وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥] (١٢٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: "أمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَام، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد السابقين إلى الإسلام، ومن أقرأ الصحابة - ﵃ -، ومن كبار علمائهم، وهو المراد عند إطلاق عبد الله في سند الكوفيين كما هنا، ذو مناقب جمّة - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ) بضم الهمزة قيل: هو فُعالٌ بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنس، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفًا على غير قياس، فيبقى الناس، وعن الكسائيّ أن الأُناس، والناس لغتان بمعنى واحدٍ، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر، قال الفيّوميّ: وهو الوجه؛ لأنهما مادّتان مختلفتان في الاشتقاق، والحذف تغيير، وهو خلاف الأصل. انتهى (^١).
وفي الرواية التالية: "قلنا يا رسول الله"، وفي رواية البخاريّ: "قال رجلٌ: يا رسول الله"، فأفادت الرواية الثانية أن ابن مسعود - ﵁ - من جملة من سأل هذا السؤال (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ) بالبناء للمفعول، (بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟) هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ﷿، ورسوله - ﷺ -، وشرائع الدين، والتفاخر بالأنساب، والكبر،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
والتجبّر، وغير ذلك (^١). (قَالَ) - ﷺ - ("أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ) أي بدخوله فيه ظاهرًا وباطنًا، كما أمره الله ﷿ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨] (فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا) أي بالأعمال التي عملها في الجاهليّة؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، كما قال ﷾: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨] (وَمَنْ أَسَاءَ) أي بأن دخل في الإسلام ظاهرًا، ولم ينشرح له صدره (أُخِذَ) بالبناء للمفعول (بِعَمَلِهِ) مفرد مضاف، فيعمّ، أي بجميع ما عمله (فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ") قال النوويّ: الصحيح في معنى الحديث: ما قاله جماعة من المحققين: أن المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا، فهذا يُغْفَر له ما سَلَفَ في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح: "الإسلام يَهْدِم ما قبله"، وبإجماع المسلمين، والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون مُنقادًا في الظاهر مُظهرًا للشهادتين، غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافق باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عَمِل بعد إظهارها؛ لأنه مُسْتَمِرّ على كفره، وهذا معروف في استعمال الشرع، يقولون: حَسُنَ إسلام فلان، إذا دَخَل فيه حقيقةً بإخلاص، وساء إسلامه، أو لم يَحسُن إسلامه، إذا لم يكن كذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ.
وقال القرطبيّ: يعني بالإحسان هنا: تصحيح الدخول في دين الإسلام، والإخلاص فيه، والدوام على ذلك، من غير تبديل، ولا ارتداد، والإساءة المذكورة في هذا الحديث في مقابلة هذا الإحسان هي الكفر، والنفاق، ولا يصحّ أن يُراد بالإساءة هنا ارتكاب سيئة ومعصية؛ لأنه يلزم عليه أن لا يَهدِم الإسلام ما قبله من الآثام إلا لمن عُصِم من جميع السيّئات إلى الموت، وهو باطلٌ قطعًا، فتعيّن ما قلناه.
والمؤاخذة هنا هي العقاب على ما فَعَله من السيّئات في الجاهليّة، وفي
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
حال الإسلام، وهو المعبّر عنه في الرواية الأخرى بقوله: "أُخذ بالأول والآخر"، وإنما كان كذلك؛ لأن إسلامه لَمّا لم يكن صحيحًا، ولا خالصًا لله تعالى لم يَهدِم شيئًا مما سبق، ثم انضاف إلى ذلك إثم نفاقه، وسيئاته التي عملها في حال الإسلام، فاستحقّ العقوبة عليها، ومن هنا استحقّ المنافقون أن يكونوا في الدَّرْك الأسفل من النار، كما قال الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وقال في "الفتح": قال الخطّابيّ: ظاهر هذا الحديث خلاف ما أجمعت عليه الأمّة أن الإسلام يجُبّ ما قبله، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، قال: وجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما مَضَى، فإن أساء في الإسلام غايةَ الإساءة، ورَكِبَ أشدّ المعاصي، وهو مستمر على الإسلام، فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام، ويُبَكَّت بما كان منه في الكفر، كأن يقال له: ألست فعلتَ كذا، وأنت كافر، فهلا مَنَعَك إسلامك عن معاودة مثله؟. انتهى ملخصًا.
وحاصله أنه أَوَّل المؤاخذة في الأول بالتبكيت، وفي الآخِر بالعقوبة، والأَولى قول غيره: إن المراد بالإساءة: الكفر؛ لأنه غاية الإساءة، وأشدّ المعاصي، فإذا ارتدّ، ومات على كفره كان كمن لم يُسلم، فيعاقَب على جميع ما قدّمه، وإلى ذلك أشار البخاريّ بإيراد هذا الحديث بعد حديث "أكبر الكبائر: الشرك"، وأورد كُلًّا في أبواب المرتدين.
ونَقَلَ ابنُ بطال عن المهلب، قال: معنى حديث الباب: من أحسن في الإسلام بالتّمَادي على محافظته، والقيام بشرائطه، لم يؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام: أي في عَقْده بترك التوحيد، أُخذ بكل ما أسلفه، قال ابن بطال: فعرضته على جماعة من العلماء، فقالوا: لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر؛ للإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية، وبه جزم المحبّ الطبريّ.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٢٧.
[ ٣ / ٤٥١ ]
ونقل ابن التين عن الداوديّ: معنى مَن أحسن: مات على الإسلام، ومن أساء: مات على غير الإسلام.
وعن أبي عبد الملك البونيّ: معنى من أحسن في الإسلام: أي أسلم إسلامًا صحيحًا، لا نفاق فيه، ولا شك، ومن أساء في الإسلام: أي أسلم رياءً وسمعةً، وبهذا جزم القرطبيّ.
ولغيره: معنى الإحسان: الإخلاصُ حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته، والإساءة بضد ذلك، فإنه إن لم يُخلص إسلامَهُ كان منافقًا، فلا ينهدم عنه ما عَمِلَ في الجاهلية، فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي، فيعاقب على جميع ذلك.
قال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم كلّه: حاصله أن الخطابيّ حَمَلَ قوله: "في الإسلام" على صفة خارجة عن ماهية الإسلام، وحمله غيره على صفة في نفس الإسلام، وهو أوجه.
قال: وفي "كتاب السنة" لعبد العزيز بن جعفر، وهو من رؤوس الحنابلة، ما يَدْفَع دعوة الخطابي وابن بطال الإجماع الذي نقلاه، وهو ما نُقِلَ عن الميمونيّ، عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم رَدّ عليه بحديث ابن مسعود، ففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته، إذا أصرَّ عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها؛ لأنه بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية؛ لإصراره عليها، والى هذا ذهب الْحَلِيميّ من الشافعية، وتأول بعض الحنابلة قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، على أن المراد ما سَلَفَ مما انتَهَوْا عنه، قال: والاختلاف في هذه المسألة مبنيّ على أن التوبة هي الندم على الذنب، مع الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، والكافر إذا تاب من الكفر، ولم يَعْزِم على عدم العود إلى الفاحشة، لا يكون تائبًا منها، فلا تسقط عنه المطالبة بها.
والجواب عند الجمهور: أن هذا خاصّ بالمسلم، وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه كيوم ولدته أمه، والأخبار دالّة على ذلك، كحديث أُسامة - ﵁ - لَمّا
[ ٣ / ٤٥٢ ]
أنكر عليه النبيّ - ﷺ - قتل الذي قال: "لا إله إلا الله" حتى قال في آخره: حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذ. انتهى كلام الحافظ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٥٦/ ٣٢٥ و٣٢٦ و٣٢٧] (١٢٠)، و(البخاريّ) في "استتابة المرتدّين" (٦٩٢١)، و(ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٤٢)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٩٦٨٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٩ و٣٨٠ و٤٠٩ و٤٢٩ و٤٣١ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠١ و٢٠٢ و٢٠٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٢٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨)، و(البزّار) في "مسنده" (٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان المؤاخذة بأعمال الجاهليّة لمن لم يُحسن الدخول في الإسلام.
٢ - (ومنها): بيان فضل الإسلام، حيث عادت بركته على الأعمال التي صدرت في حال الكفر، فقبلت من أجله.
٣ - (ومنها): بيان اهتمام الصحابة - ﵃ -، وشدّة حرصهم في السؤال عن الأمور المهمّة في الدين.
٤ - (ومنها): أن الكفّار مُخاطبون بفروع الشريعة، كما أنهم مخاطبون بأصولها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الإمام النسائيّ في "سننه" بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أسلم العبد، فحسُن
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩ "كتاب استتابة المرتدّين" رقم (٦٩١٨ - ٦٩٢٢).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
إسلامه، كتب الله له كلَّ حسنة كان أزلفها، ومُحِيت عنه كلُّ سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضِعْفٍ، والسيئةُ بمثلها، إلا أن يتجاوز الله ﷿ عنها"، وهو حديث صحيح، أورده الإمام البخاريّ في "صحيحه" معلّقًا بصيغة الجزم.
فهذا الحديث يقابل حديث ابن مسعود - ﵁ - المذكور في الباب؛ فإنّ ظاهره يدلّ على أن مَنِ اريمَب المعاصي بعد أن أسلم، يُكتَب عليه ما عَمِله من المعاصي قبل أن يُسلِم، وظاهر هذا أنّ مَن عَمِلَ الحسنات بعد أن أسلم، يُكتَب له ما عَمِله من الخيرات قبل أن يُسلم.
والحاصل أن الحديثين يُكمّل أحدهما الآخر، فيستفاد منهما أن من أحسن إسلامه تكتب له الأعمال الصالحة التي كان يعمل بها قبل إسلامه، وأن من أساء في الإسلام يؤاخذ بالأعمال السيّئة قبل إسلامه.
وقد استشكل بعض العلماء هذا، وراوه مخالفًا للقواعد، فقال المازريّ: الكافر لا يصحّ منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرّب أن يكون عارفًا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال.
وتعقب ذلك النوويّ، واستضعفه، وقال: الصواب الذي عليه المحققون، بل نَقَلَ بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فَعَل أفعالًا جميلةً، كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يُكْتَب له، وأما دعوى أنه مُخالف للقواعد، فغير مُسَلَّم؛ لأنه قد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه. انتهى.
قال الحافظ: والحقّ أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه؛ تفضلًا من الله تعالى، وإحسانًا أن يكون ذلك؛ لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تَضَمَّن كتابة الثواب، ولم يَتَعَرَّض للقبول.
ويَحْتَمِل أن يكون القبول يَصِير مُعَلَّقًا على إسلامه، فيُقْبَلُ، ويثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا قويّ.
وقد جَزَم بما جزم به النوويّ إبراهيم الحربيّ، وابنُ بطال، وغيرهما، من القدماء، والقرطبيّ، وابن الْمُنَيِّر من المتأخرين.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
قال ابن الْمُنَيِّر: المخالف للقواعد دعوى أن يُكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يُضِيف إلى حسناته في الإسلام ثوابَ ما كان صَدَرَ منه، مما كان يظنه خيرًا، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداءً من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يَعْمَل، وهو قادر، فإذا جاز أن يَكتُب له ثواب ما لم يَعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عَمِله غير مُوَفَّى الشروط.
وقال ابنُ بطال: لله أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه.
واستَدَلَّ غيره بأن مَن آمن من أهل الكتاب، يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن، والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول، لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباءً منثورًا، فدَلّ على أن ثواب عمله الأول يُكتب له مضافًا إلى عمله الثاني، وبقوله - ﷺ - لما سألته عائشة - ﵂ - عن ابن جُدْعَان، وما يصنعه من الخير، هل ينفعه؟ فقال: "إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، فدَلّ على أنه لو قالها بعد أن أسلم، نفعه ما عمله في الكفر. انتهى (^١).
قال الجامح عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرّره هؤلاء العلماء من أن الصواب أن أعمال الإنسان في حال كفره تكتب له في حال إسلامه، ويُجازى عليها؛ فضلًا من الله ﷾ بسبب حسن إسلامه هو الحقّ الذي لا شكّ فيه، ولا مرية، فمعارضته بأنه مخالف للقواعد غير مقبولة، فماذا يعنون بالقواعد، أليست القواعد هي التي جاءت بها النصوص الشرعية؟ فالذي أسّس القواعد، ووطّدها، وأرساها هو الذي أخبرنا بكتابة هذه الأعمال، فلا مجال بعد هذا للجدال، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، فأسلم تسلم، وتغنم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٢٢ - ١٢٣ "كتاب الإيمان" رقم الحديث (٤١).
[ ٣ / ٤٥٥ ]
أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَام، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (وَكِيعٌ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو عثمان بن أبي شيبة المذكور في السند السابق، وتقدّم أيضًا هو في الباب الماضي.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ ورعٌ عارف بالقراءة، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدم في "المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالكوفيين، كالسند التالي، قال النوويّ: هذه الأسانيد الثلاثة كلهم كوفيون، وهذا من أطرف النفائس؛ لكونها أسانيد متلاصقة، مسلسلةً بالكوفيين. انتهى (^١).
وفيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وشرح الحديث تقدّم مستوفًى في الحديث الماضي، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٣٦.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٧] (…) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنْجاب - بكسر الميم، وسكون النون، ثم جيم، ثم موحّدة - بن الحارث بن عبد الرحمن التميميّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضمّ الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أَضَرَّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
والأعمش سبق ذكره قبله.
وقوله: (بهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني أن عليّ بن مُسهر ساقه بسند الأعمش الذي قبل هذا، مثل متنه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق عليّ بن مسهر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.