وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢١] (١١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [الحجرات: ٢]، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِه، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّار، وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَل النَّبِيُّ - ﷺ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: "يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أَشْتَكَى؟ " قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ ثَابِتٌ: أَنْزِلَت هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّار، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيِ شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريبًا.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب - بمعجمة، ثم تحتانيّة - أبو عليّ البغداديّ، قاضي طَبَرِستان، والموصل، وحمص، ثقة [٩].
رَوَى عن الحمادين، وشعبة، وسفيان، وجرير بن حازم، وزهير بن معاوية، وابن لهيعة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن منيع، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، والفضل بن سهل الأعرج، وهارون الحمال، وغيرهم.
قال أحمد: هو من متثبتي أهل بغداد. وقال ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم عن ابن المديني. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد، وابن خِرَاش: صدوق، زاد أبو حاتم: مات بالريّ، وحضرت جنازته، وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا في الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره مسلم في رجال
[ ٣ / ٤٢٤ ]
شعبة الثقات في الطبقة الثالثة. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: كان ببغداد كأنه ضعفه (^١)، وقال الخطيب: لا أعلم علةَ تضعيفه إياه.
وقال الأعين: مات سنة ثمان، وقال ابن سعد والمطين: سنة تسع، وقال حنبل: سنة (٩) أو عشر ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) هو: ثابت بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة عن (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الشهير - ﵁ -، خادم رسول الله - ﷺ -، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث بصيغة الجمع ثلاث مرّات، والباقي عنعنعة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحماد أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في "الرقاق"، فما في كتب الرجال من علامة التعليق له، ليس بصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن حمّادًا أثبت الناس في ثابت، كما أن ثابتًا ألزم أصحاب أنس لأنس - ﵁ -، لزمه أربعين سنة.
٤ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد عُمّر أكثر من مائة سنة، كما سبق آنفًا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال الحافظ في "هدي الساري" ص ٣٩٧: هذا ظنّ لا تقوم به حجّة، وقد كان أبو حاتم الرازيّ يقول: سمعت علي بن المدينيّ يقول: الحسن بن موسى الأشيب ثقة، فهذا التصريح الموافق لأقوال الجماعة أولى أن يُعمَل به من ذلك الظنّ. انتهى.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) قال النسفيّ: إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كلّ خطاب وارد، وتحريك منهم؛ لئلا يغفلوا عن تأملهم (^١). (﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيّته عليكم لائحةً، وسابقته لديكم واضحةً، وقوله: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) أي وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
والمعنى: إذا كلّمتموه، وهو صامتٌ، فإياكم والعدول عما نُهيتم عنه، من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمّدوا في مخاطبته القول الليّن المقرّب من الهمس الذي يُضادّ الجهر، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة، والسكينة، والتعظيم.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ منصوب الموضع على أنه المفعول له، متعلّقٌ بمعنى النهي، والمعنى: انتهوا عما نُهيتم عنه؛ لحبوط أعمالكم: أي لخشية حبوطها، فهو على تقدير مضاف محذوف (^٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي لا تخاطبوه يا محمد، ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله؛ توقيرًا له، وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبيّ - ﷺ -؛ ليقتدي بهم ضَعَفَةُ المسلمين، فَنُهِي المسلمون عن ذلك، وقيل: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ﴾: أي لا تجهروا عليه، كما يقال: سَقَطَ لفيه: أي على فيه.
وقوله ﷿: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كاف التشبيه، في محل النصب، أي لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض.
وفي هذا دليلٌ على أنهم لم يُنْهَوْا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغُ لهم إلا أن يُكَلِّموه بالْهَمْس والمخافتة، وإنما نُهُوا عن جهرٍ مخصوصٍ مُقَيَّدٍ بصفةٍ،
_________________
(١) "تفسير النسفيّ" ٤/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) المصدر السابق ٤/ ١٦٦.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أُبَّهَةِ النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرُّتَب، وإن جلت على رتبتها.
وقوله ﷿: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي من أجل أن تَحْبَط، أي تَبْطُل، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم.
وقال الزجاج: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ التقدير: لأن تحبط، أي فتحبَطَ أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وليس قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، بموجب أن يَكْفُر الإنسان، وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد إلى الكفر، ولا يختاره، بالإجماع. انتهى (^١).
(جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) أي حبس نفسه في بيته كئيبًا حزينًا خائفًا.
وهو: ثابت بن قيس بن شَمّاس بن زُهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، خَطِيب الأنصار، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أولاده: محمد، وقيس، وإسماعيل، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، واستُشْهِد باليمامة، في خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ - سنة (١٢).
روى ابن السكن من طريق ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس - ﵁ - قال: خطب ثابت بن قيس مَقْدَم رسول الله - ﷺ - المدينةَ، فقال: نَمْنَعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: "الجنّة"، قالوا: رَضِينا.
وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - قال: كان ثابت بن قيس خَطِيب الأنصار، يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، ولم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أحدٌ، وشهد ما بعدها، وبَشَّره النبيّ - ﷺ - بالجنة في هذا الحديث.
وأخرج الترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "نعم الرجل ثابت بن قيس".
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ٣٠٦.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وفي "صحيح البخاريّ" مختصرًا، و"معجم الطبرانيّ" (^١) مُطوّلًا، عن أنس - ﵁ - قال: لَمّا انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يَتَحَنَّط، فقال: ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله - ﷺ -، بئس ما عَوَّدتم أقرانكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتِل، وكان عليه دِرْعٌ نفيسةٌ، فمَرَّ به رجل مسلم، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلُم، فتضيِّعه، إني لَمّا قُتِلتُ أخذ درعي فلان، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس تَسْتَنّ، وقد كفأ على الدرع بُرْمَةً، وفوقها رَحْلٌ، فائت خالدًا، فمره، فليأخذها، وليقل لأبي بكر: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان عَتِيقٌ، فاستيقظ الرجل، فأَتَى خالدًا، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحَدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته، قال: ولا نعلم أحدًا أُجيزت وصيّته بعد موته غير ثابت - ﵁ -، ذكره أبو عمر في "الاستيعاب" (^٢).
ورواه البغويّ من وجه آخر، عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس مطوّلًا (^٣).
ودخل عليه النبيّ - ﷺ -، وهو عَلِيل، فقال: "أَذْهِبِ الباس، ربَّ الناس، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس" (^٤).
وقال ابن الحذّاء: قال بعض الناس: ثابت بن قيس بن شَمّاس، مولى رسول الله - ﷺ -، فَوَهِمَ (^٥)، وأخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأبو داود، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، وليس له عند مسلم رواية، بل هذه القصّة.
_________________
(١) "المعجم الكبير" (١٣٠٧) و(١٣٢٠).
(٢) راجع: "تفسير القرطبيّ" ١٦/ ٣٠٦.
(٣) راجع: "الإصابة" ١/ ٥١١ - ٥١٢. أخرجه الطبراني (١٣١٦) من طريق أبي كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدّثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس،، حدّثني أبي ثابت بن قيس، عن أبيه، قال …، فذكره، قال الهيثميّ في "المجمع" ٩/ ٣٢١: وأبو ثابت بن قيس بن شماس لم أعرفه، ولكنه قال: حدثني أبي ثابت بن قيس، فالظاهر أنه صحابيّ، ولكن زيد بن الحباب لم يسمع من أحد من الصحابة. انتهى.
(٤) "تهذيب التهذيب" ١/ ٢٦٧.
(٥) "تهذيب التهذيب" ١/ ٢٦٧.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
(فِي بَيْتِه، وَقَالَ) في نفسه، أو قال ذلك لمن اتّصل به، وسأل عنه (أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي بسبب رفع صوته على النبيّ - ﷺ - (وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي امتنع من المجيء إليه على خلاف عادته (فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النَّبِيت بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ، سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة، ويكنى أبا عمرو، شَهِدَ بدرًا باتفاق، ورُمِي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا، حتى حَكَم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات، أخرج ذلك البخاري في "صحيحه"، وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لَمّا خَرَجت جنازته: ما أخفّها! فقال النبيّ - ﷺ -: "إن الملائكة حملته".
وفي "الصحيحين"، وغيرهما من طُرُق أن النبيّ - ﷺ - قال: "اهتزّ العرش لموت. سعد بن معاذ".
ورَوَى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعَبّاد بن بِشْر.
وذَكَر ابن إسحاق أنه لما أسلم على يد مصعب بن عُمير قال لبني عبد الأشهل: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا، فأَسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام.
ورَوَى ابن إسحاق في قصة الخندق، عن عائشة قالت: كنت في حِصْن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فَمَرّ سعد بن معاذ، وهو يقول [من الرجز]:
لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ … مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ
فقالت له أمه: الحق يا بُنيّ، فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد، لَوَدِدت أن دِرْع سعد أسبغ مما هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الذي رماه: خُذها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقال: عَرَّقَ الله وجهك في النار، وابن الْعَرِقَة اسمه حَبَّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤي، والْعَرِقة أمه، وقيل: إن الذي أصاب سعدًا أبو أمامة الْجُشَميّ.
وروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن بني قريظة لَمّا
[ ٣ / ٤٢٩ ]
نزلوا على حكم سعد، وجاء على حمار، فقال النبيّ - ﷺ -: "قوموا إلى سيِّدكم".
وقال الزهريّ عن ابن المسيب، عن ابن عباس، قال سعد بن معاذ: ثلاث أنا فيهن رجل - يعني كما ينبغي - وما سوى ذلك فأنا رجل عن الناس، ما سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثًا قطّ إلا عَلِمتُ أنه حقّ من الله تعالى، ولا كنت في صلاة قطّ، فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنتُ في جنازة قطّ، فحدثت نفسي بغير ما تقول، ويقال لها، حتى أنصرف عنها، قال ابن المسيب: فهذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبيّ (^١).
وأخرج ابن إسحاق بغير سند: أن أم سعد لَمّا مات قالت:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجَدَّا
وَسَيِّدًا سُدَّ بِهِ مَسَدَّا
فقال النبيّ - ﷺ -: "كلُّ نادبة تَكْذِب، إلا نادبة سعد".
وأخرجه الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس - ﵁ - قال: جَعَلت أم سعد تقول:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجَدّا
فقال النبيّ - ﷺ -: "لا تزيدي على هذا، كان - والله - ما علمتُ حازمًا، وفي أمر الله قَوِيًّا" (^٢).
له في "صحيح البخاريّ" حديثان أحدهما، من طريق ابن مسعود: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا … الحديث، والثاني في قصّة قتل سعد بن الربيع بأحد (^٣)، وليس له في "صحيح مسلم" ذكر، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية سعد بن معاذ - ﵁ - (مَا شَأْنُ ثَابِتٍ) "ما" استفهاميّة: أي أيّ شأن شأنه؟، وقوله: (أَشْتَكَى؟ ") بهمزة الاستفهام، وحذف همزة الوصل؛ لأن القاعدة أن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل المفتوحة، قُلبت همزة الوصل مدّةً، نحو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]،
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٦٩٧.
(٢) راجع: "الإصابة" ٣/ ٧٠ - ٧٢.
(٣) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٦٩٧.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وإذا دخلت على المكسورة حُذفت همزة الوصل، نحو قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، ويحتمل أن تكون الهمزة الموجودة هي همزة الوصل المكسورة، وحُذفت همزة الاستفهام، والجملة تفسير، وتفصيل للجملة السابقة (قَالَ سَعْدٌ) - ﵁ - (إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى) أي بمرض، ودخلت الباء في المفعول؛ لتضمين عَلِم معنى شَعَر، قال الفيّوميّ: إذا كان عَلِم بمعنى: اليقين، تعدّى إلى مفعولين، وإذا كان بمعنى عَرَفَ تعدّى إلى مفعول واحد، وقد يُضَمَّنُ معنى شَعَرَ، فتدخل الباء، فيقال: علمته، وعلمتُ به، وأعلمته الخير، وأعلمته به. انتهى (^١). (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَأتاهُ سَعْدٌ) - ﵁ -.
وفي رواية البخاريّ من طريق موسى بن أنس، عن أنس - ﵁ -: "أن النبيّ - ﷺ - افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده جالسًا في بيته، مُنَكِّسًا رأسه … "، والرجل المبهم هو سعد بن معاذ - ﵃ - المبيَّن هنا.
(فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي في شأن احتباسه عنه (فَقَالَ ثَابِتٌ) - ﵁ - (أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) المتقدّم ذكرها (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي لأنه كان جهوريّ الصوت (فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي أخاف أن أكون من أهلها؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
وفي رواية البخاريّ المذكورة: "فقال: ما شأنك؟ فقال: شَرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبيّ - ﷺ -، فقد حَبِطَ عمله … ".
(فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) أي ما قاله ثابت - ﵁ - من الاعتذار عن احتباسه عن مجلسه - ﷺ - (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ") وفي رواية البخاريّ: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: "اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة".
وأخرج ابن سعد بإسناد قويّ، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت، قال: قال ثابت بن قيس بن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٧.
[ ٣ / ٤٣١ ]
شماس: "يا رسول الله إني أخشى أن أكون قد هلكتُ، فقال: "وما ذاك؟ " قال: نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا جهير … " الحديث، وفيه: فقال له - ﷺ -: "أما ترضى أن تعيش سعيدًا، وتُقْتَل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ ". وهذا مرسل قويُّ الإسناد.
وأخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب" من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك كذلك، ومن طريق سعيد بن كثير، عن مالك، فقال فيه: عن إسماعيل، عن ثابت بن قيس، وهو مع ذلك مرسل؛ لأن إسماعيل لم يَلْحَق ثابتًا.
وأخرجه ابن مردويه من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، فقال: عن محمد بن ثابت بن قيس: إن ثابتًا، فذكر نحوه.
وأخرجه ابن جرير، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ معضلًا، ولم يذكر فوقه أحدًا، وقال في آخره: "فعاش حميدًا، وقُتِل شهيدًا يوم مسيلمة".
ورَوَى ابنُ سعد بإسناد صحيح، من مرسل عكرمة، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، قال ثابت بن قيس: كنت أرفع صوتي، فأنا من أهل النار، فقَعَدَ في بيته، فذكر الحديث، نحو حديث أنس، وفي آخره: "بل هو من أهل الجنة"، فلما كان يومُ اليمامة انهزَمَ المسلمون، فقال ثابت: أُفٍّ لهؤلاء ولما يعبدون، وأُفٍّ لهؤلاء ولما يصنعون، قال: ورجل قائم على ثُلْمة (^١)، فقتله، وقُتِلَ.
ورَوَى ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - في قصة ثابت بن قيس - ﵁ -، فقال في آخرها: قال أنس: فكنا نراه يَمشِي بين أَظْهُرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يومُ اليمامة كان في بعضنا بعضُ الانكشاف، فأقبل وقد تَكَفَّن، وتَحَنَّط، فقاتل، حتى قُتِلَ.
ورَوَى ابن المنذر في "تفسيره" من طريق عطاء الخراسانيّ، قال: حدثتني
_________________
(١) "الثُّلْمة" - بضم، فسكون - في الحائط وغيره: الخَلَلُ، والجمع ثُلَم، كغُرْفة وغُرَف. انتهى. "المصباح" ١/ ٨٣.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
بنت ثابت بن قيس، قالت: لَمّا أنزل الله هذه الآية، دخل ثابت بيته، فأَغْلَق بابه، فذكر القصةَ مُطَوّلَةً، وفيها قولُ النبيّ - ﷺ -: "تَعِيش حميدًا، وتموت شَهِيدًا"، وفيها: فلما كان يومُ اليمامة ثبت حتى قُتِلَ (^١)، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^٢).
[تنبيه]: استُشْكِلت هذه القصّة بأن نزول الآية المذكورة كان في زمن الوفود، بسبب الأقرع بن حابس وغيره، فقد روى البخاريّ في "صحيحه" عن ابن أبي مليكة قال: "كاد الْخَيِّران أن يَهلكا: أبو بكر وعمر، لَمّا قَدِم على النبيّ - ﷺ - وَفْدُ بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميميّ الحنظليّ، أخي بني مُجاشِع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبيّ - ﷺ -، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله ﴿عَظِيمٌ﴾ … " الحديث.
وسنة الوفود كانت سنة تسع، وسعد بن معاذ - ﵁ - مات قبل ذلك في بني قريظة، وذلك سنة خمس.
وأجاب الحافظ بأنه يُمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نَزَل في قصة الأقرع أول السورة، وهو قوله ﷿: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد نزل من هذه السورة سابقًا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ففي "كتاب الصلح" عند البخاريّ من حديث أنس - ﵁ -، أنها نزلت في قصة عبد الله بن أُبَيّ بن سَلَولَ، وفي سياقه، وذلك قبل أن يسلم عبد الله، وكان إسلام عبد الله بعد وقعة بدر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جمع الحافظ في "الفتح"، وفيه نظر لا يخفى، لأن رواية البخاريّ المذكورة صريحة في أن ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ نزلت في قصّة الأقرع، فلا يصحّ الجمع المذكور.
_________________
(١) قال الهيثميّ في "المجمع" ٩/ ٣٢٢: رواه الطبرانيّ، وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقيّة رجاله رجال الصحيح، والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابيّة، فإنها قالت: سمعت أبي .. انتهى.
(٢) "الفتح" ٦/ ٧١٨ - ٧١٩ "كتاب المناقب" رقم (٣٦١٣).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وجمع بعضهم بأن الآية تكرر نزولها في القضيّتين، وفيه نظر لا يخفى والذي يظهر لي أن ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية غلطٌ، وهو الذي ارتضاه الحافظ، واحتجّ له بما رَوَاه ابن المنذر في "تفسيره" من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - في هذه القصّة، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله هو جاري … الحديث.
فقال الحافظ: وهذا أشبه بالصواب؛ لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ؛ لأنه من قبيلة أخرى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن المنذر، في سندها سعيد بن بشير، والأكثرون على تضعيفه، وقال عنه في "التقريب": ضعيف، وانظر ما قاله الأئمة فيه في "التهذيب".
والحاصل أن نكارة ذكر سعد بن معاذ مما لا شكّ فيه، ولم يُذكَر إلا في رواية حماد بن سلمة هذه، فقد روى هذا الحديث عن ثابت سليمانُ التيميّ، وسليمانُ بن المغيرة، وجعفرُ بن سليمان، عند المصنّف، فلم يذكروا سعد بن معاذ، بل ذكروه بلفظ رجل، أو نحوه، كما بيّنه المصنّف عقب كلّ الروايات، والظاهر أن المصنّف يرى تفرّد حماد بن سلمة بهذه الزيادة، وهو وإن كان أثبت مَن روى عن ثابت، إلا أن الوهم قد يعتري الحافظ، ولا سيّما مع مخالفة هؤلاء الثلاثة له.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من رواية موسى بن أنس عن أنس - ﵁ -، وذكره بلفظ رجل أيضًا.
فتحصّل من هذا كله أن نكارة ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية هي الواضحة، فالحقّ أنه إما سعد بن عبادة، كما في رواية سعيد بن بشير، ومال إليها الحافظ، وإن كان فيها مقال، أو رجل آخر، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقد رَوَى الطبريّ، وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب، حدثني أبو
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٧١٧ - ٧١٨ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٦١٣).
[ ٣ / ٤٣٤ ]
ثابت بن ثابت بن قيس، قال: "لَمّا نزلت هذه الآية، قَعَدَ ثابت يبكي، فمَرَّ به عاصم بن عديّ، فقال: ما يبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله - ﷺ -: "أما ترضى أن تعيش حميدًا … " الحديث.
قال الحافظ: وهذا لا يغاير أن يكون الرسول إليه من النبيّ - ﷺ - سعد بن معاذ. انتهى. وقد عرفت ما في سعد بن معاذ، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٥/ ٣٢١ و٣٢٢ و٣٢٣ و٣٢٤] (١١٩)، و(البخاريّ) في "علامات النبوّة" (٣٦١٣)، و"التفسير" (٤٨٤٦)، وفي "خلق أفعال العباد" (٧٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٧ و١٤٥ و٢٨٧)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٢٠٩)، و(النسائيّ) في "فضائل الصحابة" من "الكبرى" (١٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٧ و١٩٨ و١٩٩)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣١٠ و٣١١ و٣١٢ و٣١٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٦٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٣١ و٣٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٣٠٩)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٢٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحذير المؤمن من أن يحبط عمله بسبب ارتكاب المعاصي؛ لأنها مناقضة للإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد الحديث في "كتاب الإيمان".
وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" لهذا بابًا، فقال: [باب خوف المؤمن من أن يَحْبَطَ عمله، وهو لا يشعر]، وقال إبراهيم التيميّ: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مُكَذِّبًا، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ - ﷺ -، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه
[ ٣ / ٤٣٥ ]
على إيمان جبريلِ وميكائيل، ويُذْكَرُ عن الحسن: ما خافه إلا مؤمنٌ، ولا أمنه إلا منافق، وما يُحْذر من الإصرار على النفاق والعصيان، من غير توبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. انتهى.
والضمير في قوله: "ما أمنه" للنفاق (^١).
ثم أورد البخاريّ حديث ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ"، وحديث أنس عن عبادة بن الصامت - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - خرج يُخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع، والتسع، والخمس"، تفرّد به البخاريّ.
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الخوف من إحباط أعمالهم، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يكون دائم الخوف، كما أسلفناه آنفًا فيما أورده البخاريّ في "صحيحه".
٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة للصحابيّ الجليل ثابت بن قيس - ﵁ -، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بأنه من أهل الجنّة، فكان الصحابة - ﵃ - يرونه، وهو يمشي بين أظهرهم رجلًا من أهل الجنّة، كما سيأتي في الرواية الآتية.
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للعالم، وكبير القوم أن يتفقّد أصحابه، ويسأل عنهم إذا غابوا تأسّيًا بالنبيّ - ﷺ -.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من كمال التصديق فيما يُخبر به النبيّ - ﷺ - من الأمور الغيبيّة، حيث قال الراوي: "فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا رجلًا من أهل الجنّة".
٦ - (ومنها): أن الآية المذكورة نزلت آمرةً بتعظيم رسول الله - ﷺ -، وتوقيره، وخفض الصوت لحضرته، وعند مخاطبته، بحيث إنه إذا نطق، ونطقوا، ينبغي ألا يبلغوا بأصواتهم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن يغُضّوا منها، بحيث يكون كلامه غالبًا لكلامهم، وجهره باهرًا لجهرهم، حتى تكون
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٣٦ - ١٣٧ "كتاب الإيمان".
[ ٣ / ٤٣٦ ]
مزيته لائحةً عليهم، وسابقته واضحة بينهم، وامتيازه عن جمهورهم، كَشِيَة الأبلق.
قال القرطبيّ: وقد كَرِهَ بعض العلماء رفع الصوت عند قبره - ﷺ -، وكَرِهَ بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء؛ تشريفًا لهم؛ إذ هم ورثة الأنبياء. انتهى.
وقد كره العلماء أيضًا رفع الصوت على حديثه - ﵁ -، فكانوا يمنعون منه، ويخرجون من يفعل ذلك من المجلس، ويروى ذلك عن الإمام مالك، وكان يقرأ الآية المذكورة، فمن رفع صوته عند حديثه، فكأنما رفع صوته فوق صوته - ﷺ - (^١).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمةُ النبيّ - ﷺ - ميتًا كحرمته حيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرّفْعَة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرِئ كلامه وَجَب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يُعْرِض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نَبّه الله ﷾ على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وكلامه - ﷺ - من الوحي، وله من الأحكام مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه. انتهى. وهو استنباط نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: ليس الغرض برفع الصوت، ولا الجهر ما يُقْصَد به الاستخفاف، والاستهانة؛ لأن ذلك كُفْرٌ، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوتٌ هو في نفسه، والمسموع من جَرْسِه (^٢) غيرُ مناسب لما يُهاب به العظماء، ويُوَقَّر الكبراء، فَيَتَكَلَّف الْغَضَّ منه، ورَدَّه إلى حَدٍّ يميل به إلى ما يَستبين فيه المأمور به، من التعزير والتوقير، ولم يتناول النهي أيضًا رفعَ الصوت الذي يتأذى به رسول الله - ﷺ -، وهو ما كان منهم في حرب، أو مُجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه - ﷺ - قال
_________________
(١) راجع: "شرحي" على "ألفيّة الحديث" للسيوطيّ ٢/ ١١٦.
(٢) "الْجِرْس" بفتح الجيم، وكسرها: الصوت.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
للعباس بن عبد المطلب - ﵁ - لَمّا انهزَم الناس يوم حنين: "اصرُخ بالناس"، وكان العباس أجهر الناس صوتًا (^١).
٨ - (ومنها): أن في الآية الردّ على المرجئة الذين يقولون: لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ أصلًا.
٩ - (ومنها): أنه ليس في الآية دليلٌ لمذهب الإحباطيّة الذين يقولون: إن السيّئات يُبطلن الحسنات، وقد حقّق القاضي أبو بكر بن العربي في الردّ عليهم تحقيقًا حسنًا، فقال: إن الإحباط إحباطان:
[أحدهما]: إبطال الشيء للشيء، وإذهابه جملةً، كإحباط الإيمان للكفر، والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقيّ.
[ثانيهما]: إحباط الموازنة، إذا جُعِلت الحسنات في كِفّة، والسيئات في كِفّة، فمَن رَجَحَت حسناته نجا، ومَن رَجَحت سيئاته وُقِّفَ في المشيئة، إما أن يُغْفَر له، وإما أن يُعَذَّب، فالتوقيف إبطالٌ ما؛ لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيبُ إبطال أشدّ منه إلى حين الخروج من النار، ففي كلّ منهما إبطال نسبيّ، أُطلق عليه اسم الإحباط مجازًا، وليس هو إحباطًا حقيقةً؛ لأنه إذا أُخرج من النار، وأُدخل الجنة، عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطيّة الذين سَوَّوا بين الإحباطين، وحَكَمُوا على العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَار، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ).
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ١٣٥ - ١٣٦ "كتاب الإيمان" رقم الحديث (٤٨).
[ ٣ / ٤٣٨ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) - بضمّ النون، وفتح السين المهملة، مصغّرًا - الْغُبَريّ - بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة الخفيفة - المعروف بالذّارع، أبو عبّاد البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [١٠].
رَوَى عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وبِشْر بن منصور السَّلِيميّ، وعمرو بن النعمان الباهليّ، ويزيد بن عبد الله أبي خالد القرشيّ الْبُسْريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى الترمذي عن أبي داود عنه، حديث أنس: "ليسأل أحدكم ربه حاجته"، وإبراهيم بن هاشم البغويّ، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، ويعقوب بن سفيان، وعبدان الأهوازيّ، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فرأيته يَحْمِل عليه، وذكر أنه رَوَى أحاديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس مما أُنكِر عليه، وقال ابن عديّ: كان يَسْرِق الحديث، ويوصله، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عديّ: حدثنا البغويّ، ثنا الْقَوَاريريّ، ثنا جعفر، عن ثابت، بحديث: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها"، فقال رجل للقواريريّ: إن شيخًا يُحَدِّث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، فقال القواريريّ: باطل، قال ابن عديّ: وهو كما قال.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٩)، وحديث (٢٧٥٠): "لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طُرُقكم … " الحديث.
[تنبيه]: قال في "التهذيب" (٣/ ٤٤٢)، ما نصّه: روى عنه مسلمٌ حديثًا واحدًا في فضل ثابت بن قيس بن شَمّاس. انتهى.
فيه نظرٌ لا يخفى، لأنه أخرج له أيضًا لحديث المذكور آنفًا، ولا يقال: إنه أخرج له الحديث المذكور مقرونًا بيحيى بن يحيى؛ لأنا نقول كذلك هذا الحديث إنما أخرجه متابعة، لا أصالةً، فتنبّه (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) (٢٧٥٠) قال الإمام مسلم في "كتاب التوبة": حدثنا يحيى بن يحيى التميميّ، وقَطَن بن نُسَير، واللفظ ليحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن سعيد بن إياس =
[ ٣ / ٤٣٩ ]
[تنبيه آخر]: ليس في الكتب الستّة من اسمه "قَطَن بن نُسير" غيره، وأما من اسمه "قَطَن" فهم: أربعة:
١ - هذا المترجم هنا.
٢ - وقطن بن قَبيصة بن الْمُخارق الهلاليّ، أبو سهل البصريّ، صدوق عند أبي داود، والنسائيّ.
٣ - وقطن بن كعب، أبو الْهَيثم البصريّ، ثقة عند البخاريّ، وأبي داود في "القدر"، والنسائيّ.
٤ - وقطن بن وهب بن عويمر الليثيّ، أو الخزاعيّ، أبو الحسن المدنيّ، صدوق عند المصنّف، والنسائيّ، والله تعالى أعلم.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ - بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - مولى بني الْحَرِيش، كان ينزل في بني ضُبَيعة، فنُسِب إليهم، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيّع [٨].
رَوَى عن ثابت البنانيّ، والجعد أبي عثمان، ويزيد الرِّشْك، والْجُرَيريّ، وحُميد بن قيس الأعرج، وابن جريج، وعوف الأعرابيّ، وعطاء بن السائب، وكهمس بن الحسن، ومالك بن دينار، وجماعة.
ورَوى عنه الثوريّ، ومات قبله، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهديّ،
_________________
(١) = الْجُريريّ، عن أبي عثمان النهديّ، عن حنظلة الأسيديّ قال: وكان من كُتّاب رسول الله - ﷺ - قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله - ﷺ - يُذَكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله - ﷺ - عافَسْنَا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - ﷺ - قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم، وفي طُرُقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً"، ثلاث مرات.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وعبد السلام بن مُطَهَّر، وقتيبة، وصالح بن عبد الله الترمذيّ، وبشر بن هلال الصواف، وقَطَن بن نسَير، وجماعة.
قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، قيل له: إن سليمان بن حرب يقول: لا يُكتَب حديثه، فقال: إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث في فضل عليّ، وأهل البصرة يَغْلُون في عليّ، قلت: عامّة حديثه رِقَاق؟ قال: نعم، كان قد جَمَعها، وقد رَوَى عنه عبد الرحمن وغيره، إلا أني لم أسمع من يحيى عنه شيئًا، فلا أدري سمع منه أم لا؟، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: قَدِمَ جعفر بن سليمان عليهم بصنعاء، فحدثهم حديثًا كثيرًا، وكان عبد الصمد بن مَعْقِل يجيء، فيجلس إليه، وقال ابن أبي خيثمة وغيره، عن ابن معين: ثقة، وقال عباس، عنه: ثقة، كان يحيى بن سعيد لا يَكتُب حديثه، وقال في موضع آخر: كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وكان يستضعفه، وقال ابن المدينيّ: أَكْثرَ عن ثابت، وكَتَب مراسيل، وفيها أحاديث مناكير، عن ثابت، عن النبيّ - ﷺ -، وقال أحمد بن سنان: رأيت عبد الرحمن بن مهدي لا ينبسط لحديث جعفر بن سليمان، قال أحمد بن سنان: أستَثْقِلُ حديثه، وقال البخاريّ: يقال: كان أُمّيًّا، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وبه ضَعْفٌ، وكان يتشيع، وقال جعفر الطيالسيّ، عن ابن معين: سمعت من عبد الرزاق كلامًا يومًا، فاستدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُسْتاذِيك الذين أخذتَ عنهم ثقات كلهم، أصحاب سنة، فعمن أخذتَ هذا المذهب؟ فقال: قَدِمَ علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلًا، حَسَنَ الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال ابنُ الضُّرَيس: سألت محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميَّ غن حديث لجعفر بن سليمان، فقلت: رَوَى عنه عبد الرزاق، قال: فَقَدتُ عبدَ الرزاق، ما أفسد جعفر غيره، يعني: في التشيع، وقال الخضر بن محمد بن شجاع الجزريّ: قيل لجعفر بن سليمان: بَلَغَنا أنك تشتم أبا بكر وعمر، فقال: أما الشتم فلا، ولكن بُغْضًا يا لك، وحَكَى عنه وهب بن بقية نحو ذلك.
وقال ابن عديّ، عن زكريا الساجيّ: وأما الحكاية التي حُكِيت عنه، فإنما عَنَى به جارين، كانا له قد تأذَّى بهما، يُكنى أحدهما: أبا بكر، ويُسَمَّى
[ ٣ / ٤٤١ ]
الآخر: عمر، فسئل عنهما، فقال: أما السبّ فلا، ولكن بُغْضًا يا لك، ولم يَعْنِ به الشيخين، أو كما قال.
قال أبو أحمد: ولجعفر حديثٌ صالحٌ، وروايات كثيرةٌ، وهو حسن الحديث، معروف بالتشيّع، وجَمَعَ الرِّقاق، وأرجو أنه لا بأس به، وقد رَوَى أيضًا في فضل الشيخين، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان فيه منكر، فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يَجِب أن يُقْبَل حديثه.
وقال أبو الأشعث، أحمد بن المقدام: كنا في مجلس يزيد بن زريع، فقال: مَن أتى جعفر بن سليمان، وعبد الوارث، فلا يَقرَبني، وكان عبد الوارث يُنسَب إلى الاعتزال، وجعفر ينسب إلى الرَّفْض، وقال البخاري في "الضعفاء": يخالِف في بعض حديثه.
وقال ابن حبان في "كتاب الثقات": حدثنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن أبي كامل، ثنا جرير بن يزيد بن هارون، بين يدي أبيه، قال: بعثني أبي إلى جعفر، فقلت: بَلَغَنا أنك تسب أبا بكر وعمر، قال: أما السبّ فلا، ولكن البغض ما شئتَ، فإذا هو رافضيّ، مثل الحمار.
قال ابن حبان: كان جعفر من الثقات، في الروايات، غير أنه ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصَّدُوق المتقن، إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بخبره جائز.
وقال الأزديّ: كان فيه تحامل على بعض السلف، وكان لا يكذب في الحديث، ويؤخذ عنه الزهد والرقائق، وأما الحديث فعامة حديثه عن ثابت وغيره فيها نظر ومنكر.
وقال ابن المدينيّ: هو ثقة عندنا، وقال أيضًا: أكثرَ عن ثابت، وبقية أحاديثه مناكير.
وقال الدُّوريّ: كان جعفر إذا ذَكَر معاوية شتمه، وإذا ذكر عليًّا قعد يبكي.
وقال يزيد بن هارون: كان جعفر من الخائفين، وكان يتشيع.
وقال ابن شاهين في "المختَلَف فيهم": إنما تُكُلِّم فيه لعلة المذهب، وما
[ ٣ / ٤٤٢ ]
رأيت مَن طَعَن في حديثه إلا ابن عمار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف.
وقال البزار: لم نسمع أحدًا يَطعَن عليه في الحديث، ولا في خطأ فيه، إنما ذُكِرَت عنه شيعيته، وأما حديثه فمستقيم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق من أقوال المحقّقين المعتدلين أن جعفر بن سليمان وإن كان فيه انحراف في مذهبه، إلا أنه ثقة في حديثه، وهو حسن الحديث، والله تعالى أعلم.
قال ابن سعد: مات في رجب سنة (١٧٨).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (١٠) من رباعيات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ) يعني: أن حديث جعفر بن سليمان نحو حديث حمّاد بن سلمة.
وقوله: (وَلَيْسَ في حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) يعني: أن جعفرًا لم يذكر في حديثه سعد بن معاذ الذي أرسله النبيّ - ﷺ - يسأل عن حال ثابت بن قيس - ﵁ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية جعفر هذه أخرجها الحافظ أبو يعلى في "مسنده"، فقال:
(٣٤٢٧) حدّثنا قَطَن بن نُسير، أبو عبّاد، حدّثنا جعفر، عن ثابت، عن أنس، قال: كان ثابت بن قيس بن شمّاس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] الآية، قال ثابتٌ: أنا الذي كنتُ أرفع صوتي فوق صوت رسول الله - ﷺ -، وأنا من أهل النار، فقال رسول الله - ﷺ -: "بل هو من أهل الجنّة، بل هو من أهل الجنّة" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "مسند أبي يعلى" ٦/ ١٤٩ رقم (٣٤٢٧).
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ في الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسِيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال الباهليّ، ويقال: الكنانيّ، أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وشعبة، وداود بن أبي الْفُرَات، وجرير بن حازم، وعبد الوارث بن سعيد، وهمام، وأبي عوانة، ومبارك بن فَضَالة، ومعمر، ووهيب، وخلق كثير.
ورَوَى عنه أحمد بن سعيد الرِّبَاطيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وأبو الجوزاء النَّوْفليّ، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وأبو خيثمة، والدارميّ وعبد بن حميد، وبندار، وأبو موسى، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة.
وقال أحمد بن حنبل: إليه الْمُنْتَهَى في التثبت بالبصرة، وقال ابن معين، والترمذيّ، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، لم أسمع منه، وكان عَسِرًا، وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدِّث به، وقال ابن قانع: بصريّ صالحٌ، وقال الخطيب: كان ثقةً ثبتًا.
وقال ابن سعد: كان ثقةً ثبتًا حجةً، وكان امتنع من التحديث قبل موته، مات بالبصرة سنة (٢١٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧]، أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
والباقيان تقدّما فيما قبله.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون، إلا شيخه، فنيسابوريّ.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) الضمير لسليمان بن المغيرة، وقوله: (سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بالنصب على المفعوليّة لـ"يَذْكُر"، وقوله: (فِي الْحَدِيثِ) متعلّق بـ "يَذْكُر".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية سليمان بن المغيرة هذه أخرجها الحافظ أبو يعلى في "مسنده" (٦/ ٧٦) فقال:
(٣٣٣١) حدثنا هدبة - هو ابن خالد - حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] قعد ثابت بن قيس بن شَمّاس في بيته، وقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي، وأجهر له بالقول، وأنا من أهل النار، فتفقده النبيّ - ﷺ -، فأَخبَرُوه، فقال: "بل هو من أهل الجنة"، قال أنس: فكنا نراه يَمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يومُ اليمامة، وكان ذاك الانكشاف، لَبِسَ ثيابه، وتَحَنَّط، وتقدّم، فقاتل، حتى قُتِلَ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ) هو: هُرَيم بن عبد الأعلى بن الْفُرات الأسديّ، أبو حمزة البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وحاتم بن وَرْدان، ومعتمر بن سليمان، وعباس بن إسماعيل.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
ورَوَى عنه مسلم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإسماعيل سمويه، وعبد الله بن أحمد، وعبد الله بن أبي القاضي، وعبدان الأهوازيّ، وعبد الله بن محمد بن النعمان الأصبهانيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وغيرهم.
قال مسلمة بن قاسم: لا أعرفه، فقال في "تهذيب التهذيب": ولا عبرة بقوله، فقد عرفه مسلم.
قال أبو الشيخ: حدث بأصبهان، ومات بالبصرة سنة خمس وثلاثين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها.
تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١١٩)، وحديث (١٨٥٠): "من قُتل تحت راية عميّة … "، و(٢٣٠٣): "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء … "، و(٢٩١٥): "بُؤْسَ ابن سُميّة، تقتلك فئة باغية".
٢ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو محمد البصريّ، الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
والباقيان تقدّما قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لسليمان التيميّ: أي ساق الحديث بنصّه، وهو افتعال من قَصّ، يقال: قَصَصتُ الخبر قَصًّا، من باب نصر: حدّثتُ به على وجهه، والاسم الْقَصَصُ (^١).
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) يعني: أنه لم يصرّح باسم الرجل الذي أرسله النبيّ - ﷺ - لطلب ثابت بن قيس.
وقوله: (وَزَادَ) أي سليمان التيميّ في رواية قول أنس - ﵁ -: (فَكُنَّا نَرَاهُ) أي ثابت بن قيس (يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، فـ "أظهر" مُقْحَمٌ، يقال: هو
_________________
(١) راجع: "المصباح" ٢/ ٥٠٥.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
نازلٌ بين ظَهْرانيهم، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهم كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر، حتى استُعْمِلَ في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، ذكره الفيّوميّ (^١).
وقوله: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) هكذا هو بالرفع في أكثر الأصول - كما قاله النوويّ - وهو مرفوع على البدليّة من فاعل "يمشي"، والجملة في محلّ نصب على الحال، وهذا أولى من قول النوويّ: هو على الاستئناف، فتأمله.
ووقع في بعض الأصول "رجلًا" بالنصب، فيكون بدلًا من الهاء في "نراه"، كما قال في "الخلاصة":
كَزُرْهُ خَالِدًا وَقَبّلْهُ الْيَدَا … وَاعْرِفْهُ حَقَّهُ وَخُذْ نَبْلًا مُدَى
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية سليمان التيميّ هذه أخرجها ابن حبّان في "صحيحه" (١٦/ ١٢٩)، فقال:
(٧١٦٩) أخبرنا ابن خزيمة، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله - ﷺ -، وأنا أخشى أن يكون الله قد غَضِبَ عليّ، فَحَزِنَ، واصفَرّ، ففقده رسول الله - ﷺ -، فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله، إنه يقول: إني أخشى أن أكون من أهل النار، إني كنت أرفع صوتي عند النبيّ - ﷺ -، فقال النبيّ - ﷺ -: "بل هو من أهل الجنة".
فكنا نراه يَمشي بين أظهرنا، رجلٌ من أهل الجنة.
وأخرجها الحافظ أبو يعلى في "مسنده" (٦/ ١١٢) عن شيخ المصنّف بسنده، ولم يذكر تلك الزيادة، فقال:
(٣٣٨١) حدثنا أبو حمزة، هُرَيم بن عبد الأعلى، حدّثنا المعتمر بن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٧.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
سليمان، قال: سمعت أبي، يذكر عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله: ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾ قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله - ﷺ -، وإني أخشى أن أكون من أهل النار، إني كنت أرفع صوتي عند النبيّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "بل هو من أهل الجنة"، أو كما قال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.