وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٢٣] (١٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.
(ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا هَذَا الْحَيَّ، مِنْ رَبِيْعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِه، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: الْإِيمَانِ باللهِ"، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: "شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٧٩.
[ ١ / ٣٢٥ ]
الزَّكَاة، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِير، وَالْمُقَيَّرِ - زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ - شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"، وَعَقَدَ وَاحِدَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) بن ثَعْلب - بالمثلّثة، والمهملة - ويقال: طالب بن غُرَاب الْبَزّار - بالراء آخرَهُ - المقرئ البغداديّ، ثقة [١٠].
روى عن مالك، وحماد بن زيد، وهشيم، وأبي الأحوص، وأبي شهاب، وأبي عوانة، والدّرَاوَرْديّ، وجماعة.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن أبي خيثمة، وإبراهيم الحربيّ، وعباس الدُّوريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال اللالكائيّ: سئل عباس الدُّوريّ عن حكاية عن أحمد بن حنبل في خَلَف بن هشام، فقال: لم أسمعها، ولكن حدّثني أصحابنا أنهم ذكروه عند أحمد، فقيل: إنه يشرب، فقال: قد انتهى إلينا علم هذا، ولكنه والله عندنا الثقة الأمين، وقال عباس: ووَجَّهني خلف إلى يحيى، فقال: كانت عندي كتب حماد بن زيد، فحدثت بها، وبَقِيَ عندي رِقَاع بعضها دارس، فاجتمعت عليه أنا وأصحابنا، فاستخرجناها، فهل ترى أن أحدث بها؟ قال لي: قل له حدث بها يا أبا محمد، فإنك الصدوق الثقة، وقال النسائيّ: بغدادي ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان عابدًا فاضلًا، قال: أعدت صلاة أربعين سنةً، كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين، وحكى الخطيب في "تاريخه" عن محمد بن حاتم الكنديّ، قال: سألت يحيى بن معين عن خَلَف البزار؟ فقال: لم يكن يَدْرِي أَيْشٍ الحديثُ؟ قال الخطيب: أحسبه سأله عن حفاظ الحديث وثقاته، فأجابه بهذا، والمحفوظ عن يحيى توثيق خلف، وقال أبو عمرو الدانيّ: قرأ القرآن عن سُلَيم، وأَخَذَ حرف نافع عن إسحاق المسيَّبِيّ، وحرف عاصم عن يحيى بن آدم، وهو إمام في القراءات، وله اختيار حُمِلَ عنه، مُتَقَدِّم في رواية الحديث، صاحب سنة، ثقة مأمون.
قال موسى بن هارون، وغير واحد: مات في سنة (٢٢٩) في جمادى
[ ١ / ٣٢٦ ]
الآخرة، وكذا قال ابن حبان، وزاد: وكان خيرًا فاضلًا عالِمًا بالقراءات، كتب عنه أحمد بن حنبل.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثًا.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثَبْتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) ٣/ ٢٦.
٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) ٢/ ٩.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ الْعَتَكيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٧].
روى عن عاصم الأحول، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ، وهشام بن عروة، وعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن حفص، وعوف الأعرابيّ، ومجالد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويونس بن خباب، وواصل مولى أبي عُيينة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وإبراهيم بن زياد سَبَلان، ومسدد، ومحمد بن عيسى بن الطَّبّاع النيسابوري، وموسى بن إسماعيل، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: ليس به بأسٌ، وكان رجلًا عاقلًا أديبًا، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: عباد بن عباد، وعباد بن العوّام جميعًا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما، وأكثرهما حديثًا، وقال يعقوب بن شيبة، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوقٌ، لا بأس به، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: لا، وقال الترمذيّ، عن قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف: مالكًا، والليث، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقة العجليّ، والعقيليّ، وأبو أحمد المروزيّ، وابن قتيبة.
قال الحافظ: وأورد ابن الجوزي في "الموضوعات" حديث أنس: "إذا بلغ العبد أربعين سنة … " من طريق عباد هذا، فنسبه إلى الوضع، وأفحش
[ ١ / ٣٢٧ ]
القول فيه، فَوَهِمَ وَهَمًا شنيعًا، فإنه التبس عليه بِرَاو آخر، وقد تعقبتُ كلامه في "الخصال المكفرة" انتهى (^١).
وقال ابن سعد: كان ثقةً، وربما غَلِطَ، وقال في موضع آخر: كان معروفًا بالطلب، حسن الهيئة، ولم يكن بالقويّ في الحديث، وتُوُفّي سنة إحدى وثمانين ومائة، وزاد أبو جعفر بن جرير الطبريّ: في رجب، قال: وكان ثقةً، غير أنه كان يَغْلَط أحيانًا، وقال البخاريّ: قال سليمان بن حرب: مات قبل حماد بن زيد بستة أشهر، وقال إبراهيم بن زياد سَبَلان: مات سنة (١٨٠)، قال البخاريّ: وهذا أشبه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٧) و(٦٦٣) و(١٢١١) و(١٢٣١) و(١٤٧٦) و(٢١٣٢) و(٢١٩٢) و(٢٦٧٣).
٥ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - هو: نصر بن عمران بن عِصَام، وقيل: ابن عاصم بن واسع، الضُّبَعيُّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها مهملة - البصريُّ، نزيل خُرَاسان، مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣].
روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وجُويرية بن قُدامة، وأنس بن مالك، وزَهْدَم الجرمي، وأبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه علقمة، وأبو التَّيّاح، والمثنى بن سعيد الْقَسّام، ومُرّة بن خالد، وشعبة، وإبراهيم بن طَهْمان، والحمادان، وعمران القطان، وهمام بن يحيى، وعباد بن عباد المهلبيّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: روى أبو عوانة، عن أبي حَمْزَة القَصّاب ستين حديثًا، وروى عن أبي جَمْرة حديثًا، واحدًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلم بن الحجاج: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم إلى سَرَخْس، فمات بها، وقال الحاكم: كان ورد خراسان مع سعيد بن عثمان، ثم وردها مع يزيد بن المهلب، وله ذكر في الفتوح، ثم أقام بسرخس، وتُوفي بها، وقال عمرو بن عليّ: مات قبل أبي التياح بقليل، ومات أبو التياح
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٧٨.
[ ١ / ٣٢٨ ]
سنة ثمان وعشرين ومائة، وفيها أرَّخه الترمذيّ، وقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وقال خليفة بن خياط، والبخاريّ: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان عَزْلُ يوسف سنة أربع وعشرين، وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٧) كرّره ثلاث مرات، (٦٣٥) و(٧٦٤) و(٩٦٧) و(١٢٤٢) و(٢٣٥١) و(٢٤٧٤) و(٢٥٣٥).
[تنبيه]: "الضُّبعيّ" - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، من بني ضُبَيعة - بضم أوله، مُصَغَّرًا - وهم بطن من عبد القيس، كما جزم به الرشاطيّ، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم: بنو ضُبَيعة أيضًا، وقد وَهِمَ من نَسَبَ أبا جمرة إليهم، من شُرّاح البخاريّ، فقد روى الطبرانيّ، وابن منده في ترجمة نوح بن مَخْلَد، جَدِّ أبي جمرة أنه قَدِمَ على رسول الله - ﷺ -، فقال له: "ممن أنت؟ " قال: من ضُبَيعةِ ربيعةَ، فقال: "خيرُ ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذين أنت منهم"، قاله في "الفتح" (^١).
٦ - (ابن عبّاس) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله - ﷺ -، كان يقال له: الْحَبْر والْبَحْر؛ لكثرة علمه.
رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وأخيه الفضل، وخالته ميمونة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وتميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وجماعة.
وروى عنه ابناه: علي ومحمد، وابن ابنه محمد بن علي، وأخوه كَثِير بن العباس، وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وابن أخيه الآخر، عبد الله بن معبد بن عباس، ومن الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور بن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة، وخلق كثير من التابعين.
دعا له النبي - ﷺ - بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٥٨.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ابن عباس. وقال ابن مسعود أيضًا: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد. وَرَوَى ابن أبي خيثمة بسند فيه جابر الجعفي أن ابن عمر كان يقول: ابنُ عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد - ﷺ -. وروى ابن سعد بسند صحيح أن أبا هريرة قال - لما مات زيد بن ثابت -: مات اليوم حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط.
وقال يزيد بن الأصمّ: خرج معاوية حاجًّا، وخرج ابن عباس حاجًّا، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس ممن يطلب العلم موكب. وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. وروى الزبير بن بكار في كتاب "الأنساب" بسند له فيه ضعف عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس، ويُقَرِّبه، ويقول: إني رأيت رسول الله - ﷺ - دعاك يومًا، فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: "اللهم فَقِّهه في الدين، وعلمه التأويل". ورَوَى أحمد هذا المتن بسند لا بأس به، من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وبعضه في "الصحيح". ورواه الطبرانيّ بمعناه من طريق ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس نحوه. وعند أبي نعيم بسند له عن عبد الله بن بُريدة، عن ابن عباس قال: انتهيت إلى رسول الله - ﷺ -، وعنده جبريل، فقال له جبريل: إنه كائن حبرَ هذه الأمة، فاستوصِ به خيرًا.
[فائدة]: رُوي عن غُندَر أن ابن عباس لم يسمع من النبي - ﷺ - إلا تسعة أحاديث. وعن يحيى القطان: عشرة. وقال الغزالي في "المستصفى" أربعة: وكلُّ هذا فيه نظر، ففي "الصحيحين" عن ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي - ﷺ - أكثر من عشرة، وفيهما مما شَهِدَ فعله نحوُ ذلك، وفيهما مما له حُكمُ الصريح نحوُ ذلك، فضلًا عما ليس في "الصحيحين".
قال السخاويّ رحمه الله تعالى: وقد اعتنى شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - بجمع الصحيح والحسن فقط مما صرّح فيه ابن عباس بالسماع، فزاد على الأربعين، سوى ما هو في حكم السماع، كحكاية حضور شيء فُعِل بحضرة النبيّ - ﷺ -، انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "فتح المغيث شرح ألفيّة الحديث" ١/ ١٨٠ - ١٨١.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ورَوَى سعيد بن جبير عنه قال: قُبِض النبي - ﷺ -، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وعنه قال: وأنا خَتِين. وعنه قال: ابن عشر سنين. وعنه قال: وأنا ابن خمس عشرة، وصوَّبه أحمد بن حنبل. وصحح ابنُ عبد البر ما قاله أهل السير أنه كان له عند موت النبي - ﷺ - (١٣) سنة.
وقال أبو نعيم في آخرين: مات سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. وكان موته بالطائف. وقيل: مات سنة (٦٩)، وقيل: سنة سبعين.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٦٩٦) حديثًا، اتفق الشيخان على (٧٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٢٨) ومسلم بـ (٤٩) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد عنده، كما قدّمناه في "شرح المقدّمة".
٢ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها قريبًا، فلا تَنْسَ.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني لم يُخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه أيضًا، فالأول بغداديّ، والثاني نيسابوريّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الأصح في "عن" من غير المدلّس إذا ثبت السماع، واكتفى المصنّف بالمعاصرة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "شرح المقدّمة".
٧ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وهو الملقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالطائف.
[ ١ / ٣٣١ ]
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: إن قوله في الرواية الثانية: أخبرنا عباد بن عباد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس - ﵄ - قد يَتَوَهَّم من لا يُعَاني هذا الفن أنّ هذا تطويل لا حاجة إليه، وأنه خلاف عادته، وعادة الحفاظ، فإن عادتهم في مثل هذا أن يقولوا: "عن حماد، وعباد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس"، وهذا التوهم يَدُلُّ على شدة غباوة صاحبه، وعدم مؤانسته بشيء من هذا الفن، فإن ذلك إنما يفعلونه فيما استوى فيه لفظ الرواة، وهنا اختلف لفظهم، ففي رواية حماد: "عن أبي جمرة، سمعت ابن عباس"، وفي رواية عباد: "عن أبي جمرة، عن ابن عباس".
قال: وهذا التنبيه الذي ذكرته ينبغي أن يُتَفَطَّن لمثله، وقد نبهت على مثله بأبسط من هذه العبارة في الحديث الأول من "كتاب الإيمان"، ونبهت عليه أيضًا في الفصول، وسأنبه على مواضع منه أيضًا مفرقة في مواضع من الكتاب - إن شاء الله تعالى -.
والمقصود أن تُعْرَف هذه الدقيقة، وَيتَيَقَّظ الطالبُ لِمَا جاء منها، فيعرفَه، وإن لم أنُصَّ عليه اتّكالًا على فهمه بما تكرر التنبيه به.
ولْيَسْتَدِلَّ أيضًا بذلك على عظم إتقان مسلم رحمه الله تعالى، وجلالته، وورعه، ودِقَّة نظره، وحِذْقِه، والله تعالى أعلم، انتهى (^١).
٩ - (ومنها): أن أبا جمرة بالجيم والراء، قال صاحب "المطالع": ليس في "الصحيحين"، و"الموطإ" أبو جمرة، ولا جَمْرَة بالجيم، إلا هو، وقد ذكر الحاكم أبو أحمد الحافظ الكبير، شيخ الحاكم أبي عبد الله في كتاب "الأسماء والكنى" أبا جمرة نصر بن عمران هذا في الأفراد، فليس عنده في المحدثين من يُكنى أبا جمرة بالجيم سواه، وفيه أبو حمزة - بالحاء والزاي - ويروي عن ابن عباس حديثًا واحدًا، وذكر فيه معاويةَ بن أبي سفيان، وإرسال النبيّ - ﷺ - إليه ابن عباس، وتأخره واعتذاره، رواه مسلم في "الصحيح" (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٨٠.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه"، فقال:
(٣) حدثنا محمد بن المثنى العنزي (ح) وحدثنا ابن بشار، واللفظ لابن المثنى=
[ ١ / ٣٣٢ ]
وحَكَى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه "علوم الحديث"، والقطعة التي شرحها في أول مسلم، عن بعض الحفاظ أنه قال: إن شعبة بن الحجاج، رَوَى عن سبعة رجال، يَرْوُون كلُّهم عن ابن عباس، كلُّهم يقال له: أبو حَمْزَة - بالحاء والزاي - إلا أبا جمرة، نصر بن عمران - فبالجيم والراء - قال: والفرق بينهم يُدرَك بأن شعبة إذا أَطْلَق، وقال: "عن أبي جمرة، عن ابن عباس" فهو بالجيم، وهو نصر بن عمران، وإذا رَوَى عن غيره ممن هو بالحاء والزاي، فهو يذكر اسمه أو نسبه، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى: وربّما أطلق غيره أيضًا، مثاله ما روى أحمد في "مسنده": ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة، سمعت ابن عبّاس يقول: "مرّ بي رسول الله - ﷺ -، وأنا ألعب مع الغلمان، فاختبأتُ منه خلفَ باب … " الحديث، فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة، وليس هو نصرَ بنَ عمران، إنما هو بالحاء المهملة والزاي القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، كما بيّنه مسلم في روايته (^١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، فقال:
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ
إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) - بالجيم والراء - نصر بن عمران، كما تقدم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵁ -، أنه (قَالَ) سبب قول ابن عباس - ﵁ - هذا أن امرأةً جاءته تسأله عن
_________________
(١) = قالا: حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس، قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله - ﷺ -، فتواريت خلف باب، قال: فجاء، فحطأني حطأة، وقال: "اذهب، وادع لي معاوية"، قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: "اذهب، فادع لي معاوية"، قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، فقال: "لا أشبع الله بطنه". و"الْحَطْأَة": الضرب بالكفّ.
(٢) راجع "تدريب الراوي" ٢/ ٣٢٧.
[ ١ / ٣٣٣ ]
نبيذ الجرّ، كما سيأتي في الحديث التالي: - إن شاء الله تعالى - (قَدِمَ) - بكسر الدال - يقال: قَدِمَ الرجل البلد يَقْدَمُهُ، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَمًا بفتح الميم والدال، قاله في "المصباح" (^١)، وفي "القاموس": وقَدِمَ من سَفَرِه، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آب، فهو قادم، انتهى (^٢).
(وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ) "الْوَفد" بفتح، فسكون: جمع وافد، قال الفيّوميّ: وَفَدَ على القوم وَفْدًا، من باب وَعَدَ، ووُفُودًا، فهو وافدٌ، وقد يُجمَعُ على وُفَّاد، ووُفَّدٍ، وعلى وَفْدٍ، مثلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، انتهى (^٣).
وقال ابن سيده: يقال: وَفَدَ عليه، وإليه وَفْدًا ووُفُودًا، ووِفَادةً وإِفَادَةً على البدل: قَدِمَ عليه، وهم الوَفْدُ، والوُفُودُ، فأما الوَفْدُ فاسم جمع، وقيل: جمع، وأما الوُفُودُ فجمع وافدٍ، وقد أوفده إليه.
وفي "الجامع" للقزّاز: وَفَدَ القومُ يَفِدُون، وأوفدتهم أنا أيضًا، وواحد الوفد وافدٌ.
وفي "الصحاح": وَفَدَ فلانٌ على الأمير رسولًا، والجمع وَفْدٌ، وجمع الوافد أَوفَادٌ، والاسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير: أي أرسلته.
وفي "المغيث": الوَفْدُ قوم يجتمعون، فيَرِدون البلادَ، وكذا ذكره الفارسيّ في "مجمع الغرائب".
وقال صاحب "التحرير": "الوَفْدُ": الجماعة المختارة من القوم؛ ليتقدّموهم إلى لُقِيّ العظماء، والمصير إليهم في المهمات، واحدهم وَافِدٌ.
وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركابًا، ويؤيّده ما ذكره ابن عبّاس فسّر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]، قال: رُكبانًا.
و"عبد القيس": أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بفتح الهمزة، وسكون الفاء، والصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْميّ - بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة - ابن جَدِيلة - بفتح الجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نِزَار، كانوا ينزلون البحرين، وحوالي القطيف والأحساء، وما بين هَجَر إلى الديار المصريّة (^٤).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٣.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٠٣٤.
(٣) "المصباح" ٢/ ٦٦٦.
(٤) راجع "عمدة القاري" ١/ ٣٠٤.
[ ١ / ٣٣٤ ]
(عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -) متعلّق بـ "قَدِمَ"، قال صاحب "التحرير": وَفْدُ عبد القيس هؤلاء تقدَّموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله - ﷺ -، وكانوا أربعة عشر راكبًا الأشجّ الْعَصَريّ (^١) رئيسهم، ومَزْيَدَة بن مالك المحاربيّ، وعبيدة بن همام المحاربيّ، وصُحَار بن العباس (^٢) الْمُرّيّ، وعمرو بن مَرْجوم (^٣) الْعَصريّ، والحارث بن شُعيب الْعَصَريّ، والحارث بن جُنْدَب، من بني عايش، ولم نَعْثُر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء وتعقّب صاحب "الفتح" قوله: ولم نعثر بعد طول التتبع إلخ فقال:
قد ذكر ابنُ سعد منهم عُقبة بن جروة، وفي "سنن أبي داود" قيس بن النعمان الْعَبْديّ، وذكره الخطيب أيضًا في "المبهمات"، وفي "مسند البزار"، وتاريخ ابن أبي خيثمة": الجهم بن قُثَم، ووقع ذكره في "صحيح مسلم" أيضًا، لكن لم يُسَمِّه، وفي "مسندي أحمد، وابن أبي شيبة": الرستم العبديّ، وفي "المعرفة" لأبي نعيم: جُويرية العبديّ، وفي "الأدب" للبخاريّ: الزارع بن عامر العبديّ.
قال: فهؤلاء الستة الباقون من العدد، وما ذَكَرَ من أن الوَفْد كانوا أربعة عشر راكبًا، لم يذكر دليله.
وفي "المعرفة" لابن منده، من طريق هُود العَصَريّ، عن جده لأمه،
_________________
(١) واسمه المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عَصَر، كذا نسبه أبو عمر، وقال ابن الكلبيّ: المنذر بن عوف بن عمرو بن زياد بن عَصَر، وكان سيّد قومه، و"عَصَر" - بفتح العين والصاد المهملتين - ابن عوف بن عمرو بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لُكَيز - بضمّ اللام، وفي آخره زاي معجمة - ابن أفصى - بالفاء - ابن عبد القيس بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، وإنما قال له النبيّ - ﷺ -: الأشجّ لأثر كان في وجهه. انتهى "عمدة القاري" ١/ ٣٠٨.
(٢) بضم الصاد، وتخفيف الحاء، وفي آخره راء، وكلها مهملات.
(٣) بالجيم، واسم المرجوم: عامر بن عمرو بن عديّ بن عمرو بن قيس بن شهاب بن زيد بن عبد الله بن زياد بن عَصَر، كان من أشراف العرب، وساداتها. انتهى "عمدة القاري" ١/ ٣٠٨.
[ ١ / ٣٣٥ ]
مزيدة، قال: بينما رسول الله - ﷺ - يحدث أصحابه، إذ قال لهم: "سيطلُع لكم من هذا الوجه رَكْبٌ، هم خير أهل المشرق"، فقام عمر، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فرَحَّب، وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس.
فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب، أو مُرتدفًا.
وأما ما رواه الدُّولابيّ وغيره من طريق أبي خَيْرَة - بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثنّاة التحتانية، وبعد الراء هاء - الصُّبَاحيِّ وهو - بضم الصاد المهملة، بعدها موحدة خفيفة، وبعد الألف حاء مهملة - نسبة إلى صُبَاح بطن من عبد القيس، قال: كنت في الوفد الذين أَتَوْا رسول الله - ﷺ - من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا، فنهانا عن الدباء، والنقير … الحديث.
فيمكن أن يُجْمَع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر، كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا.
وقد وقع في جملة الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة على من سميته هنا، منهم: أخو الزارع، واسمه مطر، وابن أخته، ولم يُسَمَّ، وروى ذلك البغويّ في "معجمه"، ومنهم: مشمرج السعديّ، رَوَى حديثه ابن السكن، وأنه قَدِمَ مع وفد عبد القيس، ومنهم جابر بن الحارث، وخُزيمة بن عبد بن عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية - أوله جيم - ابن جابر ذكرهم ابن شاهين في "معجمه"، ومنهم نوح بن مَخْلَد، جَدُّ أبي جمرة، وكذا أبو خَيْرة الصُّبَاحيّ، كما تقدم.
قال الحافظ: وإنما أطلت في هذا الفصل؛ لقول صاحب "التحرير": إنه لم يَظْفَر بعد طول التتبع إلا بما ذكرهم، انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض العينّي على الحافظ في الجمع المذكور، مع أنه سبق له قوله: لم يذكر دليله، ونصّ عبارة العينيّ بعد ذكره الجوابين: هذا عجيب منه؛ لأنه لم يسلّم التنصيص على العدد المذكور، فكيف يوفق بينه وبين ثلاثة عشر، وأربعين؟
قال الجامع: يجاب عن الحافظ بأن جمعه المذكور على تقدير صحة ذلك، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قال العينيّ رحمه الله تعالى: ومن الذين كانوا في الوفد الأعور بن مالك بن عمر بن عوف بن عامر بن ذُبيان بن الديل بن صباح، وكان من أشراف عبد القيس، وشُجعانهم في الجاهلية، قال أبو عمرو الشيبانيّ: وكان ممن وفد على رسول الله - ﷺ - مع الأشجّ، ذكره الرشاطي، ومنهم القائف وإياس ابنا عيسى بن أميّة بن ربيعة بن عامر بن ذُبيان بن الديل بن صباح، وكانا من سادات بني صُباح، ومنهم شريك بن عبد الرحمن، والحارث بن عيسى، وعبد الله بن قيس، والزارع بن عامر، وعيسى بن عبد الله كانوا مع الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - مع الأشجّ، ذكرهم كلهم أبو عبيدة، ومنهم ربيعة بن خِرَاش، ذكره المدائنيّ، وقال: إنه وفد، ومنهم مُحارب بن مرثد وفد على رسول الله - ﷺ - مع وفد عبد القيس، ذكره ابن الكلبيّ، ومنهم عباد بن نوفل بن خداش، وابنه عبد الرحمن بن عباد، وعبد الرحمن بن حيّان، وأخوه الحكم بن حيّان، وعبد الرحمن بن أرقم، وفضالة بن سعد، وحسّان بن زيد، وعبد الله بن همام، وسعد بن عمر، وعبد الرحمن بن همام، وحكيم بن عامر، وأبو عمرو بن شييم كلهم وفدوا على النبيّ - ﷺ -، وكانوا من سادات عبد القيس وأشرافها وفرسانها، ذكرهم أبو عبيدة.
فهؤلاء اثنان وعشرون رجلًا زيادة على ما ذكره هذا القائل (^١)، فجملة الجميع تكون خمسة وأربعين نفسًا، فعلمنا أن التنصيص على عدد معيّن لم يصحّ، ولهذا لم يُخرجه البخاريّ ومسلم بالعدد المعيّن، انتهى كلام العينيّ رحمه الله تعالى (^٢).
[تنبيه]: سبب قدوم وَفْد عبد القيس على النبيّ - ﷺ - أنّ مُنقِذ بن حَبّان أحد بني غَنْم بن وَدِيعة كان مَتْجَرُه إلى يثرب في الجاهلية، فشَخَصَ إلى يثرب بِمَلاحِفَ وتَمْر من هَجَر، بعد هجرة النبيّ - ﷺ -، فبينا منقذُ بن حبّان قاعدٌ إذ مَرّ به النبيّ - ﷺ -، فنَهَضَ منقذ إليه، فقال النبيّ - ﷺ -: "أمنقذُ بن حبّان؟ كيف جميع هيئتك وقومك؟ ثم سأله عن أشرافهم، رجلٍ رجلٍ، يُسَمِّيهم بأسمائهم، فأسلم منقذٌ، وتَعَلَّم "سورة الفاتحة"، و"اقرأ باسم ربك"، ثم رَحَلَ قِبَلَ هَجَر، فكتب
_________________
(١) يريد الحافظ ابن حجر.
(٢) راجع "عمدة القاري" ١/ ٣٠٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
النبيّ - ﷺ - معه إلى جماعة عبد القيس كتابًا، فذَهَب به، وكَتَمَه أيامًا، ثم اطَّلَعت عليه امرأته، وهي بنت المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن الحارث، والمنذر هو الأشجّ، سَمّاه رسول الله - ﷺ - به؛ لأثر كان في وجهه، وكان منقذ ل - ﵁ - يصلي، ويقرأ، فنَكِرَت امرأته ذلك، فذكرته لأبيها المنذر، فقالت: أنكرت بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنه يغسل أطرافه، ويستقبل الجهة - تعني القبلة - فيَحنِي ظهره مرّةً، ويضع جَبِينه مرةً، ذلك دَيْدَنه منذ قَدِمَ، فتلاقيا، فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشجّ إلى قومه عَصَرَ ومُحَارِب بكتاب رسول الله - ﷺ -، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله - ﷺ -، فسار الوَفْدُ، فلما دَنَوْا من المدينة، قال النبيّ - ﷺ - لجلسائه: "أتاكم وَفْدُ عبد القيس خير أهل المشرق، وفيهم الأشجّ العصَريّ، غير ناكثين، ولا مُبَدِّلين، ولا مُرْتابين؛ إذ لم يُسْلِم قوم حتى وُتِرُوا"، نقله النوويّ عن صاحب "التحرير" (^١).
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا) هي "إنّ" واسمها ضمير المتكلمين، وأصلها: إنّنا، فحذفت النون الثانية من "إنّ" تخفيفًا؛ لتوالي الأمثال، ثم أدغمت في "نا"، وقوله: (هَذَا الْحَيَّ) اسم الإشارة في محلّ نصب على الاختصاص، أي نخصّ هذا، والاختصاص مثلُ النداء، كما قال في "الخلاصة":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … كَـ"أَيُّهَا الْفَتَى "بإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيِّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أًسْخَى مَنْ بَذَلْ"
وقوله: "الحيّ" نعت له، أو بدل، أو عطف بيان، على ما قيل:
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بـ "أَلْ" … يُعْرَب نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ
وأما قول ابن الصلاح (^٢) إن لفظ "الحيّ" منصوب على الاختصاص، ففيه تجوّز؛ لأن هذا الإعراب لاسم الإشارة، وأما لفظ "الحيّ" فتابع له، كما قررناه آنفًا، فتفطّن.
[تنبيه]: "الْحيّ" قال ابن سيده: إنه بطن من بطون العرب، وفي "المطالع": هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سُمّيت القبيلة به، وذكر الجواني في
_________________
(١) راجع "شرح النوويّ" ١/ ١٨١.
(٢) "الصيانة" ص ١٤٨.
[ ١ / ٣٣٨ ]
"الفاصلة": أن العرب على طبقات عشر أعلاها الْجِذْم، ثم الْجُمهور، ثم الشُّعُوب، واحدها شَعْب، ثم القبيلة، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرَّهْط، وقال الكلبيّ: أول العرب شُعُوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بُطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر، وقَدَّم الأزهريّ العشائر على الفصائل، قال: وهم الأحياء، وقال ابن دُريد: الشِّعْب: الحيّ العظيم من الناس.
و"الْجِذْم - بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة: أصل الشيء، و"الشَّعْب" بالفتح: ما تشعّب من قبائل العرب والعجم، و"العِمَارة" - بكسر العين، وتخفيف الميم، وجوّز الخليل فتح عينها، قال في "الْعُباب": وهي القبيلة، والعشيرة، وقيل: هي الحيّ العظيم ينفرد بظعنه، ذكره العينيّ رحمه الله تعالى (^١).
وقد نظمت ما سبق بقولي:
اعْلَمْ بِأَنَّ الْعُرْبَ فِي الأَنْسَابِ قَدْ … انْقَسَمَتْ عَشَرَةً فَخُذْ تُفَدْ
جِذْمٌ فَجُمْهُورٌ فَشَعْبٌ فَقَبِيلْ … عِمَارَةٌ بَطْنٌ فَفَخْذٌ يَا نَبِيلْ
عَشِيرَةٌ فَصِيلَةٌ رَهْطٌ خَتَمْ … وَبَعْضهُمْ خِلَافَ هَذَا قَدْ رَسَمْ
و"القَبِيل" لغةٌ في القبيلة.
وقال صاحب "المطالع": "الحيّ": اسم لمنزل القبيلة، ثمّ سُمّيت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحيا ببعض (^٢).
وقوله: (مِنْ رَبِيعَةَ) خبر "إنّ"، وربيعة: هو ابن نزار بن عدنان، وإنما قالوا ربيعة؛ لأن عبد القيس من أولاده، وذلك لأن عبد القيس هو: ابن أَفْصَى - بفتح الهمزة، وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، وكانوا يَنْزِلون البحرين، وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا - كما في رواية شعبة الآتية -: "إنا نأتيك من شُقّة بعيدة"، أي من سفر بعيد (^٣).
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١/ ١٨٢.
(٣) "شرح النوويّ" ١/ ١٨١ - ١٨٢ و"الفتح" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٣٣٩ ]
(وَقَدْ حَالَتْ) أي منعت، يقال: حال النهر بيننا حَيْلُولةً: حَجَزَ، ومنع الاتّصال (^١) (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، غير منصرف، وهو مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عبدنان، ويقال له مضر الحمراء، ولأخيه ربيعة الفَرَس؛ لأنهما لَمّا اقتسما الميراث أُعطي مُضَرُ الذهب، وربيعة الخيل، وكُفّار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة، ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم، وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الْحُرُم؛ لامتناعهم من القتال فيها (فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ) بضمّ اللام مضارع خَلَص إلى الشيء خُلُوصًا، من باب قَعَد: إذا وصل إليه، ومعنى كلامهم أنا لا نَقْدِر على الوصول إليك؛ خوفًا من أعدائنا الكفار، إلا في الشهر الحرام، فإنهم لا يتعرضون لنا، كما كانت عادة العرب، من تعظيم الأشهر الْحُرم، وامتناعهم من القتال فيها، وقوله: (إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ) كذا هو في الأصول كلها بإضافة "شهر" إلى "الحرام"، وفي الرواية الأخرى: "أشهر الحرم"، والقول فيه كالقول في نظائره، من قولهم: "مسجد الجامع"، و"صلاة الأولى"، ومنه قول الله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].
فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو جائز عندهم، وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة؛ لأنه يكون من إضافة الشيء إلى نفسه؛ لاتحاد المضاف والمضاف إليه في المعنى، وفائدة الإضافة أن يتعرّف المضاف بالمضاف إليه، أو يتخصّص، ولا يتعرّف الشيء، ولا يتخصّص بنفسه، فما ورد من ذلك، كالأمثلة المذكورة مؤوّلٌ عندهم على حذف في الكلام؛ للعلم به، فتقديره "شهر الوقت الحرام"، و"أشهر الأوقات الْحُرُم"، و"مسجد المكان الجامع"، و"دار الحياة الآخرة"، و"جانب المكان الغربيّ"، ونحو ذلك، وإلى مذهبهم أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
ثم إن قولهم: "شهر الحرام" المراد به جنس الأشهر الْحُرُم، وهي أربعة أشهر حُرُم، كما نَصَّ عليه القرآن العزيز، وتدل عليه الرواية الأخرى بعد هذه: "إلا في أشهر الحرُم"، قاله النوويّ.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٥٧.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقال في "الفتح": المراد بالشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده روايةُ: "إلا في أشهر الحرم"، وروايةُ: "إلا في كل شهر حرام"، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مُضَرُ تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة - ﵁ - حيث قال: "رجبُ مضر"، كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه.
وفيه دليلٌ على تقدّم إسلام عبد القيس على قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة: "إنا نأتيك من شُقّة بعيدة"، قال ابن قتيبة: الشُّقّة: السفرُ، وقال الزجاج: هي الغاية التي تُقْصَد، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في "كتاب الجمعة" من طريق أبي جمرة أيضًا، عن ابن عباس - ﵁ - قال: "إنّ أوّلَ جمعة جُمِّعَت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيسِ بِجُوَاثَى من البحرين"، و"جُوَاثَى" بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فَدَلَّ على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام، انتهى (^١).
[تنبيه]: الأشهر الحُرُم هي: ذو الْقَعْدَة، وذو الْحِجَّة، والمحرَّم، ورجب، هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء، من أصحاب الفنون، ولكن اختلفوا في الأدب المستحسن في كيفية عَدِّها على قولين، حكاهما الإمام أبو جعفر النّحّاس في كتابه "صناعة الكتاب"، قال: ذهب الكوفيون إلى أنه يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، قال: والْكُتّابُ يَمِيلون إلى هذا القول؛ ليأتوا بهن من سنة واحدة، قال: وأهل المدينة يقولون: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقومٌ ينكرون هذا، ويقولون: جاؤوا بهنّ من سنتين، قال أبو جعفر: وهذا غلط بَيِّنٌ، وجهل باللغة؛ لأنه قد عُلِم المراد، وأن المقصود ذكرها، وأنها في كل سنة، فكيف يُتَوَهَّم أنها من سنتين، قال:
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٣٤١ ]
والأَولى والاختيار ما قاله أهل المدينة؛ لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله - ﷺ - كما قالوا من رواية ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي بكرة - ﵁ -، قال: وهذا أيضًا قولُ أكثر أهل التأويل.
قال النَّحَّاس: وأُدخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور، قال: وجاء من الشهور ثلاثة مضافات: شهر رمضان، وشهرا ربيع، يعني والباقي غير مضافات، وسُمِّي الشهر شهرًا، لشهرته وظهوره، والله تعالى أعلم (^١).
(فَمُرْنَا) الفاء فصيحيّة، أي فإذا تبيّن لك عذرنا في عدم التردّد إليك كثيرًا، لما ذكرنا، فنطلب منك أمرك لنا إلخ.
"ومُر" بضمّ الميم، فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، قال الفيّوميّ: إذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف حذفتَ الهمزة على غير قياس، وقلتَ: مُرْهُ بكذا، ونظيره "كُلْ"، و"خُذْ"، وإن تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ الهمزة على القياس، فيقال: وأْمُرْ بكذا، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]، ولا يُعرف في "كُلْ"، و"خُذْ" إلا التخفيف مطلقًا، انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الفيومي: "ولا يُعْرَفُ إلخ"، لكن أثبت ذلك غيره بقلة كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله تعالى في "لاميَّته"، فقال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ "مُرْ" وَ"خُذْ" و"كُلْ " وَفَشَا … وَأْمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ "خُذْ" وَ"كُلَا"
فقوله: "ومستندر إلخ" أشار به إلى أنه يجوز تتميم "خذ" و"كل " بقلّة، فيقال: وأخذ، وأكل، والله تعالى أعلم.
(بِأَمْرٍ) بفتح الهمزة، وسكون الميم، يحتمل أن يكون واحد الأمور، وأن يكون بمعنى الشأن، قاله الطيبيّ.
وقال الفيّوميّ: "الأمرُ" بمعنى الحال، جمعه أمور، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، و"الأمرُ" بمعنى الطلب، جمعه أوامر؛ فرقًا بينهما، وجمعُ الأمر أوامر هكذا يتكلّم به الناس، ومن الأئمة من يصحّحه، ويقول في
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ١/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢١.
[ ١ / ٣٤٢ ]
تأويله: إن الأمر مأمور به، ثم حُوّل المفعول إلى فاعل، كما قيل: أمر عارفٌ، وأصله معروفٌ، وعيشةٌ راضيةٌ، والأصلُ مرضيّةٌ، إلى غير ذلك، ثم جُمِعَ على فواعل، انتهى (^١).
(نَعْمَلُ بِهِ) بالرفع، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ"أمرٍ"، ويحتمل جزمه على أنه جواب الأمر (وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا) "مَنْ" بفتح الميم موصولة في محلّ نصب مفعول "ندعو"، ولا يثبُتُ كسر ميمها على أنها جارّة، و"وراءنا" منصوب على الظرفيّة صلة "مَنْ"، وهو من الأضداد، يأتي بمعنى "خَلْف"، وبمعنى "قُدّام" (قَالَ) - ﷺ - (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ) أي بأربع خصال، أو بأربع جُمَل (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ في أربعة أوعية، فالمنهيّ عنه واحد بالنوع، وهو الانتباذ، ثم إنه تعدّد بحسب الأوعية الأربع الآتي ذكرها (الْإِيمَانِ بِاللهِ) بالجرّ بدل من "أربع"، بدل تفصيل من مجمل، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي أحدها الإيمان، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي أعني الإيمانَ (ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ) أنّث الضمير مع أن الإيمان مذكّر باعتبار أنه أربع خصال (فَقَالَ) - ﷺ - (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللهُ) بجرّ "شهادة" على أنه بدل من "الإيمان"، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع والنصب، كسابقه (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) إعرابه كسابقه، وإقامتها أداؤها بمراعاة أركانها، وواجباتها، وسننها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطاء القدر المستحقّ لمستحقّها (وَأَنْ تُؤَدُّوا) أي تعطوا (خُمُسَ) بضمتين، ويجوز إسكان ميمه، ويقال فيه: خَمِيس أيضًا، وزان كريم.
[فائدة]: يجوز في كلٍّ من الثلث، والربع، والخمس، والسدس، والسبع، والثمن، والتسع، والعشر، ثلاث لغات، الأول: ضم أولها وثانيها، والثاني: تسكين ثانيها، والثالث: فتح أولها، مع كسر الثاني، وزيادةِ ياء بعدها، وزان كَرِيم، فتقول: ثُلُثٌ، وثُلْثٌ، وثَلِيث، ورُبُعٌ، ورُبْعٌ، ورَبِيع، وهكذا.
وأما النصف، فيجوز فيه ثلاث لغات أيضًا، النصف، بكسر أوله،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وضمه، مع تسكين ثانيه، والثالث النَّصِيفُ وِزان كريم، والله تعالى أعلم.
(مَا غَنِمْتُمْ) بكسر النون، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميّ: غَنِمتُ الشيء أغْنَمه، غُنْمًا: أصبتُهُ غَنِيمَةً، ومَغْنَمًا، قال أبو عبيد: الغَنِيمَة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها، انتهى (^١).
وفي "القاموس": والْمَغْنم، والغَنِيمُ، والغَنِيمَةُ، والْغُنْمُ بالضمّ: الفيء، غَنِمَ بالكسر غُنْمًا بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمةً، وغُنْمانًا بالضمّ، والفوزُ بالشيء بلا مشقّة، أو هذا الْغُنْمُ، والفيء: الغَنِيمة، انتهى (^٢).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله"، ثم فَسّرها لهم، فقال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم"، وفي رواية: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وعَقَدَ واحدةً، وفي الطريق الأخرى قال: وأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم"، وفي الرواية الأخرى قال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم"، هذه ألفاظه هنا.
وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث في مواضع كثيرة، من "صحيحه"، وقال فيه في بعضها: "شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له"، ذكره في "باب إجازة خبر الواحد"، وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل - ﷺ - في آخر ذكر الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وقال فيه: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان"، بزيادة واو (^٣)، وكذلك قال فيه في أول
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٠٣١.
(٣) سيأتي أن زيادة الواو رواية شاذّة، فتنبّه.
[ ١ / ٣٤٤ ]
"كتاب الزكاة": "الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، بزيادة واو أيضًا، ولم يَذكُر فيها الصيام، وذكر في باب حديث وفد عبد القيس: "الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله".
فهذه ألفاظ هذه القطعة في "الصحيحين"، وهذه ألفاظ مما يُعَدُّ من المشكل، وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق، والإشكال في كونه - ﷺ - قال: "آمركم بأربع"، والمذكور في أكثر الروايات خمس.
واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال:
أظهرها ما قاله الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى في "شرح صحيح البخاريّ"، قال: أمرهم بالأربع التي وَعَدَهم بها، ثم زادهم خامسة - يعني أداء الخمس - لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا، فقال: قوله: "أمرهم بالإيمان بالله" أعاده لذكر الأربع، ووصفِهِ لها بأنها إيمان، ثم فسرها بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، فهذا موافق لحديث: "بُنِي الإسلام على خمس"، ولتفسير الإسلام بخمس، في حديث جبريل ﵇، وقد سبق أن ما يُسَمَّى إسلامًا يُسَمَّى إيمانًا، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وقد قيل: إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث؛ لكونه لم يكن نزل فرضه.
وأما قوله - ﷺ -: "وأن تؤَدُّوا خُمُسًا من المغنم"، فليس عطفًا على قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمسًا، وإنما هو عطف على قوله: "بأربع"، فيكون مضافًا إلى الأربع، لا واحدًا منها، وإن كان واحدًا من مطلق شُعَب الإيمان، قال: وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى، فهو إغفال من الَراوي، وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله - ﷺ -، بل من اختلاف الرُّواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ، على ما تقدم بيانه، فافهم ذلك، وتدبّره تجده - إن شاء الله تعالى - مما هدانا الله ﷾ لحلِّه من الْعُقَد.
قال النووي - بعد نقل كلام ابن بطّال، وابن الصلاح -: وقيل في معناه غير ما قالاه، مما ليس بظاهر، فتركناه.
قال: وأما قول ابن الصلاح: إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال
[ ١ / ٣٤٥ ]
من الراوي، وكذا قاله القاضي عياض وغيره، وهو ظاهرٌ، لا شكّ فيه، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكانت وفادة عبد القيس عامَ الفتح قبل خروج النبيّ - ﷺ - إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر، انتهى (^١).
وقال في "الفتح" عند قوله: "فأمرهم بأربع" أي: خصالٍ، أو جُمَلٍ؛ لقولهم: "حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ من الأمر"، وهي رواية قُرّة عند البخاريّ في "كتاب المغازي".
قال القرطبيّ: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا نحا الطيبيّ، فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا لغرض، جعلوا سياقه له، وطَرَحُوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين، مُقِرِّين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال: فلهذا لم يَعُدَّ الشهادتين في الأوامر.
قيل: ولا يرد على هذا الإتيانُ بحوف العطف، فيحتاج إلى تقدير.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين وَرَدَ على سبيل التصدير، لكن يُمْكِن أن يُقْرَأَ قوله: "وإقامِ الصلاة" بالخفض، فيكون عطفًا على قوله: "أَمَرَهم بالإيمان"، والتقدير: أمرهم بالإيمان، مُصَدِّرًا به، وبشرطه من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة إلخ، قال: ويؤيد هذا حذفهما في رواية البخاريّ في "الأدب" من طريق أبي التّيّاح، عن أبي جمرة، ولفظُهُ: "أربع، وأربع: أقيموا الصلاة إلخ".
[فإن قيل]: ظاهر ما ترجم به البخاريّ من أَنَّ أداء الخمس من الإيمان، يقتضي إدخاله مع باقي الخصال، في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه.
[أجاب ابنُ رُشيد]: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء، منها أداء
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ١ / ٣٤٦ ]
الخُمس، والأعمال التي تُدخل الجنة، هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير.
[فإن قيل]: فكيف قال في رواية حماد بن زيد، عن أبي جمرة: "آمركم بأربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، وعَقَدَ واحدةً، كذا للبخاريّ في "المغازي"، وله في "فرض الخمس": وعقد بيده، فدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وأما ما وقع عنده في "الزكاة" من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله"، فهي زيادة شاذة، لم يُتَابعْ عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ.
ثم ذكر (^١) الاستشكال المتقدّم فقال: ما حاصله: كيف قال: "أربع"، والمذكورات خمس؟
قال: وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعًا لابن بطال، بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان، وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يَلْزَمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ.
قال: وقال غيره: قوله: "وأن تعطوا" معطوف على قوله: "بأربع"، أي آمركم بأربع، وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بـ "أن"، والفعل، مع توجه الخطاب إليهم.
وقال ابن التين: لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع.
قلت (^٢): ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ في هذه القصة: "أمركم بأربع: اعبُدُوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم".
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أن يقال: إنه عَدَّ الصلاة والزكاة واحدةً؛ لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداءَ الخُمس، أو أنه لم يَعُدَّ أداء الخُمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين، في حال دون حال.
_________________
(١) الضمير لصاحب "الفتح".
(٢) القائل صاحب "الفتح".
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقال البيضاويّ: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأُخَر حذفها الراوي؛ اختصارًا، أو نسيانًا، كذا قال، وما ذَكَرَ أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع؛ لقوله: "وعَقَدَ واحدةً"، وكان القاضي أراد أن يَرْفَعَ الإشكال من كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربعًا.
وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حد ذاته واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذَكَرَ أنه يأمرهم بها، ثم فَسَّرَها، فهو واحد بالنوع، متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهيّ عنه، وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار، واحد بالنوع، متعدد بحسب أوعيته.
والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير: أن تَتَشَوَّف النفس إلى التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يَسْتَوف العدد الذي في حفظه، عَلِمَ أنه قد فاته بعض ما سَمِع.
وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحجّ في الحديث؛ لأنه لم يكن فُرِضَ هو المعتمد، وقد قَدَّمنا الدليل على قِدَم إسلامهم، لكن جَزْمُ القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة، تَبعَ فيه الواقديّ، وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، كما سنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - ولكن القاضي يَخْتَار أن فرض الحج كان سنة تسع؛ حتى لا يَرِدَ على مذهبه أنه على الفور، انتهى.
وقد احتَجَّ الشافعي لكونه على التراخي، بأن فَرْضَ الحج كان بعد الهجرة، وأن النبي - ﷺ - كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع، ولم يَحُجَّ إلا في سنة عشر.
وأما قول من قال: إنه تَرَكَ ذكر الحج؛ لكونه على التراخي، فليس بجيد؛ لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به.
وكذا قول من قال: إنما تركه؛ لشهرته عندهم ليس بقويّ؛ لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا قول من قال: إنما ترك ذكره؛ لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل، من أجل كفار مضر، ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم
[ ١ / ٣٤٨ ]
من عدم الاستطاعة في الحال، ترك الإخبار به؛ لِيُعْمَلَ به عند الإمكان، كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذَكَرُوا أنهم كانوا يأمنون فيها.
لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يُخْبِرَهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يَقْصِد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا.
ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشدّ في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها.
وأما ما وقع في "كتاب الصيام"، من "السنن الكبرى" للبيهقيّ من طريق أبي قلابة الرَّقَاشِيّ، عن أبي زيد الهرويّ، عن قُرّة، في هذا الحديث، من زيادة ذكر الحج، ولفظه: "وتَحُجُّوا البيت الحرام"، ولم يتعرض لعدد، فهي رواية شاذة.
وقد أخرجه الشيخان، ومن استخرج عليهما، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق قُرّة، لم يذكر أحدٌ منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حَدَّث به في التغير.
وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة، وقد ورد ذكر الحج أيضًا في "مسند الإمام أحمد" من رواية أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وعن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة وفد عبد القيس.
وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظًا، فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين، وأداء الخمس، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" (^١)، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم.
(وأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ) بضم الدال المهملة، وتشديد الموحّدة، والمدّ، وحَكَى الْقَزّاز فيه القصر: هو القرع اليابس، أي الوعاء منه.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٦١ - ١٦٣.
[ ١ / ٣٤٩ ]
(وَالْحَنْتَمِ) بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوقُ، مفتوحة، ثم ميم، الواحدة: حَنْتَمَةٌ، هي الْجَرَّة، كذا فَسَّرها ابن عمر - ﵄ - في "صحيح مسلم"، وله عن أبي هريرة - ﵁ -: الحنتم الجرار الخضر، ورَوَى الحربي في "الغريب" عن عطاء: أنها جِرَارٌ كانت تُعْمَلُ من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قد اختُلِف في معنى "الْحَنتم").
[فأصح الأقوال، وأقواها]: أنها جِرَار خُضْر، وهذا التفسير ثابت في "كتاب الأشربة" من "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو قول عبد الله بن مُغَفَّل الصحابيّ - ﵁ -، وبه قال الأكثرون أو، كثيرون من أهل اللغة، وغريبِ الحديث، والمحدثين، والفقهاء.
[والثاني]: أنها الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة.
[والثالث]: أنها جرار يُؤْتَى بها من مصر، مُقَيَّرات الأجواب، ورُويَ ذلك عن أنس بن مالك - ﵁ -، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حُمْر.
[والرابع]: عن عائشة - ﵂ -: جِرَارٌ حُمْرٌ أعناقها في جُنُوبها، يُجْلَب فيها الخمر من مصر.
[والخامس]: عن ابن أبي ليلى أيضًا: أفواهها في جنوبها، يُجْلَب فيها الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها، يضاهون به الخمر.
[والسادس]: عن عطاء: جِرَارٌ كانت تُعْمَل من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله النوويّ في "شرحه" (^٢).
(والنَّقِيرِ) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة: أصلُ النَّخْلة، يُنْقَرُ، فَيُتَّخَذ منه وعاء، وقد جاء تفسيره في الرواية الأخيرة من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: أنه الجِذْعُ يُنقَر وسطه.
(وَالمُقَيَّرِ) بفتح القاف، والياء المشدّدة: هو الْمُزَفَّت، وهو المطليّ
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٦٣.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ١٨٥.
[ ١ / ٣٥٠ ]
بالقار، وهو الزِّفْتُ، وقيل: الزِّفْتُ نوع من القار، والصحيح الأول، فقد صح عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: المزفت هو الْمُقَيَّر.
وقال في "الفتح": "والْمُقَيَّر": بالقاف، والياء الأخيرة: ما طُلِيَ بالقار، ويقال له: الْقَيْر، وهو نَبْتٌ يُحْرَق إذا يبس، تُطْلَى به السُّفُن وغيرها، كما تُطْلَى بالزِّفْت، قاله صاحب "المحكم"، وفي "مسند أبي داود الطيالسي" عن أبي بكرة - ﵁ - قال: أما الدُّبّاء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْع، فيَخْرطُون فيه العنب، ثم يَدْفِنُونه، حتى يُهدَر، ثم يموت.
وأما "النقير": فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرُّطَب والبسر، ثم يَدَعُونه، حتى يُهدَر ثم يموت.
وأما "الْحَنْتَم": فَجِرَارٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمر.
وأما "المُزَفَّت": فهذه الأوعية التي فيها الزِّفتُ، انتهى، وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يُعْتَمَدَ عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. انتهى (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما معنى النهي عن الانتباذ في هذه الأربع، فهو أنه نَهَى عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجْعَل في الماء حَبّات، من تمر، أو زبيب، أو نحوهما، لِيَحْلُوَ؛ ويُشْرَب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حَرَامًا، وتبطل ماليته، فَنَهَى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شَرِبَه بعد إسكاره مَن لم يَطَّلِعِ عليه، ولم يَنْهَ عن الانتباذ في أسقية الأَدَم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شَقَّها غالبًا.
ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بحديث بُرَيدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وِعَاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا"، رواه مسلم في "الصحيح".
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابيّ: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكَرِهُوا الانتباذ في هذه الأوعية،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٦٣.
[ ١ / ٣٥١ ]
ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس - ﵃ -، انتهى (^١).
(زَادَ خَلَفٌ) هو خَلَف بن هشام شيخ المصنّف الأول (فِي رِوَايَتِهِ) عن حمّاد بن زيد (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ) أي مع "وأن محمدًا رسول الله" كما صُرِّح به في رواية يحيى بن يحيى شيخه الثاني، عن عباد بن عباد، قال في "الفتح": والاقتصار على "شهادة أن لا إله إلا الله" على إرادة الشهادتين معًا؛ لكونها صارت عَلَمًا على ذلك.
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ في "كتاب الزكاة" بزيادة الواو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله"، فقال في "الفتح": هي زيادة شاذة، لم يُتَابع عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ. انتهى (^٢).
(وَعَقَدَ وَاحِدَةً) وفي رواية للبخاريّ: "وعقد بيده"، والمعنى أنه - ﷺ - أشار بعقد يده إلى أول الخصال الأربع التي وعدهم ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٤١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاس، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ "، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْم، أَوْ بِالْوَفْد، غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا النَّدَامَى"، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بَأرْبَع، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، قَالَ: أَمَرَهُمْ بَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٢) "الفتح" ١/ ١٦١.
[ ١ / ٣٥٢ ]
بِاللهِ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَمِ"، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: "النَّقِيرِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ"، وَقَالَ: "احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ"، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "مَنْ وَرَاءَكُمْ"، وَلَيْسَ فِي روَايَتِهِ: "الْمُقَيَّرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٥).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (٢٥٢) (ع) ١/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدَار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٠٢) (ع). ٢/ ٢
٤ - (غُنْدَر، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣) أو (١٩٤) (ع) ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجهبذ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في المقدّمة. والباقيان تقدّما في المسند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال أبو بكر: حدّثنا غندر، عن شعبة إلخ" ففيه بيان احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة ذكر شيخه غُندرًا بلقبه، فقال: حدثنا غندر، عن شعبة، وأما محمد بن المثنى، ومحمد بن بشّار فقالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، فذكراه باسمه ونسبه، وأنه صرّح بتحديث شعبة له، فحصلت المخالفة من وجهين.
[ ١ / ٣٥٣ ]
٥ - (ومنها): أن "غُنْدَرًا" لقب محمد بن جعفر - وهو بضم الغين المعجمة، وفتح الدال، وحكى الجوهريّ ضم الدال، وقال المجد في "القاموس": غلام غُنْدَر كَجُنْدَبٍ، وقُنْفُذٍ: سَمينٌ غَلِيظٌ ناعمٌ، ويقال لِلْمُبْرِم الْمُلِحِّ: يا غُنْدَرُ، وهو لَقَبُ محمد بن جعفر البصريّ؛ لأنه أكثر من السؤال في مجلس ابن جُريج، فقال: ما تُريد يا غُنْدَرُ، فلَزِمَه. انتهى (^١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) نصر بن عمران الضُّبَعيّ البصريّ، أنه (قَالَ: كنْتُ أُتَرْجِمُ) بضمّ أوّله مضارع ترجم، قال في "القاموس": "التُّرْجُمَانُ كَعُنْفُوَانٍ، وَزَعْفَرَانٍ، وَرَيْهَقَانٍ: الْمُفَسِّرُ للِّسَان، وقد تَرْجَمَهُ، وتَرْجَمَ عنه، والفِعْلُ يدلُّ على أصالة التاء. انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": وتَرْجَمَ فلانٌ كلامَهُ: إذا بَيّنه وأوضحه، وترجم كلامَ غيره: إذا عَبّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلِّم، واسم الفاعل تُرْجُمان، وفيه لغاتٌ، أجودها فتح التاء، وضمّ الجيم، والثانية: ضمّهما معًا، بجعل التاء تابعةً للجيم، والثالثة: فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع تراجم، والتاء والميم أصليّتان، فوزنُ تَرْجَمَ فَعْلَلَ، مثل دَحْرَجَ، وجعل الجوهريّ التاء زائدةً، وأورده في تركيب رَجَمَ. انتهى (^٣).
وقال النوويّ في "شرحه": وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، ثم قيل: إنه كان يتكلم بالفارسية، فكان يُتَرْجِم لابن عباس عمن يتكلم بها، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وعندي أنه كان يُبَلِّغ كلام ابن عباس إلى من خَفِي عليه من الناس، إما لزحامٍ مَنَعَ من سماعه فأسمعهم، وإما لاختصار مَنَعَ من فهمه فأفهمهم، أو نحو ذلك، قال: وإطلاقه لفظ "الناس" يُشْعِر بهذا، قال: وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٤٠٨.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٩٧٦.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٧٤.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فقد أطلقوا على قولهم: "باب كذا" اسم الترجمة؛ لكونه يُعَبِّر عما يُذكَرُ بعده. انتهى (^١).
قال النوويّ: والظاهر أن معناه أنه يُفهمهم عنه، ويفهمه عنهم. انتهى (^٢).
واستظهر في "الفتح" كون ترجمته لقصور الفهم، قال: لأنه كان جالسًا معه على سريره، ففي رواية البخاريّ: "كنتُ أقعد مع ابن عبّاس، يُجلسني على سريره. . ."، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يُحمَل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جمرة كان يَعْرِف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها، قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبرٌ، انتهى. وقد بوب عليه البخاري في أواخر "كتاب الأحكام"، فقال: "باب ترجمة الحاكم، وهل يجوز ترجمان واحد" (^٣)، وقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأول هو الأرجح، كما فعل ابن عبّاس - ﵄ -، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بَيْنَ يَدَي ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا هو في الأصول، وتقديره: بين يدي ابن عباس، بينه وبين الناس، فحذف لفظة "بينه"؛ لدلالة الكلام عليها، ويجوز أن يكون المراد: بين ابن عباس وبين الناس، كما جاء في البخاريّ وغيره، بحذف "يدي"، فتكون "يدي" عبارة عن الجملة، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]: أي قَدَّمَ. انتهى.
فقوله: "بين ابن عبّاس" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "أُترجم".
(فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) لم يُعرف اسمها، كما قاله سبط ابن العَجَميّ (^٥) (تَسْأَلُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ"امرأة" (عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ) أي حكمه، و"الْجَرّ" بفتح الجيم: اسم جمع، الواحدة جَرَّةٌ، ويُجمَع أيضًا على جِرار، وهو هذا الْفَخَّار
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٥٢.
(٢) "شرح صحيح مسلم" ١/ ١٨٦.
(٣) راجع: "صحيح البخاريّ" ٩/ ٩٤.
(٤) "المفهم" ١/ ١٧١.
(٥) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٥٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
المعروف، قاله النوويّ (^١)، وقال القرطبيّ: "الْجَرّ" جمع جرّة، وهي قلالُ فَخَّار، غير أنها مطليّة بالزجاج، وهو الحنتم، ونبيذ الجرّ هو ما يُنبذ فيها من التمر وغيره، وإنما سألته عن حكم النبيذ في الجِرَار، هل يحلّ أم لا؟ فذكر لها ما يدلّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصّته، قال: وفيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. انتهى (^٢).
وللنسائيّ بسنده عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فَنَهَى عنه، قلت: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حُلْوًا، فأشرب منه، فَيُقَرْقِرُ بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل.
وللبخاريّ في أواخر "المغازي" من طريق قُرَّة، عن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: إن لي جَرّةً أنتبذ فيها، فأشربه حُلْوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم، فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قَدِمَ وفد عبد القيس. . .".
فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له.
وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم ييلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديثٌ بُرَيدة بن الحصيب - ﵁ - عند مسلم وغيره (^٣).
(فَقَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أتوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ ")، الشك من أحد الرواة، إما أبو جمرة، أو من دونه، قال الحافظ: وأظنه شعبة، فإنه في رواية قُرَّة وغيره بغير شكّ، وأغرب الكرمانيّ، فقال: الشك من ابن عباس (^٤)، و"الوفد": الوافدون، وهم القادمون، والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافدٌ، والجمع وافدون،
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٨٦.
(٢) "المفهم" ١/ ١٧٢.
(٣) راجع: "الفتح" ١/ ١٥٨.
(٤) "الفتح" ١/ ١٥٨.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ووُفُود، والقومُ وَفْدٌ، وقال ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] (^١).
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: في قوله: "مَنِ القومُ؟ "، دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه؛ لِيُعْرَفَ، فَيُنَزَّلَ مَنْزِلَته.
(قَالُوا: رَبِيعَةُ) خبر لمحذوف، أي نحن ربيعة، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فقد تقدّم من طريق عباد، عن أبي جمرة: "فقالوا: إنّا هذا الحيُّ من ربيعة"، والمعنى إنّا حَيٌّ من ربيعة، و"الْحَيّ": اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحْيَا ببعض.
(قَالَ) - ﷺ -: (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ) منصوب على المصدريّة، استعمله العرب، وأكثرت منه، تريد به البرّ، وحسن اللقاء، ومعناه: صادفت رُحْبًا وسَعَةً، وقال القرطبيّ: هو من الرُّحب بضم الراء، وهو السعة، والرَّحْبُ بفتح الراء: هو الشيء الواسع، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يُستعمل إظهاره، أي صادفت رُحبًا، أو أتيت رُحْبًا، فاستأنس، ولا تستوحش. انتهى.
وقال في "الفتح": هو منصوب بفعل مضمر، أي صادفت رُحْبًا، بضم الراء، أي سَعَة، و"الرَّحْبُ" بالفتح الشيء الواسع، وقد يزيدون معها "أهلًا": أي وجدت أهلًا، فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال: مَرْحَبًا سيف بن ذي يزن. انتهى.
(أَوْ بِالْوَفْدِ) شكٌّ من الراوي (غَيْرَ خَزَايَا) قال النوويّ: الرواية فيه "غيرَ" بنصب الراء على الحال، وأشار صاحب "التحرير" إلى أنه يُرْوَى أيضًا بكسر الراء، على الصفة لـ "القوم"، والمعروف الأول، يدل عليه ما جاء في رواية البخاريّ: "مَرْحبًا بالقوم الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى".
و"خزايا": جمعُ خَزْيَان، كحَيْرَان وحَيَارَى، وسَكْرَان وسَكَارى، يقال: خَزِي الرجلُ يَخْزَى خَزْيًا: إذا ذلَّ، وخزايةً: إذا خَجِلَ، واستحيى، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: الْخَزْيَان: المستحي، وقيل: الذليل المهان، وفي "الفتح": هو الذي أصابه خِزْيٌ.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٧٢.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ومعنى هذا الكلام: تأنيسهم، وإكرامهم، والثناء عليهم بأنهم لم يحصل منهم تأخّر عن الإسلام، ولا عناد، بل بادروا بإسلامهم طائعين من غير خزيٍ لَحِقهم من قهر، ولا سباء، فلم يُخزِهِم حربٌ، ولم يَفْضَحهم سبيٌ، ولا ما أشبه ذلك، مما يستحيون بسببه، أو يُذلّون، أو يهانون، ثم إنهم لما أسلموا كذلك احتُرِموا، وأُكرموا، وأُحِبُّوا، فلم يندموا على ذلك، بل انشرحت صدورهم للإسلام، وتنوّرت قلوبهم بالإيمان.
وقوله (وَلَا النَّدَامَى")، هكذا هو في الأصول: "النَّدَامَى" بالألف واللام و"خزايا" بحذفهما، ورُويَ في غير هذا الموضع بالألف واللام فيهما، ورُوي بإسقاطهما فيهما. قاله ابن الصلاح (^١).
ووقع في رواية النسائي من طريق قُرّة عن أبي جمرة: "فقال: مرحبًا بالوفد، ليس الخزايا ولا النادمين"، وهي للطبراني من طريق شعبة عن ابن أبي جمرة أيضًا. بَشَّرهم بالخير عاجلًا وآجلًا؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثَبَتَ ضدّها. انتهى (^٢).
وأما "النَّدَامَى" فقيل: إنه جمع نَدْمَان، بمعنى نادم، وهي لغة في نادم، حكاها القزاز، صاحب "جامع اللغة"، والجوهريّ في "صحاحه"، وعلى هذا هو على بابه، وقيل: هو جمع نادم، لكنه على غير قياس، لأن قياس نَدَامَى أن يكون جمع ندمان، والندمان هم الْمَجَالِيسُ على الخمر وساقيها، كما قال الشاعر [من البسيط]:
فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي … وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَلَثِّمِ
وليس مرادًا هنا، وإنما هو جمع نادم إِتْبَاعًا لـ "خَزَايَا" على عادة العرب في إتباع اللفظ اللفظَ؛ تحسينًا للكلام، وإن لم يكن بمعناه، وهو كثير في كلامهم، وهو من فصيحه، ومنه قوله في للنساء المتّبعات للجنازة: "ارْجِعْنَ مأزورات، غير مأجورات" (^٣) أتبع "مأزورات" لـ"مأجورات"، ولولا مراعاة
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ١٥٢ و"شرح النوويّ " ١/ ١٨٦.
(٢) "الفتح" ١/ ١٦٠.
(٣) أخرجه ابن ماجه في "سننه" ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣ رقم (١٥٧٨) وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن سلمان الكوفيّ الأزرق، وهو ضعيف.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الإتباع لقال: "موزورات" بالواو؛ لأنه من الوزر، كذا قاله الفراء، وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب: إنه لآتيه بالغدايا والعشايا، جمعوا الغداة على غدايا إتباعًا لعشايا، ولو أفردت لم يجز إلا غدوات، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ … يَخْلِطُ بِالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّينَا
فجمع الباب على أبوبة إتباعًا و"أخبية"، ولو أفرده لما جاز ذلك (^١).
(قَالَ) الراوي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم: "كفّار مضر"، وفي قولهم: "اللهُ ورسوله أعلم" (إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ) "الشقّة": بضم الشين وكسرها، لغتان مشهورتان، أشهرهما وأفصحهما الضم، وهي التي جاء بها القرآن العزيز، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: وقرأ عُبيد بن عُمير بكسر الشين، وهي لغة قيس، والشقّةُ السفر البعيد، كذا قاله ابن السكيت، وابن قتيبة، وقُطْرُب، وغيرهم، قيل: سُمّيت شُقّةً؛ لأنها تَشُقّ على الإنسان، وقيل: هي المسافة، وقيل: الغاية التي يَخرُج الإنسان إليها، فعلى القول الأول يكون قولهم: "بَعيدةٍ" مبالغة في بعدها. قاله النووي (^٢).
(وإن بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ) أي القبيلة، سُمّوا بذلك؛ لأن بعضهم يحيا ببعض (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) فيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها، من أطراف العراق، ولهذا قالوا: "إنا نأتيك من شقة بعيدة"، ويدلّ على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في "كتاب الجمعة" من طريق أبي جمرة أيضًا عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جُمِّعَت بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس، بِجُوَاثَى من البحرين، و"جُوَاثَى" بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام. قاله في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ١٧٣ و"شرح النووي" ١/ ١٨٧.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ١٨٧ - ١٨٩.
(٣) "الفتح" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٣٥٩ ]
(وَإِنَّما لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: ذلك أن أهل الجاهليَّة كانوا أصحاب حروب وغارات، ولا يأمن بعضهم بعضًا في المسالك والمراحل إلا في الأشهر الحرم؛ لأنهم كانوا يكفّون فيها عن الانتهاك، والانتهاب؛ تعظيمًا لها وتسهيلًا للأمر على زوّار البيت. انتهى (^١).
(إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَامِ) هكذا الرواية عند المصنّف بالإضافة، وقد تقدّم (^٢) أنه من إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، ونساء المؤمنات، وتقدّم توجيهه، والمراد بشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، ويؤيده رواية البخاريّ في "كتاب المغازي" بلفظ: "إلا في أشهر الْحُرُم"، وفي رواية له في "كتاب المناقب" بلفظ: "إلا في كل شهر حرام"، وقيل: اللام للعهد، المراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر ربا، فلهذا أُضيف إليهم في حديث أبي بكرة - ﵁ - حيث قال: "ورجب مضر"، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - والظاهر أنهم كانوا يخصّونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربّما أَنْسَأُوهَا بخلافه، قاله في "الفتح" (^٣).
(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) هو بتنوين "أمرٍ"، قال الخطّابيّ وغيره: هو الْبَيِّن الواضح الذي ينفصل به المراد، ولا يشكل، قاله النوويّ، وقال في "الفتح": بالتنوين فيهما، لا بالإضافة، والأمرُ واحد الأوامر، أي مُرْنا بعمل، بواسطة افعلوا، ولهذا قال الراوي: أمرهم، وفي رواية للبخاريّ: قال النبي - ﷺ -: "آمرُكُم"، و"الفصلُ" بمعنى الفاصل، كالعدل بمعنى العادل، أي يَفْصِل بين الحق والباطل، أو بمعنى الْمُفَصَّل، أي الْمُبَيَّن المكشوف، حكاه الطيبيّ، وقال الخطابيّ: الفصلُ الْبَيِّنُ، وقيل: الْمُحْكَمُ. انتهى.
وقال القرطبيّ: القول الفصل: هو الواضح البليغ الذي يفصل بين الحقّ والباطل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ [الطارق: ١٣] (^٤).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٦٠.
(٢) انظر ص ٣٤٠.
(٣) "الفتح" ١/ ١٦٠.
(٤) "المفهم" ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: "قوله: "بأمر فصلٍ" يحتمل أن يكون الأمر واحد الأوامر، وأن يكون بمعنى الشأن، و"فصل" يحتمل أن يكون بمعنى الفاصل، وهو الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحقّ والباطل، وأن يكون بمعنى الْمُفَصّل، أي مبيّن مكشوف، ظاهر ينفصل به المراد عن الاشتباه، فإذا كان بمعنى الشأن والفاصل، وهو الظاهر يكون التنكير للتعظيم بشهادة قوله: "وندخل به الجنّة"، كما قال - ﷺ -: "سألتني عن عظيم" في جواب معاذ - ﵁ -: "أخبرني بعمل يدخلني الجنة"، فالمناسب حينئذٍ أن يكون الفصل بمعنى المفصَّل؛ لتفصيله - ﷺ - الإيمان بأركانه الخمسة، كما فصّله في حديث معاذ - ﵁ -، وإن كان بمعنى واحد الأوامر، فيكون التنكير للتقليل، فإذًا (^١) المراد به اللفظ، والباء للاستعانة، والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا، وتصريحه في هذا المقام أن يقال لهم: آمنوا، وقولوا: آمنّا، هذا هو المعنِيُّ بقول الراوي: "أمرهم بالإيمان بالله وحده".
وعلى أن يراد بالأمر الشأن يكون المراد معنى اللفظ وموادّه، وعلى هذا الفصل بمعنى الفاصل، أي مرنا بأمر فصل، أي جامع قاطع، كما في قوله - ﷺ -: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، فالمأمور به هاهنا أمر واحد، وهو الإيمان، والأركان الخمسة كالتفسير للإيمان بدلالة قوله - ﷺ -: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ "، ثم بَيّنهُ بما قال.
[فإن قيل]: على هذا في قول الراوي إشكالان:
[أحدهما]: أن المأمور به واحد، وقد قال: أربع.
[وثانيهما]: أن الأركان خمسة، وقد ذكر أربعًا.
[والجواب]: عن الأول أنه جعل الإيمان أربعًا باعتبار أجزائه المفصّلة، وعن الثاني أنه من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وتوجّهه إليه، وكان ما سواه مطروحًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أي فعزّزناه، فترك المنصوب، وأتى بالجارّ والمجرور؛ لأن الكلام لم يكن مسوقًا له، فهاهنا لَمّا لم يكن الغرض في
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعل الأولى: "إذ المراد. ." إلخ، فتأمل.
[ ١ / ٣٦١ ]
الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرّين بكلمتي الشهادتين، بدليل قولهم: "الله ورسوله أعلم"، وترحيب الرسول - ﷺ - لهم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، وأنهما كافيتان لهم، وكان الأمر في صدر الإسلام كذلك، لم يجعله الراوي من الأوامر، وقصد به أنه - ﷺ - نبّههم على موجب توهّمهم بقوله: "أتدرون ما الإيمان؟ "، ولذلك خصّص ذكر و"أن تعطوا من المغانم الخمس" حيث أتى بالفعل المضارع على الخطاب، لأن القوم كانوا أصحاب حروب وغزوات، بدليل قولهم: "بيننا وبينك هذا الحيّ من كفّار مضر"؛ لأنه هو الغرض من إيراد الكلام، فصار أمرًا من الأوامر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرّره الطيبيّ ﵀ في توجيه الاستشكال الوارد على هذا الحديث من عدم عدّ الشهادتين من الأربع يضعّفه قوله: "وعقد واحدة"، فإنه ظاهر في كونه - ﷺ - عدّ الشهادتين منها، فالأولى ما سبق لابن الصلاح ﵀ وغيره، من التوجيه بأنهما داخلتان فيها، وأن أداء الخمس غير داخل فيها، بل هو أمر مستقلّ، فقوله: "وأن تؤدّوا إلخ" معطوف على "بأربع"، أي وآمركم بأربع، وبأداء الخمس، فهذا جواب يزيل الإشكال المذكور، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: أي بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة، ويحتمل أن يراد بحسب الزمان، أي أولادنا، وأخلافنا، والظاهر أن المراد به قومهم. انتهى (^٢).
و"من" موصولة في محلّ نصب على المفعوليّة لـ"نُخْبِرْ"، قال الشيخ قطب الدين: لا خلاف أن قوله: "من وراءنا" بفتح الميم، والهمزة، وذكر الكرمانيّ أن في بعض الروايات "مِنْ وَرَائنا" بكسر الميم، قال العينيّ: إن صحت هذه الرواية يحتمل أن تكون "من" للغاية، بمعنى أن قومهم يكونون غاية لإخبارهم. انتهى (^٣).
(نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قيّدناه على من يُوثق
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٣٦١ - ٤٦٢.
(٢) "شرح الكرمانيّ" ١/ ٢٠٨.
(٣) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٧.
[ ١ / ٣٦٢ ]
بعلمه: "نُخْبِرُ به" مرفوعًا، و"ندخل" مرفوعًا ومجزومًا، فرفعهما على الصفة لـ"أمر"، وجزم "ندخُلْ" على جواب الأمر المتضمّن للجزاء، فكأنهم قالوا: إن أمرتنا بأمر واضح فعلنا به، ورجونا دخول الجنّة بذلك الفعل. انتهى (^١).
وإلى هذا الجزم أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
وقال في "الفتح": قوله: "نخبر به" بالرفع على الصفة لـ"أمرٍ"، وكذا قوله: "وندخل"، ويروي بالجزم فيهما، على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو من "وندخل" في بعض الروايات، فيُرفَع "نُخْبِرُ"، ويُجزَم "ندخلْ " (^٢).
(قَالَ) الراوي (فَأَمَرَهُمْ) الفاء للتعقيب، أي أمر النبيّ - ﷺ - الوفد بعد ذلك (بِأَرْبَعٍ) أي بأربع خصال، أو جُمَل (وَنَهَاهُمْ) عطف على "أمرهم" (عَنْ أَرْبَعٍ) أي عَن ارتكاب أربع خصال (قَالَ) الراوي (أَمَرَهُمْ بَالايمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسير لقوله: "فأمرهم بأربع"، ولهذا ترك العاطف (وَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ")، أي هل تعلمون (مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: ("الْإِيمَانُ باللهِ؟ ") ﷾ (قَالُوا) أي الوفد (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - ("شَهَادَةُ أَنْ لَا إِله إلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) برفع "شهادة" على أنه خبر لمحذوف، أي هو، أو هي شهادة إلخ (وَإِقَامُ الصَّلَاة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا) عطف على "أربع" من قوله: "فأمرهم بأربع"، فيكون مضافًا إلى الأربع، وليس واحدًا منها، وإن كان واحدًا من شعب الإيمان، ولا يُعطف على "شهادة أن لا إله إلا الله إلخ"؛ لئلا يلزم كونها خَمْسًا.
[فإن قلت]: لم عَدَل عن لفظ المصدر الصريح إلى "أن" والفعل المضارع.
[أجيب]: بأن ذلك للإشعار بمعنى التجدّد الذي في الفعل؛ لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك، بخلاف إيتاء الخمس، فإن فريضته تتجدّد بحسب تجدّد الجهاد (^٣). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم (١/ ١٧٤.
(٢) "الفتح" ١/ ١٦١.
(٣) راجع: "شرح الكرماني" ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ٣٦٣ ]
[تنبيه] قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وحَسَنٌ أَن يُقْرَأ "وأن يؤدّوا" بياء المغايبة، ويجوز بتاء المخاطبة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ابن الصلاح ﵀ ثبتت الرواية لديه بالوجهين، وإلا فالموجود في النسخ عندنا بتاء الخطاب، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
(خُمُسًا) بضمّتين، أو بضمّ فسكون، كما سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي (مِنْ الْمَغْنَمِ") أي الغنيمة، وهي تُقْسَم على خمسة أخماس، أربعة أخماسه للغزاة، والخُمس يُخَمَّس ثانيًا للمصارف الخمسة التي بيّنها الله تعالى في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
(وَنَهَاهُمْ) أي بعد أن سألوه عن الأشربة، ففي رواية للبخاريّ: "وسألوه عن الأشربة"، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي للمصنّف بعد هذا: "قالوا: يا نبيّ الله جعلنا الله فداءك ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ " (عَنِ الدُّبَّاءِ) أي عن الانتباذ في القرع (وَالْحَنْتَمِ) أي الجرار الخضر، وقيل في معناها غير ذلك، كما أسلفناه في الحديث السابق (والْمُزَفَّتِ) بتشديد الفاء، بصيغة اسم المفعول: أي المطليّ بالزفت، وهو القار.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج الراوي عن أبي جمرة (وَرُبَّمَا) كلمة "رُبَّ" هنا للتقليل، وإذا زيدت عليها "ما" فالغالب أن تكفها عن العمل، وتهيّأها للدخول على الجملة الفعليّة التي فعلها ماض، كما هنا، وأما قوله ﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، فمؤوّل بالماضي، على حد قوله ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] (^١) وأشار إلى زيادة "ما" عليها في "الخلاصة" فقال:
وَزِيدَ بَعْدَ "رُبَّ" وَالْكَافِ فَكَفّ … وَقَدْ يَلِيْهِمَا وَجَرٌّ لَمْ يُكَفّ
(قَالَ) أي أبو جمرة ("النَّقِيرِ") بفتح النون، وكسر القاف: جِذْع يُنقر وسطه، ويُنبذ فيه (قَالَ شُعْبَةُ) أيضًا (وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ") أي بدل "المزفّت"، وهو المطليّ بالقار، ويقال له: القير بالكسر، وهو نبتٌ يحرق إذا يبس تُطْلَى به السفن وغيرها، كما تُطْلَى بالزفت.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٨.
[ ١ / ٣٦٤ ]
(وَقَالَ) - ﷺ - (احْفَظُوهُ) أي ما ذكرته لكم (وَأَخْبِرُوا بِهِ) وفي رواية البخاريّ: احفظوهنّ، وأخبروا بهنّ" (مِنْ وَرَائِكُمْ") بكسر ميم "من" على أنها "مِنْ" الجارّة.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخ المصنّف (في رِوَايَتِهِ: "مَنْ وَرَاءَكُمْ") أي بفتح الميم، على أنها موصولة مفعول ثان لـ"أخبروا"، قال ابن الصلاح: ضبطنا الأول بكسر الميم، والثاني بفتحها، وهما يرجعان إلى معنى واحد. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "وأخبروا بهن من وراءكم" بفتح "مَنْ"، وهي موصولة، و"وراءكم" يشمل من جاؤوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معًا، حقيقةً ومجازًا، واستنبط منه البخاريّ الاعتماد على أخبار الآحاد، انتهى (^٢).
(وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ) أي رواية أبي بكر ("الْمُقَيَّرِ") بالجرّ على الحكاية، ويجوز تركها، يعني أنه إنما ذكر "المزفّت" فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٥] (…) - وحَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ: "أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ في الدُّبَّاء، وَالنَّقِير، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ"، وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِه، عَنْ أَبِيه، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْأَشَجّ، أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْن، يُحِبُّهُما اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأنَاةُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ المذكور في الباب الماضي.
_________________
(١) "الصيانة" ص ١٥٤ - ١٥٥.
(٢) "الفتح" ١/ ١٦٣.
[ ١ / ٣٦٥ ]
٢ - (أبُوه) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ المذكور أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) الأزديّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥١) (ع) ٤/ ٣٠.
٤ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهْبَان بن أُبيّ الْجَهْضميّ - بفتح الجيم، وسكون الهاء، بعدها معجمة مفتوحة - الْحُدّانيّ الأَزْديّ، أبو الحسن البصري الكبير البصريّ، ثقة، من كبار [٩].
رَوَى عن عبد الرحمن بن سليمان الْغَسيل، وعبد العزيز بن أبي رَوّاد، والمثنى بن سعيد الضُّبَعيّ، والقاسم بن مَعْن، ومَهْديّ بن ميمون، وهشام الدستوائي، وخالد بن قيس الْحُدّاني، وإبراهيم بن نافع، وشعبة، وابن المبارك، وقرة بن خالد، والليث، وغيرهم.
وروى عنه ابنه نصر، ووكيع، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو نعيم، وهم من أقرانه، ومعلى بن أسد.
قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال صالح بن محمد: صدوق. ذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال محمد بن عبد الله الحضرمي، وابن حبان: مات سنة سبع وثمانين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٥ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ، أبو خالد، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة ضابطٌ [٦].
رَوَى عن أبي رجاء الْعُطَارِديّ، وحُميد بن هلال، ومحمد بن سيرين، والحسن، وعبد الحميد بن جُبير بن شيبة، وعمرو بن دينار، وأبي جمرة، وغيره.
وروى عنه شعبة، وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد القطان، وابن مهديّ، وخالد بن الحارث، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو عامر الْعَقَديّ، وعليّ بن نصر، وغيرهم.
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال صالح بن أحمد، عن علي بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان قرة عندنا من أثبت شيوخنا، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قرة، وعمران بن حُدير؟ فقال: ما فيهما إلا ثقة، قال: وسئل أبي عن قرة، وأبي خَلْدَة؟ فقال: قرة فوقه، وهو دون حبيب بن الشهيد، قيل له: قرة، والقاسم بن الفضل؟ قال: ما أقربه منه، وقال مرةً: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: قرة أحب إليّ من جرير بن حازم، ومن أبي خَلْدَة، وقرة ثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو مسعود الرازيّ، قرة أثبت عندك، أو حسين المعلم؟ فقال: قرةُ. وقال الآجريّ: ذَكَرَ أبو داود قرة، فَرَفَعَ من شأنه، وقال أيضًا: سألت أبا داود عنه، وعن الصَّعْق بن حَزْن؟ فقال: قرة فوقه، وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الطحاويّ: ثبتٌ متقنٌ ضابطٌ.
وقال أبو نعيم: مات سنة نَيِّف وسبعين ومائة، وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا، ومات سنة أربع وخمسين ومائة، وكذا أَرَّخه خليفة في "تاريخه"، وقال في "الطبقات": مات سنة خمس وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
والباقيان تقدّما قريبًا.
وقوله: (قالا جميعًا)، لفظة "جميعًا" منصوبة على الحال، ومعناه: اتّفقا، واجتمعا على التحديث بما يذكره، إمّا مُجْتَمِعَين في وقتٍ واحدٍ، وإما في وقتين، ومن اعتقد أنه لا بدّ أن يكون ذلك في وقت واحدٍ، فقد غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
وقوله: (وقال رسول الله - ﷺ - للأشجِّ أَشَجِّ عبد القيس: "إنّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة").
أما "الأشجّ": فاسمه المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - الْعَصَريّ - بفتح العين والصاد المهملتين - هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البرّ، والأكثرون، أو الكثيرون، وقال ابن الكلبيّ: اسمه المنذر بن الحارث بن
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٣٦٧ ]
زياد بن عَصَر بن عوف، وقيل: اسمه المنذر بن عامر، وقيل: المنذر بن عُبيد، وقيل: اسمه عائذ بن المنذر، وقيل: عبد الله بن عوف.
وأما "الْحِلمْ": فهو العقل، وهو بكسر الحاء، يقال منه: حَلُمَ الرجل يَحلُم بضمّ اللام: إذا صار حليمًا، وتحلّم: إذا تكلّف ذلك.
وأما "الأَناة": فهي الرفق، والتَثَبُّتُ في الأمور، وتركُ الْعَجَلة، وهي مقصورة، يقال منه: تأنّى الرجل يتأنى تأنّيًا، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَنَاةً وَحِلْمًا وَانْتِظَارًا بِهِمْ غَدًا … فَمَا أَنَا بِالْوَانِي وَلَا الضَّرَعِ الْغُمْرِ
وسبب قول النبيّ - ﷺ - ذلك له ما جاء في حديث الوفد: أنهم لَمّا وَصَلُوا المدينة بادروا إلى النبيّ - ﷺ -، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجَمَعَها، وَعَقَل ناقته، ولَبِس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبيّ - ﷺ -، فقرّبه النبيّ - ﷺ - وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبيّ - ﷺ -: "تبايعونَ على أنفسكم وقومكم؟ "، فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله إنك لم تُزاول الرجل عن شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا مَنْ يدعوهم، فمن اتبعنا كان منّا، ومن أبى قاتلناه، قال: "صدقت، إن فيك خصلتين. . ." الحديث (^١).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فالأناة تربُّصُهُ حتى نظر في مصالحه، ولم يَعْجَل، والحِلمُ هذا القول الذي قاله الدالّ على صحة عقله، وجَوْدة نظره للعواقب (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود بمعناه مختصرًا في "سننه" ٥/ ٣٩٥ برقم (٥٢٢٥) ولفظه: حدثنا محمد بن عيسى بن الطّبّاع، حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدّها زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: لَمّا قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنُقَبِّل يد النبي - ﷺ - ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشجّ حتى أَتَى عَيْبَتَهُ، فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي - ﷺ - فقال له: "إن فيك خَلَّتَين يحبهما الله: الحلم والأناة"، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: "بل الله جَبَلَك عليهما، قال: "الحمد لله الذي جَبَلني على خلتين، يحبهما الله ورسوله". وحسنه الشيخ الألباني دون ذكر رجله. انظر: "صحيح أبي داود" ٣/ ٩١٨.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٦٦ - ١٦٨.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قال النوويّ: ولا يخالف هذا ما جاء في "مسند أبي يعلى" وغيره أنه لَمّا قال رسول الله - ﷺ - للأشجّ: "إن فيك خصلتين. . ." الحديث، قال: يا رسول الله، كانا فيَّ أم حَدَثَا؟ قال: "بل قديم"، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا ٦/ ١٢٣ عن خلف بن هشام، عن حماد بن زيد - (ح) عن يحيى بن يحيى، عن عباد بن عباد - كلاهما عن أبي جمرة، عن ابن عبّاس - ﵄ - و٦/ ١٢٤ عن أبي بكر بن أبي شيبة - ومحمد بن المثنى - ومحمد بن بشار - ثلاثتهم عن غندر، عن شعبة، عن أبي جمرة به و٦/ ١٢٥ عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه - (ح) عن نصر بن عليّ الْجَهْضَمِيّ، عن أبيه - كلاهما عن قرّة بن خالد، عن أبي جمرة به.
وأخرجه (البخاريّ (١/ ٢٠ و٩/ ١١١ عن عليّ بن الجعد، - و١/ ٣٢ عن محمد بن بشار، عن غندر - و٩/ ١١١ عن إسحاق، عن النضر - ثلاثتهم عن شعبة به، و١/ ١٣٩ عن قتيبة بن سعيد، عن عباد بن عباد المهلّبيّ، و٢/ ١٣١ عن حجاج - و٤/ ٩٨ عن أبي النعمان - و٤/ ٢٢٠ عن مسدّد، و٥/ ٢١٣ عن سليمان بن حرب، و٥/ ٢١٣ عن إسحاق، عن أبي عامر الْعَقَديّ، و٨/ ٥٠ عن عمران بن ميسرة، عن عبد الوارث، عن أبي التّيّاح، و٩/ ١٩٧ عن عمرو بن عليّ، عن أبي عاصم، تسعتهم عن أبي جمرة به.
وأخرجه (أبو داود) و(٣٦٩٢ و٣٦٩٤ و٤٦٧٧) و(الترمذيّ (١٥٩٩ و٢٦١١) و(النسائيّ (٨/ ١٢٠ و٣٢٢ وفي "الكبرى (٣١٦) و(أحمد) ١/ ٢٢٨ و٣٣٣ و٣٦١ و(ابن خزيمة) (٣٠٧ و١٨٧٩ و٢٢٤٥ و٢٢٤٦) و(أبو نعيم) في
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ١/ ١٨٩.
[ ١ / ٣٦٩ ]
"مستخرجه" (١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الأمر بالإيمان بالله تعالى، ورسوله - ﷺ -، والأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان.
٢ - (ومنها): مشروعيّة وِفَادة الرؤساء، والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة.
٣ - (ومنها): تقديم الاعتذار بين يدي المسألة.
٤ - (ومنها): بيان مهمات الإسلام، وأركانه، ما سوى الحجّ؛ إذ لم يُفرض وقتئذٍ، وقيل: غير ذلك.
٥ - (ومنها): استعانة العالم في تفهيم الحاضرين، والفهم عنهم ببعض أصحابه، كما فعله ابن عبّاس - ﵄ - مع أبي جمرة رحمه الله تعالى.
٦ - (ومنها): جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم، وسماعهم صوتها، خلافَ من قال: إنّ صوتها عورة، وهو قول ضعيف.
٧ - (ومنها): أن فيه استحباب تأنيس الرجل لزوَّاره، والقادمين عليه بقوله: مرحبًا، ونحوه، والثناء عليهم إيناسًا وبسطًا، وقد تكرر ذلك من النبي - ﷺ -، كهذا الحديث، وقوله - ﷺ - لأم هانئ - ﵂ -: "مرحبًا بأم هانئ"، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل - ﵁ -: "مرحبًا بالراكب المهاجر"، وفي قصة فاطمة - ﵂ -: "مرحبًا بابنتي"، وكلها صحيحة (^١)، وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثيّ، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قال له: لما دخل، فسلّم عليه: "مرحبًا، وعليك السلام"، وقد بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" ٨/ ٥٠ - ٥١: "باب قول الرجل: مرحبًا"، وأورد قول النبيّ - ﷺ - لفاطمة - ﵂ -: "مرحبًا بابنتي"، وقصّة أم هانئ، ثم أخرج حديث ابن عباس - ﵄ - المذكور في الباب.
٨ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجفه إذا لم يُخَف عليه الإعجاب، أو نحوه، وأما قوله - ﷺ -: "إياكم والمدح، فإنه الذبح"، أخرجه أحمد،
_________________
(١) لكن قصة عكرمة بن أبي جهل ضعفها الترمذي، فراجع "الجامع" جـ ٥ ص ٧٨.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وابن ماجه (^١)، وقوله: "ويلك قطعت عنق صاحبك"، متّفقٌ عليه، فمحمول على ما إذا خيف فيه الافتتان.
قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يُخَفْ عليه فتنة بإعجاب ونحوه، وأما استحبابه فيختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وأما النهي عن المدح في الوجه، فهو في حق من يُخاف عليه الفتنة بما ذكرناه، وقد مَدَح النبيّ - ﷺ - في مواضع كثيرة في الوجه، فقال - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ -: "لست منهم"، "يا أبا بكر لا تَبْكِ إن أَمَنَّ الناس عليّ في صحبته، وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا"، وقال له: "وأرجو أن تكون منهم"، أي من الذين يُدْعَونَ من أبواب الجنة، وقال - ﷺ -: "ائذن له، وبشره بالجنة"، وقال - ﷺ -: "اثْبُتْ أُحُدُ، فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيق، وشهيدان"، وقال - ﷺ -: "دخلتُ الجنة، ورأيت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فذكرتُ غَيْرَتك"، فقال عمر - ﵁ -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ وقال له: "ما لَقِيَك الشيطان سالكًا فَجًّا إلا سلك فجًّا غير فَجِّك"، وقال - ﷺ -: "افتح لعثمان، وبَشِّره بالجنة"، وقال لعليِّ - ﵁ -: "أنت مني، وأنا منك"، وفي الحديث الآخر: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"، وقال - ﷺ - لبلال: "سَمِعْتُ دَقَّ نعليك في الجنة"، وقال - ﷺ - لعبد الله بن سلام: "أنت على الإسلام حتى تموت"، وقال للأنصاريّ: "ضَحِكَ الله ﷿ - أو - عَجِبَ من فعالكما"، وقال للأنصار: "أنتم من أحب الناس إليَّ"، ونظائر هذا كثيرة من مدحه - ﷺ - في الوجه، وأما مدح الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقْتَدَى بهم ﵃ أجمعين، فأكثر من أن يحصر، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (^٢).
٩ - (ومنها): وجوب الْخُمُس في الغنيمة، قلّت أم كثُرت، وإن لم يكن الإمام مع السّريّة الغازية.
_________________
(١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد ٤/ ٩٩ وابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية - ﵁ -.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ١ / ٣٧١ ]
١٠ - (ومنها): النهي عن الانتباذ في الأواني الأربع المذكورة، وهو أن تجعل في الماء حبّات من تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو، فيُشرب؛ لأنه يسرع فيها الإسكار، فيصير حرامًا، ولم يُنه عن الانتباذ في أسقية الأدم، كما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -؛ لأنها لرقّتها لا يبقى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقّها غالبًا.
١١ - (ومنها): أن في قوله: "إن وفد عبد القيس إلخ"، دليلٌ على أن مذهب ابن عباس - ﵄ - أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية، ليس بمنسوخ، بل حكمه باقٍ، وهذا منقول عنه، وعن عمر - ﵁ -، وحكاه الخطابيّ عن مالك، وأحمد، وإسحاق، والصحيح قول جمهور أهل العلم: إنه منسوخ، وناسخه حديث بريدة بن الْحُصيب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلّ وِعاء، ولا تشربوا مسكرًا"، رواه مسلم، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
١٢ - (ومنها): أنه استَنْبَطَ منه ابنُ التين ﵀ جوازَ أخذ الأجرة على التعليم؛ لقول ابن عبّاس - ﵄ - لأبي جمرة: أقم حتى أجعل لك سهمًا من مالي"، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج، كما ورد ذلك صريحًا عند البخاريّ.
١٣ - (ومنها): أن فيه اتخاذ المحدث المستملي.
١٤ - (ومنها): جواز قول: رمضان، من غير تقييد بالشهر.
١٥ - (ومنها): أنه لا عيب على الطالب، أو المستفتي أن يقول للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو ذلك.
١٦ - (ومنها): استحباب إكرام الفاضل، فقد أجلس النبيّ - ﷺ - الأشجّ إلى جانبه.
١٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن ابن عبّاس - ﵄ - كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبر، وقد اختُلف فيه، فقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة، والأول أرجح.
١٨ - (ومنها): أن فيه ما يدلّ على أن المفتي يجوز له أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن إيضاح الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة، فقد استغنى
[ ١ / ٣٧٢ ]
ابن عبّاس - ﵄ - بإيراد الحديث للسائلة عن التصريح بحكم المسألة.
١٩ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على إبداء العذر، عند العجز عن توفية الحقّ واجبًا، أو مندوبًا، وعلى أنه يَبدأ بالسؤال عن الأهم، وعلى أن الأعمال المصالحة تُدخِل الجنة، إذا قُبِلت، وقبولها يقع برحمة الله تعالى.
٢٠ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسّر الإسلام فيما مضى بما فسَّر به الإيمان هاهنا.
٢١ - (ومنها): ما قيل: إنما خُصّت هذه الأوعية المذكورة بالنهي؛ لأنها يسرع الإسكار إليها.
٢٢ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إجمال العدد قبل التفسير في قوله: "بأربع"، و"عن أربع"؛ لأجل تشويق النفس إلى التفصيل؛ لتسكن إليه، ولتحصيل حفظها للسامع، حتى إذا نسي شيئًا من تفاصيل ما أجمله طالبته نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي حفظه، عَلِم أنه قد فاته بعض ما سمعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٦] (١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَبْدِ الْقَيْس، قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْس، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُم، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ، نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "آمرُكُمْ بِأَرْبَع، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزّكاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْغَنَائِمِ.
وَأنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّت، وَالنَّقِيرِ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: "بَلَى، جِذْعٌ تنقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء"
[ ١ / ٣٧٣ ]
- قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ -: مِنْ التَّمْر، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاء، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ - إِنَّ أَحَدَهُمْ، لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ"، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا؛ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَم، الَّتي يُلَاثُ عَلَى أفوَاهِهَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِن أَرْضَنَا كثِيرَةُ الْجِرْذَان، وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَم، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: (وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ"، قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْن، يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"):
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) الْمَقَابِريّ البغداديّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) ١/ ٩.
٢ - (ابنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقة حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) واسمه مِهْران الْعَدَويّ الْيشكريّ، مولى بني عَدِيّ بن يَشْكُر، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦].
رَوَى عن قتادة، والنضر بن أنس، والحسن البصري، وعبد الله بن فَيْرُوز الدَّانَاج، وأبي مَعْشَر زياد بن كُليب، وزياد الأعلم، ومطر الوَرَّاق، وأيوب، وعامر الأحول، وعلي بن الْحَكَم الْبُنَانيّ، وأبي رَجَاء الْعُطَاردي، وأبي نضرة العبديّ، ويعلى بن حكيم، وأبي التيّاح، وجماعة.
وروى عنه الأعمش، وهو من شيوخه، وشعبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وخالد بن الحارث، ورَوْح بن عُبادة، ويزيد بن زُريع، ومحمد بن أبي عديّ، ومحمد بن سَوَاء، ويحيى القطان، وبشر بن المفضّل، وسهل بن يوسف، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وكهمس بن المنهال، وابنُ علية، وأبو أسامة، وسالم بن نوح، وسعيد بن عامر، وأبو خالد الأحمر، وعبدة، وعلي بن مسهر، وعلي بن يونس، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن
[ ١ / ٣٧٤ ]
بكر، ومحمد بن بشر، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وجماعة.
قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله. وقال ابن معين والنسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة: أثبت الناس في قتادة سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي. وقال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزمان أحفظ منه، وقال أبو داود الطيالسيّ: كان أحفظ أصحاب قتادة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: سعيد أحفظ، وأثبت - يعني من أبان العطار - وأثبت أصحاب قتادة هشام، وسعيد. وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة، وكان أعلم الناس بحديث قتادة، وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن دُحَيم اختلط مخرج إبراهيم سنة خمس وأربعين ومائة. وقال الآجري عن أبي داود: سماع وكيع عنه بعد الهزيمة (^١)، وقال أبو داود: كان وكيع يقول: كنا ندخل على سعيد، فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه.
وقال أبو نعيم: كتبت عنه بعد ما اختلط حديثين. وقال ابن حبان: كان سماع شعيب بن إسحاق منه سنة (٤٤) قبل أن يختلط بسنة.
وقال النسائيّ: "ذِكْرُ من حَدَّث عنه سعيد بن أبي عروبة، ولم يسمع منه": لم يسمع من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من زيد بن أسلم، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي الزناد، ولا من الحكم بن عتيبة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من حماد - يعني ابن أبي سليمان -.
وقال ابن المبارك: سمع من قيس بن سعد شيئًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لم يسمع من الأعمش، ولا من يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا من أبي بشر. وقال ابن معين: لم يسمع من عبد الله بن محمد بن عَقِيل. وقال أبو بكر البزار: يحدث عن جماعة لم يسمع منهم، فإذا قال: سمعت، وحدثنا كان مأمونًا على ما قال. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: كان
_________________
(١) أي بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة (١٤٢ هـ)، قاله في "شرح النوويّ" ١/ ١٩٠.
[ ١ / ٣٧٥ ]
يُرسل. وقال الأزديّ: اختلط اختلاطًا قبيحًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، ثم اختلط في آخر عمره. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٥٥)، وبقي في اختلاطه خمس سنين، ولا يُحتجّ إلا بما رَوَى عنه القدماء، مثل يزيد بن زُريع، وابن المبارك، ويعتبر برواية المتأخرين عنه، دون الاحتجاج بها، ثم قال: وقد قيل: مات سنة (٥٠). وقال الذهليّ عن عبد الوهاب الْخَفّاف: خولط سعيد سنة (٤٨)، وعاش بعدما خولط تسع سنين. وقال العقيليّ: سمع منه محمد بن أبي عديّ بعدما اختلط. وقال الآجري، عن أبي داود: كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة عن أنس، أو أنس عن قتادة.
وقال النسائيّ: من سَمِع منه بعد الاختلاط فليس بشيء، وقال الآجري عن أبي داود: سماع رَوْح منه قبل الهزيمة، وكذا سَرَّار، وسماع ابن مهديّ منه بعد الهزيمة.
وقال يزيد بن زُريع: أول ما أنكرنا ابن أبي عروبة يوم مات سليمان التيميّ، جئنا من جنازته، فقال: من أين جئتم؟ قلنا: من جنازة سليمان التيميّ، فقال: ومن سليمان التيميّ؟
قال الحافظ: والتيميّ مات سنة (١٤٣)، ويؤيد ذلك ما حكاه ابن عديّ في "الكامل" عن ابن معين قال: من سمع منه سنة (١٤٢) فهو صحيح السماع، وسماع من سمع منه بعد ذلك ليس بشيء، وأثبت الناس سماعًا منه عبدة بن سليمان. وقال ابن قانع: خلط في آخر عمره، وكان أعرج، يُرمَى بالقدر. وقال أحمد: كان يقول بالقدر ويكتمه. وقال العجليّ: كان لا يدعو إليه، وكان ثقة. وقال ابن مهديّ: كتب غُنْدَر عن سعيد بعد الاختلاط.
وقال ابن عدي: وسعيد من ثقات المسلمين، وله أصناف كثيرة، وحدَّثَ عنه الأئمة، ومن سمع منه قبل الاختلاط، فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع منه بعد الاختلاط، لا يُعتمَد عليه، وأرواهم عنه عبد الأعلى، وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت الناس عنه روايةً، وكان ثَبْتًا عن كل مَن رَوَى عنه، إلا من دَلَّس عنهم، وأثبت الناس عنه ابنُ زُريع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، ونظراؤهم.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقال ابن القطان: حديث عبد الأعلى عنه مشتبهٌ، لا يُدرى هو قبل الاختلاط أو بعده؟
وتَعَقَّب ذلك ابن الْمَوَّاق فأجاد. وقال ابن السكن: كان يزيد بن زُريع يقول: اختلط سعيد في الطاعون - يعني سنة (١٣٢)، وكان القطان يُنكر ذلك، ويقول: إنما اختلط قبل الهزيمة.
وجمع الحافظ بين القولين بما قال أبو بكر البزار: إنه ابتدأ به الاختلاط سنة (١٣٣)، ولم يَستحكم، ولم يُطبِق به، واستمرّ على ذلك، ثم استحكم به أخيرًا، وعامة الرواة عنه سمعوا منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر الناس اختلاطه بما قال يحيى القطان. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ممن سمع منه قبل الاختلاط يزيدَ بنَ زُريع، وعبدةَ بنَ سليمان، وخالدَ بن الحارث، ويحيى القطان، وعبدَ الأعلى بن عبد الأعلى، وابنَ المبارك، وروحَ بن عبادة، ويزيدَ بن هارون (^١). والله تعالى أعلم.
وقال البخاريّ: قال عبد الصمد: مات سنة ست وخمسين ومائة، وقال غيره: سنة (٥٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا.
[تنبيه]: أبو عروبة هكذا يقول أهل الحديث وغيرهم: "عروبة" بغير ألف ولام، وقال ابن قُتيبة في كتابه "أدب الكاتب" في "باب ما تغيّر من أسماء الناس": هو ابن أبي العروبة بالألف واللام، يعني أن قولهم: عروبة لحن، وذكر ابن قتيبة في كتابه "المعارف" كما ذكره غيره، فقال: سعيد بن أبي عروبة، يُكنى أبا النضر، لا عقِب له، يقال: إنه لم يمسّ امرأةً قط، واختلط في آخر عمره. انتهى (^٢).
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧).
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون مفتوحة، ومعجمة ساكنة - مشهور بكنيته، واسمه:
_________________
(١) ذكره النووي في "شرحه" ١/ ١٩٠ ممن سمع منه قبل الاختلاط.
(٢) راجع: "شرح النوويّ على مسلم" ١/ ١٩٠.
[ ١ / ٣٧٧ ]
المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْدِيّ، ثم الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣].
أدرك طلحة، وَرَوَى عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعريّ، وأبي ذر الغفاريّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعمران بن حُصين، وسمرة بن جندب، وأنس، وجابر، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيميّ، وأبو مسلم سعيد بن يزيد، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وقتادة، وداود بن أبي هند، وخُليد بن جعفر، ويحيى بن أبي كثير، وكهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الْجُريريّ، وآخرون.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنسائيّ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية؟ فقال: أبو نضرة أحب إليّ. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وليس كل أحد يَحتجّ به، مات في ولاية ابن هُبَيْرة، حدثنا عفّان، حدثنا مهدي بن ميمون: شَهِدتُ الحسنَ حين مات أبو نضرة، صلى بنا على الجنازة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من فُصحاء الناس، فُلِج في آخر عمره، مات سنة ثمان أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، وكان ممن يخطئ. وقال خليفة بن خياط: مات سنة ثمان، وقال عمرو بن علي: مات سنة تسع ومائة، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات قبل الحسن بقليل، وأورده العقيليّ في "الضعفاء"، ولم يذكر فيه قدحًا لأحد، وكذا أورده ابن عديّ في "الكامل"، وقال: كان عَرِيفًا لقومه، وأظن ذلك لِمَا أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يحتج به البخاريّ.
وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: ثقة.
علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٦٤) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "ابن قُطَعَة" بضم القاف، وفتح الطاء المهملة، هكذا ضبطه في "تقريب التهذيب"، وضبطه النوويّ في "شرحه" ١/ ١٩٠) بكسر القاف، وإسكان الطاء.
وأما "الْعَوَقِيّ": فهو بفتح العين، والواو، وبالقاف، هذا هو المشهور
[ ١ / ٣٧٨ ]
الذي قاله الجمهور، وحَكَى صاحب "المطالع" أن بعضهم سكّن الواو من "الْعَوقِيّ"، والْعَوَقَةُ: بطن من عبد القيس، قاله النوويّ في "شرحه" ١/ ١٩٠ - ١٩١.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - (ت ٣٦) وقيل: غير ذلك، تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٤٧٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وأخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والنسائيّ في "مسند عليّ - ﵁ -"، وغير أبي نَضْرَةَ، فقد علّق عنه البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، غير شيخه، فإنه بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي نَضْرَةَ.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد - ﵁ - صحابيّ ابن صحابيّ - فأبوه صحابيّ، استُشهد يوم أحد - ﵁ - وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ) بفتح الميم موصولة، بمعنى الذي (لَقِيَ) بكسر القاف، يقال: لقيتُهُ أَلْقَاهُ، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استَقْبَلَ شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيه، ومنه لقاء البيت، وهو استقباله، قاله الفيّوميّ (^١) (الْوَفْدَ) تقدّم أنه بمعنى الجماعة المختارة من القوم ليتقدّموا في لُقِيّ العظماء في المهمات (الَّذِينَ قَدِمُوا) بكسر الدال، يقال: قَدِمَ الرجلُ البلدَ يقدَمه، من باب تَعِبَ قُدُومًا، ومَقْدَمًا: إذا دخله، وأما قَدَمَ القومَ يقدُمهم قَدْمًا، من باب نصر، فإنه بمعنى تقدّمهم (^٢)، ولا يناسب هنا (عَلَى
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٨.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٣.
[ ١ / ٣٧٩ ]
رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) القبيلة المشهورة (قَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة (وذَكَرَ قَتَادَة) أي ممن حدّثه بهذا الحديث من الوفد المذكورين (أَبَا نَضْرَةَ) أي فزال بهذا تهمة تدليسه، فإنه معروف به (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - متعلّق بـ "حَدّثنا"، وقال النوويّ: معنى هذا الكلام أن قتادة حدّث بهذا الحديث عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، كما جاء مبيّنًا في الرواية التي بعد هذا من رواية ابن أبي عديّ، انتهى (^١) (فِي حَدِيثِهِ) متعلّق بـ "حدّثنا"، و"في" بمعنى الباء، وقوله: (هَذَا) بدل من "حديثه"، والإشارة إلى ما يسوقه بعدُ (أَنَّ أُنَاسًا) بضم الهمزة، قال الفيّومي: و"الأُناس" قيل: فُعَالٌ بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنْس، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفًا على غير قياس، فيبقى نَاسًا، وعن الكسائيّ أن الأُناس والناس لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقًا من الآخر، وهو الوجه، لأنهما مادّتان مُختلفتان في الاشتقاق، والحذف تغيير، وهو خلاف الأصل. انتهى (^٢) (مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) متعلّق بصفة لـ "أُناس"، أي كائنين من هذه القبيلة (قَدِمُوا) بكسر الدال (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَما نَبِيَّ اللهِ) فيه دليلٌ على أنهم مؤمنون قبل مجيئهم؛ إذ نادوه بصفة النبوّة (إِنَّا) هي "إنّ" واسمها ضمير المتكلّمين، وخبرها قولهم: (حَيٌّ) أي قبيلة، سمّوا بذلك لأن بعضهم يحيا ببعض، وجمعه أحياء (مِنْ رَبِيعَةَ) متعلّق بصفة لـ"حيّ"، كما سبق قريبًا (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) بضمّ، ففتح، غير منصرف؛ للعَلَميّة، والعدل من ماضر، وهو أبو قبيلة، وهو مُضر بن نِزَار، يُلقّب مضر الحمراء؛ لولعه بشرب اللبن الماضر، أي الحامض، أو لبياض لونه، والعرب تسمّي الأبيض أحمر (^٣)، وتقدّم غير هذا في سبب تلقيبه (وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ) بتثليث الدال، من باب ضرب، ونصر، وفَرِحَ (^٤): أي لا نَقْوَى، ولا نتمكّن من
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٩٠.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٦ في مادّة "أنس".
(٣) راجع: "القاموس المحيط"، وهامشه ص ٤٢٩.
(٤) هكذا ضبطه في "القاموس"، واقتصر في "المصباح" على الكسر من باب ضرب فقط.
[ ١ / ٣٨٠ ]
الوصول إليك؛ خوفًا من هؤلاء الكفّار (إِلا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ) أي الأربعة: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، فالثلاثة سرْدٌ، وواحد فرد (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ، نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) تقدّم الكلام في هذه الجملة، وأنه يجوز رفع "نأمر"، وجزمه، وكذا قوله: (وَنَدْخُلُ بهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ) أي إذا عَمِلنا بما تأمرنا به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "آمرُكُمْ بِأَرْبَعٍ") أي أربع خصال، أو أربع جُمَلٍ (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ في أربع أوعية، ثم فصّل الأربع الأُوَلَ، فقال (اعْبُدُو اللهَ) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: عبادته هي طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام لله تعالى المتضمّن غاية الانقياد، والذلّ، والخضوع. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: العبادة هي طاعة الله تعالى بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقال أيضًا: العبادة اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة.
وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومدارها على خمس عشرة قاعدةً، من كملها كمل مراتب العبوديّة، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، والأحكامُ التي للعبوديّة خمسة: واجبٌ، ومستحبّ، وحرام، ومكروه، ومباح، وهنّ لكلّ واحد من القلب، واللسان، والجوارح.
ولقد أجاد رحمه الله تعالى حيث قال في "نونيّته" [من الكامل]:
وَعِبَادَةُ الرَّحْمنِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ
وَمَدَارُهُ بِالْأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ … لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
ولبعضهم [من الكامل أيضًا]:
حَقُّ الإلَاهِ عِبَادَةٌ بِالأَمْرِ لَا … بِهَوَى النُّفُوسِ فَذَاكَ لِلشَّيْطَانِ
مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكٍ بِهِ شَيْئًا همَا … سبَبُ النَّجَاةِ فَحَبَّذَا السَّبَبَانِ
لَمْ يَنْجُ مِنْ غَضَبِ الْإِلَهِ وَنَارِهِ … إِلَّا الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلَانِ
وَالنَّاسُ بَعْدُ فَمُشْرِكٌ بِإِلَاهِهِ … أَوْ ذُو ابْتِدَاعٍ أَوْ لَهُ الْوَصْفَانِ
[ ١ / ٣٨١ ]
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل العبادة التذلّل والخضوع، وسُمّيت وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها، خاضعين، متذلّلين لله تعالى (^١).
وقوله: (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونكم غير مشركين به، أي وحّدوه بالعبادة متجرّدين عن الشرك، فإن من لم يتجرّد عن الشرك لم يكن آتيًا بعبادة الله تعالى وحده (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي أدّوها مراعين شروطها، وأركانها، وواجباتها، وآدابها (وآتُو الزَّكَاةَ) أي أعطوها. مستحقّيها فـ "الزكاة" مفعول ثانٍ، والأول هو ما قدّرناه (وصُومُوا رَمَضَانَ) فيه إطلاق هذا الاسم من غير إضافة شهر، وهو الحقّ، وقد كرهه بعضهم، ولا وجه له (وأَعْطُوا الْخُمُسَ) مستحقّه، فـ "الخمسَ" مفعول ثان، والأول هو المقدّر، كسابقه (مِنَ الْغَنَائِمِ) جمع غنيمة، وهي ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمة، قاله الفيّومي (^٢)، وقال ابن الأثير: هي ما أُصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب (^٣). وأما الفَىْءُ فهو ما نِيلَ منهم بعدَ أن تَضَعَ الحربُ أوزارها (^٤).
(وأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ. في أربع أوعية (عَنِ الدُّبَّاءِ) بدل تفصيل من مجمل من الجار والمجرور قبله، وهي بضمّ أوله، وتشديد الموحّدة، ممدودًا: القرعة، كانت يُنبذ فيها، فيَضْرَى، أي يشتدّ، قاله الهرويّ (وَالْحَنْتَمِ) قد تقدّم أن أصحّ ما قيل فيها أنها جِرَارٌ، لأنه تفسير الأكثرين (والْمُزَفَّتِ) أي المطليّ بالزفت، وهو القار (والنَّقِيرِ) فَعِيل بمعنى مفعول، أي المنقور، وهو الجِذع المنقور وسطه، وإنما نُهُوا عن الانتباذ فيها؛ لأنها تُعجّل إسكار النبيذ، وقيل: غير ذلك مما سبق بيانه في شرح الحديث الماضي (قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟) "ما" استفهاميّة، وهو استفهام استبعاد، أي كيف عرفته، ولم يكن بأرض قومك؟ (قَالَ: "بَلَى") هي حرف إيجاب، فإذا
_________________
(١) راجع: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص ١٨ و٣٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٥.
(٣) "النهاية" ٣/ ٣٨٩.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٥.
[ ١ / ٣٨٢ ]
قيل: ما قام زيدٌ، وقلتَ في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلتَ: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما أول الكلام، كما تقدّم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ الآية [القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدّم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. ذكره الفيّومي (^١).
والمعنى هنا: بلى أعلمه، ثم بيّن لهم حقيقته، فقال:
(جِذْعٌ) خبر لمحذوف، أي هو جذع، وهو بكسر الجيم: ساق النخلة، والجمع جُذُوع، وأجذاع (تَنْقُرُونَهُ) بضم الراء، من باب نصر: أي تحفرون وسطه (فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ) أي تُلْقُون في ذلك الجِذع بعض أنواع التمر المسمّى بالقُطَيعاء.
وقال النووي رحمه الله تعالى في "شرحه": أما "تقذفون" فهو بتاء مثنّاة فوقُ، مفتوحة، ثم قاف ساكنة، ثم ذال معجمة مكسورة، ثم فاء، ثم نون، كذا في الأصول كلّها في هذا الموضع الأول، ومعناه تُلقون فيه، وتَرمُون.
وأما قوله في الرواية الأخرى، وهي رواية محمد بن المثنّى، وابن بشّار، عن ابن أبي عديّ: "وتُذِيفُون به من الْقُطَيْعاء"، فليس فيها قاف، ورُوي بالذال المعجمة، وبالمهملة، وهما لغتان فصيحتان، وكلاهما بفتح التاء، وهو من ذافَ يَذِيف بالمعجمة، كباع يَبيع، وداف يَدُوف بالمهملة، كقال يقول، وإهمال الدال أشهر في اللغة، وضبطه بعض رُواة مسلم بضمّ التاء، على رواية المهملة، وعلى رواية المعجمة أيضًا، جعله أذاف، والمعروف فتحها من ذاف، وداف، ومعناه على الأوجه كلّها خَلَطَ، والله تعالى أعلم.
وأما "الْقُطَيعاءُ": فبضم القاف، وفتح الطاء، وبالمدّ، وهو نوع من التمر صغار، يقال له الشّهريز بالشين المعجمة، والمهملة، وبضمّهما وبكسرهما. انتهى (^٢).
(قَالَ سَعِيدٌ) أي ابن أبي عروبة (أَوْ) للشكّ من الراوي، وهو سعيد كما
_________________
(١) "المصباح" ١/ ٦٢.
(٢) "شرح مسلم" ١/ ١٩١.
[ ١ / ٣٨٣ ]
صرّح به (قَالَ) قتادة (مِنَ التَّمْرِ) بدل "من القُطَيْعاء" (ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ)، أي في ذلك الْجِذع الذي ألقيتم فيه من القطيعاء (مِنَ الْمَاءِ) أي بعض الماء، فـ "من" بمعنى البعض، ويحتمل أن تكون ابتدائيّة (حَتَّى) غاية للترك، أي ثم تركتموه حتى (إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ) أي اضطرابه، يقال: غَلَتِ القدرُ غَلْيًا، من باب ضرب، وغَلَيَانًا أَيضًا، قال الفرّاء: إذا كان الفعل في معنى الذهاب والمجيء مضطربًا، فلا تَهَابَن في مصدره الْفَعَلَانَ، وفي لغة: غَلِيَت تَغْلَى، من باب تَعِبَ، قال أبو الأسود الدّؤليّ [من البسيط]:
وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ الْقَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ … وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ (^١)
والأُولى هي الْفُصحَى، وبها جاء الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ الآية [الدخان: ٤٥]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أغليت الزيتَ ونحوه إغلاءً، فهو مُغْلًى (^٢).
(شَرِبْتُمُوهُ) جواب "إذا" (حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ) غاية لإكثار الشرب، أكثرتم شربه، وسكرتم حتى إن أحكم (أوْ) للشكّ من الراوي، ولم أعرفه (إِنَّ أَحَدَهُمْ) بضمير الغيبة بدل الخطاب (لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بالسَّيْفِ") قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: إذا شَرِبَ هذا الشراب سَكِرَ، فلَم يَبقَ له عقلٌ، وهاج به الشرّ، فيضرب ابن عمّه الذي هو عنده من أحبّ أحبابه، وهذه مفسدة عظيمة، ونبّه بها على ما سواها من المفاسد. انتهى.
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو سعيد - ﵁ - (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ) جملة من مبتدأ مؤخّر وخبر مقدّم، أي وكان رجل مع أولئك القوم الذين يخاطبهم النبيّ - ﷺ - بهذا الخطاب، وجملة (أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) صفة لـ "رجل"، واسم هذا الرجل جهم بن قُثَم، كما قاله ابن بشكوال، والخطيب، وقال ابن الصلاح: بلغنا ذلك عن ابن أبي خيثمة، وكانت الجراحة في ساقه (^٣)، وقال سبط ابن العجميّ: وابن عمّه لا يعرف اسمه (^٤)، (كَذَلِكَ) أي جراحة كالجراحة التي
_________________
(١) مراده أنه فصيح لا يلحن.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣، و"لسان العرب" ١٥/ ١٣٤.
(٣) "الصيانة" ص ١٥٥.
(٤) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٥٢.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وصفها النبيّ - ﷺ - من أنهم يشربون من هذا الشراب المسكر، فيسكرون، وتغيب عقولهم، فيضربون بالسيف أَبناءَ عُمُومتهم (قَالَ) ذلك الرجل (وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا) أي أستر تلك الجراحة (حَيَاءً مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -) أي لئلا يراها، فيسأله عن سببها، فيفتضح (فَقُلْتُ: فَفِيمَ) هي "ما" الاستفهاميّة حُذفت ألفها؛ لدخول الجارّ عليها، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، قال في "الخلاصة":
و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
والجارّ والمجرور متعلّق بـ (نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي في أيّ الأوعية يجوز أن نتّخذ الأنبذة الجائزة الشرب حتى نشربها (قَالَ) - ﷺ - ("فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ) متعلّق بفعل مقدّر، دلّ عليه السؤال، أي اشربوا في أسقية الأدم، و"الأَسقية" بالفتح: جمع سِقَاء بالكسر، ككِسَاءٍ: جِلْدُ السَّخْلَة إذا أجذَعَ، يكون للماء واللبن، ويُجمع أيضًا على أسقيات، وأَسَاقٍ، قاله في "القاموس" (^١)، وأما "الأَدَمُ" فبفتح الهمزة، والدال: جمع أَدِيمٍ، وهو الجلد الذي قد تَمَّ دِبَاغه، وتناهى، قال السِّيرافيّ: لم يُجمع فَعِيلٌ على فَعَل إلا أَدِيمٌ وأَدَمٌ، وَأَفِيقٌ وَأَفَقٌ، وقَضِيمٌ وقَضَمٌ، والقضيم: الصحيفة (^٢)، والأَفِيق: الجلد الذي لم يتمّ دِباغه. انتهى (^٣).
وقال الفيّوميّ: والأَديم: الجلد المدبوغ، والجمع أَدَمٌ بفتحتين، وبضمّتين أيضًا، وهو القياس، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُد. انتهى (^٤) "الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أفوَاهِهَا")، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي يُربط ويُلفّ بعضها على بعض، قال الْقُتَبيّ: أصلُ اللَّوْث الطيّ، ولُثْتُ الْعِمامة: أي لَفَفتها، وهذا بمعنى اللفظ الوارد في الرواية الأخرى: "عليكم بالْمُوكَى" مقصورًا: أي بالأسقية التي توكأ: أي تُربط أفواهها بالوِكَاء، وهو الخيط الذي تُربط به.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١١٦٦.
(٢) قال القاضي عياض: القضيم: الصحيفة كما قال، لكنها البيضاء التي لم يُكتب فيها بعدُ. انتهى "إكمال" ١/ ١٦٩.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ١٦٨.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٩.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله: "يُلاثُ على أفواهها": فبضم المثنّاة من تحت، وتخفيف اللام، وآخره ثاء مثلثة، كذا ضبطناه، وكذا هو في أكثر الأصول، وفي أصل الحافظ أبي عامر الْعَبْدَرِيّ: "تُلاثُ" بالمثناة فوقُ، وكلاهما صحيح، فمعنى الأوّل: يُلَفُّ الخيط على أفواهها، ويُرْبَط به، ومعنى الثاني: تُلَفُّ الأسقية على أفواهها، كما يقال: ضربته على رأسه. انتهى (^١).
قال عياضٌ رحمه الله تعالى: وإنما حضّهم على الشرب في آنية الأدَم، وهي الأسقية والموكَى المذكور في الأحاديث الأخر؛ لأنها لرقّة جلودها لا يمكن أن يتمّ فيها فساد الأشربة، وتخميرها حتى تنشقّ، ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأواني، فكانت آمن من هذا. انتهى (^٢).
(قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ) قال النوويّ: كذا ضبطناه "كثيرة" بالهاء في آخره، ووقع في كثير من الأصول "كثير" بغير هاء، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: صحّ في أصولنا "كثير" من غير تاء التأنيث، والتقدير فيه على هذا: أرضنا مكانٌ كثيرُ الْجِرْذَان، ومن نظائره قول الله ﷿ -: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وأما "الْجِرْذَان": فبكسر الجيم، وإسكان الراء، وبالذال المعجمة: جمعُ جُرَذٍ بضم الجيم، وفتح الراء، كنُغَرِ وبغْرَان، وصُرَدٍ وصِرْدَان، والْجُرَذُ: نوعٌ من الفأر، كذا قاله الجوهريّ وغيره، وقال الزُّبَيديّ في "مختصر العين": هو الذكرُ من الفأر، وأطلق جماعة من شُرّاح الحديث أنه الفأر.
(وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَم) أي لكون الجرذان تأكلها، وهذا اعتذار منهم بكثرة الجرذان في أرضهم، وأَنها تأكلها، فلم يَعذرهم النبيّ - ﷺ - بذلك، قال المازريّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون إنما راجعوه لأنهم اعتقدوا أنه إنما يبني كثيرًا من شرعه على المصالح، وأن من المصلحة الرخصةَ عند الضرورات، فلم يعذِرهم - ﷺ -؛ لأنه اعتقد أنه ليس بأمر غالبٍ يشقّ التحرّز منه، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة (^٣).
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٩٢.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٦٩.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ١٧١.
[ ١ / ٣٨٦ ]
(فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "وَإِنْ أَكلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ) كرّره ثلاث مرّات للتأكيد (قَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ) تَقدّم الاختلاف في اسمه، وأن الصحيح المشهور هو المنذر بن عائذ الْعَصَرِيّ - ﵁ - ("إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْن") اللام هي لام الابتداء المزحلقة عن موضعها؛ إذ الأصل أن تكون مع "إِنَّ"، فكرهوا توالي حرفي تأكيد، فأخّروها عنها، كما أشار إلى ذلك في "الخلاصة":
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ "إِنِّي لَوَزَرْ"
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ … وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
والمراد بالخصلة هنا: الفضيلة، قال في "القاموس": "الْخَصلَةُ" الْخَلَّةُ، والْفَضِيلَةُ، والرَّذِيلَةُ، أو قد غَلَبَ على الْفَضِيلة، جمعه: خِصال. انتهى (^١).
(يُحِبُّهُمَا اللهُ) جملة في محلّ نصب صفة لـ "خصلتين"، وقوله: (الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ) بالنصب على البدليّة من "خصلتين"، ويجوز القطع إلى الرفع على الخبرية لمبتدإ محذوف: أي هما الحلم والأناة، والنصب، بتقدير "أعني"، وقد تقدّم في الحديث الماضي معنى الحلم بأنه العقل، والأَناةِ بأنه التَّثَبُّتُ، وترك العجلة، وذكرنا سبب قوله - ﷺ - له ذلك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنف هنا (٦/ ١٢٦) عن يحيى بن أيوب، عن ابن عليّة و(٦/ ١٢٧) عن محمد بن المثنّى، وابن بشّار كلاهما عن ابن أبي عديّ، وكلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد - ﵁ -، و(٦/ ١٢٨) عن محمد بن بكار، عن أبي عاصم، (ح) عن محمد بن رافع، عن
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٨٩٣.
[ ١ / ٣٨٧ ]
عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج، عن أبي قزعة، عن أبي نضرة به.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ٢٢ و٩٠ و(البخاري) في "الأدب المفرد" (٥٨٥) و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٠٧ و١٠٨ و١٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، لَقِيَ ذَاكَ الْوَفْدَ، وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَن فِيهِ: "وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء، أَوْ التَّمْرِ وَالْمَاءِ"، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: "مِنَ التَّمْرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، ويقال: إن كنية إبراهيم أبو عَدِيّ السُّلَمِيّ مولاهم الْقَسْمَليّ، نَزَل فيهم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وحُميد الطويل، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعثمان بن غياث، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائيّ، وحجاج الصواف، وحسين المعلم، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن عليّ، وابنا أبي شيبة، وأبو موسى وبندار، وعقبة بن مُكْرَم، وقتيبة بن سعيد، وبكر بن خَلَف، وغيرهم.
قال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ، وذَكَر ابن أبي عديّ، فأحسن الثناء عليه، وسمعت معاذ بن معاذ، يُحسن الثناء عليه، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وفي "الميزان": قال أبو حاتم مرّةً: لا يُحتجّ به. وقال رُسْته: سمعت معاذ بن معاذ يقول: ما رأيت أحدًا أفضل من ابن أبي عديّ.
وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة، وذكره
[ ١ / ٣٨٨ ]
ابن حبان في "الثقات" وقال: يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الآخر منها، وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: مات سنة (٩٢)، وقال الْقَرّاب: وفي وفاته اختلاف، وفي سنة أربع أكثر.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٢) حديثًا.
وأما الباقون فتقدّموا قريبًا، فمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ تقدّما في الحديث الثاني من هذا الباب برقم (١٢٤)، وأما الباقون فتقدّموا في المسند الماضي.
وقوله: "وَذَكَرَ أبا نضرة إلخ"، أي ذكر قتادة في جملة من لقي ذاك الوفد أبا نضرة المنذر بن مالك.
وقوله: "بمثل حديث ابن عليّة إلخ"، يعني أن ابن أبي عديّ حدّث عن سعيد مثل حديث ابن عليّة في لفظه، إلا أنه قال: "وتُذيفون فيه إلخ" بدل "فتقذفون فيه إلخ"، وقد تقدّم أنه رُوي بالذال المعجمة، والدال المهملة، وهما لغتان فصيحتان، من ذاف، وداف، والمعنى تخلطون.
وقوله: "ولم يقل: قال سعيد إلخ"، يعني أن ابن أبي عديّ لم يذكر ما ذكره ابنُ عليّة، وهو قوله: قال سعيد إلخ.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عدي هذه التي أحالها المصنف هنا على رواية ابن علية لم أجد من ساقها تامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
١٢٨ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. (ح) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَةَ، أَنَّ أبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أتوا نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ - جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ - مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِن الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: "لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ - جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ - أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، الْجِذْعُ، يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِي الدُّبَّاء، وَلَا فِي الْحَنْتَمَة، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى").
[ ١ / ٣٨٩ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ) هو: محمد بن بكّار بن الزُّبير الْعَيْشيّ - بالمعجمة - الصيرفيّ البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وأبي أحمد الزّبيريّ، وأبي داود الطيالسي، وابن عيينة، وعبد المجيد بن أبي رَوّاد، ومروان بن معاوية، وأبي عاصم، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن الدَّوْرَقِيّ، وغيرهم.
قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين.
[تنبيه]: جَمَعَ غير واحد بين محمد بن بكّار بن الزبير هذا، وبين محمد بن بكّار بن الريّان الهاشميّ، فجعلوهما واحدًا، منهم أبو إسحاق الْحَبَّال في مشايخ مسلم، وأبو علي الجيّانيّ في مشايخ أبي داود، والكلام في الذي قيل في ابن الريّان محتمل أن يكون بعضه في ابن الزبير؛ لأن أكثرهم أطلقوا القول في محمد بن بكار نسبةً، قاله الحافظ في "تهذيب التهذيب" ج ٩، ص ٦٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام الذي قالوه في ابن الريّان هو ما ذكره في "التهذيب": قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ بأسًا، وقد حدَّثنا عن بعضهم، منهم محمد بن بكّار، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال صالح بن محمد: صدوقٌ يُحَدِّث عن الضعفاء.
وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) الْقُشَيْريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) ٣/ ١٨.
٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحَّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك بن مسلم بن الضَّحّاك الشَّيبانيّ النَّبِيل البصريّ، قيل: إنه مولى بني شيبان، وقيل: من أنفسهم، ثقةٌ ثبتٌ [٩].
رَوَى عن يزيد بن أبي عبيد، وأيمن بن نابل، وشبيب بن بِشْر، وسليمان
[ ١ / ٣٩٠ ]
التيمي، وعثمان بن سعد الكاتب، وابن عون، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم.
ورَوَى عنه جرير بن حازم، وهو من شيوخه، والأصمعيّ، والْخُرَيبيّ، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وحجاج بن الشاعر، والحسن بن علي الحلواني، وأبو خيثمة، وعباس بن عبد العظيم العنبري، والبخاريّ، وجماعة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، كثير الحديث، وكان له فقهٌ.
وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليّ من رَوْح بن عُبَادة، وقال محمد بن عيسى الزجاج: قال لي أبو عاصم: كلُّ شيء حدثتك، حدثوني به، وما دَلَّست قط. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهًا. وقال عُمَر بن شَبّة: والله ما رأيت مثله. وقال ابن خِرَاش: لم يُرَ في يده كتاب قط. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان يحفظ قدر ألف حديث، من جَيِّد حديثه، وكان فيه مِزَاحٌ. وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عَقَلتُ أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قط. وقال الخليليّ: متفق عليه زهدًا وعلمًا وديانةً وإتقانًا، قيل: إنه لُقِّبَ النبيل؛ لأن الفيل أقدم البصرة، فخرج الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضًا، فقال له: أنت النبيل، وقيل: لأنه كان يَلْبَس جَيِّد الثياب، وقيل: لأن شعبة حَلَفَ أن لا يُحَدِّث أصحاب الحديث شهرًا، فبلغ أبا عاصم، فقال له: حَدِّث وغلامي حُرّ، وقيل: لأنه كان كبير الأنف، رَوَى إسماعيل بن أحمد والي خُرَاسان عن أبيه، عن أبي عاصم، أنه تزوج امرأةً، فلما أراد أن يُقَبِّلها، قالت له: نَحِّ ركبتك عن وجهي، فقال: ليس هذا ركبة، هذا أنف، وقال ابن قانع: ثقة مأمون. ورَوَى الدارقطني في "غرائب مالك" من طريق علي بن نصر الجهضمي قال: قالوا لأبي عاصم: إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال: هاتوا مَن سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قَدِمَ علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه، وسألوه أن يأمر مالكًا أن يحدثهم، فأمره فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج؛
[ ١ / ٣٩١ ]
لأن أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، أو حيث مات ابن جريج، ثم لم يَعُد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم مكيّ، تَحَوَّل إلى البصرة.
قال عمرو بن علي وغيره، عن أبي عاصم: وُلدتُ سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال جابر بن كردي: مات سنة (١١)، وقال خليفة وغير واحد: سنة (١٢)، زاد ابن سعد في ذي الحجة، وقال يعقوب بن سفيان: مات سنة (١٣) وقال حمدان بن علي الوراق: ذهبنا إلى أحمد": سنة (١٣)، فسألناه أن يحدثنا، فقال: تسمعون مني، وأبو عاصم في الحياة، اخرجوا إليه، وقال البخاريّ: مات سنة (١٢)، وكذا نقله عنه الكلاباذيّ، وإسحاق الْقَرّاب، وأبو الوليد الباجيّ، وكذا أرخه ابن حبان في "الثقات" لما ذكره في الطبقة الثالثة، ومن عادته اتّباع البخاري.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩].
رَوَى عن أبيه، وعمه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأخيه عبد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وابن جريج، والأوزاعيّ، ومالك، والسفيانين، وزكرياء بن إسحاق المكي، وجعفر بن سليمان، وخلق كثير.
وَرَوَى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو خيثمة، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن موسى، وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ، وسَلَمَة بن شَبيب، وعمرو الناقد، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: وأما عبد الرزاق، والْفِرْيَابيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم، وقَبيصة، وطبقتهم فهم كلهم في سفيان قريب بعضهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد، وابن مهديّ، ووكيع، وابن المبارك، وأبي نعيم. وقال أحمد بن صالح المصريّ: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحدًا أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال
[ ١ / ٣٩٢ ]
أبو زرعة الدمشقيّ: عبد الرزاق أحدُ من ثَبَتَ حديثه، وقال ابن أبي السَّرِيّ، عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر، فقال: يختلف إلينا أربعةٌ: رَبَاح بن زيد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رَبَاح فخليق أن يَغْلِب عليه العبادة، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق، فإن عاش فخليق أن تُضْرَب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السريّ: فوالله لقد أَتْعَبَها. وقال أحمد: حديث عبد الرزاق، عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه، وينظر فيها ظاهرًا، وكان يُحدِّثهم حفظًا بالبصرة - يعني معمرًا - وقال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن حديث: "النارُ جُبَار"؟ فقال: ومن يُحَدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شَبّويه، قال: هؤلاء سَمِعُوا بعدما عَمِي، كان يُلَقَّن، فلَقَّنه، وليس هو في كتبه، كان يُلَقَّنُها بعدما عَمِيَ، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد نحو ذلك، وزاد: مَن سَمِع من الكتب، فهو أصح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لأحمد: مَن أَثْبَتُ في ابن جريج: عبد الرزاق، أو الْبُرْسَانيّ؟ قال: عبد الرزاق، وقال أيضًا: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، مَن سمع منه بعدما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر عن هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن شيبة، عن علي بن المدينيّ، قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا، قال يعقوب: وكلاهما ثقة ثبتٌ. وقال الحسن بن جرير الصُّوريّ، عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبَ عني ثلاثة، لا أبالي أن لا يكتُب عني غيرهم: كتب عني ابنُ الشاذكونيّ، وهو من أحفظ الناس، وكتبَ عني يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتبَ عني أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس، وقال جعفر الطيالسي: سمعت ابنَ معين، قال: سمعت من عبد الرزاق كلامًا استدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُستاذيك (^١) الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة: معمر، ومالك،
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الأولى "أَسَاتِذَتَكَ"، فليحرر.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وابن جريج، والثوريّ، والأوزاعيّ، فعمن أخذت هذا المذهب؟ قال: قَدم علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلًا، حسن الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ: وجدت عبد الرزاق ما أفسد جعفرًا غيره (^١) - يعني في التشيع -. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وقيل له: قال أحمد: إن عبيد الله بن موسى يُرَدُّ حديثه للتشيع - فقال: كان عبد الرزاق، والله الذي لا إله إلا هو أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، هل كان عبد الرزاق يتشيع، ويُفْرِطُ في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب، يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أُفَضِّل عليًّا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حُبِّي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضِّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما على نفسه، ولو لم يُفَضِّلهما ما فضلتهما، كَفَى بي ازدراءً أن أحب عليًّا، ثم أخالف قوله. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يُحتج به.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يخطئ إذا حَدَّث من حفظه على تشيع فيه، وكان ممن جَمَعَ وصَنَّفَ وحَفِظَ وذاكر، وقال الآجريّ عن أبي داود: الْفِرْيَابيّ أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة، وقال محمد بن إسماعيل الْفَزَاري: بلغني ونحن بصنعاء أن أحمد ويحيى تركا حديثَ عبد الرزاق، فدَخَلنا غَمٌّ شديدٌ، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتَدَّ عبد الرزاق ما تركنا حديثه. ورُوي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام، لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا، أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاؤوني، وقال العجلي: ثقة يتشيع، وكذا قال البزار. وقال الذُّهْليّ: كان
_________________
(١) وكذا هو في "تهذيب الكمال" ١٨/ ٥٩، وقال المزّيّ معلّقًا عليها: لعله ما أفسد جعفرٌ غيرَه.
[ ١ / ٣٩٤ ]
عبد الرزاق أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ، وقال إبراهيم بن عباد الدّبَرِيّ: كان عبد الرزاق يَحفظ نحوًا من سبع عشرة ألف حديث. وقال ابن عديّ: ولعبد الرزاق أصناف، وحديث كثير، وقد رَحَلَ إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكَتَبُوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد رَوَى أحاديث في الفضائل، لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولِمَا رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق، فأرجو أنه لا بأس به.
قال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد: في شوال.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩٩) حديثًا.
[تنبيه]: من يُسمّى عبدَ الرزاق في الرواة أربعة:
(الأول): عبد الرزاق بن هَمّام المترجم هنا، وهو من رجال الجماعة.
(الثاني): عبد الرزاق بن عمر بن مسلم الدمشقيّ العابد، صدوق، من العاشرة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا.
(الثالث): عبد الرزاق بن عمر الثقفيّ، أبو بكر الدمشقيّ، متروك الحديث عن الزهريّ، لَيِّن في غيره، من الثامنة، وليس له في الستّة شيء، وإنما يُذكر للتمييز.
(الرابع): عبد الرزاق بن عمر بن بَزِيع الْبَزِيعيّ، صدوق، من العاشرة، وليس له من الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر للتمييز أيضًا.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد الْمَكِّيّ، رُوميُّ الأصل، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلّس ويرسل [٦].
رَوَى عن حُكَيمة بنت رُقَيقة، وأبيه عبد العزيز، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، والزهريّ، وسليمان بن أبي مسلم الأحول، وصالح بن كيسان، وصَفوان بن سُليم، وطاووس، وابن أبي مليكة، وأبي قَزَعَة سُويد بن حُجَير، وخلقٍ كثيرٍ.
وَرَوَى عنه ابناه: عبد العزيز، ومحمدٌ، والأوزاعيّ، والليث، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو من شيوخه، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفيّ،
[ ١ / ٣٩٥ ]
وعيسى بن يونس، ووهيب بن خالد، وأبو قرة موسى بن طارق، وحفص بن غياث، ومسلم بن خالد الزَّنْجِيّ، ومفضل بن فَضَالة المصري، وهمام بن يحيى، وإسماعيل ابن علية، وإسماعيل بن عَيّاش، وابن عيينة، وخالد بن الحارث، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وابن وهب، والقطان، والوليد بن مسلم، ووكيع، وأبو عاصم، وهشام بن يوسف الصنعاني، وغُنْدَر، وأبو أسامة، وعبد الرزّاق، وخلقٌ كثير.
قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: مَن أَوَّل من صَنَّفَ الكتب؟ قال: ابنُ جريج، وابن أبي عَرُوبة، وقال عبد الوهاب بن همام، أخو عبد الرزاق، عن ابن جريج: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وقال ابن عُيينة: سمعت ابن جريج يقول: ما دَوَّنَ العلمَ تدويني أحدٌ. وقال: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء تسع سنين، وقال طلحة بن عُمر المكي: قلت لعطاء: مَنْ نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش، وقال عطاء: سيّد شباب أهل الحجاز ابنُ جريج. وقال علي بن المدينيّ: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فذكرهم، ثم قال: فصار علم هؤلاء إلى من صَنَّفَ في العلم، منهم من أهل مكة عبد الملك بن جريج. قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ، وغيرَ واحد: لمن طلبتم العلم؟ فكلهم يقول: لنفسي، غير ابن جريج، فإنه قال: طلبته للناس، وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك، وقال أحمد: ابنُ جريج أثبت الناس في عطاء. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد: كنا نُسَمِّي كُتُبَ ابن جريج كتب الأمانة، وإن لم يُحَدثك ابنُ جريج من كتابه لم ينتفع به، وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبِرتُ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به. وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله غير مَرَّة يقول: كان ابنُ جريج من أوعية العلم. وقال إسماعيل بن داود الْمِخْراقيّ، عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل. وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ليس بشيء في الزهري. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة في كل ما رُوِي عنه من الكتاب، وقال جعفر بن عبد الواحد، عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال:
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال فهو شبه الريح. وقال سليمان بن النضر عن مَخْلد بن الحسين، ما رأيت أصدق لَهْجَةً من ابن جريج، وقال أحمد عن عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاةً من ابن جريج. وسُئل عنه أبو زرعة؟ فقال: بَخٍ من الأئمة. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الشافعيّ: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. وقال أبو عاصم: كان من العباد، وكان يصوم الدهر، إلا ثلاثة أيام من الشهر.
قال عمرو بن عليّ: مات سنة تسع وأربعين ومائة، وقال القطان وغيره: مات سنة خمسين، وقال ابن المدينيّ: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: جاز المائة. وقال ابنُ سعد: وُلِد سنة ثمانين، عام الْجُحَاف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦٥) حديثًا.
٦ - (أَبُو قَزَعَةَ) (^١) سُويد بن حُجَير - بتقديم المهملة، مصغّرًا - ابن بيان الباهليّ البصريّ، ثقة [٤].
رَوَى عن خاله صَخْر بن القَعْقَاع الباهليّ، وله صحبةٌ، وأنس بن مالك، وأبيه حُجَير، وحَكِيم بن معاوية، والأَسْقَع بن الأَسْلَع، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وصالح أبي الخليل، والحسن البصريّ، ومُهاجر بن عكرمة المخزوميّ، وأبي نَضْرة الْعَبْدِيّ، وعدة.
وعنه داود بن أبي هند، وابن جريج، وشعبة، وحاتم بن أبي صَغِيرة، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، ومَعْقِل بن عُبيد الله الْجَزَريّ، وداود بن شَابُور، وحماد بن سلمة، وابنه قَزَعة بن سُويد، وغيرهم.
_________________
(١) قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" ١/ ١٩٤: وأما أبو قَزَعَة المذكور، فاسمه سُوَيد بن حُجَير - بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم مفتوحة، وآخره راء - وهو باهليّ، بصريّ، انفرد مسلم بالرواية له دون البخاريّ، وقَزَعَةُ - بفتح القاف، وبفتح الزاي، وإسكانها - ولم يذكر أبو علي الْغَسَّاني في "تقييد المهمل" سوى الفتح، وحَكَى القاضي عياض فيه الفتح والإسكان، ووُجِد بخط ابن الأنباريّ بالإسكان، وذكر ابن مكيّ في كتابه فيما يُلْحَنُ فيه أن الإسكان هو الصواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ.
[ ١ / ٣٩٧ ]
قال أبو طالب عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وقال أبو بكر البزار في "السنن" له: ليس له بأس. وقال الآجريّ: قُرئ على أبي داود، عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: ثنا أبو قزعة، سمع عمران بن حصين. . قلت لأبي داود: مَن أبو قَزَعَة؟ قال: سُوَيد، قلت: سُوَيد سمع من عمران بن حصين؟ قال: لا.
أخرجه له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٨) و١٢٨ و(١٣٣٣) و(١٥٩٤).
والباقيان تقدّما قريبًا.
[تنبيه]: (قوله: قال: أخبرني أبو قَزَعَة، أن أبا نَضْرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره).
هذا الإسناد مما يُعَدّ من مشكلات الأسانيد، ولذا قد اضطربت فيه أقوال الأئمة، وأخطأ فيه جماعات من كبار الحفاظ، والصوابُ فيه ما حَقَّقَه وحَرَّره، وبسطه وأوضحه، الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ في الجزء الذي جمعه فيه، وما أحسنه وأجوده، وقد لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، فقال: هذا الإسناد إحدى المعضلات، ولإعضاله وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة.
فمن ذلك رواية أبي نعيم الأصبهانيّ في "مستخرجه" على كتاب مسلم، بإسناده: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نَضْرَةَ وَحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره، وهذا يلزم منه أن يكون أبو قَزَعة هو الذي أخبر أبا نَضْرَةَ وَحَسَنًا، عن أبي سعيد، ويكون أبو قَزَعة هو الذي سمع من أبي سعيد، وذلك مُنْتَفٍ بلا شك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق نصّ أبي نعيم في "المستخرج"، وهذا السياق ليس في "المستخرج" الذي بين يديّ، ودونك نصّه:
١ - أخرجه بسنده إلى عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرنا أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما أن أبا سعيد. . . وهذا هو نصّ "صحيح مسلم".
[ ١ / ٣٩٨ ]
ثم أخرج عن ابن جُريج أخبرني أبو قَزَعة أن أبا نضرة أخبره، ثنا حسن بن [سالم] (^١) أخبرهما أن أبا سعيد الخدريّ أخبره.
وكون هذا غلطًا ظاهرٌ، ولا شكّ فيه؛ لأنه يستلزم أن حسنًا أخبر أبا نضرة، مع قوله بعده: أخبرهما، فبطلان هذا واضح.
ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرة أخبره وحسنًا أخبرهما. . . وهو صحيح مثل الأول.
ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره، أن أبا سعيد أخبره. . . ولا ذكر لحسن أصلًا، وهذا أيضًا واضح. والله تعالى أعلم.
قال: ومن ذلك أن أبا عليّ الغسانيّ صاحب "تقييد المهمل" رَدَّ رواية مسلم هذه، وقَلَّده في ذلك صاحب "المعلم"، ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد، مع أنه لا يُسمّيه، ولا يُنصِفه، وصَوَّبهما في ذلك القاضي عياض، فقال أبو عليّ: الصواب في الإسناد: عن ابن جريج قال: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرةَ وحَسَنًا أخبراه، أن أبا سعيد أخبره، وذَكَرَ أنه إنما قال: أخبره، ولم يقل: أخبرهما؛ لأنه رَدّ الضمير إلى أبي نضرة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال، فإنه لم يسمع من أبي سعيد، ولم يلقه، وذَكَرَ أنه بهذا اللفظ الذي ذَكَره مسلم خرَّجه أبو علي بن السكن في "مصنَّفه" بإسناده، قال: وأظنُّ هذا من إصلاح ابن السكن.
وذكر الْغَسَّانيّ أيضًا أنه رواه كذلك أبو بكر البزّار في "مسنده الكبير" بإسناده، وحُكِي عنه، وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذَكَرا أن حَسَنًا هذا هو الحسن البصريّ.
وليس الأمر في ذلك على ما ذَكَرُوه، بل ما أورده مسلم في هذا الإسناد هو الصواب، وكما أورده رواه أحمد بن حنبل، عن رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج (^٢).
_________________
(١) كذا وقع في الأصل، إلا أن المحقّق أصلحه، فكتب بين قوسين (مسلم)، وهو الظاهر.
(٢) "كتاب الأشربة" للإمام أحمد ٢٠ حديث رقم (٨٦).
[ ١ / ٣٩٩ ]
وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ رحمه الله تعالى، وأَلَّف في ذلك كتابًا لطيفًا تبَجَّحَ فيه بإجادته وإصابته، مع وَهَم غير واحد من الحفّاظ فيه، فذَكَر أن حَسَنًا هذا هو الحسن بن مسلم بن يَنَّاق الذي رَوى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أن أبا نَضْرَة أخبر بهذا الحديث أبا قَزَعَةَ وحَسَن بن مسلم كِلَيْهِمَا، ثم أكَّد ذلك بأن أعاد، فقال: أخبرهما أنّ أبا سعيد أخبره - يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة - وهذا كما تقول: إنّ زيدًا جاءني وعمرًا جاءاني، فقالا: كذا وكذا.
وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أن حَسَنًا فيه هو الحسن بن مُسلم بن يَنّاق بأنّ سَلَمَة بنَ شَبيب - وهو ثقة - رواه عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قَزعة أنّ أبا نَضْرَة أخبره، وحسَنَ بنَ مسلم بن يَنّاق أخبرهما، أن أبا سعيد أخبره. . . الحديث.
ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه "الْمُخَرَّج على صحيح مسلم".
وقد أسقط أبو مسعود الدمشقيّ وغيره ذِكْرَ حسنٍ أصلًا من الإسناد؛ لأنه مع إشكاله لا مَدْخَل له في رواية الحديث.
وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو عليّ الغسانيّ في كتابه "تقييد المهمل" في ذلك، وبَيَّنَ بُطلانه، وبطلان رواية من غَيَّرَ الضميرَ في قوله: "أخبرهما"، وغَيْرَ ذلك من التغييرات، ولقد أجاد وأحسن رحمه الله تعالى انتهى كلام الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق نفيسٌ جدًّا، كما قال ابن الصلاح (^٢).
وحاصله: أن قوله: "وحسنًا" معطوف على الضمير المنصوب في "أخبره"
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط" ص ١٥٨ - ١٦١.
(٢) قال النوويّ في "شرحه" بعد نقل كلام ابن الصلاح رحمهما الله تعالى: وفي هذا القدر الذي ذكره أبلغ كفاية، وإن كان الحافظ أبو موسى قد أطنب في بسطه وإيضاحه بأسانيده، واستشهاداته، ولا ضرورة إلى زيادة على هذا القدر. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٤٠٠ ]
الواقع خبرًا لـ "أن"، من قوله: "أن أبا نضرة أخبره"، وأن قوله: "أخبرهما" تأكيد لقوله: "أخبره وحسنًا"، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وجعلنا الله فداءك) هو بكسر الفاء، وبالمدّ، ومعناه يَقِيك المكاره، وفيه جواز قول الإنسان لمسلم: جعلني الله فداك، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بابًا في "صحيحه" فقال:
"باب قول الرجل: جعلني الله فداك"، ثم قول أبي بكر الصدّيق - ﵁ - للنبيّ - ﷺ -، لَمّا قال: "إن عبدًا خَيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده"، فَدَيْناك بآبائنا وأمهاتنا، والحديث طويل، أخرجه الشيخان.
ثم أخرج حديث أنس - ﵁ -، أنه أقبل هو، وأبو طلحة مع النبيّ - ﷺ -. . . وفيه قول أبي طلحة: "يا نبيّ الله جعلني الله فداك، هل أصابك من شيء؟. . . الحديث، متّفقٌ عليه.
قال في "الفتح": وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتاب "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحب من إخوانه غيرَ محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبي - ﷺ - قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره.
قال: وقد ترجم أبو داود نحو ترجمة البخاريّ، وساق حديث أبي ذرّ - ﵁ - قلت للنبيّ - ﷺ -: "لبيك وسعديك، جعلني الله فداك. . ." الحديث، وكذا أخرجه البخاري في "الأدب المفرد".
قال الطبرانيّ: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فَضَالة عن الحسن، قال: دخل الزبير على النبي - ﷺ - وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك، جعلني الله فداك؟ قال: "ما تركت أعرابيتك بعدُ"، ثم ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه تَرَك الأولى، في القول للمريض، إما بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجع.
[ ١ / ٤٠١ ]
[فإن قيل]: إنما ساغ ذلك؛ لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين.
[فالجواب]: أن قول أبي طلحة - ﵁ - كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذر - ﵁ -، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه - ﵃ -، انتهى مُلَخصًا.
قال الحافظ: ويمكن أن يُعتَرض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي - ﷺ - أن يسوغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا.
فالجواب ما تقدم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارةً إلى أن الأصل عدمُ الخصوصية، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة: "فداكِ أبوكِ"، ومن حديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه: "فداكم أبي وأمي"، ومن حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - قال مثل ذلك للأنصار. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم.
ومن فوائد الحديث الباب أيضًا أنه لا عَتْبَ على طالب العلم، المستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جوازُ مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشقّ عليه، وفيه تأكيد الكلام، وتفخيمه؛ لِيَعْظُم وَقْعُهُ في النفس. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وعليكم بالْمُوكَى) هو بضم الميم، وإسكان الواو، مقصورٌ غير مهموز، ومعناه: انبذُوا في السقاء الدقيق الذي يُوكَى، أي يُرْبَط فُوه بالْوِكَاء، وهو الخيط الذي يُرْبَط به.
قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان يتعلّق بالحديث سندًا، ومتنًا ما نصّه: فهذه أطراف مما يتعلّق بهذا الحديث، وهي وإن كانت طويلةً، فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبي التحقيق.
ولقد أجاد رحمه الله تعالى في التنبيه، وأحسن المقال في التنويه، فعليك بالجدِّ والاستفادة، وعلوّ الهمة، وصدق العزيمة والإرادة، ولا تَمِلْ إلى الراحة والكسل، فإنه عنوان الفشل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه التوفيق والعصمة والتفضيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) "فتح الباري" ١٠/ ٦٩٨ رقم باب ١٠٤ حديث رقم (٦١٨٥).
[ ١ / ٤٠٢ ]