وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوَّلَ الكتاب قال:
[١١٩] (١٦) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرَ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ"، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ، قَالَ: لَا، "صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ"، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ، سُلَيْمَانُ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرُ) الأزديّ الكوفيّ، الْجَعْفَريّ، نَزَلَ فيهم، ووُلد بِجُرْجَان، صدوقٌ يُخطئ [٨].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وحُميد الطويل، وداود بن أبي هند، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وابن جريج، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وآدم بن أبي إياس،
[ ١ / ٣٠٠ ]
وأسد بن موسى، والْفِرْيابيّ، وأبو كريب، وأبو سعيد الأشجّ، ويوسف بن موسى القطان، وعمرو الناقد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن سلام البيكنديّ، وجماعة.
قال إسحاق بن راهويه: سألت وكيعًا عن أبي خالد؟ فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد؛ لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يَطْعَن عليه فيه. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وإنما أُتي من سوء حفظه، فيَغْلَط ويُخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين: صدوق، وليس بحجة. قلت وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنة، وكان محْتَرِفًا يؤاجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميًّا، إلا أنه نشأ بالكوفة. وقال أبو بكر البزار في كتاب "السنن": ليس ممن تُلزِم زيادته حجةً؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد رَوَى أحاديثَ عن الأعمش وغيره لم يُتَابَعْ عليها.
وقال هارون بن حاتم: سألت أَبا خالد متى وُلِدتَ؟ قال: سنة (١١٤)، قال هارون: ومات سنة (١٩٠)، وقال ابن سعد، وخليفة: مات سنة تسع وثمانين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) سَعْد بن طارق بن أشيم الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وسَعْد بن عُبَيدة، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وأبي حازم الأشجعيّ، وغيرهم.
وروى عنه خَلَف بن خليفة، وابن إسحاق، وشعبةُ، والثوريّ، وابن إدريس، وحفص بن غياث، وعَبّاد بن الْعَوّام، وعبد الواحد بن زياد، ومحمد بن
[ ١ / ٣٠١ ]
فضيل، ومروان بن معاوية، وأبو عوانة، وأبو معاوية، وأبو خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتَب حديثه. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن إسحاق في "السيرة": ثنا سَعْد بن طارق، أبو مالك، ثقة. وقال ابن خلفون: وَثَّقَه ابن نُمَير وغيره. وقال الْعُقيليّ: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه. وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم. وقال الصَّرِيفينيّ: بقي إلى حدود الأربعين ومائة.
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٤ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السَّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر والبراء بن عازب، وحِبّان بن عَطِيّة، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وكان خَتَنَه على ابنته.
وروى عنه الأعمش، ومنصور وفِطْر بن خليفة، وحُصَين، وأبو حَصِين، والْحَكَم بن عتيبة، وزُبَيد الياميّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مرثد، وأبو مالك الأشجعيّ، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يَرَى رأي الخوارج، ثم تركه، يُكْتَب حديثه. وقال الكلاباذيّ: مات في ولاية عمرو بن هُبَيرة على العراق، وكذا قال ابن سعد، وقال: كان ثقةً، كثير الحديث، وكذا أَرّخه ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - ١/ ١٠١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير أبي مالك الأشجعي، فقد علّق له البخاريّ.
[ ١ / ٣٠٢ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ - ﵁ -، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي مالك، عن سعد بن عُبيدة.
٥ - (ومنها): أن فيه التحديث في موضعين، والعنعنة في البقيّة، وكلاهما من صيغ الاتصال من غير المدلّس في "عن".
٦ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنه قَالَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ) ببناء الفعل للمفعول، ورفع "الإسلامُ" على أنه نائب فاعله.
وفي الكلام استعارة بالكناية؛ لأنه شبّه الإسلام بمبني له دعائم، فذكر المشبّه، وطوى ذكر المشبّه به، وذكر ما هو من خواصّ المشبّه به، وهو البناء، ويُسمّى هذا استعارة ترشيحيّةً، ويجوز أن يكون استعارة تمثيليّةً، بأن تُمثّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خِبَاء أُقيمت على خمسة أعمدة، وقُطبُها الذي تدور عليه الأركان هو شهادة أن لا إله إلا الله، وبقيّة شُعَبِ الإيمان كالأوتاد للخباء، ويجوز أن تكون الاستعارة تبعيّةً، بأن تُقدّر الاستعارة في "بُنِيَ"، والقرينة "الإسلام"، شُبّه ثبات الإسلام، واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، ومعلوم أن الاستعارة التبعيّة، تقع أولا في المصادر، ومتعلَّقات معاني الحروف، ثم تسري في الأفعال، والصفات، والحروف (^١).
(عَلَى خَمْسَةٍ) هكذا في هذه الرواية، والرواية الرابعة "خمسة" بالهاء، وفي الرواية الثانية، والثالثة "خمس" بلا هاء، وفي بعض الأصول المعتمدة في الطريق الرابع بلا هاء، وكلاهما صحيح، ويكون المراد برواية الهاء خمسة أركان، أو أشياء، أو نحو ذلك، وبرواية حذف الهاء خمس خصالٍ، أو دعائمَ، أو قواعدَ أو نحو ذلك.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٢٠.
[ ١ / ٣٠٣ ]
[تنبيه]: القاعدة النحويّة أن العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنّث مع المذكّر، كثلاثة رجال، ويذكّر مع المؤنّث، كثلاث نسوة، كما قال في "الخلاصة":
ثَلَاثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ … فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ … جَمْعًا بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
وهذه القاعدة إنما تجب إذا كان المعدود مذكورًا بعد العدد تمييزًا، وأما إذا حُذف، كحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوال … "الحديث، أو قُدّم جاز الأمران، فتقول: مسائل تسعٌ، وتسعةٌ، ورجال تسعةٌ، وتسعٌ، فيكون ما هنا مما حُذف، فجاز الأمران (^١)، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة جدًّا. والله تعالى أعلم.
(عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ) بضم حرف المضارعة، وفتح الحاء المهملة المشدّدة، مبنيًّا للمفعول، ورفع لفظ الجلالة على أنه نائب فاعله، والجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل، أي على توحيد الله تعالى، والتوحيد بمعنى العبادة في الرواية التالية بلفظ: "على أن يُعبد الله، ويُكفر بما دونه"، وبمعنى الشهادتين في الرواية الثالثة بلفظ: "شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله".
(وَإِقَامِ الصَّلَاةَ) أي وعلى الإتيان بالصلاة على الوجه المطلوب شرعًا، من استيفاء شروطها، وأركانها، وآدابها.
[تنبيه]: أصل "إقام" إقوام؛ لأنه من أقام يُقيم، نُقلت حركة عينه إلى فاء الكلمة، وحُذفت، وعُوّض عنها تاء التأنيث غالبًا، فصار إقامةً بالتاء، لكن هذا التعويض إنما يأتي غالبًا إذا لم يوجد مضاف إليه، فأما إذا وُجد، فإنه يقوم مقام التاء، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وأشار إلى هذه القاعدة في "الخلاصة" بقوله:
وَاسْتَعِذِ اسْتِعَاذَةً ثُمَّ أَقِمْ … إِقَامَةً وَغَالبًا ذَا التَّا لَزِمْ
(وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) مصدر آتى يؤتي: إذا أعطى، وفيه شيئان: أحدهما:
إطلاق الزكاة التي هي في الأصل مصدر، أو اسم مصدر على المال الْمُخْرَج
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ٢٠٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
للمستحقّ، والآخر حذف أحد المفعولين؛ للعلم به؛ لأن الإيتاء يتعدّى إلى مفعولين، والتقدير: إيتاء الزكاة مستحقيها (وَصِيَامِ رَمَضَانَ) من إضافة الحكم إلى سببه (وَالْحَجِّ) أي وحج البيت، فـ "أل" بدل من المضاف إليه، والإظافة فيه أيضًا من إضافة الحكم إلى سببه، فلما لم يتكرر البيت لم يتكرّر الحج، بل صار مرّة في العمر، بخلاف الصوم؛ فإنه يتكرّر كلّ سنة، فصار واجبًا كلّ سنة. (فَقَالَ رَجُلٌ) اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السَّكْسَكِيّ، ذكره الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في "الأسماء المبهمة" (الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ) بجرهما على الحكاية، أي قال بدل قول ابن عمر - ﵄ - "وصيام رمضان، والحجّ": والحجّ، وصيام رمضان، فقدَّم ذكر الحجّ عدى الصيام، فـ (قال) ابن عمر - ﵄ - ردًّا عليه (لَا) أي لا تقل: "الحجّ، وصيام رمضان"، بل قل: ("صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ") بالجرّ فيهما على الحكاية أيضًا (هَكَذَا سَمِعْتُهُ) أي سمعت هذا الكلام مرتّبًا على هذا الوجه (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّقٌ بـ "سمعته".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أظهر ما قيل في توجيه إنكار ابن عمر - ﵄ - هذا على هذا الرجل عندي قول من قال: إنّ ابن عمر - ﵄ - سمعه من النبيّ - ﷺ - مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين، في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ عليّ ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، وسيأتي ذكر بقيّة أجوبة العلماء في توجيه إنكاره - ﵁ - في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في تخريجه.
حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنف) هنا (٥/ ١١٩) عن محمد بن عبد الله نُمَير، عن
[ ١ / ٣٠٥ ]
أبي خالد الأحمر - و(٥/ ١٢٠) عن سهل بن عثمان العسكريّ، عن يحيى بن زكريا - كلاهما عن أبي مالك الأشجعيّ، عن سعد بن عُبيدة السلميّ، عنه. و(٥/ ١٢١) عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عاصم بن محمد، عن أبيه، عنه. و(٥/ ١٢٢) وعن ابن نمير، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عنه.
وأخرجه (البخاريّ) (٢/ ٨) عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة بن أبي سفيان به، وأخرجه أيضًا في "التفسير" برقم (٤٥١٤).
وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (٧٠٣ و٧٠٤) و(عبد بن حميد) في "مسنده" (٨٢٣) و(أحمد) في "مسنده" ٢/ ٢٦ و٩٢ و١٢٠ و١٤٣ و(الترمذي) في "جامعه" (٢٦٠٩) و(النسائيّ) (٨/ ١٠٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٨ و٩٩ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٨ و٣٠٩). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان أركان الإسلام، ودعائمه العظام.
٢ - (ومنها): أنه يُفهم من ظاهر الحديث أنه لا يكون الشخص مسلمًا عند ترك شيء من هذه الأركان، وقد اختُلف في ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
٣ - (ومنها): أن هذه الأشياء الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة بعض المكلّفين عن الباقين.
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل عظيمٌ في معرفة الدين، وعليه اعتماده، وقد جَمَعَ أركانه كلها.
٥ - (ومنها): أن فيه جواز إطلاق "رمضان" دون إضافة لفظة "شهر" إليه، وهو الحقّ الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن منع ذلك، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه من "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): أنه يستفاد من إنكار ابن عمر - ﵄ - على الرجل في تقديمه الحج، وقوله: "هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ - "تأكّد أداء الحديث باللفظ، وقد سبق في شرح المقدّمة بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح قول
[ ١ / ٣٠٦ ]
الجمهور بجواز الرواية بالمعنى بشروطه، لكن الأولى المحافظة على اللفظ لقوله - ﷺ -: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه" (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن تكون محافظة النبيّ - ﷺ - على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أوّلًا، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحجّ، ويحتمل ذلك أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد، فقد يَستنبط الناظر في ذلك الترتيبِ تقديمَ الأوكد على ما هو دونه إذا تعذّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعيّن عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة لضرورة المستحق، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحاجّ، فيتذكّر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف للمشقّة في استئناف الحجّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنَّ القول الثاني أرجح؛ للمشقّة المذكورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فالحرج مرفوع بالنصّ، ففعل ما يرفع الحرج أولى، وإن كان أدون في الرتبة، والله تعالى أعلم.
قال: ومن ذلك لو أوصى رجل بزكاة فرّط في أدائها، وبكفّارةِ فطر من رمضان، وضاق الثلث عنهما، بدأ بالزكاة أوّلًا؛ لأوكديّتها على الصوم، وكذلك لو أوصى بكفّارة الفطر، وبهديٍ واجبٍ في الحجّ، قدّم كفارة الفطر، وهذا كلّه على أصل مالك ﵀، فإن ذلك كلّه يخرَج من الثلث، وأما من ذهب إلى أن ذلك يُخرج من رأس المال، فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
٧ - (ومنها): أنه يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنّة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحّة إسلام من باشر ما ذُكر،
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذيّ (٢٦٥٨).
(٢) "المفهم" ١/ ١٦٩ - ١٧٠.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ومفهومه أن من لم يباشره لا يصحّ منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، على ما تقرّر في موضعه (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان الأسئلة الواردة على هذا الحديث (^٢).
(الأول): ما قيل: ما وجه الحصر في هذه الخمسة؟
وأجيب بأن العبادة إما قوليّة، وهي الشهادة، أو غير قوليّة، فهي إما تَركيّ، وهو الصوم، أو فعليّ، وهو إما بدنيّ، وهو الصلاة، أو ماليّ، وهو الزكاة، أو مركّبٌ منهما، وهو الحجّ.
(الثاني): ما قيل: ما وجه الترتيب بينها؟
وأجيب بأن الواو لا تدلّ على الترتيب، ولكن الحكمة في الذكر أن الإيمان أصل للعبادات، فتعيّن تقديمه، ثم الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخرًا.
(الثالث): ما قيل: الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يُحكم بإسلام من تلفّظ بها، فلم ذكرت الأخوات معها.
وأجيب: بأنها أظهر شعائر الإسلام، قال النوويّ رحمه الله تعالى: حكم الإسلام في الظاهر يَثبُت بالشهادتين، وإنما أُضيف إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتمّ إسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله. انتهى.
(الرابع): ما قيل: إن الإسلام هو هذه الخمسة، والمبنيّ لا بدّ أن يكون غير المبنيّ عليه.
وأجيب: بأن الإسلام عبارة عن المجموع، والمجموع غير كلّ واحد من أركانه، وحاصله أن المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، وعينٌ من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشَّعْر يُجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسطٌ والبقيّة أركان،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٥.
(٢) راجع في هذه الأسئلة: "عمدة القاري" ١/ ١٢٠ - ١٢١، و"فتح الباري" ١/ ٦٥ - ٦٦.
[ ١ / ٣٠٨ ]
فما دام الأوسط قائمًا فمسمّى البيت موجود، ولو سقط ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمّى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده، أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أسّه وأركانه، الأسُّ أصلٌ، والأركان تبعٌ وتكملة.
(الخامس): ما قيل: الأربعة الأخيرة مبنيّة على الشهادة؛ إذا لا يصحّ شيء منها إلا بعد الكلمة فالأربعة مبنيّة، والشهادة مبنيّ عليها، فلا يجوز إدخالها في سلك واحد.
وأجيب: بأنه لا محذور في أن يُبنى أمرٌ على أمر، ثم يبنى عليهما أمرٌ آخر.
ويقال: لا نسلّم أن الأربعة مبنيّة على الكلمة، بل صحّتها متوقّفة عليها، وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس.
وقال التيمي رحمه الله تعالى: قوله: "بني الإسلام على خمس"، كان ظاهره أن الإسلام مبنيّ على هذه، وإنما هذه الأشياء مبنيّة على الإسلام؛ لأن الرجل ما لم يشهد لا يُخاطب بهذه الأشياء الأربعة، لو قالها فإنّا نحكم في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المذكورة المبنيّة على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه، إلا أن النبيّ - ﷺ - لَمّا أراد بيان أن الإسلام لا يتمّ إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًّا عليها، ولهذا المعنى سوّى بينها وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلام بعينه.
قال الكرمانيّ: حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة، لا نفس الإسلام، وهو حسنٌ، لكن قوله: ثم إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من البحث؛ إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها، لا في إنكارها، وكيف وإنكار كلّ حكم من أحكام الإسلام موجبٌ للكفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا قوله: لا يخاطب إلخ فيه نظر؛ إذ هذا مذهب مرجوح، فالحقّ أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، فكان الأولى أن يعبّر بقوله: فلا يُعتدّ بهذه الأشياء إلخ. وللعينيّ اعتراض على كلام
[ ١ / ٣٠٩ ]
الكرمانيّ المذكور، تركت ذكره لعدم جدواه فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(السادس): ما قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة ﵈ وغير ذلك مما تضمّنه سؤال جبريل ﵇؟
أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكر من المعتقدات، وقال الإسماعيليّ رحمه الله تعالى ما محصّله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت "الحمد"، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدتُ، برسالة محمد - ﷺ -، وتريد جميع ما ذُكر (^١). والله تعالى أعلم.
(السابع): ما قيل: لمَ لم يذكر فيه الجهاد؟ أجيب بأنه فرض كفاية، ولا يتعيّن إلا في بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر - ﵄ - جوابًا للسائل، وزاد في رواية عبد الرزّاق في آخره: "وإن كان الجهاد من العمل الحسن".
وأغرب ابن بطّال، فزعم أن هذا الحديث كان في أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وهو خطأ بَيِّنٌ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وكانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فُرض الصيام، والزكاة بعد ذلك، والحجّ بعد ذلك على الصحيح.
وقال الداوديّ: لما فُتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بعد من الكفّار، وهو فرض على من يليهم، وكان أوّلًا فرضًا على الأعيان، وقيل: هو مذهب ابن عمر - ﵄ -، والثوريّ، وابن شُبْرُمة، إلا أن ينزل العدوّ فيأمر الإمام بالجهاد، وجاء في البخاريّ في هذا الحديث في "التفسير": "أن رجلًا قال لابن عمر: ما حملك على أن تحجّ عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد"، وفي رواية عكرمة بن خالد الآتية في أولها: "أن رجلًا قال لابن عمر: ألا تغزو، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الإسلام بُني على خمس … " الحديث، فهذا يدلّ على أن ابن عمر كان لا يرى فرضيّته إما مطلقًا، كما نُقل عنه، أو في ذلك الوقت (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
في بيان اختلاف العلماء في توجيه إنكار ابن عمر - ﵄ - على الرجل في
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٥.
(٢) "عمدة القاري" ١/ ١٢١.
[ ١ / ٣١٠ ]
تقديمه الحجّ على الصيام في هذه الرواية مع ثبوت ذلك في الرواية التالية:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما تقديم الحج وتأخيره: ففي الرواية الأولى والرابعة تقديم الصيام، وفي الثانية والثالثة تقديم الحج، ثم اختلف العلماء في إنكار ابن عمر على الرجل الذي قَدَّم الحجَّ مع أنّ ابن عمر رواه كذلك، كما وقع في الطريقين المذكورين.
والأظهر - والله أعلم - أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبيّ - ﷺ - مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ على ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر.
ويحتمل أنّ ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين، كما ذكرنا، ثم لَمّا رَدّ عليه الرجل نسي الوجه الذي رده، فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: محافظة ابن عمر - ﵄ - على ما سمعه من رسول الله - ﷺ -، ونهيه عن عكسه، تصلح حجةً لكون الواو تقتضي الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين، وشذوذٍ من النحويين، ومن قال: لا تقتضي الترتيب، وهو المختار، وقول الجمهور فله أن يقول: لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب، بل لأن فرض صوم رمضان نَزَل في السنة الثانية من الهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل: سنة تسع - بالتاء المثنّاة فوقُ - ومن حق الأول أن يُقَدَّم في الذكر على الثاني، فمحافظة ابن عمر - ﵁ - لهذا، وأما رواية تقديم الحج، فكأنه وقع ممن كان يروي الرواية بالمعنى، وَيرَى أن تأخير الأول، أو الأهمّ في الذكر شائع في اللسان، فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهيَ ابن عمر - ﵄ - عن ذلك، فافهم ذلك، فإنه من المشكل الذي لم أرهم بيَّنوه، هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
[ ١ / ٣١١ ]
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله ضعيف من وجهين:
[أحدهما]: أن الروايتين قد ثبتتا في الصحيح، وهما صحيحتان في المعنى، لا تنافي بينهما، كما قدمنا إيضاحه، فلا يجوز إبطال إحداهما.
[الثاني]: أنّ فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قَدْحٌ في الرواة والروايات، فإنه لو فُتِحَ هذا لم يَبْقَ لنا ثِقَةٌ بشيء من الروايات، إلا القليل، ولا يخفى بطلان هذا، وما يترتب عليه من المفاسد، وتَعَلُّق من يتعلق به، ممن في قلبه مرض. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون مُشَاحّة ابن عمر في هذا لأنه كان لا يرى نقل الحديث بالمعنى، وإن أدّاه بلفظٍ يَحْتَمِلُ، أو كان يرى الواو توجب الترتيب - كما قال بعضهم - فيجب التحفّظ على الرواية المسموعة من النبيّ - ﷺ -؛ لأنه قد يتعلّق بذلك أحكام.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد يكون ردّ ابن عمر على الرجل إلى تقديم رمضان على الحجّ؛ لتقدّم فريضة رمضان على فريضة الحجّ، فجاء بالفرائض على نسقها في التاريخ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق ترجيح القول بأن ابن عمر - ﵄ - سمعه من النبي - ﷺ - مرّتين، وأنه رواه على الوجهين، فردّه على الرجل؛ لكونه اعترض على ما لا علم له به، وردّ الثابت؛ لتوهّمه عدم ثبوته. وأما ما جوّزه بعضهم من أن ابن عمر سمعه من النبيّ - ﷺ - على الوجهين، ونسي أحدهما عند ردّه على الرجل، ففيه نظر: لأن تطرّق النسيان إلى الراوي عن الصحابيّ أول من تطرّقه إلى الصحابيّ (^٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(تنبيه): وقع في رواية أبي عوانة الإسفرايينيّ في كتابه "الْمُخَرَّج على صحيح مسلم، وشرطه" عكسُ ما وقع في مسلم من قول الرجل لابن عمر: قَدِّمِ الحجَّ، فوقع فيه أن ابن عمر - ﵁ - قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهنّ، كما سمعت من رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٣) راجع: "الفتح" ١/ ٦٦.
[ ١ / ٣١٢ ]
فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: لا تقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا محتمل أيضًا صحته، ويكون قد جَرَت القضية مرتين لرجلين. والله تعالى أعلم، انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى من ترجيح رواية مسلم أظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة):
قد حقّق الكلام على هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فأردت إيراد تحقيقه، وإن كان معظمه قد تقدّم، إلا أن فيه فوائد زوائد، قال رحمه الله تعالى:
المراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خَرّجه محمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة"، ولفظه: "بُنِي الإسلام على خمس دعائم … "، فذكره، والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائمُ البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتَتِمّة البنيان، فإذا فُقِد منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله تعالى ورسوله - ﷺ -، وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقًا: "بُنِي الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله … " وذكر بقية الحديث، وفي رواية لمسلم: "على خمس: على أن يُوَحَّد الله ﷿"، وفي رواية له: "على أن يُعبَد الله، ويُكفر بما دونه".
وبهذا يُعلَم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام، كما سبق في حديث جبريل ﵇.
وأما إقام الصلاة: فقد وردت أحاديث متعددةٌ لا تَدُلّ على أن من تركها،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٧٩.
[ ١ / ٣١٣ ]
فقد خرج من الإسلام، ففي "صحيح مسلم" عن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة"، ورُوي مثله من حديث بُريدة، وثوبان، وأنس، وغيرهم، وخَرّج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "لا تترك الصلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا، فقد خرج من الملة" (^١).
وفي حديث معاذ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: "رأس الأمر الإسلام، وعموده، الصلاة"، فجعل الصلاة كعمود الفُسْطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه.
وقال عمر - ﵁ -: لا حَظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال سعد - ﵁ - وعلي بن أبي طالب - ﵁ -: من تركها فقد كفر.
وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفر إلا الصلاة.
وقال أبو أيوب السختيانيّ: ترك الصلاة كفر، لا يُخْتَلَف فيه.
وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحَكَى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: وهو قول جمهور أهل الحديث.
وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمس عمدًا فهو كافر بذلك، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية.
وخَرّج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قيل: يا رسول الله الحج في كل عام؟ قال: "لو قلت: نعم لوجب عليكم، ولو وجب عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم" (^٢).
_________________
(١) حديث ضعيف الإسناد.
(٢) رواه بهذا اللفظ عبد بن حميد في "مسنده" كما في "الدرّ المنثور" ٢/ ٢٧٣ عن الحسن مرسلًا.
[ ١ / ٣١٤ ]
وخَرّج اللالكائيّ من طريق مؤمل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النُكْريّ، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه، قال: "عُرَى الإسلام، وقواعدُ الدين ثلاثة، عليهن أُسِّسَ الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصوم رمضان، مَن تَرَك منهم واحدةً فهو بها كافرٌ، حلال الدم، وتجده كثير المال، لم يحج، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال ولا يزكي، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل دمه" (^١).
ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد، عن عمر بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: "من ترك منهنّ واحدةً فهو بالله كافر، ولا يُقْبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حَلّ دمه وماله"، ولم يذكر ما بعده.
وقد رُوِي عن عمر - ﵁ - ضربُ الجزية على من لم يحجّ، وقال: ليسوا بمسلمين. وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم. وعن أحمد رواية أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر، دون الصيام والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سَمُّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر إبليس، وعلماء اليهود الذين أَقَرُّوا ببعث النبي - ﷺ - بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.
وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد، اعتزل إبليس يبكي ويقول: يا ويلي أُمِر ابنُ آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود، فأبيتُ فلي النار".
(واعلم): أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد رُوي أنه لا يُقْبَل بعضها بدون بعض، كما في "مسند الإمام أحمد" عن زياد بن نُعيم
_________________
(١) رواه اللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١٥٧٦)، ورواه أيضًا أبو يعلى (٢٣٤٩) وإسناده ضعيف، مؤمل سيء الحفظ، وعمرو بن مالك النكريّ صاحب أوهام.
[ ١ / ٣١٥ ]
الحضرميّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أربعٌ فَرَضَهُنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يُغنِينَ عنه شيئًا حتى يأتي بهن جميعًا: الصلاة، والزكاة وصوم رمضان، وحج البيت"، وهذا مرسل (^١).
وقد روي عن زياد عن عُمَارَةَ بن حَزْم، عن النبي - ﷺ - (^٢).
ورُوي عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الدين خمسٌ لا يَقبل الله منهن شيئًا دون شيء: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت، هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين، لا يَقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طَهُور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان، ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم جاء رمضان، فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم تيسر له الحجّ، فلم يحج، ولم يوصِ بحجته، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها"، ذكره ابن أبي حاتم (^٣)، فقال: سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر، يَحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني.
قال ابن رجب: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاءٌ من أجلاء علماء الشام.
وقال ابن مسعود: من لم يُزَكِّ فلا صلاة له.
ونفيُ القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٠ و٢٠١ وإسناده مرسل، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(٢) رواه أحمد، والطبرانيّ في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" ١/ ٤٧ قال الهيثميّ: وفي إسناده ابن لهيعة.
(٣) "العلل" ١/ ٢٩٤ و٢/ ١٥٦، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٠١ و٢٠٢، وقال: غريب من حديث ابن عمر بهذا اللفظ.
[ ١ / ٣١٦ ]
فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن أتى ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يُعاقَب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضًا.
ومن ها هنا يُعلَم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان، تكون مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي - ﷺ -: "مَنْ شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا"، رواه مسلم، وقال: "مَن أَتَى عَرّافًا، فصدقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا"، رواه مسلم أيضًا، وقال: "أَيُّما عبد أَبَقَ من مواليه، لم تُقبَل له صلاة"، رواه مسلم أيضًا.
وحديثُ ابن عمر - ﵄ - يُستَدَلُّ به على أن الاسم إذا شَمِلَ أشياء متعددة، لم يَلزم زوالُ الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: "إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال لَلَزِم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي - ﷺ - جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبرائيل ﵇، وفي حديث طلحة بن عُبيد الله الذي فيه أن أعرابيًّا سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس.
ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال، سوى الشهادتين لم يَخرُج بذلك من الإسلام، وقد رَوَى بعضهم أن جبرائيل ﵇ سأل النبي - ﷺ - عن شرائع الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونُقّاده، منهم أبو زرعة الرازيّ، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيليّ، وغيرهم.
وقد ضَرَب العلماء مَثَلَ الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشُعَبٌ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شُعَبها وفروعها لم يَزُل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أتم منها.
وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك، في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [ابراهيم: ٢٤]، والمراد بالكلمة كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيدُ الثابتُ في القلوب، وأُكُلها هو الأعمال الصالحة الناشئة منه.
[ ١ / ٣١٧ ]
وضرب النبي - ﷺ - مثل المؤمن والمسلم بالنخلة (^١)، ولو زال شيء من فروع النخلة من ثمرها، لم يَزُل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر.
ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهاد أفضل الأعمال، وفي رواية إن ابن عمر قيل له: فالجهاد؟ قال: الجهاد حسن، ولكن هكذا حدثنا رسول الله - ﷺ - خَرَّجه الإمام أحمد.
وفي حديث معاذ بن جبل - ﵁ -: "إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذِرْوَة سنامه الجهاد"، وذروةُ سنامه أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه، وأركانه التي بُنِيَ عليها، وذلك لوجهين:
[أحدهما]: أن الجهاد فرض كفاية، عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين، بخلاف هذه الأركان.
[والثاني]: أن الجهاد لا يستمرّ فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يَبْقَ حينئذٍ ملةٌ إلا ملةُ الإسلام، فحينئذٍ تَضَعُ الحرب أوزارها، ويُستَغْنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله، وهم على ذلك. والله ﷾ أعلم.
انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٠] (…) - (وحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعسْكَرِيُّ) بن فارس بن سنان، أبو مسعود الْكِنْدِيّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، له غرائب [١٠].
_________________
(١) حديث حسن بشواهده، رواه الطبراني ١٩/ ٤٦٠، وصححه ابن حبان.
[ ١ / ٣١٨ ]
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحفص بن غياث، وحماد بن زيد، وزياد بن عبد الله الْبَكّائيّ، وعلي بن مسهر، وأبي معاوية، ومروان بن معاوية، وإبراهيم بن سعد، وعقبة بن خالد السَّكُونيّ، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر المدينيّ، وعدّة.
وروى عنه مسلم، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى بن أبي سُمَينة، وهما من أقرانه، وأبو مسعود أحمد بن الْفُرَات الرازي، وأحمد بن نصر بن عبد الوهاب النيسابوريّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازيّ، وإسماعيل بن عبد الله سَمُّويه، وجعفر بن أحمد بن فارس، وجماعة.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو الشيخ: كان كثير الفوائد، وقال عبدان: قَدِم عليه أبو بكر الأعين، وجماعة من أصحابه، فقالوا في أحاديث: حَدَّثنا بها أنه أخطأ، فقيل له، فقال: هكذا حَدَّثنا فلان وفلان، فسكتوا عنه، وله غرائب كثيرة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
(يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - الوادعيّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقنٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، والأعمش، وابن عون، وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وداود بن أبي هند، وحارثة بن أبي الرجال، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، وأبو داود الْحَفَريّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وداود بن رُشَيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وإبراهيم بن موسى، وسهيل بن عثمان العسكري، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وغيرهم.
قال إبراهيم بن موسى عن أبي خالد الأحمر: كان جَيِّد الأخذ، وقال أيضًا عن الحسن بن ثابت: نَزَلتُ بأفقه أهل الكوفة، يعنيه. وقال عمرو الناقد عن ابن عيينة: ما قَدِمَ علينا مثل ابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة، وقال الحارث بن سُرَيج عن يحيى القطان: ما خالفني أحدٌ بالكوفة أشدُّ عليّ من ابن
[ ١ / ٣١٩ ]
أبي زائدة. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقالى عثمان الدارمي: قلت لابن معين: إسماعيل بن زكريا أحب إليك، أو يحيى بن أبي زائدة؟ قال: يحيى أحب إلي، قلت: هما أخوان عندك؟ قال: لا. وقال ابن المدينيّ: هو من الثقات، وقال أيضًا: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، وقال أيضًا: انتهى العلم إليه في زمانه. وقال ابن نمير: كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، ثقةٌ، صدوقٌ. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال العجليّ: ثقةٌ، وهو ممن جُمِع له الفقه والحديث، وكان على قضاء المدائن، ويُعَدُّ من حفاظ الكوفيين للحديث، متقنًا ثبتًا، صاحب سنة، ووكيع إنما صَنَّف كتبه على كتب يحيى بن أبي زائدة. وذكر ابن أبي حاتم: أنه أول من صَنَّف الكتب بالكوفة. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: يحيى بن أبي زائدة في الحديث مثل العروس الْمُعَطَّرة. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان يحيى بن زكريا كَيِّسًا، ولا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن قبيصة بن بُرمَة، قال: قال عبد الله: "ما أُحبّ أن يكون عبيدكم مؤدبيكم"، وإنما هو عن واصل، عن قبيصة. وقال الغلابيّ عن ابن معين نحو ذلك. وقال حنبل عن محمد بن داود: سمعت عيسى بن يونس، وسئل عن يحيى بن أبي زائدة، فقال: ثقة، قال: ورأيت زكريا بن أبي زائدة يجيء به إلى مُجَالد. وقال زياد بن أيوب: كان يحدث حفظًا. وقال ابن أبي حاتم في "العلل": سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه ابنُ أبي زائدة، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن يسار، عن ابن عُمير في الَعَبَث بالحصى، فقالا: وَهِمَ ابنُ أبي زائدة، وإنما هومسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن، عن ابن عُمير، قال أبو زرعة: يحيى قَلَّمَا يُخطئ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم. انتهى. وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله تعالى -. وقال ابن شاهين في "الثقات": قيل ليحيى بن معين: إن زكريا بن عدي لم يُحَدِّث عنه، قال: هو خير من زكريا بن عديّ، ومن أهل قريته.
وقال علي بن المدينّي: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال ابن سعد وغيره: مات بالمدائن، وهو قاضٍ بها سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد يعقوب بن شيبة: وبلغ من السن يوم مات ثلاثًا وستين سنة، وقال:
[ ١ / ٣٢٠ ]
ثقةٌ، حسن الحديث، ويقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة، وكان يُعَدّ في فقهاء محدثي أهل الكوفة، وكانت وفاته في جمادى الأولى، وقال خليفة، وابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال ابن قانع: مات سنة أربع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وسعد بن طارق، هو أبو مالك الأشجعيّ الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢١] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٣/ ٦.
٢ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) ٣/ ٦.
٣ - (عَاصِمٌ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وإخوته: واقد، وزيد، وعمر، وابن عم أبيه: القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب الْقُرَظِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وبِشْر بن المفضل، وعمر بن يونس اليمامي، ومعاذ بن معاذ العنبريّ، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو نعيم، وأحمد بن يونس، وعلي بن الْجَعْد، وغيرهم.
[ ١ / ٣٢١ ]
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: صدوقٌ في الحديث. وقال البزار: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٦) و(١٤٦) و(١٥٠٩) و(١٨٢٠) و(١٨٥١).
٤ - (أَبُوهُ) مُحَمَّدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن العبادلة الأربعة: جدِّهِ عبد الله، وابن عمرو، وابن عباس، وابن الزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو.
وروى عنه بنوه الخمسة: عاصم، وواقد، وعُمَر، وأبو بكر، وزيد، والأعمش، وبشار بن كِدَام، وعَبْدَة بن أبي لُبَابة، وأبو قُطْبة سُويَد بن نَجِيح.
قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، قلت: يُحتَجّ بحديثه؟ قال: نعم، وكان البخاري جَعَلَ محمد بن زيد الذي رَوَى عن ابن عباس، وعنه الأعمش، غير ابن عمر هذا، فغَيَّرَهُ أبي، وقال: هما واحدٌ: وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
وقوله: "قال عبد الله"، يعني ابن عمر بن الخطاب - ﵁ - المذكور في السند الماضي.
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وما بعده مخفوضٌ على البدليّة من "خمسٍ"، ويجوز رفعها على حذف الخبر، أي منها شهادة إلخ، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: "أحدها شهادة إلخ، ويجوز النصب بتقدير "أعني شهادة الخ".
[تنبيه]: قال في "الفتح": اشترط الباقلّانيّ في صحّة الإسلام تقدّم الإقرار بالتوحيد على الرسالة، ولم يُتابَع، مع أنه إذا دقّق فيه بان وجهه، ويزداد اتّجاهًا إذا فرّقهما، فليُتأمّل. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٥.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٢] (…) - (وحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيَتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجة [٦].
رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن مِينَاء، وطاووس، وعكرمة بن خالد، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومجاهد، وأخويه: عبد الرحمن وعمر، وجماعة.
ورَوَى عنه الثوريّ، وحماد بن عيسى الْجُهَنيّ، وابن المبارك، وابن نمير، وابن وهب، ووكيع، والقطان، والوليد بن مسلم، وعبيد الله بن موسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم، وجماعة.
قال أحمد: كان وكيع إذا أَتَى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة، وكذا قال الْجُوزَجانيّ عن أحمد: إنه ثقة ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: حنظلة وأخوه ثقتان. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو داود، وعثمان بن الأسود يُقَدَّم عليه. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: كان عنده كتابٌ، ولم يكن عندي مثل سيف. وقال ابن عديّ: وعامة ما رَوَى حنظلة مستقيم، وإذا حَدَّث عنه ثقة فهو مستقيم. وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة، وهو دون المتثبتين، وقال أيضًا: قيل لعلي بن المدينيّ: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: روايته عن سالم وادٍ، وروايةُ موسى بن عقبة عن سالم واد آخر، ورواية الزهريّ عن سالم كأنها أحاديث نافع، فقيل لعلي: هذا يدل على أن سالمًا كثير الحديث؟ قال: أجل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله
[ ١ / ٣٢٣ ]
أحاديث. وقال ابن المدينيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال اسم أبي سفيان الأسود، وهو الذي يَرْوِي عنه محمد بن فضيل، ويقول: حدثنا حنظلة بن الأسود، وذكره ابن عدي في "الكامل"، وأورد له حديثًا استنكره، لَعَلَّ العلة فيه من غيره.
قال أحمد عن يحيى بن سعيد: كان حَيًّا سنة (١٥١)، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات فيها.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٢ - (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطُّفيل، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وجماعة.
وَرَوَى عنه أيوب، وابن جريج، وعبد الله بن طاوس، وعبد الله بن عطاء المكيّ، وحنظلة بن أبي سفيان، وعباد بن منصور، وقتادة، وابن إسحاق، وعطاء بن عجلان، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. ووَثَّقَه البخاريّ فيما ذكر أبو الحسن بن القطان. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: عكرمة بن خالد عن عثمان مرسلٌ .. وقال ابن أبي حاتم: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عمر، وسمع من ابنه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد عطاء بن أبي رباح.
أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا (١٦) وحديث (٢٦٤٥): "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة … " الحديث، والباقون تقدّموا قبل حديثين.
وقوله: "أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر إلخ"، تقدّم أن اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السكسكيّ، كما ذكر الخطيب في "مبهماته".
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، اقتصاره في هذه الرواية على إحدى
[ ١ / ٣٢٤ ]
الشهادتين، فهو إما تقصير من الراوي في حذف الشهادة الأخرى التي أثبتها غيره من الحفاظ، وإما أن يكون وقعت الرواية من أصلها هكذا، ويكون من الحذف للاكتفاء بأحد القرينتين، ودلالته على الآخر المحذوف. قاله النوويّ (^١).
وقوله: "ألا تغزو": فهو بالتاء المثناة من فوقُ للخطاب، ويجوز أن يُكتَبَ "تغزوا"، بالألف وبحذفها، فالأول قول الْكُتَّاب المتقدمين، والثاني قول بعض المتأخرين، وهو الأصح، حكاهما ابن. قتيبة في "أدب الكاتب".
وأما جواب ابن عمر - ﵁ - له بحديثِ "بُنِي الإسلام على خمس"، فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان، فإن الإسلام بُنِي على خمس، ليس الغزو منها، قاله النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].