وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى، المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩] (١١٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَن، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِير، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ -: مِثْقَالُ حَبَّةٍ - وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ -: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
[تنبيه]: قوله: "الضّبّيّ": بالفتح، والتشديد: نسبة إما إلى ضبّة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، أو إلى ضبّة بن الحارث في قُريش، أو إلى ضبّة بن عَمرو في هُذيل، أو إلى ضبّة قرية بالحجاز (^١).
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (أَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فَرْوَة الأمويّ مولاهم المدنيّ، مولى آل عثمان، صدوقٌ [٨].
رَأَى الأعرج، ورَوَى عن عميه: إسحاق وعبد الحكيم، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وصفوان بن سُلَيم، ويزيد بن خُصَيفة، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم.
_________________
(١) "الأنساب" ٤/ ١٠ - ١٢، و"اللباب" ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
ورَوى عنه ابن ابنه هارون بن موسى، وابن وهب، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم بن المنذر، ويحيى بن يحيى، والقعنبيّ، وقتيبة، وأحمد بن عبدة الضبيّ، وغيرهم.
قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأسٌ، وكذا قال أبو حاتم، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحَكَى ابنُ عبد البرّ عن عليّ ابن المدينيّ: هو ثقةٌ، ما أعلم أني رأيت بالمدينة أتقنَ منه، وقد رُوِي عنه أنه قال: رأيت السائب بن يزيد، وقال ابن سعد: عُمِّرَ عبد الله، حتى لقيناه سنة (١٨٩)، وكان ثقةً، قليلَ الحديث.
قال ابن ابنه: مات في المحرم سنة تسعين ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٧)، وحديث (٤٤٤): "أيما امرأة أصابت بَخُورًا … " الحديث.
[تنبيه]: قوله: "الْفَرْويّ" - بفتح الفاء، وسكون الراء -: نسبة إلى جدّه (^١).
٤ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُفتٍ عابدٌ، رُمي بالقدر [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلْمَانَ) الأَغَرّ المدنيّ، مولى جُهَينة، أخو عُبيد الله بن سلمان، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعنه صفوان بن سُليم، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له المصنّف هذا الحديث فقط، فهو من أفراده.
٦ - (أَبُوهُ) هو: سلمان مولى جهينة، المدنيّ، أصله من أصبهان، ثقة، من كبار [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء، وعمار، وأبي أيوب، وأبي سعيد الخدري، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ.
_________________
(١) راجع: "الأنساب" ٤/ ٣٧٤، و"اللباب" ٢/ ٤٢٦.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
ورَوَى عنه بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبيد، وزيد بن رَبَاح، والزهري، وبكير بن الأشجّ، وعمران بن أبي أنس، وأبو بكر بن حزم، وغيرهم.
قال حجاج عن شعبة: كان الأغر قاصًّا من أهل المدينة، وكان رضًا، وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لَقِي عمر بن الخطاب، ولا أُثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال عبد الغني بن سعيد في "الإيضاح": سلمان الأغر مولى جهينة هو أبو عبد الله الأغر الذي رَوَى عنه الزهريّ، وهو أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر، وهومسلم المديني الذي يُحدّث عنه الشعبي، وقال قوم: هو الأغر، أبو مسلم الذي يَروِي عنه أهل الكوفة، وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سُليك، ولا يصح ذلك، الأغر بن سُليك آخر. انتهى، ومسلم المديني الذي يروي عنه الشعبي آخر، وكذا الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه عند أهلها، دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة وأبي سعيد، وهذا مولى جهينة، والله أعلم.
وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، قال ابن خلفون: وثقه الذُّهْلِيّ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: هذا (١١٧)، وحديث (٦١٥): "إذا كان اليوم الحارّ، فأبردوا بالصلاة … "، و(٦٤٩): "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذّ"، وأعاده بعده، و(٧٥٨): "من يدعوني، فأستجيب له … "، و(٨٥٠): "إذا كان يوم الجمعة كان على كلّ باب … "، و(١٣٩٤): "فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد"، و(١٣٩٧): "إنما يُسافَرُ إلى ثلاثة مساجد … " الحديث.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.
[ ٣ / ٤١٠ ]
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ.
٣ - (ومنها): أن رواية صفوان بن سُليم عن عبد الله بن سلمان من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صفوان من الطبقة الرابعة، وعبد الله من السادسة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ) سلمان الأغرّ.
[تنبيه]: قال الجيّاني في "تقييد المهمل": هكذا رُوي في هذا الإسناد "عبد الله بن سلمان"، قال البخاريّ (^١) في "باب عبد الله بن سلمان": عبد الله بن سلمان أخو عُبيد الله بن سلمان الأغرّ المدينيّ مولى جُهينة، ثم قال (^٢) في باب "عُبيد الله بن سلمان": الأغرّ المدنيّ مولى جهينة، روى عنه مالك، وابن عجلان، وسليمان بن بلال، ثم قال البخاريّ: قال بعضهم: عبد الله، وعُبيد الله أصحّ. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى: هكذا نقل الجيّاني هذا الكلام عن الإمام البخاريّ في "تاريخه"، لكن الذي في "التاريخ الكبير" المطبوع ليس فيه قوله: "وعبيد الله أصحّ"، ولذا قال القاضي عياض بعد نقل كلام الجيّانيّ هذا، ما نصّه: ولم يكن هذا عندنا في "تاريخ البخاريّ"، ولا في أصل شيخنا الشهيد. انتهى (^٤).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ): أي يرسل، قال الفيّوميّ: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كسرته، فانكسر، وكلُّ شيء يَنبَعِث بنفسه، فان الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيُقال: بعثتُهُ، وكلُّ شيء لا ينبعثُ بنفسه، كالكتاب والهديّة، فإن الفعل يتعدَّى إليه بالباء، فيقال: بعثت به إليه، وأوجز الفارابيّ، فقال: بعثه: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجَّهَه. انتهى (^٥). (رِيحًا) هي مؤنّثة على الأكثر، فيقال: هي
_________________
(١) "التاريخ الكبير" ٥/ ١٠٩.
(٢) "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٨٤.
(٣) "تقييد المهمل" ٣/ ٧٨١ - ٧٨٢.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٤٩٤.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ٥٢.
[ ٣ / ٤١١ ]
الريح، وقد تُذكَّر على معنى الْهَوَاء، فيقال: هو الريح، وهَبَّ الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنّثةٌ، لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا الإعصار، فإنه مذكّرٌ. انتهى (^١). (مِنَ الْيَمَنِ) البلد المعروف، سُمّي به؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، وَيمَانٍ بالألف على غير قياس، ويقال: يمانيّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث: "جاء أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة … " الحديث، فراجعه تستفد.
قال النوويّ: جاء في هذا الحديث: "يبعث الله تعالى ريحًا من اليمن"، وفي حديث آخر، ذكره مسلم في آخر الكتاب، عَقِبَ أحاديث الدجال (^٢): "ريحًا من قبل الشام".
ويجاب عن هذا بوجهين:
[أحدهما]: يحتمل أنهما ريحان: شاميةٌ ويمانية، ويحتمل أن مبدأها من أَحَدِ الإقليمين، ثم تَصِلُ إلى الآخر، وتنتشر عنده، والله تعالى أعلم. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ: هذه الريح إنما تُبعَثُ بعد نزول عيسى ابن مريم ﵇، وقتله الدّجّال، كما يأتي في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - في "الفتن" آخر الكتاب، غير أنه قال هنا: "ريحًا من قبل اليمن"، وفي حديث عبد الله: "من قبل الشام"، فيجوز أن يكون مبدؤها من قبل اليمن، ثم تمرّ بالشام، فتهبّ منه على من يليه. انتهى (^٤).
(أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ) ولفظ أبي نعيم: "ألين على المؤمن من الحرير"، وفيه - والله أعلم - إشارة إلى الرفق بهم، والإكرام لهم، قاله النوويّ.
وقال الأبيّ (^٥): هذا الذي قاله النوويّ يؤخذ من السياق، وإلا فليس التسهيل دليلًا على التكرمة، ولا التصعيب دليلًا على الشقاء، فكم شقّ على
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٤.
(٢) سيأتي للمصنّف برقم (٢٩٤٠).
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٣٢.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٢٥.
(٥) راجع: "شرح الأبيّ" ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٣ / ٤١٢ ]
سعيد، وسَهُل على شقيّ، فعن زيد بن أسلم عن أبيه: "إذا بقي على المؤمن شيء من درجاته لم يبلغه من عمله شدّد الله ﷾ عليه الموت؛ ليبلغ بكرمه درجته في الآخرة، وإذا كان للكافر معروف لم يُجزَ به في الدنيا سهّل الله عليه الموت؛ ليستكمل ثواب معروفه ليصير إلى النار"، وعن عائشة - ﵂ - قالت: لا أغبِطُ أحدًا سهل عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله - ﷺ -، وكان يُدخل يده في قَدَح، ويمسح بها وجهه، ويقول: "اللهم سهّل عليّ الموت"، فقالت فاطمة - ﵂ - حينئذ: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال: "لا كرب لأبيك بعد اليوم" (^١)، ونُزع معاذ نزعًا لم يُنزعه أحدٌ، فكان كلما أفاق قال: رب اخنُق، فوعزّتك لتعلم أن قلبي يُحبّك، ورُوي: "موت الفجأة راحة المؤمن، وأخذة أسف لفاجر" (^٢).
(فَلَا تَدَعُ) أي لا تترك (أَحَدًا فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ -) عبد الله بن محمد بن أبي فروة في روايته (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة، واحدة الحبّ، وهو اسم جنس للحنطة وغيرها مما يكون في السُّنْبُل والأَكمام، وجمع "الحبّة" حَبّات، على لفظها، وتُجمع على حِبَاب، مثلُ كَلْبَة وكِلاب، وجمع "الحبّ": حُبُوب، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس (^٣). (- وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ -) الدراورديّ في روايته (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بفتح الذال، وتشديد الراء: واحدة الذَّرّ، قال ابن الأثير: الذّرّ: النملُ الأحمر الصغير، واحدتها ذَرّةٌ، وسُئل ثَعْلبٌ
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في "صحيحه" (٤٤٦٢) من حديث أنس - ﵁ - قال: لَمّا ثَقُلَ النبيّ - ﷺ - جعل يتغشاه، فقالت فاطمة - ﵂ -: واكرب أباه، فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات، قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه مَن جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دُفن قالت فاطمة - ﵂ -: يا أنس أطابت أنفسكم أن تَحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب؟.
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٣٨٩١) حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن موت الفجأة، فقال: "راحة للمؤمن، وأخذة أسف لفاجر"، وفيه عبيد الله بن الوليد ضعيف، وقيل: متروك.
(٣) راجع: "المصباح" ١/ ١١٧.
[ ٣ / ٤١٣ ]
عنها، فقال: إن مائة نملة وزنُ حَبّة، والذّرّة واحدةٌ منها، وقيل: الذّرّة ليس لها وزن، ويُراد بها ما يُرَى في شُعاع الشمس الداخل في النافذة. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": الذَّرُّ: صغار النّمل، ومائة منها زِنَةُ حَبَّةِ شَعير. انتهى (^٢).
يعني: أنه وقع اختلاف بين راويي صفوان بن سُليم، وهما: أبو علقمة الفَرْويّ، وعبد العزيز الدراورديّ، فقال الأول: "لا تَدَع أحدًا في قلبه مثقال حبّة من إيمان"، وقال الثاني: "لا تَدَع أحدًا في قلبه مثقال ذَرّة من إيمان".
وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ) بيان لـ "مِثْقالُ"، قال النوويّ: فيه بيانٌ للمذهب الصحيح أن الإيمان يزيد وينقص. انتهى.
(إِلَّا قَبَضَتْهُ") أي قبضت روحه، أي بواسطة ملك الموت، فلا تنافي بينه وبين قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
وقال القرطبيّ: قبض الإيمان في هذا الحديث هو بقبض أهله، كما جاء في حديث ابن عمرو، وقال فيه: "ثم يُرسل الله ريحًا باردةً من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّة من خير، أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كَبِد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه - قال -: فيبقى شرار الناس في خِفّة الطير، وأحلام السباع" (^٣). انتهى كلام القرطبيّ (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وقبض الإيمان في هذا الحديث … إلخ " هكذا ذكر القرطبيّ هذا التأويل، ولا حاجة إليه؛ لأنه مبنيّ على جعل الضمير "قبضته" عائدًا إلى "إيمان"، وليس كذلك، بل هو عائد على "أحد" من قوله: "فلا تدع أحدًا"، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأمّل، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد جاءت في هذا النوع أحاديث كثيرة:
(فمنها): ما أخرجه المصنّف من حديث عائشة - ﵂ - قالت: سمعت
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ١٥٧.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٣٥٧.
(٣) سيأتي هذا الحديث للمصنّف في "كتاب الفتن" برقم (٢٩٤٠).
(٤) "المفهم" ١/ ٣٢٥.
[ ٣ / ٤١٤ ]
رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يذهب الليل والنهار، حتى تعبد اللات والعزى"، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًّا، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبةً، فتوفى كلَّ من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم".
(ومنها): ما أخرجه أيضًا من حديث النوّاس بن سمعان من حديث الدجال الطويل، وفيه: "فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة".
(ومنها): ما أخرجه أيضًا من حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله".
(ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث مِرْداس الأسلمي - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حُفَالة كحُفَالة الشعير (^١)، أو التمر، لا يباليهم الله بالةً".
(ومنها): ما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "مِن شرار الناس مَن تُدركهم الساعة، وهم أحياء".
وهذه الأحاديث كلها وما في معناها تدلّ على أن الصالحين سيُقبضون شيئًا فشيئًا، حتى يكونوا في آخر الزمان قلّةً، فتأتي الريح اللينة، فتقبضهم، فتقوم الساعة على شرار الناس، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين هذه الأحاديث، وبين حديث جابر بن عبد الله - ﵂ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحقّ، ظاهرين إلى يوم القيامة".
وحديث معاوية - ﵁ - مرفوعًا: "ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله،
_________________
(١) "الْحُفَالة" بالضم: الرديء من كلّ شيء.
[ ٣ / ٤١٥ ]
لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله"، متّفقٌ عليه، فإن ظاهر الحديثين أن هذه الطائفة تبقى على الحقّ إلى أن تقوم الساعة؟.
[قلت]: يُجمع بينها بأن هؤلاء لا يزالون على الحقّ حتى تَقبِضهم هذه الريح الليّنة قربَ القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأَطلَق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها، ودُنُوِّها المتناهي، قاله النوويّ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٣/ ٣١٩] (١١٧)، و(البخاريّ) في "التاريخ الكبير" (٥/ ١٠٩)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٤٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الريح التي تأتي قرب القيامة، فتقبض روحَ كلّ من في قلبه شيء من الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى، ورحمته للمؤمنين، حيث يقبض أرواحهم قبل قيام الساعة بريح ألين من الحرير، حتى لا تقوم عليهم القيامة، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
٣ - (ومنها): بيان أن موت الصالحين من أشراط الساعة.
٤ - (ومنها): بيان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، كما سبق في الأحاديث السابقة.
٥ - (ومنها): بيان بعض علامات الساعة، وهي هذه الريح.
٦ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً من معجزات الرسول - ﷺ -، حيث أخبر بما سيأتي في آخر الزمان.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٣٢.
[ ٣ / ٤١٦ ]
٧ - (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، حيث يكون لبعضهم أعلى الدرجات، ولبعضهم أدنى قدر منه.
٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة، وخالف في ذلك طائفة من المبتدعة، وهم المرجئة الضالّة، يزعمون أنه مجرّد التصديق، لا يزيد، ولا ينقص، وهو ضلال مبين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.