وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٤] (١٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوَيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالُوا: أَيُنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَيْسَ هُوَ كمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الكوفيّ الحافظ المذكور قبل بابين.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ الإمام المذكور قبل بابين أيضًا.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه يرسل [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٥ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَبْدُ اللهُ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير - ﵁ - (ت ٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵁ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، وفقهائهم.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن خاله علقمة بن قيس.
وقال النوويّ في "شرحه": هذا إسناد رجاله كوفيّون كلهم حُفّاظ متقنون، في نهاية الجلالة، وفيهم ثلاثة أئمة جِلّةٌ فقهاء، تابعيّون، بعضهم يروي عن بعض: سليمان الأعمش، وإبراهيم النخعيّ، وعلقمة بن قيس، وقَلَّ اجتماع مثل هذا الذي اجتمع في هذا الإسناد. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد ابن مسعود - ﵁ -، كما قال في "ألفيّة الحديث":
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ … عَنْ عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
٦ - (ومنها): أن فيه عبد الله مطلقًا، وقد سبق أنه إذا أُطلق عبد الله في "الصحابة" أن الأصحّ أن يُنظر في السند، فإن كان كوفيًّا كما هنا فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيًّا، فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا، فهو ابن الزبير، وإن كان بصريًّا، فهو ابن عبّاس، وإن كان مصريًّا، أو شاميًّا، فهو ابن عمرو بن العاص، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، بقوله:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
بِمَكَّةٍ فَهْوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مَصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من كبار علماء الصحابة - ﵃ -، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن أمر النبيّ - ﷺ - بأخذ القرآن عنهم، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله،
_________________
(١) "شرح النووي" ٢/ ١٤٤.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
أن أبا بكر وعمر - ﵄ - بشّراه أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا، كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، وفي لفظ قال: "غَضًّا"، أو رَطْبًا"، ولفظ: "غضًّا طريًّا".
[تنبيه]: قال الحافظ: الأعمش موصوف بالتدليس، ولكن في رواية حفص بن غياث عند البخاريّ في "صحيحه" في "قصّة إبراهيم الخليل"؛ صرّح بالتحديث، فقال: حدثنا إبراهيم، قال: ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل جاء تصريحه أيضًا في رواية شعبة عنه عند ابن منده، في "الإيمان" (١/ ٤١٧)، فقال:
(٢٦٦) ثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أبو مسعود، ويونس بن حبيب، قالا: ثنا أبو داود، ثنا شعبة، قال: قال لي الأعمش: ألا أحدِّثك حديثًا جيِّدًا؟ (ح)، وأنبأ أحمد بن إسحاق، ثنا العباس بن الفضل، ومحمد بن حرب، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن الأعمش: سمعت إبراهيم يحدث، عن علقمة، عن عبد الله، لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قال أصحاب النبيّ - ﷺ -: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - أنه (قَالَ: لَمَّا) أي حين (نَزَلَتْ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) وأنّث الفعل، باعتبار الآية، والمعنى لَمّا نزلت هذه الآية (﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾) أي يَخْلطوا، يقال: لَبَسْتُ الأمرَ بغيره - بفتح الباء - في الماضي، - وكسرها - في المضارع لَبْسًا، من باب ضرب: خلطته، وأما لُبس الثوب، فهو بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المضارع، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ الآية [الأنعام: ٩]، أي شبّهنا عليهم، وأضللناهم كما ضلّوا (﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢])، أصل
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١١١.
(٢) "الإيمان لابن منده" ١/ ٤١٧.
[ ٣ / ٥١٠ ]
الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب في الشِّبَه: "من أشبه أباه فما ظلم"، قال الأصمعيّ: ما وضع الشَّبَهَ في غير موضعه، وفي المثل: "مَن استرعَى الذئبَ فقد ظَلَم"، والظلم أيضًا: الْجَوْر، ومجاوزة الحدّ، والظلم أيضًا: الميل عن القصد، والعرب تقول: الزم هذا الصَّوْبَ، ولا تظلم عنه، أي لا تَجُرْ عنه. قاله ابن منظور (^١).
وقال القاضي عياض: الظلم في كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم استُعمل في كلّ عَسْفٍ، فمن كفر بالله، وجحد آياته، وعبد غيره، فقد عَدَلَ عن الحقّ، وتَعَسّف في فعله، ووضع عبادته في غير موضعها، وكذلك في غير ذلك من الأشياء، ومنه قولهم: ظَلَمتُ السِّقَاءَ: إذا سقيته قبل إخراج زُبْده، وظَلَمتُ الأرضَ: إذا حَفَرتَ غير موضع الحفر، وقولهم: لزموا الطريق، فلم يظلموه: أي لم يَعْدِلوا عنه إلى غير طريق، فإطلاقه على الكفر والشرك كثير، كما في هاتين الآتين، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ الآية [النمل: ٥٢]، والمؤمن العاصي ظالمٌ من حيث تعدّيه الأوامر والنواهي، ووضعها غير موضعها، ونقص إيمانه بذلك، وقد يقع الظلم بمعنى النقص، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ الآية [البقرة: ٥٧]، وفي قوله ﷾: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وهو بمعنى الأول. انتهى كلام القاضي (^٢).
فمعنى قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: أي لم يخلطوه بشرك.
وقال محمد بن إسماعيل التميميّ في "شرحه": معنى الآية: لم يُفسدوا إيمانهم، ويُبطلوه بكفر؛ لأن خلط الإيمان بالشرك لا يُتَصَوَّر: أي لم يَخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان، فتَحصُلَ لهم صفتان: إيمان متقدّم، وكفر متأخر، بأن كفروا بعد إيمانهم، ويجوز أن يكون معناه: لم يُنافقوا، فيجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا: أي لم يُنافقوا، وهذا أوجه، كما قاله الحافظ (^٣).
_________________
(١) "لسان العرب" ١٢/ ٣٧٣.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٥٠٧ - ٥٠٨.
(٣) "الفتح" ١/ ١١٠ - ١١١ "كتاب الإيمان" رقم الحديث (٣٢)، و"عمدة القاري" ١/ ٣٤٠.
[ ٣ / ٥١١ ]
(شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالُوا: أَيُّنَا) مضاف، ومضاف إليه مبتدأ خبره جملة قوله: (لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟) والجملة مقول القول، وفي رواية للبخاريّ: "أيّنا لم يظلم؟ "، بدون ذكر "نفسه"، وفي رواية له: "أينا لم يَلْبِس إيمانه بظلم؟ ".
والاستفهام للإنكار، أي ليس منا من لا يظلم نفسه.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ) أي ليس الأمر، أو ليس الظلم كما تظنّونه، من أن المراد به ظلم الإنسان نفسه (إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ) اختَلَف العلماء في نبوة لقمان، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: اتَّفَقَ العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة، فإنه قال: كان نبيًّا، وتفرد بهذا القول، وأما ابنه الذي قال له: لا تشرك بالله، فقيل: اسمه أنعم، ويقال: مِشْكَم، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ (^١).
وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": هو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول السهيليّ، واختَلَف السلف في لقمان، هل كان نبيًّا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين: الأكثرون على الثاني، وقال سفيان الثوريّ، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نَجّارًا، قال: وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا، وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدًا أسودَ، عظيم الشفتين، مُشَقَّق القدمين، وقال حَكّام بن سَلْم، عن سعيد الزَّبَيديّ، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًّا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيًا على بني إسرائيل. وذكر غيره أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل في زمان داود.
ثم قال ابن كثير - بعد ذكر الآثار -: فهذه الآثار، منها ما هو مُصَرَّح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مُشْعِر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مَسّه الرّقّ، ينافي كونه نبيًّا؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما يُنقَل كونه نبيًّا عن عكرمة، إن صَحّ السند
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٤٤.
[ ٣ / ٥١٢ ]
إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتمِ من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفيّ، وهو ضعيفٌ. انتهى كلام ابن كثير باختصار (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) يعني: أن المراد هنا هو الظلم العظيم، وزاد فيه أبو نعيم في "مستخرجه"، من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة بعد قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: "فطابت أنفسنا"، وفي رواية للبخاريّ: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان … إلخ".
وحاصل المعنى أن الصحابة - ﵃ - فهموا الظلم على الإطلاق، فشقّ عليهم ذلك: فبيّن النبيّ - ﷺ - أن المراد: الظلم المقيّد، وهو الظلم الذي لا ظلم بعده.
وقال الخطّابيّ: إنما شقّ عليهم؛ لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس، والافتيات السبق إلى الشيء، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنّوا أن المراد هنا: معناه الظاهر، فأنزل الله تعالى الآية، ومن جعل العبادة، وأثبت الربوبيّة لغير الله تعالى فهو ظالم، بل هو أظلم الظالمين (^٢).
[فإن قلت]: إن ظاهر هذه الرواية أن آية لقمان كانت معلومة عندهم، ولذلك نَبّههم النبيّ - ﷺ - عليها، حيث قال: "إنما هو كما قال لقمان لابنه … إلخ" وهذا يخالف ما وقع عند البخاريّ من طريق شعبة، عن الأعمش: "لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: أيُّنا لم يَظلِم؟، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ "؛ لأن ظاهره أن هذا السؤال هو سبب نزول آية لقمان.
[قلت]: يُجاب بأنه يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال، فتلاها عليهم النبيّ - ﷺ -، ثم نبّههم عليها، فتلتئم الروايتان.
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٤٤).
(٢) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٣٤٠.
[ ٣ / ٥١٣ ]
قال الخطابيّ: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يُلَقَّب بالظلم، فحَمَلوا الظلم في الآية على ما عداه، يعني: من المعاصي، فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية.
قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر، والذي يظهر لي أنهم حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع البخاريّ، وإنما حملوه على العموم؛ لأن قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ نكرةٌ في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر.
قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم، ويقويه، نحو "من" في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبَيَّنَ لهم النبيّ - ﷺ - أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه، وهو الشرك.
[فإن قيل]: من أين يلزم أنّ مَنْ لَبَسَ الإيمانَ بظلم لا يكون آمنًا، ولا مهتديًا حتى شَقّ عليهم، والسياق إنما يقتضي أن مَن لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد؟، فما الذي دَلّ على نفي ذلك، عمن وُجِد منه الظلم؟.
[فالجواب]: أن ذلك مستفاد من المفهوم، وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من الاختصاص المستفاد من تقديم ﴿لَهُمُ﴾ على الأمن: أي لهم الأمن لا لغيرهم، كذا قال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقال في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]: تقديم ﴿هُوَ﴾ على ﴿قَائِلُهَا﴾ يفيد الاختصاص: أي هو قائلها لا غيره.
[فإن قيل]: لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أن غير الشرك لا يكون ظلمًا.
[فالجواب]: أن التنوين في قوله: ﴿لَظُلْمٌ﴾ للتعظيم، وقد بَيَّن ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم عظيم: أي بشرك؛ إذ لا ظلم أعظم منه، وقد وَرَد ذلك صريحًا عند البخاريّ في قصة إبراهيم الخليل؛ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، ولفظه: "قلنا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم
[ ٣ / ٥١٤ ]
بظلم: بشرك، أوَلمْ تسمعوا إلى قول لقمان، فذكر الآية" (^١).
[فإن قلت]: لِمَ انحصَرَ الظلمُ العظيمُ على الشرك؟.
[فالجواب]: أن عظمة هذا الظلم معلومة بنصّ الشارع، وعظمة غيره غير معلومة، والأصل عدمها (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٩/ ٣٣٤ و٣٣٥] (١٢٤)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٣٢)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٢٨ و٣٤٢٩)، و"التفسير" (٤٦٢٩ و٤٧٧٦)، و"استتابة المرتدّين" (٦٩١٨ و٦٩٣٧)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٦٧)، و(النسائيّ) في "التفسير" كما في "تحفة الأشراف" (٧/ ١٠٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٧٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٧ و٤٢٤ و٤٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢ و٢١٣ و٢١٥ و٢١٦ و٢١٧ و٢١٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٢٢ و٣٢٣ و٣٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٣)، و(الطبريّ) (٧/ ٢٥٥ و٢٥٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٢٦٥ و٢٦٦ و٢٦٧ و٢٦٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وجوب صدق الإيمان، وأن ذلك لا يكون إلا باجتناب أنواع الشرك، وإخلاص الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان تفاوت الظلم في أفراده، وأن الشرك أعظم أنواعه، ليس فوقه ظلم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١١٠.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٣٤١.
[ ٣ / ٥١٥ ]
٣ - (ومنها): أن النكرة في سياق النفي تعمّ، وأن الخاص يَقْضِي على العامّ، والْمُبَيَّنَ على الْمُجْمَل (^١).
وقال القرطبيّ: في هذا الحديث ما يدلّ على أن النكرة في سياق النفي تعمّ؛ لأن الصحابة - ﵃ - فهموا من ذلك العموم كلّ ظلم، وأقرّهم النبيّ - ﷺ - على ذلك الفهم، وبيّن لهم أن المراد بذلك ظلم مخصوص. انتهى (^٢).
واعترض القاضي عياض على من استدلّ بالحديث للعموم، فقال: وليس يظهر لي في هذا الحديث حجة للعموم مِن حمل بعض الصحابة الآية على ظلم الإنسان نفسه، وكل ظلم، بل أقول: إن طريقهم - ﵃ - فيه الطريقة الْمُثْلَى، والنظر الأَولى من حملهم لفظ الظلم على أظهر معانيه، وأكثر استعمالاته في مُحتَمَلاته، فإنه وإن كان يُطلق على الكفر وغيره لغةً وشرعًا، فعُرفُ استعماله غالبًا، والأظهر من مفهومه إطلاقه في التعسّف، والتعدّي، والعدول عن الحقّ في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يُطلق على معان، من جحد النعم، والحقوق، وسترها، لكن مجرَّد إطلاقه، وغالب شيوعه على ضدّ الإيمان، فعلى هذا وقع فهم الصحابة المراد بالظلم، وتأويلهم الآية، وإشفاقهم من ذلك؛ إذ ورد دون قرينة، ولا بيان يصرفه عن أظهر وجوهه إلى بعض مُحتَمَلاته، حتى بيّن لهم النبيّ - ﷺ - مراد ربه تعالى بما ذكره في الحديث. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي رادًّا على من استدلّ للعموم بالحديث هو عين ما قاله المستدلّون، فمن تأمّل حقيقة ما قرّره وجده هو معنى ما قالوه، والحقّ أن استدلالهم صحيح، كما سبق في تحقيق القرطبيّ، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن اللفظ يُحْمَل على خلاف ظاهره؛ لمصلحة دفع التعارض.
٥ - (ومنها): أن المعاصي لا تُسَمَّى شركًا.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١١١.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٣٥.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩.
[ ٣ / ٥١٦ ]
٦ - (ومنها): أنّ مَن لم يُشرِك بالله شيئًا، فله الأمن، وهو مهتدٍ.
[فإن قيل]: إن العاصي قد يُعَذَّب، فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟.
[فالجواب]: أنه آمنٌ من التخليد في النار، مُهْتَدٍ إلى طريق الجنة، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أنه استنبط منه المازريّ جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ونازعه القاضي عياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن الآمن، واعتقادُ التصديق بذلك يلزم لأَوَّل وروده، فمتى هي الحاجة؟ لكنهم لَمّا أشفقوا منه بيّن لهم المراد به، كتبيين سائر ما بيّن من المشكلات. انتهى كلام القاضي (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما ذكره القاضي متعقّبًا للمازريّ وجيهٌ، وللحافظ في "الفتح" استدراك على كلام القاضي، وقد تعقّبه العينيّ في استدراكه، فراجع كلامهما (^٢)، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): بيان أنّ العامّ على عمومه حتى يَرِد دليل الخصوص.
٩ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ العامّ والمراد به الخصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر الله ﷾ في كتابه العزيز بعض وصايا لقمان؛ لابنه، وهي وصايا مهمّة جدًّا، أحببت إيرادها هنا مع ذكر إيضاح معناها (^٣)؛ تتميمًا للفوائد، وتكميلًا للعوائد. قال الله ﷿:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ [لقمان: ١٢].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي أمرناه أن يشكر الله ﷿ على ما آتاه الله ومنحه، ووهبه من الفضل
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٥٠٩ - ٥١٠.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ١١٠، و"عمدة القاري" ١/ ٣٤٢.
(٣) راجع في إيضاح المعاني المذكورة هنا: تفسير الحافظ ابن كثير لهذه الآيات.
[ ٣ / ٥١٧ ]
الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه، وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، وقولُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] أي غنيّ عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٣ - ١٥].
يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم أبيه ثاران، في قول حكاه السهيليّ، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه، وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يَعْرِف، ولهذا أوصاه أوّلًا بأن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا، ثم قال مُحَذّرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي هو أعظم الظلم.
ثم قَرَن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البرَّ بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكثيرًا ما يَقْرُن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ قال مجاهد: مشقةَ وَهْنِ الولد، وقال قتادة: جَهْدًا على جهد، وقال عطاء الخراسانيّ: ضعفًا على ضعف.
وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، ومن ههنا استنبط ابنُ عباس وغيره من الأئمة أنّ أقلّ مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة، وتَعَبَها، ومشقتها في سَهَرِها ليلًا ونهارًا؛ لِيُذَكِّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ
[ ٣ / ٥١٨ ]
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، قال: قَدِمَ علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبيّ - ﷺ -، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله - ﷺ - إليكم، أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني، لا آلوكم خيرًا، وأن المصير إلى الله، وإلى الجنة، أو إلى النار، إقامةٌ، فلا ظَعْنَ، وخلود فلا موت (^١).
وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي إن حَرَصَا عليك كُلَّ الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا: أي محسنًا إليهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال الطبرانيّ في "كتاب الْعِشْرة": حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك، قال: أنزلت فِيَّ هذه الآيةُ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنت رجلًا برًّا بأمي، فلما أسلمتُ قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لَتَدَعَنَّ دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب، حتى أموت، فَتُعَيَّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أَدَعُ ديني هذا لشيء، فمكثت يومًا وليلةً لم تأكل، فأصبحت قد جُهِدتْ، فمكَثَتْ يومًا وليلةً أخرى، لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتَدّ جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين، والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت (^٢).
_________________
(١) إسناد هذا الأثر صحيح، إلا أن فيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلّس، لكن أصل قصة بعث معاذ - ﵁ - إلى اليمن ثابت في "الصحيحين"، وغيرهما.
(٢) أثر سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - هذا أخرجه مسلم في "صحيحه".
[ ٣ / ٥١٩ ]
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٦ - ١٩].
هذه وصايا نافعة قد حكاها الله ﷾ عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس، ويقتدوا بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي إن المظلمة، أو الخطيئة، لو كانت مثقال حبة خردل، وجَوَّز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ ضمير الشأن والقصة، وجَوَّز على هذا رفع ﴿مِثْقَالَ﴾ والأول أولى، وقوله ﷿: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي أَحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فَخيرٌ، وإن شرًّا فَشرّ، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، ولو كانت تلك الذرة مُحَصَّنةً مُحَجَّبةً في داخل صخرة صَمّاء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزُب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء، وإن دَقَّت، ولَطُفَت، وتضاءلت، خبير بدبيب النمل في الليل البهيم، وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السُّدّيّ بإسناده عن ابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، إن صَحّ ذلك، ويُروَى هذا عن عطية العوفيّ، وأبي مالك، والثوريّ، والمنهال بن عمرو، وغيرهم.
قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذه الأقوال، ما نصّه: وهذا - والله أعلم - كأنه مُتَلَقًّى من الإسرائيليات التي لا تُصَدَّق، ولا تُكَذَّب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها، لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها، ويظهرها بلطيف علمه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن
[ ٣ / ٥٢٠ ]
موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صَمّاء، ليس لها بابٌ، ولا كوّة لخرج عمله للناس، كائنًا ما كان" (^١).
ثم قال: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي بحدودها، وفروضها، وأوقاتها ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ عَلِمَ أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذًى، فأمره بالصبر.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور.
وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تُعرِض بوجهك عن الناس، إذا كلمتهم، أو كلموك؛ احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن أَلِنْ جانبك، وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبالَ الإزار، فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله" (^٢).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵄ - في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تتكبر، فتحتقرَ عباد الله، وتُعْرِض عنهم بوجهك إذا كلموك، وكذا رَوَى الْعَوْفيّ، وعكرمة عنه، وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكلم، وأنت معرضٌ، وكذا رُوي عن مجاهد،. وعكرمة، ويزيد بن الأصمّ، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم، وقال إبراهيم النخعيّ: يعني بذلك: التشديق في الكلام، والصواب القول الأول.
قال ابن جرير: وأصل الصَّعْر داءٌ يأخذ الإبل في أعناقها، أو رؤوسها، فشُبِّه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حُنَيّ التغلبيّ [من الطويل]:
وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صعَّرَ خَدَّهُ … أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَا
_________________
(١) ضعيف لضعف درّاج في روايته عن أبي الهيثم، وفيه أيضًا ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور.
(٢) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ٤/ ٥٦.
[ ٣ / ٥٢١ ]
وقال أبو طالب في شعره [من الطويل]:
وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً … إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الرُّؤُوسِ نُقِيمُهَا
وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي جَذِلًا، متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يُبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي مُختالٍ مُعْجَب في نفسه، فخور أي على غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء: ٣٧].
وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: ذُكِر الكبر عند رسول الله - ﷺ -، فشَدَّد فيه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إني لأغسل ثيابي، فيعجبني بياضها، ويعجبني شِراك نعلي، وعِلاقة سوطي، فقال: "ليس ذلك من الكبر، إنما الكبر أن تَسْفَهَ الحقّ، وتَغْمِط الناس" (^١)، ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت، ووصيته بعد موته.
وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي امشِ مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبِّط، ولا بالسريع المفرِط، بل عدلًا وسطًا بين بين.
وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير: أي غايةُ مَن رَفَع صوته أنه يُشَبَّه بالحمير في علوّه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه، وذمه غاية الذمّ؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: "ليس لنا مثل السَّوْء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"، متّفقٌ عليه (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا سمعتم صياح الديكة،
_________________
(١) في سنده محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيفٌ؛ لسوء حفظه.
(٢) أخرجه البخاريّ برقم (٢٦٢١)، ومسلم برقم (١٦٢٢).
[ ٣ / ٥٢٢ ]
فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نَهِيق الحمير، فتعوّذوا من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا"، متّفقٌ عليه.
قال الحافظ ابن كثير: فهذه وصايا نافعة جدًّا، وهي من قِصَص القرآن العظيم، عن لقمان الحكيم، وقد رُوي عنه من الْحِكَم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجًا، ودُستورًا إلى ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشَل بن مجمع الضبيّ، عن قَزَعَة، عن ابن عمر، قال: أخبرنا رسول الله - ﷺ - قال: "إن لقمان الحكيم، كان يقول: إن الله إذا استُودِعَ شيئًا حَفِظَه" (^١).
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، وعثمان، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ عن موسى بن سليمان، عن القاسم يحدث عن أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "قال لقمان الحكيم لابنه، وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مَخْوَفةٌ بالليل مَذَمَّة بالنهار" (^٢).
وقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن ضمرة، حدثنا السّرِيّ بن يحيى، قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك (^٣).
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعوديّ، عن عون بن عبد الله، قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام - يعني السلام - ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تَنطِق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله، فأَجِلْ سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (^٤).
_________________
(١) الحديث بذكر لقمان ضعيف، وإنما هو صحيح دون ذكره، راجع: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني ٦/ ١٠٢.
(٢) في سنده، موسى بن سليمان لم يرو عنه إلا الأوزاعيّ، ففيه جهالة.
(٣) إسناده حسن.
(٤) إسناده ضعيف، فيه المسعودي، وقد اختلط بآخره، ولا يُعرف هل ابن المبارك أخذ عنه قبل الاختلاط أم لا؟.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدّثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يَعِظ ابنه وعظة، ويخرج خردلة، حتى نَفِد الخردل، فقال: يا بُني لقد وعظتك موعظة لو وُعظها جبل تفطّر، قال: فتفطّر ابنه (^١).
وقال أبو القاسم الطبرانيّ: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصيّ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحرانيّ، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ، حدثنا أبين بن سفيان المقدسيّ، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشيّ، وبلال المؤذن" (^٢)، قال الطبرانيّ: أراد الحبش (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٥] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ (^٤) بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلًا أَبِي، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْأَعْمَش، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) - بفتح الخاء، وإسكان الشين المعجمتين، وفتح الراء، وزان جعفر - المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
_________________
(١) إسناده إلى حفص بن عمر حسن.
(٢) ضعيف جدًّا، بل ذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات" (٢/ ٢٣٢)، وقال: لا يصحّ، والمتهم به أبين كان يقلب الأخبار، وعثمان لا يُحتجّ به.
(٣) راجع: "تفسير ابن كثير" ١١/ ٤٩ - ٦١ النسخة الجديدة مؤسسة قرطبة.
(٤) بكسر الميم، وإسكان النون، وبالجيم، وآخره باء موحدة.
[ ٣ / ٥٢٤ ]
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الزَّعَافريّ، أخو داود، وأبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وعمرو بن مُرّة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن مُصَرِّف، وسِمَاك بن حرب، وعِدّة.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، والثوريّ، ووكيع، وأبو أسامة، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه، فقال: ثقةٌ، سمعت أحمد يقول: قال ابن إدريس: قال لي شعبة: كان أبوك يُفِيدني، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٢٤)، وحديث (٢١٣٥): "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم … "، و(٣٠١٧): "فقد علمتُ اليوم الذي أُنزلت فيه … ".
٥ - (أَبانُ بْنُ تَغْلِبَ) أبو سَعْد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٤] (١٤٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
[تنبيه]: تقدّم الخلاف في صرف أبان في مقدمة الكتاب، وأن المختار عند المحققين صرفه، وتغلب - بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام - غير مصروف.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: عيسى بن يونس، وعليّ بن مُسهر، وعبد الله بن إدريس، رووه عن الأعمش بسنده السابق.
[تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة عن الأعمش ساقها الحافظ ابن منده مع
[ ٣ / ٥٢٥ ]
زيادة أبي معاوية، وجرير، ووكيع، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث في "الإيمان" (١/ ٤١٨)، فقال:
(٢٦٧) وأنبأ عمرو بن محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عمرو الشيبانيّ، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبد الله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، وأبي، كلهم عن سليمان بن مهران (ح) قال: وثنا عبد الله بن محمد العبسيّ، ثنا ابن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) قال: وثنا عبد الله بن محمد بن زكرياء، ثنا سهل بن عثمان، ثنا أبو معاوية، عن سليمان الأعمش (ح) وأنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق، أنبأ جرير، وأبو معاوية، ووكيع، وعيسى بن يونس (ح) وأنبأ أحمد بن عيسى البيروتيّ، ثنا أبو عبد الرحمن النسائيّ، ثنا علي بن حجر، ثنا عيسى بن يونس (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، ثنا داود بن رُشيد، ثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: ليس ذاك هو، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾؟. انتهى (^١).
وقوله: (قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ) أي هذا الحديث (أَوَّلًا أَبِي) هو إدريس بن يزيد المذكور آنفًا (عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْأَعْمَش، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ) أي سمعت هذا الحديث من شعبة، قال النوويّ: هذا تنبية منه على عُلُوّ إسناده هنا، فإنه نَقَصَ عنه رجلان - أي أبوه، وأبان - وسمعه من الأعمش، وقد تقدم مثل هذا في "بابُ: الدينُ النصيحة". انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية أبي كريب هذه ساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٤١٨)، فقال:
(٢٦٨) أنبأ الحسين بن علي، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بن المغيرة، ثنا محمد بن العلاء، ثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ
_________________
(١) "الإيمان لابن منده" ١/ ٤١٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٤٤.
[ ٣ / ٥٢٦ ]
آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وشَقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: "ليس ذاك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ ". انتهى.
قال ابن إدريس: حدثنيه أوّلًا أبي، عن أبان بن تغلب، عن الأعمش، ثم سمعته منه. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.