد، وغيرهما (فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ) مبتدأ وخبره (يَتَوَجَّأُ) بمثناة، ووا ومفتحتين، وتشديد الجيم، آخره همزة، بوزن يتكبّرُ، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفًا: أي يطعن، والجملة في محلّ نصب على الحال.
وقال القرطبيّ: معنى: "يتوجّأ": يَطعن، وهو مهموز من قولهم: وَجَأته بالسكّين أَجَأه: أي ضربته، وَوُجِئَ هو، فهو مَوجوءٌ، ومصدره وَجْئًا مقصورًا مهموزًا، فأما الوِجَاءُ بكسر الواو والمدّ فهو رَضُّ الأنثيين، وهو ضربٌ من الْخِصَاء. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": وَجَأَهُ باليد، والسكّين كوَضَعَهُ: ضربه، كتَوَجَّأه. انتهى (^٢). وفي "المصباح": وجَأْته، أوْجَؤُهُ، مهموزٌ، من باب نفع، وربّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَهَبُ، وذلك: إذا ضربته بسكين، ونحوه، في أيّ موضع كان. انتهى (^٣).
وفي رواية البخاريّ": "يجأ" قال في "الفتح"؛ بفتح أوله، وتخفيف الجيم، وبالهمز: أي يطعن بها، وقد تُسهّل الهمزة، والأصل في "يجأ" يوجأ، قال التين: في رواية الشيخ أبي الحسن: "يُجأ" بضمّ أوله، ولا وجه له، وإنما يُبنى للمجهول بإثبات الواو، "يُوجَأُ" بوزن يُوجَدُ. انتهى.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣١٠.
(٢) "القاموس" ص ٥٢.
(٣) المصباح في مادة "وجأ".
[ ٣ / ٣٠٢ ]
(بِهَا) أي بتلك الحديدة، وهو متلّق بـ "يتوجّأ"، وكذا قوله: (فِي بَطْنِهِ) وأما قوله: (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كونه كائنًا في نار جهنّم، و"جهنّم" اسم لنار الآخرة - عافانا الله منها، ومن كلّ بلاء - قال يونس، وأكثر النحويين: هي عجميّة، لا تنصرف للعجمة والتعريف، وقال آخرون: هي عربيّة، لم تصرف للتأنيث والعلميّة، وسميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جَهنّم، وجِهِنَّام - بكسر الجيم والهاء -: أي بعيدة الْقَعْر، وقيل: مشتقّة من الْجُهُومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ الوجه: أي غليظه، فسميت جهنّم لغلظ أمرها. والله أعلم (^١).
وقوله: (خَالِدًا) منصوب على أنه حال مقدّرة من فاعل "يتوجّأ"، وهو اسم فاعل من خَلَدَ بالمكان خُلُودًا، من باب قَعَدَ: إذا أقام فيه، وأخلد بالألف مثله (^٢)، وقوله: (مُخَلَّدًا) بفتح اللام المشدَّدة: اسم مفعول من التخليد، حال مؤكّد لما قبله (فِيهَا) أي في نار جهنم، وهو متعلّق بـ "خالدًا"، أو بـ "مُخَلَّدًا" على سبيل التنازع، وكذا قوله: (أَبَدًا) ظاهره موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]؛ لعموم المؤمن نفس القاتل أيضًا، لكن قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: قد جاءت الرواية بلا ذكر "خالدًا مُخلّدًا أبدًا"، وهي أصحّ، لما ثبت من خروج أهل التوحيد من النار. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التخليد الذي لا انقطاع له بوجه، وهو محمول على من كان مستحلّا لذلك، ومن كان متعمّدًا لذلك كان كافرًا، وأما من قتل نفسه، وهو غير مستحلّ، فليس بكافر، بل يجوز أن يعفو الله عنه، قال: ويجوز أن يراد بقوله: "خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" تطويل الآماد، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد، وَيجري هذا مَجرى المثل، فتقول العرب: خلّد الله ملكك، وأبّد أيامك، ولا أُكلّمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلّمه بعد أزمان، وَيجري هذا مجرى الإغياء في الكلام. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": وقد تمسّك بقوله: "خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" المعتزلة،
_________________
(١) شرح مسلم للنوويّ بتصرّف ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤ كتاب الإيمان.
(٢) "المصباح" ١/ ١٧٧.
(٣) المفهم ١/ ٣١٠ - ٣١١ كتاب الإيمان، باب من قتل نفسه بشيء عُذّب به.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنّة عن ذلك بأجوبة:
منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة - ﵁ - فلم يذكر: "خالدًا مخلّدًا"، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: وهو أصحّ؛ لأن الروايات صحّت أن أهل التوحيد يُعذّبون، ثم يُخرجون منها، ولا يُخلّدون.
وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحلّه، فإنه يصير باستحلاله كافرًا، والكافر مخلّد بلا ريب، وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرّم الله على الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وقيل: التقدير مخلّدًا فيها إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يُخلّد مدة معيّنةً، وهذا أبعدها. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلّين له، وإن أريد منه العموم، فالمراد من الخلود والتأبيد: المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع له، واستمرارٍ مديدٍ ينقطع بعد حين بعيد؛ لاستعمالها في المعنيين، فيقال: وقف وقفًا مخلَّدًا مؤبّدًا، وأُدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما؛ للتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل.
[فإن قلت]: ما تصنع بالحديث الذي يأتي عن جندب بن عبد الله - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: "بادرني عبدي بنفسه، فحرّمت عليه الجنّة"؟.
[قلت]: هو حكاية حال، فلا عموم فيها؛ إذ يحتمل أن الرجل كان كافرًا، أو ارتدّ؛ لشدّة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحًا، مع أن قوله: "فحرّمت عليه الجنّة"، ليس فيه ما يدلّ ظنًّا على الدوام والإقناط الكلّيّ فضلًا عن القطع. انتهى كلام الطيبيّ (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن أحسن التأويل إذا لم يكن مستحلّا تأويل من قال: هذا جزاؤه إن جُوزي، لكن قد تكرّم الله على
_________________
(١) فتح ٣/ ٥٩٣ - ٥٩٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم الحديث (١٣٦٣).
(٢) "الكاشف" ٨/ ٢٤٥٧.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم؛ وهو أقرب التأويلات؛ للجمع بين النصوص التي تقطع بدخول الموحّدين الجنة، وإن فعلوا ما فعلوا غير الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١١٦] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَمَنْ شَرِبَ) وفي رواية للبخاريّ: "ومن تَحَسَّى سمًّا"، و"تَحَسَّى" بمهملتين بوزن تغدَّى: أي شَرِبَ بتمهّل، وتجرّعه، والتحسّي، والحسو واحد، غير أن فيه تكلّفًا، قاله الطيبيّ.
(سَمًّا) هو: بتثليث السين المهملة، والفتح أفصح، وتشديد الميم، قال في "المصباح": السِمّ: ما يَقتل، وبالفتح أكثر، وجمعه سُموم، مثل فَلْس، وفُلُوس، وسِمَام أيضًا، مثل سَهْم، وسِهَام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمتُ الطعامَ سَمًّا، من باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ، و"السّمّ" ثَقْبُ الإِبْرَة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه سِمَام. انتهى.
وقال القرطبي: السمّ القاتل للحيوان يقال بضمّ السين، وفتحها، وأما السمّ الذي هو ثُقْبُ الإبرة، فبالضمّ لا غير. انتهى (^١).
وقال السنديّ: والسمّ دواء قاتل، يُطرح في طعام، أو ماء، فينبغي أن يُحمل "تحسّى" على معنى أدخل في باطنه، ليعمّ الأكل والشرب جميعًا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره القرطبيّ من ضبط السمّ فيه نظر؛ لأنه يردّه ما سبق عن "المصباح"، فإنه ضبطه بالتثليث، ونحوه في "القاموس"، فإنه قال: السّمّ الثَّقْبُ، وهذا القاتل المعروف، ويثلّث فيهما، جمعه سُمُوم، وسِمَام. انتهى (^٣).
فقد ثبت فيهما التثليث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَتَلَ نَفْسَهُ) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها بيان توقّف الجزاء المذكور عليها (فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ) أي السمّ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أي أسقط نفسه منه؛ لما يدلّ عليه قوله: (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) على أنه تعمّد ذلك، وَإلا فمجرّد قوله: "تردَّى" لا يدلّ على التعمّد، قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣١١.
(٢) شرح السنديّ ٤/ ٦٦.
(٣) "القاموس" ص ١٠١٣.
(٤) "فتح" ١٠/ ٢٥٩.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وقال الطيبيّ: التردّي في الأصل: التعرّض للهلاك من الردى، وشاع في التدهور؛ لإفضائه إلى الهَلَكَة، والمراد به هنا أن يتهوّر الإنسان، فيرمي نفسه من جبل. انتهى (^١). (فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي ينزل من جبال النار إلى أوديتها (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) قال الطيبيّ: وفي تعذيب الفسّاق بما هو من جنس أفعالهم حِكَمٌ لا تخفى على المتفكّرين من أولي الألباب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٩/ ٣٠٧ و٣٠٨] (١٠٩)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٥ و٥٧٧٨)، و(أبو داود) في "الطبّ" (٣٨٧٢)، و(الترمذيّ) في "الطبّ" (٢٠٤٣)، و(ابن ماجه) في "الطبّ" (٣٤٦٥)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٦٥) وفي "الكبرى" (٢٠٩٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٤ و٤٧٨ و٤٨٨)، و(الدارمي) في "سننه" (٢/ ١٩٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٣ و١٢٤ و١٢٥)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٣ و٢٩٤ و٢٩٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٢٧ و٦٢٨ و٦٢٩)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٩٦ و١٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٣ - ٢٤ و٩/ ٣٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحقّ بها العذاب الأليم.
٣ - (ومنها): أن جزاء من قتل نفسه بشيء أن يعذّب بذلك الشيء.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٤٥٧.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
٤ - (ومنها): ما قاله التوربشتيّ: لَمّا كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر، والْحُمْق، والغضب على إتلاف نفسه، ويُسَوِّلُ له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مطالب من قِبَل الخلق، فإن الله يغفر له، أعلم النبيّ - ﷺ - المكلّفين أنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة، ومُعذَّبون به عذابًا شديدًا، فإن ذلك في التحريم، كقتل سائر النفوس المحرَّمة. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
قال القاضي عياض: وفيه حجة لمالك، ومن قال بقوله على أن القصاص من القاتل بما قَتَل به، مُحدّدًا كان أو غير محدّد، خلافًا لأبي حنيفة؛ اقتداءً بعقاب الله ﷿ لقاتل نفسه في الآخرة، ثم ذكر حديث اليهوديّ، وحديث العرنيين.
وتعقّبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا الذي أخذه من هذا الحديث في هذه المسألة ضعيفٌ جدًّا؛ لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله، وليس كلُّ ما ذكر الله أنه يفعله في الآخرة يُشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار، هالساع الحيّات والعقارب، وسَقْي الحميم المقطِّع للأمعاء.
وبالجملة، فما لناَ طريق إلى إثبات الأحكام إلا نصوص تدلّ عليها، أو قياس على المنصوص عند القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكمًا، أما ما كان من فعل الله تعالى فلا، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وليس ما نعتقده فعلًا لله تعالى في الدنيا أيضًا بالمباح لنا فيه، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء بعباده، ولا حكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه، بواسطة، أو بغير واسطة. انتهى كلام ابن دقيق العيد (^٢).
_________________
(١) راجع: "الكاشف" ٨/ ٢٤٥٧.
(٢) "إحكام الأحكام" ٤/ ٤٠٨ - ٤١٠ بنسخة الحاشية "العدّة".
[ ٣ / ٣٠٧ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القائلين بالمماثلة في القصاص بهذا الحديث، وإن ضعّفه ابن دقيق العيد، إلا أن لهم أدلّة أخرى، فقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وحديث رَضّ النبيّ - ﷺ - رأسَ اليهوديّ الذي رَضَّ رأس الجارية، وغيرِ ذلك من الأدلة، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ الْحَاثِيِّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨] (ت ١٨٦) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
وقوله: (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد.
وقوله: (عَبْثَرُ) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزّبَيديّ.
وقوله: (يَعْني ابْنَ الْحَارِثِ) العناية من المصنّف، وقد تقدّم توجيهها غير مرّة.
وقوله: (كُلُّهُمْ) أي كلّ الثلاثة: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الماضي، وهو إسناد وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وقوله: "كلُّهم بهذا الإسناد مثله"، وفي رواية شعبة: "عن سليمان: قال: سمعت ذكوان": يعني بقوله: "هذا الإسناد" أن هؤلاء الجماعة المذكورين، وهم: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة، رووه عن الأعمش، كما رواه وكيع في الطريق الأولى، إلا أن شعبة زادها هنا فائدةً حسنةً، فقال: "عن سليمان" - وهو الأعمش - "قال: سمعت ذكوان" - وهو أبو صالح - فَصَرَّحَ بالسماع، وفي الروايات الباقية يقول: "عن"، والأعمش مُدَلّسٌ لا يُحْتَجُّ بعنعنته إلا إذا صَحَّ سماعه الذي عنعنه من جهة أخرى، فَبَيَّنَ مسلمٌ أن ذلك قد صَحَّ من رواية شعبة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث السابق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما رواية جرير، وعبثر، فلم أجد من ساقهما، وأما رواية شعبة، فقد ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٥٧٧٨) حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "مَن تَرَدَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردَّى فيه، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومَن تَحَسَّى سَمًّا فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ بها في بطنه، في نار جهنم، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا".
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الأعمش (قَالَ) أي سليمان الأعمش (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أي أبا صالح، وغرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا بيان لطيفة إسناديّة مهمّة جدًّا، وهي أن الأعمش مشهور بالتدليس، وقد عنعن في الرواية السابقة مما يوقع في اتّهامه بالتدليس، فأزال ذلك برواية شعبة عنه المصرّحة بسماعه من أبي صالح، على أنه لو لم يُصرّح لكفانا رواية شعبة عنه، فإنه قد صرّح بأنه قال: كفيتكم شرّ تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، وقد ذكرت هذه القاعدة، وقاعدة رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - في "الجوهر النفيس"، فقلت:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٩ - ١٢٠.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وَكَيْفَ لَا وَقَدْ كَفَانَا عَلَنَا … مِنْ شَرِّ تَدْلِيسِ ثَلَاثَةٍ لَنَا
قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبِيعِي الأَعْمَشِ … فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلَا تُفَتِّشِ
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيِّدَةُ … إِذَا أَتَتْ لَنَا مِنْهُمْ رِوَايَةُ
أَي مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ مُعَنْعَنَهْ … مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ آمِنَهْ
نَظِيرُهُ اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ مُسْلِمِ … فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ مِنْ ذَا الْعَالِمِ
لِغَيْرِ مَا سَمِعَهُ مِنْ جَابِرِ … وَاللهُ حَسْبِي دَائِمًا وَجَابِرِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٩] (١١٠) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَامٍ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ، أنهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَحْتَ الشَّجَرَة، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كلمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ - بتشديد اللام - الدِّمَشْقِيُّ) الحبشيّ، ويقال: الأَلْهَانيّ، أبو سلّام الدمشقيّ، سكن حمصَ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وجده، وأخيه زيد، ونافع مولى ابن عمر، والزهريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، ومحمد بن المبارك، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعثمان بن سعيد بن دينار، وعثمان بن عبد الرحمن الحرانيّ، وغيرهم.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، وذَكَر أصحاب يحيى بن أبي كثير، فقال: هشامٌ - يعني: الدستوائيّ - يَرْجع إلى كتاب، والأوزاعي
[ ٣ / ٣١٠ ]
حافظ، وهَمّام ثقةٌ، وحرب بن شدّاد، ومعاوية بن سلّام ثقتان، وقال يوسف بن موسى الْعَطّار الحربيّ: سئل أبو عبد الله عن معاوية بن سلّام؟ فقال: معاوية بن سلّام، وحرب بن شدّاد، وعليّ بن المبارك، هؤلاء متقاربون في حديث يحيى - يعني: ابن أبي كثير -، وهشام - يعني: الدستوائيّ - فوق هؤلاء، وقال أبو زرعة الدّمَشقيّ: عَرَضتُ على أحمد حديثًا، قال: من يروي هذا؟ قلت: معاوية بن سلام، فقال: معاوية بن سلّام ثقة، وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عبّاس بن الوليد الخلّال: قال لي يحيى بن معين: معاوية بن سلّام مُحَدِّث أهل الشام، وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه، مسنده ومنقطعه، فليس بصاحب حديث، وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وعن دُحَيم: جَيِّد الحديث، ثقة، كان بحمص، ثم انتقل إلى دمشق، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال مروان بن محمد: قلت لمعاوية بن سلام تَعَجُّبًا به لصدقه: إنك لشيخ كَيِّس، وقال أبو زرعة الدمشقي: كان يحيى بن حَسّان ومروان يَرْفَعان مِنْ ذِكْرِه، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال النسائي: ثقةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: دَفَع إليه يحيى بن أبي كثير كتابًا، ولم يقرأه، ولم يسمعه.
قال ابن عساكر بلغني أنه كان حَيًّا سنة أربع وستين ومائة، وذكر الذهبي أنه تُوُفِّي في حدود السبعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٥ - (ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ) بن خَلِيفة بن ثعلبة بن عديّ بن كعب بن عبد الأشهل، الأنصاريّ الأشهليّ الأوسيّ، أبو زيد المدنيّ، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رَدِيف رسول الله - ﷺ - يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد، روى عن النبيّ - ﷺ -، ورَوَى عنه عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ، وأبو قِلابة، عبد الله بن زيد الجرميّ.
[ ٣ / ٣١١ ]
قال عمرو بن عليّ: مات سنة (٤٥)، وقال البخاريّ، والترمذيّ: شهد بدرًا، وحَكَى أبو حاتم أنّ ابن نُمَير قال: هو والد زيد بن ثابت، ورَدّه أبو حاتم، فقال: إن كان ابن نُمير قاله، فقد غَلِطَ، وذلك أن أبا قلابة يقول: حدثني ثابت بن الضحاك بن خَلِيفة، وأبو قلابة لم يدرك زيد بن ثابت، فكيف يدرك أباه؟.
قال الحافظ: ولعل ابن نُمير لم يُرِد ما فَهِموه عنه، وإنما أفاد أن له ابنًا يُسَمَّى زيدًا، لا أنه عَنَى والدَ زيد بن ثابت المشهور، ولذلك يُكنى أبا زيد، وذكر غير واحد، منهم ابنُ سعد وابنُ مَنْدَه، وهارون الْحَمَّال، فيما حكاه البغويّ، وأبو جعفر الطبريّ، وأبو أحمد الحاكم: أنه مات في فتنة ابن الزبير، زاد بعضهم في سنة (٦٤).
قال الحافظ: وهذا عندي أشبه بالصواب من قول عمرو بن علي؛ لأن أبا قلابة صَحَّ سماعه منه، وأبو قلابة لم يَطلُب العلم إلا بعد سنة (٦٩). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر في "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٦٥) وفيه إشكالٌ أيضًا؛ لأنه إذا ثبت أن أبا قلابة لم يطلب العلم إلا بعد سنة (٦٩) يبعد أن يسمع ممن مات سنة (٦٤)، إلا أن يكون الرقم المذكور دخله التصحيف، فليُحرّر، والله أعلم.
وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره هنا ثلاث مرّات، وحديث (١٥٤٩): "نهى عن المزارعة"، وأعاده بعده، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، والإخبار.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة.
[ ٣ / ٣١٢ ]
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من خيار الصحابة، بايع تحت الشجرة، وشهد بدرًا إن صحّ، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وليس له فيه إلا حديثان، كما أسلفت ذلك آنفًا، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو أربعة أحاديث فقط، الحديثان المتقدّمان آنفًا، وحديث مبايعته تحت الشجرة عند الشيخين، وحديث: "نذر رجل على عهد النبيّ - ﷺ - أن ينحر إبلًا ببُوانة … " عند أبي داود فقط، راجع ترجمته في "تحفة الأشراف" ٢/ ١٤٣ و١٤٥، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اسمه صالح بن المتوكّل (أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ) بكسر القاف (أَخْبَرَهُ) أي أخبر يحيى (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَاكِ) - ﵁ - (أَخْبَرَهُ) أي أبا قلابة (أنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) أي عاهده، وعاقده، قال في "النهاية" ما معناه: المبايعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايعَ للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدَقَ على ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١]. انتهى (^٢).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
(تَحْتَ الشَّجَرَةِ) "أل" للعهد: أي الشجرة المعروفة التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨].
وهي المبايعة المسمّاة ببيعة الرضوان، وكانت بالْحُديبية، هي موضع فيه ماء، قيل: بينها وبين مكة تسعة أميال، وذلك أن النبيّ - ﷺ - أقام مُنْصَرَفه من
_________________
(١) "النهاية" ١/ ١٧٤.
(٢) "كتاب الإمارة" ٤/ ٤٤.
[ ٣ / ٣١٣ ]
غزوة بني المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة سنة ستّ من الهجرة مُعتمرًا، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة، فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبيّ - ﷺ - بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة، وساق معه الهديَ، فأحرم رسول الله - ﷺ -؛ ليعلم الناس أنه لم يَخرج لحرب، فلما بلغ خروجه قريشًا خرج جمعهم صادّين لرسول الله - ﷺ - عن المسجد الحرام، ودخولِ مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقَدَّموا خالد بن الوليد في خيل إلى كُرَاع الْغَمِيم، فورد الخبر بذلك على رسول الله - ﷺ - وهو بعسفان، فسلك طريقًا يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، فلما بلغ ذلك خيلَ قريش التي مع خالد، جَرَت إلى قريش تعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله - ﷺ - إلى الحديبية، بَرَكَت ناقته - ﷺ -، فقال الناس: خَلأت خَلأت، فقال النبيّ: "ما خلأت، وما هو لها بُخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليومَ إلى خُطَّة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها". ثم نزل - ﷺ - هناك، ثم جَرَت السُّفَراء بين رسول الله - ﷺ - وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامريّ فقاضاه على أن ينصرف - ﷺ - عامه ذلك، فإذا كان من قابلٍ أتى معتمرًا، ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح حاشا السيوف في قُرُبها، فيقيم بها ثلاثًا، ويَخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صُلْحٌ عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس، ويأمن بعضهم بعضًا، مع شروط أخرى، فتمّ الصلح على ذلك، وكان رسول الله - ﷺ - قبل الصلح قد بَعَثَ عثمان بن عفان إلى مكة رسولًا، فجاء خبر إلى رسول الله - ﷺ - بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله - ﷺ - حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة، فبايعه أصحابه على الموت، أو على أن لا يفرّوا، وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة التي أخبر الله تعالى أنه رَضِي عن المبايعين لرسول الله - ﷺ - تحتها، وأخبر رسول الله - ﷺ - أنهم لا يدخلون النار، وضرب رسول الله - ﷺ - بيمينه على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها، والقصّة طويلة (^١)، وستأتي مطوّلة في محلّها من"كتاب الفضائل" - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) راجع: "صحيح البخاريّ" (٢٧٣٤) "كتاب الشروط"، و"تفسير القرطبيّ" ١٦/ ٢٧٤ - ٢٧٨.
[ ٣ / ٣١٤ ]
(وَانَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بفتح "أنّ"؛ لكونها معطوفةً على قوله: "أنه بايع … إلخ"، فهو مفعول ثانٍ لـ "أخبر" (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة، جوابها قوله: "فهو كما قال" (حَلَفَ) أي أقسم (عَلَى يَمِينِ) المراد باليمين هنا: المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو بـ "ملةَ غير الإسلام"، ويجوز أن يقال: إنّ "على" صلةٌ، وينتصب "يمين" على أنه مصدر مُلاقٍ في المعنى، لا في اللفظ، قاله القرطبيّ.
(بِمِلَّةٍ) - بكسر الميم، وتشديد اللام -: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعمّ جميع الْمِلَل، من أهل الكتاب، كاليهود، والنصرانيّة، ومن لَحِق بهم من المجوسيّة، والصابئة، وأهل الأوثان، والدَّهريّة، والمعطّلة، وعَبَدَة الشياطين، والملائكة، وغيرهم.
قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى في "العدّة": لا يتبادر من قوله: "على يمينٍ بملّة" إلا أن الملّة محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهوديّة، وقوله: "كاذبًا" حال من فاعل "حَلَفَ"، وحَلَفَ يتضمّن عَظَّمَ، إذ الحلِفُ تعظيم للمحلوف به قطعًا، فقوله: "كاذبًا"، فكأنه قال: مَن حلف معظّمًا لملّة اليهوديّة، حال كونه كاذبًا في تعظيمه إياها بحلفه، إذ الحلف يتفرعّ عن تعظيم ما حُلِف به، فكَذِبه كان بتعظيمه ما أهانه الله تعالى، والحلف بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةِ الملك، فإن هذا حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم مَن حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى (^١).
(غَيْرِ الْإِسْلَامِ) بالجرّ صفة لـ "ملّةٍ": أي بملّة غيرِ دين الإسلام، أيَّ دِينٍ كان، كما ذُكر بيانه آنفًا.
(كَاذِبًا) زاد في الرواية الآتية من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء: "مُتَعَمّدًا"، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: قوله: "كاذبًا متعمّدًا" تفرّد بزيادتها - يعني: لفظة "متعمّدًا" - سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمّد إن كان مُطمئنّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيم
_________________
(١) "العدّة حاشية العمدة" ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
[ ٣ / ٣١٥ ]
ما لا يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملّة لكونها حقًّا كَفَرَ، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا (^١).
قال الجامع: توجيه الحافظ هذا بُعده مما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم.
قال: ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد أخرجها البخاريّ من طريق يزيد بن زُريع، والنسائيّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن خالد الحذّاء، فتنبّه (^٢)، والله تعالى أعلم.
(فَهُوَ كمَا قَالَ) "ما" مصدريّة، أو موصولة، والعائد محذوفٌ: أي فهو مثل قوله، أو فهو كالذي قاله.
ثم هو بظاهره يفيد أنه يصير كافرًا، لكن يَحتمل أن يكون المراد ضعفه في دينه، وخروجه عن الكمال فيه.
ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضيًا بالدخول في تلك الملّة، فيكون كافرًا على ظاهره، خارجًا عن الإسلام.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يريد به النبيّ - ﷺ -: من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملّة المغايرة لملّة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظ على ظاهره، و"كاذبًا" منصوث على الحال: أي في حال تعظيم تلك الملّة التي حَلَف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛ لأن من عظّم ملّةَ غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه دائمًا في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه كونه صادقًا، أو كاذبًا، إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حَلَف بتلك الملّة الباطلة، معظّمًا لها، على نحو ما تُعظَّم به ملّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن يكون صادقًا، أو كاذبًا في المحلوف عليه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٨٨.
(٢) راجع: "الفتح" ١١/ ٥٤٧.
[ ٣ / ٣١٦ ]
وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم، مبالغةً في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الرواية التالية: "ومن قتل نفسه بِشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة"، وفي الرواية التي بعدها: "ومن قتل نفسه بشيء عَذّبه الله به في نار جهنّم"، وفي رواية للبخاريّ: "ومن قتل نفسه بشيء عُذب به في نار جهنّم".
وقوله: "بشيء" أعمّ من قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق: "بحديدة"، وقوله أيضًا: "ومن تحسّى سمًّا"، وقد سبق أن هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي دته تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
(وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ) ليس كونه رجلًا قيدًا في هذا، بل هو باعتبار الغالب، وإلا فالمرأة فيه مثله، ويدلّ على ذلك رواية البخارفي بلفظ: "وليس على ابن آدم نذر فيما لا يَملك" (نَذْرٌ) أي وفاء نذر، فهو على حذف مضاف، و"النذر" - بفتح، فسكون - مصدر نَذَرَ يَنْذِر، قال في "النهاية": يقال: نَذَرتُ أَنْذِر، وأنْذُرُ نَذْرًا - يعني: من بابي ضرب ونصر - إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرُّعًا، من عبادة، أو صَدَقَة، أو غير ذلك. انتهى (^٢).
وقال في "القاموس": نذَر على نفسه يَنْذِر - بكسر الذال - ويَنذُرُ - بضمها - نَذْرًا ونُذُورًا: أوجبه، كانتذر، ونَذَرَ ماله، ونَذَرَ لله سبحانه كذا، أو النذر ما كان وعدًا على شرط، فعليّ إن شفى الله مريضي كذا نذرٌ، وعليّ أن أتصدّق بدينار ليس بنذر. انتهى (^٣).
وقال ابن الملقّن: النذر لغةً الوعد بخير أو شرّ، وشرعًا وعدٌ بخير، دون
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣١٢ "كتاب الإيمان".
(٢) "النهاية" ٥/ ٣٩.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ٣ / ٣١٧ ]
شرّ، قاله الماورديّ، وقال الرافعيّ: هو التزام شيء، وعبارة غيرهما: أنه التزام قربة غيرِ لازمة بأصل الشرع، زاد بعضهم: مقصودة. انتهى (^١).
(فِي شَيءٍ) متعلّق بـ "نذْرٌ"، وقوله: (لَا يَمْلِكُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "شيء"، يعني: أنه لا ينعقد النذر في غير الملك، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا صحيح فيما إذا باشر ملك الغير، كما لو قال: لله عليّ عتقُ عبد فلان، أو هديُ بَدَنة فلان، ولم يُعلّق شيئًا من ذلك على ملكه له، فلا خلاف بين العلماء أنه لا يلزمه شيء من ذلك، غير أنه حُكي عن ابن أبي ليلى في العتق: أنه إذا كان مُوسرًا عتق عليه، ثم رجع عنه، وإنما اختلفوا فيما إذا علّق العتق، أو الهدي، أو الصدقة على الملك، مثل أن يقول: إن ملكت عبد فلان فهو حرّ، فلم يُلزمه الشافعيّ شيئًا من ذلك، عَمّ أو خَصَّ؛ تمسّكًا بهذا الحديث، وألزمه أبو حنيفة كل شيء من ذلك عَمّ أو خَصَّ؛ لأنه من باب العقود المأمور بالوفاء بها، وكأنه رأى أن ذلك الحديث لا يتناول المعلَّقَ على الملك، لأنه إنما يلزمه عند حصول الملك لا قبله، ووافق أبا حنيفة مالك فيما إذا خَصَّ؛ تمسّكًا بمثل ما تمسّك به أبو حنيفة، وخالفه إذا عَمّ؛ رفعًا للحرج الذي أدخله على نفسه، ولمالك قول آخر مثل قول الشافعيّ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو الحقّ عندي؛ لظاهر حديث الباب، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثابت بن الضّحّاك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه (^٣).
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٩/ ٣٠٩.
(٢) "المفهم" ١/ ٣١٣.
(٣) فقول ابن الملقّن في "شرح عمدة الأحكام" ٩/ ٢٩٣ تبعًا لعبد الحقّ: "إنه من أفراد مسلم" غير صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٣١٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٩/ ٣٠٩ و٣١٠ و٣١١] (١١٠)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٣)، و"المغازي" (٤١٧١ و٤٨٤٣)، و"الأدب" (٦٠٤٧ و٦١٠٥)، و"الأيمان والنذور" (٦٦٥٢)، و(أبو داود) في "الأيمان والنذور" (٣٢٥٧)، و(الترمذيّ) في "النذور والأيمان" (١٥٢٧ و١٥٤٣) و"الإيمان" (٢٦٣٦)، و(النسائيّ) في "الأيمان والنذور" (٣٧٩٧ و٣٧٩٨ و٣٨٤٠)، وفي "الكبرى" (٤٨١١ و٤٧١٢ و٤٧٥٥)، و(ابن ماجه) في "الكفّارات" (٢٠٩٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨٥٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٣ و٣٤)، و(الدارميّ) في "سننه" في "الديات" (٢٣٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩ و١٣٠ و١٣١ و١٣٢)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٦ و٢٩٧ و٢٩٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٢٨ و١٣٣٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): جملة الخصال التي ذكرها المصنّف رحمه الله تعالى في حديث ثابت بن الضحّاك - ﵁ - هذا ثلاثة أشياء:
١ - "من حلف على يمين بملّة غير الإسلام كاذبًا".
٢ - "ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة".
٣ - "وليس على رجل نذرٌ في شيء لا يملكه".
وزاد في الرواية التالية:
٤ - "ولعنُ المؤمن كقتله".
٥ - "ومن ادّعى دعوى كاذبة؛ ليتكثّر بها، لم يزده الله إلا قلّة".
٦ - "ومن حلف على يمين صبر فاجرة".
وقد جمعها البخاريّ رحمه الله تعالى في سياق واحد، إلا الأخيرين، فذكر بدل الخامس قذف المؤمن بكفر، ولم يذكر السادس، فقال في "كتاب الأدب" من"صحيحه":
(٦٠٤٧) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة حدثه، أن رسول الله - ﷺ -، قال: "من حلف على ملة غير
[ ٣ / ٣١٩ ]
الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر، فهو كقتله".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذّاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، فأخرجه البخاريّ في "الجنائز" من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذّاء، فاقتصر على خصلتين: الأولى: "مَن حلف بملة غير الإسلام"، والثانية: "من قتل نفسه بحديدة"، وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء، ومن طريق شعبة، عن أيوب كذلك، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة النذر، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، ولم يذكر الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: "ومن حلف على يمينِ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده الله إلا قلّة"، فإذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض اجتمع منها سبعة أشياء (^١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده (^٢):
١ - (منها): بيان تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام، كاليهوديّة، والنصرانيّة، وغيرهما مطلقًا، وكذا تعليق الحلف بها، وسيأتي حكم الكفّارة فيها - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وإثمه بذلك.
_________________
(١) وقع في نسخة "الفتح": "تسعة"، والظاهر أنه مصحّف من"سبعة"، فتأمله.
(٢) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها حديث الضحاك بن ثابت - ﵁ -، لا خصوص سياق المصنّف هنا، بل ما يأتي له، وما أوردته في الشرح أيضًا، فتفطّن.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
٤ - (ومنها): بيان مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنيويّة، وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي لله تعالى، لا يجوز أن تُعَامَل إلا بما شرع الله تعالى أن تُعَامَل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش، وغير ذلك من إلحاق الأذى.
ومن هنا يتبيّن غلط كثير من المتعبّدين الذين يُلزمون أنفسهم التقشّف، والزهد الخارج عن هدي رسول الله - ﷺ -، فيصعد أحدهم على رأس شجرة تحتها بحر عميق، فيذكر الله تعالى طول ليله، ويرى ذلك أعونَ له على مجاهدة نفسه، وطرد النوم عنها؛ لأنها لاستشعارها أنها إذا غفلت سقطت في ذلك البحر، فغرقت فيه، تطرد عنها النوم خوفًا من ذلك، وهذا هو عين الغلوّ الذي ورد النهي عنه.
فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فرأى حَبْلًا ممدودًا بين ساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، فقالوا: لزينب، تصلي، فإذا فَتَرَت تعلقت به، فقال النبيّ - ﷺ -: "حُلّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَر فليقعد".
والحاصل أن إلحاق الضرر بالنفس جهل عظيم، دخل على جهلة العبّاد، فأدخل عليهم فسادًا عريضًا، ومن أغرب ما يُرى وُشممع أن مثل هذا يُكتب في كتب الرقائق، كأنه من المناقب التي يُفتخر بها، وُيتعزز بها؛ لكونها مجاهدةً للنفس التي أمر الشرع بها، مع أنها من المثالب التي هي من عمل الشيطان، دعا إليها هؤلاء الجهلة، فأطاعوه، واتّبعوه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
٥ - (ومنها): منع النذر فيما لا يملك الإنسان، وهل يجب عليه فيه كفّارة يمين؟ فقال الجمهور: لا، وأوجبها عليه أحمد، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): تحريم لعنِ المؤمن، وأن إثمه كإثم قتله.
٧ - (ومنها): تحريم دعوى ما ليس له من حقوق الناس، فمن فعل ذلك؛ ليكثر بذلك ماله عاقبه الله تعالى بنقيض قصده، فيُتلف الله ماله، ويقلّله.
[ ٣ / ٣٢١ ]
٨ - (ومنها): تحريم الحَلِف على يمين صبرٍ فاجرة، وهي التي فيها الإلزام عند الحاكم، كما سيأتي بيانها قريبًا، فمن فعل ذلك لقي الله تعالى، وهو عليه غضبان، كما في حديث آخر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): في البحث المتعلّق بقوله - ﷺ -: "مَن حَلَف على يمين … إلخ":
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الحلف بالشيء حقيقةً هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقول الفقهاء: مَن حلف بالطلاق على كذا، فالمراد تعليق الطلاق، وهذا مجازٌ، وكأن سببه مشابهة هذا التعليق باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع.
إذا ثَبَتَ هذا، فنقول: قوله - ﷺ -: "من حَلَفَ على يمين بملّة غيرِ الإسلام" يَحْتَمِل أن يُراد به المعنى الأول، ويَحتمل أن يُراد به المعنى الثاني، والأقرب أن المراد الثاني؛ لأجل قوله: "كاذبًا متعمّدًا"، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وأما قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين:
[أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا، فهو يهوديّ، أو نصراني.
[والثاني]: يتعلّق بالماضي، مثل أن يقول: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ، أو نصرانيّ. فأما الأول - وهو ما يتعلّق بالمستقبل - فلا تتعلّق به الكفّارة عند المالكيّة، والشافعيّة، وأما عند الحنفيّة ففيها الكفّارة، وقد يتعلّق الأولون بهذا الحديث؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: "فهو كما قال".
وأما إن تعلّق بالماضي، فقد اختلف الحنفيّة فيه، فقيل: إنه لا يُكفّر اعتبارًا بالمستقبل، وقيل: يُكفّر؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال: هو يهوديّ، وقال بعضهم: والصحيح أنه لا يُكَفّر فيهما، إن كان يعلم أنه يمين،
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث أقدم على الفعل. انتهى كلام ابن دقيق العيد (^١).
قال في "الفتح": وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يُحْكَم عليه بالكفر، إذا كان كاذبًا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قَصَدَ حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يَكْفُر، لكن هل يَحْرُم عليه ذلك، أو يُكْرَه تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التحريم هو الحقّ؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختُلف فيمن قال: أكفر بالله، ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه.
وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله - ﷺ -: "من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله"، ولم يذكر كفّارة.
زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحدٌ عليه، ذكره في "الفتح" (^٢).
وقال ابن قُدامة رحمه الله تعالى - بعد ذكر الروايتين عن أحمد -: والرواية الثانية - يعني: القول بعدم الكفّارة - أصحّ - إن شاء الله تعالى -؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يَرِد في هذه اليمين نصٌّ، ولا هي في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعالى؛ تعظيمًا
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٤/ ٤٠٤ - ٤٠٨ بنسخة الحاشية "العدّة".
(٢) "فتح" ١٣/ ٣٨٧.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث، هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجّته، وإنما الواجب عليه التوبة، والاستغفار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٠] (…) - (حَدَّثَنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِه، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً؛ لِيَتكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم - هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت هـ ٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفَر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (قَالَ: "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ)
_________________
(١) "المغني" ١٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
أي وفاء نذر (فِيمَا لَا يَمْلِكُ) هذه الجملة تقدّم شرحها في الحديث الماضي.
(وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) "اللعنُ": الإبعاد عن الرحمة، وقطعه عنها، والقتل: هو الموت والقطع عن التصرّفات.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه أنه مثله في الإثم، ووجهه أن من قال لمؤمن: لعنه الله، فقد تضمّن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان كذلك فقد صار بمنزلة المفقود من المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم؛ إذ لم يَنتفع بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا، فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم؛ لأنه أفقد المقتول حسًّا ومعنًى، واللاعن أفقده معنًى، فإثمه أخفّ منه، لكنهما اشتركا في مُطلق الإثم، فصَدَق عليه أنه مثله. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: "ولعنُ المؤمن كقتله" فيه سؤال، وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة، لا يمكن المراد أحكام الدنيا؛ لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا يوجب ذلك.
وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم، أو في العقاب، وكلاهما مشكل الآن، والإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات مصالح، والمفاسد شُرور.
قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازريّ -: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وهو تشبيه واقعٌ؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرّف.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣١٤ - ٣١٥.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
قال القاضي: وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين، ومنعهم منافعه، وتكثيرَ عددهم به كما لو قتله.
وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخرويّة عنه، وبُعْدَهُ منها بإجابة لعنته، فهو كمن قُتل في الدنيا، وقُطعت عنه منافعه فيها.
وقيل: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم.
قال ابن دقيق العيد: وأقول: هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر، أما ما حكاه عن الإمام (^١): من أن معناه استواؤهما في التحريم، فهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم.
والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
فأما الأول: فلا ينبغي أن يُحمَل عليه؛ لأن كلّ معصية قَلَّت أو عظمت فهي مشابهةٌ، أو مستوية مع القتل في أصل التحريم، فلا يبقى في الحديث كبير فائدة، مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل.
وأما الثاني: فقد بيّنّا ما فيه من الإشكال، وهو التفاوت في المفسدتين بين إزهاق الروح وإتلافها، وبين الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه عن الإمام من قوله: إن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرّف، فالكلام عليه أن نقول: اللعنة تُطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله تعالى، وهذا الذي يقع فيه التشبيه، والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن، وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله: لعنه الله مثلًا، أو بوصفه للشخص بذلك الإبعاد بقوله: فلانٌ ملعون، وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة، فيكون حينئذ تسبّبًا إلى قطع التصرّف، ويكون نظيره التسبّب إلى القتل، غير أنهما يفترقان في أن التسبّب إلى القتل بمباشرة الْحَزِّ وغيره من مقدّمات القتل مُفْضٍ إلى القتل بمطّرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضيًا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا لاستوى اللعن مع مباشرة مقدّمات القتل، أو زاد عليه.
_________________
(١) يعني به: المازريّ.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
وبهذا يتبيّن لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أن لعنته له تقتضي قصده إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه، كما تستلزم مقدّمات القتل، وكذلك أيضًا من حكاه من أن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخرويّة عنه بإجابة دعوته إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا تجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله، ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدّمات القتل المفضية إليه في مطّرد العادة.
ويحتمل ما حكاه القاضي عن الإمام وغيره، أو بعضه، أن لا يكون تشبيهًا في حكم دنيويّ، ولا أُخرويّ، بل يكون تشبيهًا لأمر وجوديّ! بأمر وجوديّ كالقطع، والقطع مثلًا في بعض ما حكاه: أي قطعه عن الرحمة، أو عن المسلمين بقطع حياته، وفيه بَعْدَ ذلك نظر.
والذي يُمكن أن يقرَّر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم أنا نقول: لا نُسلّم أن مفسدة اللعن مجرّد أذاه، بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدعاء فيه، بموافقة ساعةٍ، لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، كما دل عليه الحديث من قوله - ﷺ -: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا على أولادكم، لا توافقوا ساعة … " الحديث، وإذا عرّضه باللعنة لذلك، ووقعت الإجابة، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كان ذلك أعظم من قتله؛ لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضررًا بما لا يُحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا، أو مقاربًا لأخفّهما على سبيل التحقيق، ومقادير المفاسد والمصالح، وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطّلاع على حقائقه. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاستشكال الذي أوردوه في هذا الحديث مما يُستغرب مثله، فإذا قال النبيّ - ﷺ -: "لعنُ المؤمن كقتله"، فهل ينبغي أن يُستشكل، ويُتساءل فيه، فيقال: كيف يتساويان؟ هيهات هيهات، فإن مقادير
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٤/ ٤١٢ - ٤١٦ بنسخة الحاشية "العدّة".
[ ٣ / ٣٢٧ ]
الطاعات، والذنوب، والثواب والعقاب، لا تُعرف إلا من الشارع، كما أشار إليه ابن دقيق العيد نفسه في تقريره السابق، بل قد أجاد آخر كلامه، فإذا أخبرنا الشارع بشيء من ذلك، فما لنا إلا التسليم.
وقد جاءت نصوص في تعظيم لعن المؤمن غير هذا، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث عمران بن حصين - ﵄ -، قال: بينما رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فَضَجِرَت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: "خذوا ما عليها، ودعوها فإنها ملعونة"، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعْرِض لها أحدٌ.
فإذا كان هذا في حيوان بهيميّ لَمَّا لُعن أمر - ﷺ - أن يُترك، ولا يُصاحَبَ، كما جاء في رواية: "لا يصاحبنا ملعون"، ولا ينضمّ إليهم، ولا يَنتفع به أحدٌ، فهو أعظم من قتله، فإنه ينتفع بلحمه العباد، وهنا حرموا الانتفاع بظهره ركوبًا وحملًا، وقد ثبت في "الصحيحين": أنه - ﷺ - علَّل كون النساء أكثر أهل النار بكثرة لعنهنّ، وبكفر العشير، وغير ذلك مما ورد في اللعن.
والحاصل أن كون اللعن مثل القتل مما لا يُستراب فيه.
قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى: اللاعن قاصد باللعنة الدعاء على من لعنه، والداعي لا يدعو إلا راجيًا للإجابة، وكونه قد لا يوافق ساعة إجابة أمرٌ ليس داخلًا تحت قدرته، فهو قد قصد الإجابة، وأراد حرمان من دعا عليه رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، فاللاعن قد قصد إخراج من لعنه، وتفويته رحمة الله، فإثمه كإثم القاتل، وأما كونه لم يُجَبْ دعاؤه فهذا أمرٌ ليس إليه، فهو نظير من رَمَى مؤمنًا قاصدًا قتله، فأخطأه بغير اختياره، فإنه آثم إثم القاتل، ولذا قال - ﷺ -: "القاتل والمقتول في النار"، وبيّن أن القاتل أُدخل مع قاتله النار؛ لأنه كان حريصًا على قتل أخيه، وهنا بدعائه على أخيه كان حريصًا على حلول اللعنة به.
وإذا عرفت هذا عرفت صحة ما قاله الإمام المازريّ: من أن اللعن كالقتل في التحريم، وفي الإثم؛ لما سَمِعتَ، ولقول ابن دقيق العيد آخرًا: إنه لا سبيل للبشر على الاطّلاع على حقائق مقادير المصالح والمفاسد إلا من طريق الشارع، والشارع هنا قد بيّن مفسدته بأنها تشبه مفسدة القتل، فليُلْقِ إليه
[ ٣ / ٣٢٨ ]
زمام الإذعان بأن اللعن كالقتل، والمؤمن ليس باللعّان. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) أعمّ من الحديدة، والسمّ، والتردّي من الجبل المذكورات في الحديث السابق (فِي الدُّنْيَا) متعلّق بـ "قَتَلَ" (عُذِّبَ) بالبناء للمفعول (بِهِ) أي بذلك الشيء الذي قتل به نفسه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه مجانسة الجزاء للجناية، وقد سبق تحقيقه.
(وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذه هي اللغة الفصيحة، يقال: دعوى باطل وباطلة، وكاذب وكاذبة، حكاهما صاحب "الْمُحْكَم"، والتأنيث أفصح. انتهى (^٢).
(لِيَتَكَثَّرَ بِهَا) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بالثاء المثلّثة بعد الكاف، وكذا هو في معظم الأصول، وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمّة المعتمدين بالباء الموحّدة، وله وجهٌ، وهو بمعنى الأول: أي يُصيِّرُ ماله كبيرًا عظيمًا. انتهى (^٣).
(لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً) بكسر القاف: أي يُجازيه الله تعالى بخلاف قصده، فإنه ما ادّعى دعوى كاذبة إلا تكثيرًا لماله، فعامله الله نقيض قصده، فقلّل الله ماله.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا عامّ في كلّ دعوى يتشبّع بها المرء بما لم يُعطَ من مال يحتال في التجمّل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه ليس من جِذْمه (^٤)، أو علم يتحلّى به ليس من حَمَلَته، أو دِينٍ يُرائي به ليس من أهله، فقد أعلم النبيّ - ﷺ - أنه غير مبارك له في دعواه، ولا زاكٍ ما اكتسبه بها، ومثله في الحديث الآخر: "الحلف مَنْفَقَةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للبركة"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ لأحمد: "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب". انتهى (^٥).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ومن ادّعى دعوى كاذبة … إلخ"
_________________
(١) "العدّة حاشية العمدة" ٤/ ٤١٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢١.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢١.
(٤) "الجِذم" بكسر الجيم، وتفتح: الأصل، قاله في "القاموس".
(٥) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٤٦٩.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
يعني - والله أعلم -: أن من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه، وادّعاه لنفسه، وليس موصوفًا له، لم يَحصُل له من ذلك إلا نقيض مقصوده، وهو النقص، فإن كان الْمُدَّعَى مالًا لم يُبَارَك له فيه، أو علمًا، أظهر الله جهله، فاحتقره الناس، فقلَّ مقداره عندهم، وكذلك لو ادَّعَى دِينًا، أو نسبًا، أو غير ذلك، فَضحَه الله، وأظهر باطله، فقلّ مقداره، وذَلَّ في نفسه، فحصَلَ على نقيض قصده، وهذا نحو قوله - ﷺ -: "من أسرّ سريرةً، ألبسه الله رداءها"، ونحو منه قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله - ﷺ -: "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور" رواه مسلم.
وفائدة الحديث الزجرُ عن الرياء، وتعاطيه، ولو كان بأمور الدنيا. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت الرواية في كتاب مسلم لهَذا الكلام مقتصرًا على ذكر جملة الشرط من غير ذكر جملة الجزاء، فيَحْتَمِلُ أنه سكت عنه؛ لأنه عطفه على "من" التي قبلها، فكأنه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة كان كذلك، أي لم يزده الله بها إلا قِلّة، ويَحْتَمل أن يكون الجزاء محذوفًا، ويكون تقديره: من فعل ذلك غضب الله عليه، أو عاقبه، أو نحو ذلك، كما جاء في الحديث الآخر: "من حَلَف على يمين؛ ليقتطع بها مالَ مسلم، لَقِي الله، وهو عليه غضبان"، متّفق عليه. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لم يأت في الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف إلا أن يَعْطِفه على قوله قبلُ: "ومَنِ ادَّعَى دعوى كاذبة؛ ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلةً": أي وكذلك مَن حَلَف على يمين صبر فهو مثله، قال: وقد ورد معنى هذا الحديث تامًّا مُبَيَّنًا في حديث آخر: "من حلف على يمينِ صبرٍ، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجرٌ، لقي اللهَ، وهو عليه غضبان". انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣١٥.
(٢) "المفهم" ١/ ٣١٥ - ٣١٦.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٤٧٠.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وقوله: (عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) قال القرطبيّ: الرواية بالتنوين على أن صبرًا صفة اليمين: أي ذات صبر، وأصل الصبر الحبس، كما قال عنترة: [من الكامل]:
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً … تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ
أي حبستُ في الحرب نفسًا مُعتادةً لذلك كريمةً، لا ترضى بالفرار.
وقال المازريّ: أصل الصبر: الحبس والإمساك، يقال: صَبَرَ فلانٌ فلانًا: إذا حبسه، وكلُّ من حبسته لقتل، أو يمين، فهو قَتْلُ صَبْرٍ، ويَمِينُ صَبْرٍ، وأصبره الحاكم على اليمين: أكرهه على يمين صبر، قاله الهرويّ وغيره.
وقال أبو العبّاس (^١): الصبر ثلاثة أشياء: الإكراه، ومنه أصبره الحاكم، والحبسُ، ومنه صَبَرتُهُ: إذا حبسته، والْجُرْأةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]: أي ما أجرأهم عليها.
ووُصِفَت اليمين بأنها ذات صبرٍ؛ لأنَّها تَحْبِس الحالف لها، أَوْ لأن الحالف يجترئ عليها، وذَكَّر، وقد أجراه صفةً على اليمين، وهي مؤنّثةٌ؛ لأنه قَصَدَ المصدر. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض: يمين الصبر هي التي يُصبَرُ صاحبها: أي يُحبس، ويُكرَه حتى يَحلفها، وقد يكون من معنى الْجُرْأة والإقدام عليها، كما قال ثعلب، ومعنى "فاجرة": أي كاذبة. انتهى (^٣).
وقال النوويّ: يمين الصبر هي التي أُلزِم بها الحالف عند حاكم ونحوه، وأصل الصج: الحبسُ والإمساك. انتهى (^٤).
وقال القاضي: ويُستدلّ من هذا الحديث أن الإيمان كلّها التي تُقطع بها الحقوق لا تنفع فيها المعاريض والنيّات، وإنما هي على نيّة صاحب الحقّ المحلوف له، لا على نية الحالف، ولا خلاف في كونه هذا آثمًا فاجرًا في يمينه متى اقتطع بها حقّ امرئ مسلم. انتهى (^٥).
_________________
(١) هو ثعلب الآتي بعده.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٤٧٠، بزيادة من "المفهم" ١/ ٣١٦.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٤٧٠.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢١.
(٥) "إكمال المعلم" ١/ ٤٧١ - ٤٧٢.
[ ٣ / ٣٣١ ]
وبقية مباحث الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١١] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِث، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزاق، عَنِ الثَّوْرِيّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذاء، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَام، كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عَذبَهُ اللهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"، هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهْوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م، س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بْنِ عَبْدِ الْوَارِث، أبو عُبيدة الْعَنْبريّ البصريّ، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن أبيه، وأبي خالد الأحمر، وأبي عاصم النبيل، وأبي معمر المُقعد البصري.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال السراج: مات في رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا (^١).
٤ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التّنّوريّ، أبو سَهل البصريّ، ثقة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيه [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) الْقُشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د، س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ تغيّر في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (خَالِد الْحَذَّاءُ) هو: خالد بن مِهْران، أبو الْمُنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها - البصريّ، ثقةٌ حافظ يرسل [٥] (ت ١، أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
[تنبيه]: قوله: "الْحَذّاء" بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة لقب خالد، قيل: إنما لُقّب به؛ لأنه كان يَجلس في الْحَذّائين، ولم يَحْذُ نَعْلًا قطُّ، هذا هو المشهور، قال النوويّ: رَوَينا عن فَهْد بن حَيّان - بالمثناة - قال: لَمْ يَحْذُ خالد قطّ، وإنما كان يقول: احذوا على هذا النحو، فلُقِّب الحذاءَ. انتهى (^٢).
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ) ثم حوّل الإسناد، فساقه إلى أن قال: (عَنِ الثَّوْرِيّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاء، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ … إلخ).
[فإن قيل]: هذا تطويل للكلام على خلاف عادة مسلم وغيره؛ إذ كان حَقُّهُ، ومقتضى عادته أن يَقْتَصِر أوّلًا على أبي قِلابة، ثم يسوق الطريق الآخر إليه، فأما ذكر ثابت فلا حاجة إليه أَوّلًا.
_________________
(١) ونقل في "تهذيب التهذيب" عن "الزهرة": أن مسلمًا رَوَى عنه سبعة عشر حديثًا، والظاهر أنه لا تخالف؛ لأنه يُحمل على التكرار.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٠.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
[أجيب]: بأنه ساقه بطوله؛ لأنّ في الرواية الأولي، وهي رواية شعبة، عن أيوب نَسَبَ ثابت بن الضحاك، فقال: "الأنصاريّ"، وفي رواية الثوريّ، عن خالد لَمْ يَنْسُبه، فلم يكن له بُدٌّ من فِعْلِ ما فَعَلَه؛ ليُبيّن ما وقع في أحد الإسنادين من زيادة النسب، وهذا من تحقيقه، واحتياطه، ومراعاة ألفاظ شيوخه، فلله درّه، ما أتقن صناعته، وما أورعه رحمه الله تعالى (^١).
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ) أي هذا المتن الذي ساقه هو حديث سفيان الثوريّ، عن خالد الحذاء، وأما حديث شعبة، عن أيوب فيُخالفه في اللفظ، وإن وافقه في المعنى، كما بيّنه بقوله:
(وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا … إلخ") فقد أسقط منه لفظ "متعمّدًا"، وقال: "وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَه بشيءٍ" بدل"ومن قَتَلَ نفسه بشيء"، وقال: "ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" بدل "عذَّبه الله به في نار جهنّم"، و"ذُبح" بالبناء للمفعول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.