وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٨] (١١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّاف، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟، قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَار، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الْمَدِينَة، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِه، فَاجْتَوَى (^١) الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَرعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِه، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْه، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبيِّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟، قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: إسحاق بن راهويه، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الْوَاشحيّ البصريّ، نزيل مكة، وقاضيها، ثقةٌ، إمامٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٢٤) (ع).
وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١١٦)،
_________________
(١) في معظم النسخ: "واجتووا" بالجمع، وهو خطأ، والإصلاح من "المفهم" للقرطبي، كما يأتي بيانه في الشرح.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وحديث (٦٨٣): "إذا كان في سفر، فعرّس بليل … "، و(١٤٣٨): "وما ذاكم؟ قالوا: الرجل تكون المرأة … "، و(١٤٧٢): "ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - …؟ "، و(١٦٧١): "ألا تخرجون مع راعينا …؟ "، و(١٨٣١): "لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة … "، و(٢٦٠١): "اللهم إني أتّخذ عندك عهدًا … "، و(٢٩٥٣): "إن عُمِّر هذا لم يُدركه الهَرَم … "، وتقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٦٨.
٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٥ - (حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان الصّوّاف، أبو الصَّلْت، ويقال: أبو عثمان الكنديّ مولاهم البصريّ، واسم أبي عثمان: ميسرة، وقيل: سالم، ثقة حافظ [٦].
رَوَى عن حميد بن هلال، والحسن البصريّ، ويحيى بن أبي كثير، وأبي رجاء مولى أبي قلابة، ومعاوية بن قُرّة، وأبي الزبير، وغيرهم.
ورَوَى عنه الحمادان، والقطان، وهُشيم، ويزيد بن زُريع، وأبو عوانة، وبشر بن الْمُفَضَّل، وابنُ أبي عديّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو عاصم، وجماعة.
قال يحيى القطان: وهو فَطِنٌ، وصحيحٌ، كَيِّسٌ، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أحمد: شيخٌ، وزاد الترمذيّ: حافظٌ، وقال العجليّ، وأبو بكر البزار: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا، وقال يزيد بن زُريع: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: سألت علي ابن المدينيّ: مَن أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال: هشام الدَّستوائيّ، قلت: ثم مَن؟ قال: الأوزاعيّ، وحجاج بن أبي عثمان، وحسينٌ المعلِّم، وقال ابن سعد: كان ثقةً - إن شاء الله تعالى - وقال ابن خزيمة في "صحيحه": سمعت محمد بن يحيى الذُّهْليّ يقول: حجاج الصّوّاف مَتِينٌ، قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقةٌ حافظٌ.
قال خليفة: مات سنة (١٤٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ: صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٧ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين، وابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه له شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه: قوله: "قال أبو بكر: حدّثنا سليمان بن حرب"، وهو بيان لاختلاف شيخيه، فأبو بكر صرّح بتحديث سليمان له، وأما إسحاق فلم يُصرّح به.
٤ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - من المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (١٥٤٠) حديثًا.
[فإن قلت]: هذا الحديث مما عنعن فيه أبو الزبير عن جابر - ﵁ -، وهو مدلّسٌ، ولا تقبل عنعنته إلا أن يصرّح بالسماع، أو يكون الراوي عنه الليث بن سعد؛ لأنه لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر، كما تقدّم بيان ذلك، وليس هذا الحديث من رواية الليث عنه، ولم يُصرّح بالسماع في جميع الطرق التي أخرجها الأئمة الذين سيأتي ذكرهم في التخريج، فكيف أخرجه مسلم في "الصحيح"؟.
[قلت]: أجيب عن هذا بأن مسلمًا، بل وأصحاب الصحاح - كما صرّح بذلك ابن حبّان في أول "صحيحه" - لا يُخرجون من حديث المدلّس إلا ما ثبت عندهم تصريحه بالسماع، فلولا أنه ثبت لديه ذلك لما أخرجه هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ - (أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ) هو: الطُّفَيل بن عمرو بن طَرِيف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم بن فَهْم بن غَنْم بن دَوْس الدَّوْسيّ، وقيل: هو ابن عبد عمرو بن عبد الله بن مالك بن عمرو بن فَهْم، لقبه ذو النور، وحَكَى الْمَرْزَبانيّ في "معجمه": أنه الطُّفَيل بن عمرو بن حُمَمَة، قال البغويّ: أحسبه سكن الشام، وروى البخاريّ في "صحيحه" من طريق الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قَدِمَ الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسيّ على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن دَوْسًا قد عَصَت، فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد دَوْسًا"، ورَوَى ابن إسحاق في نسخةٍ من "المغازي" من طريق صالح بن كيسان، عن الطفيل بن عمرو في قصة إسلامه خبرًا طويلًا، وفيه: أن النبيّ - ﷺ - بعثه إلى ذي الْكَفَّين، صنم عمرو بن حُمَمَة، فأحرقه بالنار، ويقول [من الرجز]:
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا … مِيلَادُنَا أَكْبَرُ مِن مِيلَادِكَا
إِنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
وفيه: أنه رَأَى في عهد أبي بكر - ﵁ - أن رأسه حُلِق، وخَرَج من فمه طائر، وأن امرأة أدخلته في فرجها، وأن ابنه طلبه طَلَبًا حثيثًا، فلم يَقْدِر عليه، وأنه أَوَّلَها أن رأسه يُقطع، وأن الطائر روحه، والمرأة الأرض، يُدْفَن فيها، وأن ابنه عَمرو بن الطفيل يَطلُب الشهادة فلا يلحقها، فقُتِل الطُّفيل يوم اليمامة، وعاش ابنه بعد ذلك، وذكرها ابن إسحاق في سائر النسخ بلا إسناد، وأخرجه ابن سعد أيضًا مُطَوَّلًا من وجه آخر، وكذلك الأمويّ، عن ابن الكلبيّ بإسناد آخر، وقال ابن سعد: أسلم الطفيل بمكة، ورجع إلى بلاد قومه، ثم وافى النبي - ﷺ - في عمرة القضية، وشَهِدَ الفتح بمكة، وكذا قال ابن حبان، وقال ابن أبي حاتم: قَدِمَ على النبيّ - ﷺ - مع أبي هريرة بخيبر، ولا أعلم رُويَ عنه شيء.
وقد أخرج البغويّ، من طريق إسماعيل بن عيّاش، حدثني عبد ربه بن سليمان، عن الطفيل بن عمرو الدوسيّ، قال: "أقرأني أُبَيّ بن كعب القرآن، فأهديت له قوسًا … " الحديث، قال: غريب، وعبد ربه، يقال له: ابن زيتون، ولم يسمع من الطفيل بن عمرو.
وروى الطبريّ من طريق ابن الكلبيّ قال: سبب تسمية الطُّفيل بذي النور
[ ٣ / ٣٩٩ ]
أنه لَمّا وَفَدَ على النبيّ - ﷺ -، فدعا لقومه، قال له: ابعثني إليهم، واجعل لي آيةً، فقال: "اللهم نَوِّرْ له"، فسَطَعَ نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: مُثْلَةٌ، فتَحَوَّل إلى طرف سوطه، فكان يضيء له في الليلة المظلمة.
وذكر أبو الفرج الأصبهانيّ من طريق ابن الكلبيّ أيضًا أن الطفيل لَمّا قَدِمَ مكة ذَكَرَ له ناس من قريش أَمْرَ النبيّ - ﷺ -، وسألوه أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده من شعره، فتلا النبيّ - ﷺ - الإخلاص والمعوذتين، فأسلم في الحال، وعاد إلى قومه، وذَكَرَ قصة سوطه ونوره، قال: فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تُسْلِم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، ثم أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: هل لك في حِصْنٍ حَصِين، ومَنَعَة - يعني أرض دَوْس -؟. قال: ولما دعا النبيّ - ﷺ - لهم قال له الطفيل: ما كنت أُحب هذا، فقال: "إن فيهم مثلَك كثيرًا"، قال: وكان جندب بن عمرو بن حُمَمة بن عوف الدَّوسيّ يقول في الجاهلية: إن للخلق خالقًا، لكني لا أدري مَن هو؟ فلما سَمِع بخبر النبيّ - ﷺ - خرج، ومعه خمسة وسبعون رجلًا من قومه، فأسلم، وأسلموا، قال أبو هريرة: فكان جندب يُقَدِّمهم رجلًا رجلًا، وكان عمرو بن حُممة حاكمًا على دوس ثلاثمائة سنة، وإليه ينسب الصلح المعروف.
وأنشد الْمَرزبانيّ في "معجمه" للطفيل بن عمرو يخاطب قريشًا، وكانوا هَدَّدوه لما أسلم [من الوافر]:
أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي لُؤَيٍّ … عَلَى الشَّنْآنِ وَالْعَضَبِ الْمُرَدِّ
بِأَنَّ اللهَ رَبَّ النَّاسِ فَرْدٌ … تَعَالَى جَدُّهُ عَنْ كُلِّ نِدِّ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ … دَلِيلُ هُدًى وَمُوضِحُ كُلِّ رُشْدِ
وَأَنَّ اللهَ جَلَّلَهُ بَهَاءً … وَأَعْلَى جَدَّهُ فِي كُلِّ جَدِّ
قيل: استُشهِد باليمامة، قاله ابن سعد تبعًا لابن الكلبيّ، وقيل: باليرموك، قاله ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، ذكر هذا كلّه في "الإصابة" (^١).
(أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -) أي بمكة قبل أن يُهاجر إلى المدينة، كما جاء مصرّحًا به
_________________
(١) "الإصابة" ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٤.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
في "مسند" أبي يعلى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وغرض الطفيل - ﵁ - بهذا أنه لَمّا رأى مضايقة قريش للنبيّ - ﷺ -، وصدّها عليه سبيل الدعوة إلى الله تعالى أن يهاجر النبيّ - ﷺ - إلى بلده حتى يتمكنّ من أداء مهمة الرسالة، فقال: (هَلْ لَكَ) أي هل توجد لك رغبة (فِي حِصْنٍ) أي في الالتحاق بحصن، وهو بكسر، فسكون: هو المكان الذي لا يُقْدَرُ عليه؛ لارتفاعه، جمعه: حُصُون، وقال القرطبيّ: "الْحُصُون": هي القصور والقلاع.
وقوله: (حَصِينٍ) صفة لـ "حِصْن"، بفتح، فكسر، فَعِيل للمبالغة: أي شديد المنع لمن فيه، وقوله: (وَمَنْعَةٍ؟) بالجرّ عطفًا على "حصن"، وهو بفتح الميم، والنون، وتُسكَّن، قال في "الصحاح": يقال: فلانٌ في عزّ ومَنَعَة بالتحريك، وقد يُسكّن عن ابن السكّيت، ويقال: المنعة بالتحريك: جمع مانع، ككافر وكَفَرَة: أي هو في عزّ وعَشِيرة يمنعونه. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: وهو في مَنَعَة بفتح النون: أي في عزّ قومه، فلا يَقْدِرُ عليه من يُريده، قال الزمخشريّ: هي مصدر، مثلُ الأَنَفَة، والْعَظَمة، أو جمعُ مانع، وهم الْعَشِيرة، والْحُمَاةُ، ويجوز أن تكون مقصورةً من الْمَنَاعَة، وقد تُسكَّن في الشعر، لا في غيره؛ خلافًا لمن أجازه مطلقًا. انتهى (^٢).
(قَالَ) الطّفيل لما استفسره النبيّ - ﷺ - عن ذلك الْحِصْن: (حِصْنٌ) خبر لمحذوف: أي هو حِصنٌ (كَانَ لِدَوْسٍ) بفتح الدال المهملة، وسكون الواو، آخره سين مهملة: بطنٌ من الأزد، وهو دَوْس بن حَدَثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، بطنٌ كبير من الأزد، يُنسب إليهم خلق كثير، منهم الطُّفيل بن عمرو الدوسيّ، وأبو هريرة الدوسيّ، قاله السمعانيّ (^٣). (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في زمن الجاهليّة، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله ﷿، ورسوله - ﷺ -، وشرائع الدين، والتفاخر بالأنساب، والْكِبْر، والتجبّر، وغير ذلك، قاله ابن الأثير (^٤). (فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -) أي امتنع من إجابة طلب الطفيل (لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ) أي
_________________
(١) "الصحاح" ٣/ ١٠٦٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨١.
(٣) "الأنساب" ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٤) "النهاية" ١/ ٣٢٣.
[ ٣ / ٤٠١ ]
أعدّه الله ﷾ لهم، يقال: ذَخَرته ذَخْرًا، من باب نَفَعَ، والاسم الذُّخْرُ بالضمّ: إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، واذّخَرْتُهُ على افْتَعَلْتُ مثله، قاله الفيّوميّ (^١).
والمعنى أنه إنما أبى النبيّ - ﷺ - عن قبول طلب الطُّفَيل؛ لأن الله تعالى أراد أن يُكرم الأنصار بهجرته إليهم، وكتب لهم ذلك، فلم يشرح صدره - ﷺ - للهجرة إلى غيرهم، ولم يأذن له بذلك.
(فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الْمَدِينَة، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) - ﵁ - (وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب "التنبيه" (^٢).
قال القرطبيّ: قوله: "وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِه، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ" هكذا صواب الرواية بتوحيد "رجل"، وعطف ما بعده على ما قبله على الإفراد، وهي رواية عبد الغافر (^٣)، وعند غيره تخليطٌ، فمنهم من جَمَعَ، فقال: رجال، فاجتووا المدينة، ثم قال بعده: فمرِضَ، فَجَزع، على الإفراد، والأول أصوب. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ، وهكذا وقع عند أبي نُعيم في "مستخرجه" بلفظ: "فاجتوى" بالإفراد، ووقع عند أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٧١)، وأبي عوانة في "مسنده" (١/ ٥٢) أيضًا، والبيهقيّ في "الكبرى" (٨/ ١٧) بلفظ "فاجتووا"، كما هو في معظم نسخ "صحيح مسلم"، وله وجه، وهو أن يعود الضمير على الطفيل، والرجل المذكور، ومن يتعلق بهما، قاله النوويّ.
وعندي الأولى أن يعود الضمير على الطفيل، وصاحبه"، وإطلاق الجمع على الاثنين جائز في اللغة، كما في قوله ﷿: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [سورة التحريم: ٤]، وقد حقّقت في "التحفة المرضيّة" في الأصول، و"شرحها" أن
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٠٧.
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات مسلم" ص ٧١.
(٣) هو عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، أبو الحسن، ثقة، صالح من رواة "صحيح مسلم"، توُفّي سنة (٤٤٨ هـ). انتهى. "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ١٩.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
الصحيح أن أقل الجمع اثنان، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (فَاجْتَوَى الْمَدِينَةَ) أي كَرِهَ الْمُقَام بها؛ لضَجَر، ونوع سَقَم، قال أبو عُبيد، والجوهريّ، وغيرهما: اجتويتُ البلد: إذا كرهت المقام بها، وإن كنت في نعمة (^١)، قال الخطّابيّ: أصل الاجتواء: استيبال (^٢) المكان، وكراهية الْمُقَام فيه؛ لمضرّة لحقته، وأصله من الجوى، وهو فساد الجوف. انتهى (^٣).
وقال المازريّ: قال أبو عبيد: اجتويتُ البلاد: إذا كَرِهتَها، وإن كانت موافقةً لك في بدنك، واستبلتها: إذا أحببتها، وإن لم توافقك في بدنك، ومنه قول ابن دُريد:
فِي كُلِّ يَوْمٍ مَنْزِلٌ مُسْتَوْبَلٌ … يَشْتَفُّ مَاءَ مُهْجَتِي أَوْ مُجْتَوَى (^٤)
(فَمَرِضَ) بكسر الراء، قال الفيّوميّ: مرِضَ الحيوانُ مَرَضًا، من باب تَعِبَ، والْمَرَضُ: حالةٌ خارجة عن الطبع، ضارَّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام والأورام أعراضٌ عن المرَض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصحّة من علّة، أو نِفَاق، أو تقصير في أمر، ومَرِضَ مَرْضًا: - أي من باب فِهِمَ فَهْمًا - لغة قليلةُ الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت على أبي عمرو بن العلاء: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، فقال لي: "مَرْضٌ" يا غلام: أي بالسكون، والفاعل من الأول مَريضٌ، وجمعه مَرْضى، ومن الثانية مارضٌ، قال [من الرجز]:
لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَلَا بِمَارِضٍ
وُيعدَّى بالهمزة، فيقال: أمرضه الله. انتهى (^٥).
وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه" من طريق إسماعيل بن عليّة، عن الحجاج الصوّاف: "فحُمّ ذلك الرجل حُمَّى شديدةً".
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٣١.
(٢) يقال: استوبل الأرضَ: أي لم توافقه في بدنه، وإن كان محبًّا لها.
(٣) راجع: "المفهم" ١/ ٣٢٣.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٤٨٨ - ٤٩٠.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
(فَجَزِعَ) بكسر الزاي: أي فقد الصبر، يقال: جَزِعَ جَزَعًا، من باب تَعِبَ، فهو جَزَعٌ، وجَزُوعٌ مبالغةٌ: إذا ضَعُفت مُنَّتُهُ (^١) عن حَمْلِ ما نزل به، ولم يجد صبرًا قاله الفيوميّ (^٢). (فَأَخَذَ مَشَاقِصَ) - بفتح الميم، وبالشين المعجمة، وبالقاف، والصاد المهملة -: جمع مِشْقَصٍ - بكسر الميم، وفتح القاف - قال الخليل، وابن فارس، وغيرهما: هو سَهْمٌ فيه نَصْلٌ عَرِيضٌ، وقال آخرون: ليس بالعريض، وإنما العريض: هو الْمِعْبَلُ، وقال الجوهريّ: الْمِشْقَص: ما طال، وعَرُضَ (^٣)، قال النوويّ تبعًا للقاضي عياض: وهذا هو الظاهر هنا؛ لقوله: "قَطَعَ بها براجمه"، ولا يحصل ذلك إلا بالعريض. انتهى (^٤).
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ "مشاقص"، أي كائنة له، والضمير للرجل المريض.
(فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ) - بفتح الباء الموحّدة، وبالجيم -: هي مفاصل الأصابع، واحدتها بُرْجُمَة بالضمّ، وقال الفيّوميّ: الْبَرَاجِم: رُؤوس السُّلامِيَات من ظهر الكفّ، إذا قَبَضَ الشخص كفّه نَشَزَت، وارتفعت، وقال في "الكفاية": الْبَرَاجم: رُؤوس السُّلاميات، والرَّوَاجب بُطُونها وظهورها، الواحد بُرْجُمَة كبُنْدُقَة. انتهى (^٥).
وقال أبو عُبيد في "الغريب": "الرّوَاجب"، و"البَرَاجم" جميعًا: مفاصل الأصابع كلِّها، وقال أبو مالك الأعرابيّ في "كتاب خلق الإنسان": الرواجب: رؤوس العظام في ظهر الكفّ، والبراجم: المفاصل التي تحتها. انتهى (^٦).
وفي رواية ابن حبّان المذكورة: "فأخذ شَفْرَةً، فقطع بها رواجبه".
(فَشَخَبَتْ يَدَاهُ) - بفتح الشين والخاء المعجمتين -: أي سال دمهما، وقيل: سال بقوة، قاله النوويّ.
وقال الفيّوميّ: شَخَبَت أوداج القتيل دَمًا شَخْبًا، من بابي قَتَلَ، ونَفَعَ:
_________________
(١) "الْمُنّة" بالضمّ: القوّة. اهـ. "المصباح" ٢/ ٥٨١.
(٢) "المصباح" ١/ ٩٩.
(٣) بضم الراء.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٤٩١، و"شرح النوويّ" ٢/ ١٣١.
(٥) "المصباح" ١/ ٤٢.
(٦) "إكمال المعلم" ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
جَرَت، وشَخَبَ اللبن، وكلُّ مائع شَخْبًا: دَرَّ، وسالَ، وشَخَبْتُهُ أنا يتعدّى، ولا يتعدّى. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: قوله: "فشَخَبت" بالشين المعجمة، وهو بالخاء المعجمة، وبفتحها في الماضي، وضمّها في المضارع، وقد تفتح، ومعناه: قال ابن دُريد: كلُّ شيء: سال، فهو شَخْبٌ، بضم الشين، وفتحها، وهو: ما خرج من الضرع من اللبن، وكأنه الدُّفْعَة منه، ومنه المثلُ: شُخْبٌ في الأرض، وشُخْبٌ في الإناء، يقال للذي يُصيب مرّةً، ويُخطئ في أخرى؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يَفعل ذلك. انتهى (^٢).
(حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) مرفوع على الفاعليّة: أي رأى الطفيل هذا الرجل الذي تسبب للموت بقطع براجمه (فِي مَنَامِهِ): أي في حال نومه، فـ "المنام" مصدر ميميّ لـ "نام"، (فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، و"الْهَيْئَةُ" - بفتح، فسكون -: الحالة الظاهرة، يقال: هاءَ يَهُوءُ، ويَهِيءُ هَيْئَةً حَسَنةً: إذا صار إليها (^٣)
والمعنى هنا: أن الطفيل رأى الرجل وحالته حسنةٌ.
(وَرَآهُ) حال كونه (مُغَطِّيًا) بصيغة اسم الفاعل، وقوله: (يَدَيْهِ) منصوب على المفعولية لاسم الفاعل؛ لكونه حالًا، كما قال في "الخلاصة":
كَفِعْلِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي الْعَمَلِ … إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ
وَوَلي اسْتِفْهَامًا اوْ حَرْفَ نِدَا … أَوْ نَفْيًا اوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا
(فَقَالَ) الطفيل (لَهُ) أي للرجل (مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟) أي هل غفر لك، أم ماذا؟.
وفي رواية ابن حبان المذكورة: "ثم إنه جاء فيما يرى النائم من الليل إلى الطفيل بن عمرو في شَارَةٍ حَسَنَة، وهو مُخَمِّرٌ يده، فقال له الطفيل: أفلان؟، قال: نعم، قال: كيف فَعَلْتَ؟ قال: صَنَعَ بي ربيّ خَيْرًا، غفر لي بهجرتي إلى نبيّه - ﷺ - …
_________________
(١) "المصباح" ١/ ٣٠٦.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٢٣.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٥.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
(فَقَالَ) الرجل (غَفَرَ لِي) ببناء الفعل للفاعل، (بِهِجْرَتِي) أي بسبب ترك وطني، وخروجي منه مهاجرًا (إِلَى نَبِيِّهِ - ﷺ -، فَقَالَ) الطفيل (مَا) استفهاميّة: أي أيُّ شيء ثبت (لِي أَرَاكَ) حال كونك (مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟) وفي رواية أحمد: "يدك" بالإفراد، وهو الذي في "مستخرج أبي نعيم" (قَالَ) الرجل (قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ) بضم النون، من الإصلاح رباعيًّا (مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ) أي بقطعها بدون مسوغّ شرعيّ (فَقَصَّهَا) أي هذه الرؤيا (الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ) متعلّق بـ (فَاغْفِرْ") والفاء زائدة، أي كما غفرت لسائر جسده، فاغفر ليديه أيضًا.
قال القرطبيّ: فيه دليلٌ على أن المغفرة قد لا تتناول محلّ الجناية، فيحصلُ منه توزيع العقاب على الْمُعَاقَب، ولذلك قال - ﷺ -: "اللهم وليديه فاغفر"، والظاهر أن هذا الرجل أدركته بركة دعوة النبيّ - ﷺ -، فغُفر له، وليديه، وكمل له ما بقي من المغفرة عليه، وعلى هذا فيكون قوله: "لن نُصلح منك ما أفسدت" ممتدًّا إلى غاية دعاء النبيّ - ﷺ - له، فكأنه قيل له: لن نُصلح منك ما أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيّ - ﷺ -. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٢/ ٣١٨] (١١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦١٤)، و"جزء رفع اليدين" (٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٦ و٣٠٧)، وفي "الحلية" (٦/ ٢٦١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠١٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٧)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٢٤.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
١ - (منها): بيان أن قاتل النفس لا يُكفَّر، قال النوويّ: فيه حجةٌ لقاعدةٍ عظيمةٍ لأهل السنة أن مَن قَتَلَ نفسه، أو ارتكب معصيةً غيرها، ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يُقطَع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة، وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله، الموهمِ ظاهرها تخليدَ قاتل النفس، وغيره من أصحاب الكبائر في النار. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: هذا الحديث يقتضي أن قاتل النفس ليس بكافر، وأنه لا يُخلّد في النار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب - ﵁ -؛ فإنه ممن شاء الله أن يُعذّبه. انتهى (^٢).
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يديه، ففيه ردٌّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ.
٣ - (ومنها): بيان فضل الطّفيل بن عمرو - ﵁ - حيث إنه بادر بإيواء النبيّ - ﷺ - إلى حصن قومه حتى يكون لهم فضل نصرة الإسلام، إلا أن الله تعالى فضّل به الأنصار - ﵃ -.
٤ - (ومنها): بيان فضل الأنصار - ﵃ -، وبيان مناقبهم العظيمة، ومفاخرهم الكريمة، وذلك لأن الله ﷾ اختصّهم بهجرة النبيّ - ﷺ -، فآووه، وآووا المهاجرين، ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
٥ - (ومنها): بيان فضل الهجرة إلى النبيّ - ﷺ -، وأنها مما يُستوجب بها غفران الذنوب.
٦ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ - ﷺ -، وشدّة رأفته لأمته، كما وصفه الله ﷿ بذلك، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) " شرح النوويّ" ٢/ ١٣١ - ١٣٢.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٢٤.
[ ٣ / ٤٠٧ ]