وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٠] (١٢٣) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ"، وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرْملة التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةَ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأَيْليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الشهير، أبو بكر المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
٦ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ) بن خُويلِد بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن قُصَيّ الأسدي ابن أخي خديجة زوج النبيّ - ﷺ -، واسم أمه صفية، وقيل: فاختة، وقيل: زينب بنت زُهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزَّى، ويكنى أبا خالد، له حديث في الكتب الستة.
روى عنه ابنه حِزَام، وابن ابن أخيه، الضحاك بن عبد الله بن خالد بن حزام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسعيد بن المسيِّب، وموسى بن طلحة، وعروة، وغيرهم.
قال موسى بن عقبة عن أبي حبيبة، مولى الزبير: سمعت حكيم بن حزام يقول: وُلدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أَعقِل حين أراد عبد المطلب أن يذبح عبد الله ابنه، وحكى الواقدي نحوه، وزاد: وذلك قبل مولد النبيّ - ﷺ - بخمس سنين، وقُتل والد حكيم في الْفِجار (^١)، وشهدها حكيم.
وحَكَى الزبير بن بكار: أن حكيمًا وُلد في جوف الكعبة. رَوَى الزبير، عن مصعب بن عثمان، قال: دخلت أم حكيم في نسوةٍ الكعبة، فَضَرَبها المخاض، فأُتيت بِنِطَع حين أعجلتها الولادة، فولدت في الكعبة.
قال: وكان من سادات قريش، وكان صديق النبيّ - ﷺ - قبل المبعث، وكان يَوَدُّه ويُحِبّه بعد البعثة، ولكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، وثبت في السيرة، وفي الصحيح أنه - ﷺ - قال: "من دخل دار حكيم بن حزام، فهو آمن"، وكان من المؤلَّفة، وشهد حُنينًا، وأُعطي من غنائمها مائة بعير، ثم حَسُن إسلامه، وكان قد شَهِد بدرًا مع الكفار، ونجا مع من نجا، فكان إذا اجتهد في اليمين قال: والذي نَجّاني يوم بدر، وكنيته: أبو خالد، قال الزبير: جاء الإسلام وفي يد حكيم الرِّفَادة، وكان يفعل المعروف، ويَصِلُ الرحم.
_________________
(١) "الْفِجَار" بالكسر بمعنى المفاجرة، كالقتال والمقاتلة، وذلك أنه كان قتال في الشهر الحرام، ففجروا فيه جميعًا، فسُمّي الفجار، وللعرب فِجارات أربعة، والفجار الأخير هذا شهده النبيّ - ﷺ - مع أعمامه، وعمره إذ ذاك عشرون سنة، وكانت هذه الحروب بين قريش، ومن معهم، وبين قيس عيلان. راجع: "سيرة ابن هشام" ١/ ١٨٤ - ١٨٧.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وقال الإمام أحمد" في "مسنده": حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا الليث، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن عراك بن مالك، أن حكيم بن حزام قال: كان محمد - ﷺ - أحبّ الناس إلي في الجاهلية، فلما نُبِّئ، وهاجر شهد حكيم الموسم كافرًا، فوجد حُلّةً لذي يَزَن تباع، فاشتراها بخمسين دينارًا ليهديها إلى رسول الله - ﷺ -، فقَدِم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هديةً، فأبى، قال عبيد الله: حسبته قال: "إنا لا نقبل من المشركين شيئًا، ولكن إن شئت بالثمن"، قال: فأعطيته حين أبي عليّ الهدية (^١).
ورواه الطبراني قال: حدثنا مطلب بن شعيب، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، وفي رواية ابن صالح زيادة: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئًا أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامةَ، فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة أتلبس حلة ذي يزن؟ قال: نعم، والله لأنا خير منه، ولَأبي خير من أبيه، فانطلقت إلى مكة، فأعجبتُهم بقوله.
وروى الواقديّ عن الضحاك بن عثمان، عن أهله، قالوا: قال حكيم: كنت تاجرًا أخرج إلى اليمن، وآتي الشام، فكنت أربح أرباحًا كثيرةً، فأعود على فقراء قومي، وابتعت بسوق عكاظ زيد بن حارثة لعمتي بستمائة درهم، فلما تزوج بها رسول الله - ﷺ - وهبته زيدًا، فأعتقه، فلما حج معاوية أخذ معاوية مني داري بمكة بأربعين ألف دينار، فبلغني أن ابن الزبير قال: ما يَدرِي هذا الشيخ ما باع، فقلت: والله ما ابتعتها إلا بِزِقٍّ من خمر، وكان لا يجيء أحد يستحمله في السبيل إلا حمله.
وقال الزبير: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: كان مشركو قريش لَمّا حَصَروا بني هاشم في الشِّعب، كان حكيم تأتيه العير بالحنطة، فيُقبِلُها (^٢) الشعب، ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها.
وفي "الصحيح" أنه سأل النبيّ - ﷺ -، فقال: أشياء كنت أفعلها في
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣، والطبرانيّ (٣١٢٥)، ورجال أحمد ثقات، وصححه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥، ووافقه الذهبيّ.
(٢) يقال: أقبل الإبلَ الطريقَ: أسلكها إياه، أي: وجّهها إليه.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
الجاهلية، ألي فيها أجر؟ قال: "أسلمت على ما سلف لك من خير"، وكانت دار الندوة بيده، فباعها بعدُ من معاوية بمائة ألف درهم، فلامه ابن الزبير، فقال له: يا ابن أخي اشتريت بها دارًا في الجنة، فتصدق بالدراهم كلِّها. وكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها، مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين، وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة، شطرها في الجاهلية، وشطرها في الإسلام، قال البخاري في "التاريخ": مات سنة ستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة، قاله إبراهيم بن المنذر، ثم أسند من طريق عُمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، قال: مات لعشر سنوات من خلافة معاوية - ﵁ - (^١).
قال الحافظ الذهبيّ: يبلغ عدد مسنده أربعين حديثًا له في "الصحيحين" أربعة أحاديث متفق عليها (^٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (١٢٣)، وأعاده بعد مرتين، وحديث (١٠٣٤): "خير الصدقة عن ظهر غنى … "، و(١٠٣٥): "إن هذا المال خضرة حلوة … "، و(١٥٣٢): "البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا … "، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار بصيغة الإفراد.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٢/ ٩٧ - ٩٨، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٤٤ - ٥١.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن صحابيه - ﵁ - ذو مزايا فاخرة:
[منها]: أنه وُلد في جوف الكعبة، كما تقدّم آنفًا، وأسلم عام الفتح، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين (^١)، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامَ أَرْبَعِ … مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ
[ومنها]: أنه ممن عاش مائة وعشرين سنة، نصفها في الإسلام، ونصفها في الجاهليّة، وهم عدة من الصحابة - ﵃ -، وإليه أشار السيوطيّ أيَضًا بقوله:
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مَائَةٍ تُكَمَّلُوا
سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوْيِطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وَآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ
عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ
نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
[ومنها]: أنه كان معروفًا بكثرة الجود جاهليّة وإسلامًا، أعتق في الجاهليّة مائة رقبة، وأعتق في الإسلام مثلها، وساق في الجاهليّة مائة بدنة، وفي الإسلام مثلها، وأخرج الطبرانيّ عن مصعب بن ثابت، قال: بلغني أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة، ومعه مائة رقبة، ومائة بدنة، ومائة بقرة، ومائة شاة، فقال: "الكل لله"، وهو مرسل.
ولما توفّي الزبير - ﵁ - لقي حكيم عبد الله بن الزبير، فقال له: كم ترك أخي من الدين؟ قال: ألف ألف، قال حكيم: عليّ خمسمائة ألف، ومناقبه جمة - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) والمراد من قولهم: عاش في الإسلام ستين سنة: أي من حين ظهور الإسلام وانتشاره إلى حين وفاته، لا من حين إسلامه إلى وفاته؛ لأن ذلك أقل من ستين بكثير؛ لأنه أسلم عام الفتح، ومات سنة (٥٤ هـ) فيكون ما بينهما ستًّا وأربعين سنة، أو نحو ذلك، فتأمله، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
شرح الحديث:
عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) - ﵁ - (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عروة (أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا) بالثاء المثلثة: أي أتقرّب، والحنث في الأصل: الإثم، وكأنه أراد: أُلقي عني الإثم، وفي الرواية التالية: "أتبرّر بها"، وهو بمعناه (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد أيام كفره، لا الأيام التي قبل ظهور الإسلام، فكأنه قال: في جاهليّتي، زاد في الرواية التالية: "من صدقة، أو عَتَاقة، أو صِلَة رَحِم"، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه الآتية: أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير. (هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟) أي من أجر وثواب، كما فسّرته الرواية التالية: "أفيها أجر؟ "، وليس المراد مطلق الشيء؛ لأن له بها ذكرًا جميلًا على ألسنة الناس (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ) أي قدّمته (مِنْ خَيْرٍ") قال المازريّ: ظاهره أن الخير الذي أسلفه كُتِب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير، وقال الحربي: معناه: ما تَقَدَّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتُ على أن أحوز لنفسي ألف درهم، وأما من قال: إن الكافر لا يثاب، فحمل معنى الحديث على وجوه أخرى:
(منها): أن يكون المعنى: إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلةً، فانتفعت بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة قد مَهَّدت لك معونة على فعل الخير.
(ومنها): أنك اكتسبت بذلك ثناءً جميلًا، فهو باق لك في الإسلام.
(ومنها): أنك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإسلام؛ لأن المبادئ عنوان الغايات.
(ومنها): أنك بتلك الأفعال رُزِقت الرزق الواسع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بُعد هذه التأويلات عن معنى النصّ غاية البعد مما لا يخفى على بصير، وإنما ذكرتها؛ لتُعلَم، لئلا يُغترّ بها، فالحقّ الذي لا مرية فيه هو ما قاله المازريّ والحربيّ رحمهما الله تعالى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وقال ابن الجوزيّ: قيل: إن النبيّ - ﷺ - وَرَّى عن جوابه، فإنه سأل: هل لي فيها من أجر؟ فقال: "أسلمتَ على ما سَلَفَ من خير"، والعتق فِعْلُ خير، وكأنه أراد إنك فعلت الخير، والخير يُمدَح فاعله، ويجازى عليه في الدنيا، فقد رَوَى مسلم من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: "أن الكافر يثاب في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة". انتهى.
قال الجامع: قول ابن الجوزيّ هذا من جنس التأويلات المفنّدة، والحقّ ما سبق.
قال النوويّ بعد هذه الأقوال: وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر، واستَدَلُّوا بحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كَتَب الله تعالى له كلَّ حسنة زَلَفَها، ومحا عنه كل سيئة زَلَفها، وكان عمله بعد ذلك، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها"، ذكره الدارقطنيّ في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كلُّ حسنة عملها في الشرك. قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه، قال: وهو كقوله - ﷺ - لحكيم بن حزام - ﵁ -: "أسلمت على ما أسلفت من خير"، والله أعلم.
وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادةٌ، ولو أسلم لم يُعْتَدَّ بها، فمرادهم أنه لا يُعتدّ له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة، رُدَّ قوله بهذه السنة الصحيحة.
وقد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارةُ ظهار، أو غيرها فكفَّر في حال كفره، أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختَلَف أصحاب الشافعي - ﵁ - فيما إذا أجنب، واغتسل في حال كفره، ثم أسلم، هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعض أصحابنا - يعني الشافعيّة - فقال: يصحّ من كل كافر كلُّ طهارة،
[ ٣ / ٥٠٠ ]
من غسل، ووضوء، وتيمم، وإذا أسلم صَلَّى بها. انتهى كلام النوويّ.
ونقل القرطبيّ عن الحربيّ أنه قال: معنى "أسلمت على ما سلف لك": يعني أن ما تقدّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتَ على ألف درهم: أي على أن أحرزها لنفسه.
قال القرطبيّ: هذا الذي قاله الحربيّ هو أشبهها، وأولاها، وهو الذي أشرنا إليه في الترجمة: أي حيث قال: "باب الإسلام إذا حَسُنَ هَدَم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البرّ". انتهى (^١).
وقال الأبيّ: يُحمل الحديث على ظاهره من إثابة الكافر، وإليه ذهب ابن بطّال، واحتجّ بحديث أخرجه الدارقطنيّ، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - المذكور، ثم قال: الحديث نصّ في القضيّة، وهو تفسير لما في الأمّ (^٢). انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن بطال، وأقرّه عليه النوويّ، والأبيّ، وكذا القرطبيّ تبعًا للحربيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه؛ لظاهر حديث حكيم بن حزام - ﵁ - أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - فلا ينبغي الالتفات إلى التأويلات المخالفة له المعارضة لظواهر النصوص، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومُستراح العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ) تفسير من بعض الرواة، والظاهر أنه من ابن شهاب؛ لأنه معروفٌ بهذا، وفسّره في الرواية الآتية: بالتبرّر، وهو فعل البرّ، وهو الطاعة، قال أهل اللغة: أصل التحنّث أن يفعل فِعْلًا، يخرج به من الْحِنْث، وهو الإثم، وكذا تَأَثَّم، وتَحَرَّج، وتَهَجَّد: أي فَعَل فعلًا يخرج به عن الإثم، والْحَرَج، والْهُجُود، قاله النوويّ (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٣٢.
(٢) يعني حديث حكيم بن حزام الذي أخرجه مسلم هنا في "صحيحه".
(٣) "شرح الأبيّ" ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ١٤٢.
[ ٣ / ٥٠١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٥٨/ ٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٣] (١٢٣)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٣٦)، و"البيوع" (٢٢٢٠)، و"العتق" (٢٥٣٨)، و"الأدب" (٥٩٩٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٦٨٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٥٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٢، و٤٣٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣١٧ و٣١٨ و٣١٩ و٣٢٠ و٣٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٢٣ و١٠/ ٣١٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٨٦ و٣٠٨٧)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم العمل الصالح الذي عمله الكافر في حال كفره، وهو أنه يُثاب عليه، قال السنديّ: هذا الحديث يدلّ على أن حسنات الكافر موقوفة إن أسلم تُقبل، وإلا تُردّ، لا مردودة، وعلى هذا، فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ الآية [النور: ٣٩] محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله تعالى أوسع من هذا وأكثر، فلا استبعاد فيه. قال: وإذا بقي على كفره، فإنه يُجازى على فعل الخيرات بالدنيا، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إن الكافر إذا عَمِل حسنة أُطعم بها طُعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله يَدَّخِر له حسناته في الآخرة، ويُعْقِبه رِزقًا في الدنيا على طاعته"، وقد سبق آنفًا ذكر اختلاف العلماء في توجيه هذا الحديث، وأن الصواب أنه على ظاهره من أن ما عمله الشخص في حال كفره من الخيرات يؤجر عليه، وما عدا ذلك من الأقوال، فإنها مردودة بالنصوص الواضحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابي الجليل - ﵁ -، حيث جبله الله تعالى على طباع جميلة، وأخلاق حميدة، دعته أخيرًا إلى اعتناق الإسلام، فلما أخبره - ﷺ - بأن أعماله التي أحسن بها في جاهليته مثاب عليها، نذر على
[ ٣ / ٥٠٢ ]
نفسه: أنه ليعملنّ في الإسلام بمثل ما عمل به في جاهليته من الخيرات، فعمله، بل زاد عليه.
٣ - (ومنها): بيان فضل الله ﷾، حيث إنه لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، ولو في حال كفره، إذا وفّقه الله تعالى أخيرًا للإسلام.
٤ - (ومنها): بيان فضل الإسلام، حيث عادت بركته على ما صدر قبله من الخيرات، فقُبل بسببه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣١] (…) - (وَحَدَّثنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ، أَنهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "أَيْ رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أُمُورًا، كنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الهذليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلوانيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
٥ - (صَالِح) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد مائة وثلاثين، أو بعد الأربعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
ومن لطائف هذا الإسناد: أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن شهاب، عن عروة.
وقوله: (أَيْ رَسُولَ اللهِ) "أي" من حروف النداء التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وِللْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ "يَا" … وَ"أَيْ" وَ"آي" ثُمَّ "أَيَا" كَذَا "هَيَا"
وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ … أَوْ"يَا" وَغَيْرُ "وَا" لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
وقوله: (مِنْ صَدَقَةٍ) متعلّق بمحذوف، حال من "أمور".
وقوله: (أَوْ عَتَاقَةٍ) بفتح العين، وهكذا وقع عند البخاريّ في "الزكاة" بـ"أو"، ووقع عند أبي عوانة في "مسنده" بالواو، وكذا عند البخاريّ في "كتاب الأدب".
وقوله: ("أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ") أي على الذي قدّمته من عمل خير، قال في "القاموس": السَّلَف محرَّكةً: كلُّ عمل صالح قدّمته. انتهى (^١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٢] (…) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، تغيّر في آخره، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٧٣٨.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقيان تقدّما.
وقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي عن عروة، عن حكيم بن حزام.
[تنبيه]: طريقُ معمرٍ عن الزهريّ ساقها البخاريّ في "صحيحه" في "كتاب الزكاة"، فقال:
(١٤٣٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، حدثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن حكيم بن حِزَام - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياءَ، كنت أَتَحَنَّثُ بها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبيّ - ﷺ -: "أسلمت على ما سلف من خير". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[…] (…) - (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِيَ أَتبَرَّرُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ"، قُلْتُ: فَوَالله، لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، إِلَّا فَعَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة، فقيهٌ [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
والباقون تقدّموا.
وقوله: (أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هكذا رواية المصنّف هنا
[ ٣ / ٥٠٥ ]
"أشياء" دون ذكر "أرأيت"، وهي مذكورة عند أبي عوانة في "مسنده" من هذا الوجه، وضُبط في النسخ "أشياء" بالنصب، وله وجه، وهو أن يقدّر له "أرأيتَ" بدليل الروايات الأخرى، ويحتمل أن يكون مرفوعًا على الابتداء، والجملة بعده صفته، والخبر محذوف، تقديره: "هل لي فيها من أجر؟ ".
وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا) أي قال هشام بن عروة مفسّرًا، وموضّحًا معنى قوله: "أفعلها في الجاهلية"، ومعنى "أتبرّر" بالموحّدة، وراءين الأولى ثقيلة: أي أطلب بها البرّ، وطرح الحنث (^١).
وقوله: (لَا أَدَعُ شَيْئًا) أي لا أترك فِعْلَ شيءٍ، من البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٣] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفي المذكور قبل باب أيضًا.
والباقون تقدّموا في الماضي.
وقوله: (عَنْ أَبِيه، أَنَّ حَكيمَ بْنَ حِزَامٍ) ظاهر سياق هذه الرواية الإرسال؛ لأن عروة لم يُدرك زمن هذه القصّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يُدركها تكون روايته مرسلة، كما قال السيوطيّ في "ألفيّة الحديث":
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٢٠١ "كتاب العتق" رقم (٢٥٣٨).
[ ٣ / ٥٠٦ ]
لكن رواية هشام التي قبلها بلفظ "عن حكيم بن حزام" بيّنت الاتصال، ولفظ البخاريّ في "كتاب العتق" من طريق أبي أسامة عن هشام: أخبرني أبي، أن حكيم بن حزام - ﵁ - أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، فلما أسلم حمل على مائة بعير، وأعتق مائة رقبة، قال: فسألت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أصنعها في الجاهلية، كنت أتحنث بها؟ - يعني أتبرر بها - قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "أسلمت على ما سلف لك من خير". انتهى.
فقال في "الفتح": ظاهر سياقه الإرسال؛ لأن عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن بقيّة الحديث أوضحت الوصل، وهي قوله: "قال: فسألت"، ففاعل "قال" هو حكيم، فكأن عروة قال: قال حكيم، فيكون بمنزلة قوله: "عن حكيم". انتهى (^١).
وقوله: (ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -) ظاهره أن إتيانه بعدما فعل في الإسلام مثلما فعله في الجاهليّة، والرواية التي قبل هذا تدلّ على أنه إنما أتى قبل ذلك؛ حيث قال: "فوالله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهليّة … إلخ"، فيحتمل أن تكون "ثمّ" لمجرّد العطف دون الترتيب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١١]، ويحتمل أن يكون أتى مرتين، قبل أن يفعل، وبعدما فعل؛ زيادة في الإطمئنان بما أخبره به النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) الضمير لعبد الله بن نُمير: أي ذكر عبد الله نحو حديث الرواة السابقين.
[تنبيه]: رواية ابن نمير ساقها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ١٩٢)، فقال:
(٣٢٠) حدثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت شيئًا كنت أفعله في الجاهلية، أتحنث به، هل لي فيه أجر؟ فقال النبيّ - ﷺ -:
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٢٠١ "كتاب العتق".
[ ٣ / ٥٠٧ ]
"أسلمت على ما سلف لك من خير". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.