وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٨] (١٢٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأمّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة الْخُرَاسانيّ، أبو عثمان المروزيّ، ويقال: الطّالْقَانيّ، يقال: وُلد بِجُوزَجَان، ونَشَأ ببَلْخَ، وطاف البلاد، وسكن مكة، ومات بها، ثقةٌ، مصنّف [١٠].
رَوَى عن مالك، وحماد بن زيد، وأبي قُدَامة الحارث بن عُبيد، وداود بن عبد الرحمن، وابن أبي الزناد، وأبي شهاب، عبد ربه بن نافع، وابن أبي
[ ٣ / ٥٥٨ ]
حازم، والدَّرَاورديّ، وفُلَيح، ومالك، وأبي الأحوص، وابن عيينة، ومهدي بن ميمون، وهشيم، وأبي عوانة، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة يحيى بن موسى خَتّ، وأبي ثور، وعبد الله الدَّارِميّ، ومحمد بن علي بن ميمون الرّقّيّ، والعباس بن عبد الله السّنديّ، وعَمْرو بن منصور النسائيّ، والذُّهْليّ، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، وحرب الكرمانيّ، وأحمد بن حنبل حَدَّث عنه، وهو حيّ، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وأبو زرعة الرازيّ، والدمشقيّ، ومحمد بن علي بن زيد الصائغ، وأحمد بن نَجْدة بن الْعَريان، وهما راويا "كتاب السنن" عنه، وبشر بن موسى، وأحمد بن خُلَيد الْحَلَبيّ، وطائفة.
قال حرب: سمعت أحمد يُحسن الثناء عليه، وقال سلمة بن شَبِيب: ذكرته لأحمد، فأحسن الثناء عليه، وفَخَّم أمره، وقال حنبل عن أحمد: هو من أهل الفضل والصدق، وقال ابن نمير، وابن خراش: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ من الْمُتْقِنين الأثبات، ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، وكان محمد بن عبد الرحيم إذا حَدَّث عنه أثنى عليه، وكان يقول: حدثنا سعيد، وكان ثبتًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: أخبرني أحمد بن صالح، وعبد الرحمن بن إبراهيم أنهما حضرا يحيى بن حسان يُقَدِّمه، وَيرَى له حفظه، وكان حافظًا، وقال الحاكم: سكن مكة مجاورًا، وكان راويةَ ابن عُيينة، وأحد أئمة الحديث، له مصنفات، وقال حرب: كتبت عنه سنة (٢١٩)، أملى علينا نحوًا من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صَنّف بعد ذلك، وقال يعقوب بن سفيان: كان إذا رأى في كتابه خطأً لم يَرجِع عنه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جَمَع، وصَنَّف، وكان من المتقنين الأثبات، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ، وقال الخليليّ: ثقةٌ متفق عليه، ووثقه أيضًا مسلمة بن قاسم، وقال يعقوب بن سفيان: كان سعيد، وهو بمكة يقول: لا تسألوني عن حديث حماد بن زيد، فإن أبا أيوب - يعني سليمان بن حرب - يجعلنا على طَبَق، لا تسألوني عن حديث ابن عيينة، فإن هذا الحميدي يجعلنا على طَبَق.
قال ابن سعد وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين، زاد ابن يونس:
[ ٣ / ٥٥٩ ]
في شهر رمضان، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سنة (٦)، وقال غيره: سنة (٨)، وقال موسى بن هارون: سنة (٩)، والصحيح الأول.
وقال ابن يونس: مات بمصر، حَكَى في التهذيب عن ابن يونس، مع ابن سعد وغيرهما: أنه مات بمكة، وقال البخاري في "تاريخه": مات سنة (٢٩)، أو نحوها بمكة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٠) حديثًا.
٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ (^١)، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب الْغُبَريّ (^٢) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م دس) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ المذكور قبل باب.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (زُرَارَةُ - بضم أوله - ابْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملة، وراءين مفتوحتين، ثم معجمة - أبو حاجب البصريّ القاضي، ثقةٌ عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وتَمِيم الداريّ، وابن عباس، وعمران بن حُصين، وعائشة، والمحفوظ أن بينهما سعد بن هشام، والمغيرة بن شعبة، وأنس، وأُسير بن جابر، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، ومسروق.
وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، وعوف، وبَهْز بن حكيم، وأيوب، وغيرهم.
قال أبو داود الطيالسيّ: لم يَسمع من ابن مسعود، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العبّاد، ومات في أول قُدوم
_________________
(١) بفتح الموحّدة، وسكون الغين المعجمة: نسبة إلى قرية من قُرى بَلْخ.
(٢) "حِسَاب" بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة، و"الْغُبَري" بضم الغين المعجمة، وفتح الموحّدة: نسبة إلى بني غُبَر.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
الْحَجّاج العراق في ولاية عبد الملك، وقال العجليّ: بصريّ ثقةُ، رجل صالح، وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبي: هل سمع زُرارة من ابن سلام؟ قال: ما أراه، ولكن يُدخَل في المسند، وقد سمع من عمران، وأبي هريرة، وابن عباس - ﵃ -.
وقال أبو جَنَابٍ القَصّاب: صلى بنا زُرارة الفجرَ، ولَمّا بَلَغَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ [المدثر: ٨، ٩] شَهِقَ شَهْقَةً، فمات، وقال ابن سعد: مات فَجْأَةً سنة (٩٣)، وكان ثقةً، وله أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحدي، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن عُبيد، فتفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن زرارة.
٤ - (ومنها): أن زُرارة، وسعيد بن منصور هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد ذكرت آنفًا عدد ما رواه المصنّف لهما من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) ووقع عند البخاريّ في "الأيمان والنذور": "حدّثنا زُرارة بن أوفى"، فصرّح قتادة بالتحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال الحافظ: لم أقف على التصريح بسماع زُرارة لهذا الحديث من أبي هريرة، لكنه لم يوصف بالتدليس، فيُحمَل على السماع، وذكر الإسماعيليّ أن الفُرَات بن خالد أدخل بين زُرارة، وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلًا من بني عامر، وهو خطأٌ، فإن زُرَارة من بني عامر، فكأنه كان فيه: "عن زرارة، رجلٍ من بني عامر" فظنّه آخر أُبهم، وليس كذلك. انتهى (^١).
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٥٦٠ "كتاب الأيمان والنذور" رقم الحديث (٦٦٦٤).
[ ٣ / ٥٦١ ]
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأمّتِي) وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام الدستوائيّ عن قتادة: "تجاوز عن أمتي" (مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) وفي رواية سعيد بن أبي عروبة التالية: "عما حدّثت به أنفسها"، وفي رواية للبخاريّ: "عما وسوست، أو حدَّثت به أنفسها" بالتردّد، قال في "القاموس": تجاوز عن ذنبه": لم يؤاخذه به. انتهى. فالفعل يتعدّى بحرف الجرّ، كما جاء في رواية ابن أبي عروبة.
قال القرطبيّ: روايتنا: نصب "أنفسها" على أنه مفعول "حَدَّثَت"، وفي "حَدَّثَت" ضمير فاعل عائدٌ على الأمّة، وأهل اللغة يقولون: "أنفُسُها" بالرفع على أنه فاعل "حَدَّثَت"، يريدون بغير اختيار، قاله الطحاويّ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": "أنفُسَها" بالنصب للأكثر، وبالرفع لبعضهم، وقال النوويّ: ضبط العلماء "أنفسها" بالنصب، والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر، وأشهر، قال القاضي عياض: "أنفسها" بالنصب، ويدلّ عليه قوله: "إن أحدنا يُحدّث نفسه … "، قال: قال الطحاويّ: وأهل اللغة يقولون: "أنفسُها" بالرفع، يريدون بغير اختيارها، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، والله تعالى أعلم (^٢).
وقال السنديّ: قوله: "حدّثت به أنفسها" يحتمل الرفع على الفاعليّة، والنصب على المفعوليّة، والثاني أظهر معنىً، والأول يُجعل كنايةً عما لم تحدّث به ألسنتهم. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما ذُكر أن الرفع والنصب سائغان، يقال: حدّثت نفسي بكذا، وحدّثتني نفسي بكذا، والله تعالى أعلم.
(مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ") الجارّ والمجرور تنازعهما الفعلان: أي ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به، وفي رواية سعيد التالية: "ما لم تعمل، أو تكلّم به".
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٤٠.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ١٤٧ "كتاب الإيمان".
(٣) "شرح السنديّ " ٦/ ١٥٧.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
و"ما" مصدريّة ظرفيّة: أي مدّة عدم التكلّم به، أو مدّة عدم العمل به.
والمقصود به ما لم يتحقّق في الخارج؛ لأن ما حدّثت به النفس إما أن يتحقّق في الخارج باللسان، كالغيبة، والنميمة، والكذب، والقذف، وإما أن يتحقّق في الخارج بالجوارح الأخرى، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، وليس المقصود من قوله: "ما لم يتكلّموا" ما لم يَحْكُوه، فإن الشخص إذا قال: حدّثتني نفسي بكذا، فحاربتها، لا يكون متكلّمًا بما حدّثته نفسه، ولكنه متكلّم عنه، فلا يدخل في المؤاخذة.
وقال الكرمانيّ: فيه أن الوجود الذهنيّ لا أثر له، وإنما الاعتبار بالوجود القوليّ في القوليّات، والعمليّ في العمليّات، وقد احتجّ به من لا يرى المؤاخذة بما وقع في النفس، ولو عزم عليه، وانفصل من قال: يؤاخذ بالعزم بأنه نوع من العمل - يعني عمل القلب -.
وقال في "الفتح": وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح؛ لأن المفهوم من لفظ: "ما لم يعملوا" يُشعر بأن كلّ شيء في الصدر لا يؤاخذ به، سواء توطّن به، أم لم يتوطّن. انتهى (^١).
وقال السنديّ: وقوله: "ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به" صريحٌ في أنه مغفور ما دام لم يتعلّق به قولٌ، أو فعل، فقولهم: إذا صار عزمًا يؤاخذ به مخالفٌ لذلك قطعًا.
ثم حاصل الحديث أن العبد لا يؤاخذ بحديث النفس قبل التكلّم به، والعمل به، وهذا لا ينافي ثبوت الثواب على حديث النفس أصلًا، فمن قال: إنه مُعَارَض بحديث: "مَن همّ بحسنة، فلم يعملها، كُتبت له حسنة"، فقد وَهِم.
بقي الكلام في اعتقاد الكفر، ونحوه، والجواب أنه ليس من حديث النفس، بل هو مندرجٌ في العمل، وعملُ كلّ شيء على حسبه، ونقول: الكلام فيما يتعلّق به تكلّمٌ، أو عملٌ، بقرينة "ما لم يتكلّموا … إلخ"، وهذا ليس منهما، وإنما هو من أفعال القلب، وعقائده، لا كلام فيه، فليتأمّل، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٦٠.
(٢) "شرح السنديّ" ٦/ ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٣ / ٥٦٣ ]
وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦١/ ٣٣٨ و٣٣٩ و٣٤٠] (١٢٧)، و(البخاريّ) في "العتق" (٢٥٢٨)، و"الطلاق" (٥٢٦٩)، و"الأيمان والنذور" (٦٦٦٤)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٠٩)، و(الترمذيّ) في "الطلاق" (١١٨٣)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٤٦٥ و٣٤٦١ و٣٤٦٢)، وفي "الكبرى" (٥٦٢٦ و٥٦٢٧ و٥٦٢٨)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٤٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٥٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٩١ و٢/ ٢٥٥ و٣٩٣ و٤٢٥ و٤٧٤ و٤٨١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٤ و٢٢٥ و٢٢٦)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن حديث النفس لا ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): بيانُ عظيم قدر الأمة المحمّدية؛ لأجل نبيّها - ﷺ -؛ لقوله: "تجاوز لي".
٣ - (ومنها): أن هذا خصوصيّة لهذه الأمة، لا يُشاركها فيه غيرها من الأمم، بل صرّح بعضهم بأنه كان الناسي كالعامد في الإثم، وأن ذلك من الإصر الذي كان على من قبلنا، وتؤيّده أحاديث الباب الماضي.
٤ - (ومنها): أن من طلّق زوجته في نفسه لا يقع طلاقها.
٥ - (ومنها): أنه حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه، والمعتوه، والمجنون أولى منه بذلك.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
٦ - (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ، ونوى في نفسه ثلاثًا أنه لا يقع إلا واحدةً - خلافًا للشافعيّ، ومن وافقه - قال: لأن الخبر دلّ على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنيّة، لا لفظ معها.
وتُعُقّب بأنه لفظ بالطلاق، ونوى الفرقة التامّة، فهي نيّةٌ صحبها لفظٌ.
٧ - (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ به أيضًا لمن قال فيمن قال لامرأته: يا فلانة، ونوى بذلك طلاقها إنها لا تطلّق، خلافًا لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنيّة، دون اللفظ، ولم يأت بصيغة، لا صريحة، ولا كناية.
٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن من كتب الطلاق طلّقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه، وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالكٌ فيه الإشهاد على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال في "الفتح" نقلًا عن المازريّ: ذهب ابن الباقلّانيّ - يعني ومن تبعه - إلى أن من عزم على المعصية بقلبه، ووَطّن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن همّ بسيّئة، ولم يعملها على الخاطر الذي يمرّ بالقلب، ولا يستقرّ.
قال المازريّ: وخالفه كثير من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ونقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم، من طريق همّام عنه بلفظ: "فأنا أغفرها له ما لم يعملها"، فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها.
وتعقّبه عياض بأن عامّة السلف، وأهل العلم على ما قال ابن الباقلّانيّ؛ لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنّهم قالوا: إن العزم على السيّئة يُكتب سيّئةً مجرّدة، لا السيّئة التي همّ أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية، ثم لا يفعلها بعد حصولها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية.
ومما يدلّ على ذلك حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". والذي يظهر أنه من هذا الجنس، وهو أنه يُعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقّه، ولا يُعاقب عقاب من باشر القتل حسًّا.
وهنا قسم آخر، وهو من فعل المعصية، ولم يتب منها، ثمّ همّ أن يعود
[ ٣ / ٥٦٥ ]
إليها، فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك، وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾، ويؤيّده أن الإصرار معصية اتفاقًا، فمن عزم على المعصية، وصمّم عليها كتبت عليه سيّئةً، فإذا عملها كُتبت عليه معصيةً ثانيةً.
قال النوويّ: وهذا ظاهرٌ حسنٌ، لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقرّ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]، وغير ذلك.
وقال ابن الجوزيّ: إذا حدّث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم، وصمّم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على التفريق بين الهمّ والعزم أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صمّم على قطعها بطلت.
وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلّة بالمعصية، لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وبين ما هو بالوسيلة.
وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها أن يخطُر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوّ عنه، وهو دون التردّد.
وفوقه أن يتردّد فيه، فيهمّ به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمّ به، ثم يترك كذلك، ولا يستمرّ على قصده، وهذا هو التردّد، فيُعفى عنه أيضًا.
وفوقه أن يميل إليه، ولا ينفر منه، بل يُصمّم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهمّ، وهو على قسمين:
[القسم الأول]: أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا، كالشكّ في الوحدانيّة، أو النبوّة، أو البعث، فهذا كفر، ويُعاقب عليه جزمًا.
ودونه المعصية التي لا تَصِلُ إلى الكفر، كمن يُحبّ ما يُبغض الله، ويُبغض ما يُحبّ الله، ويُحبّ للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم.
ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد، وفي بعض هذا
[ ٣ / ٥٦٦ ]
خلاف، فعن الحسن البصريّ: أن سوء الظنّ بالمسلم، وحسده معفوّ عنه، وحملوه على ما يقع في النفس، مما لا يقدر على دفعه.
لكن من يقع له ذلك مأمورٌ بمجاهدته النفس على تركه.
[القسم الثاني]: أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع به النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا.
ونُقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده ما وقع في حديث خُريم بن فاتك (^١)، فإنه حيث ذكر الهمّ بالحسنة قال: "علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها"، وحيث ذكر الهمّ بالسيّئة لم يقيّد بشيء، بل قال فيه: "ومن همّ بسيّئة لم تُكتب عليه"، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمّم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوريّ: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك.
واستدلّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وحملوا حديث أبي هريرة المذكور في الباب على الخطرات، كما تقدّم.
ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصّةً،
_________________
(١) هو ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح، ولفظه:
(٢) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن الرَّبِيع، عن أبيه، عن عمه، فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي، أن النبي - ﷺ - قال: "الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس موسع عليه في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا، مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا، موسع عليه في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال: موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبع مائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلمًا مؤمنًا، لا يشرك بالله شيئًا، فوجبت له الجنة، ومن مات كافرًا، وجبت له النار، ومن همّ بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها، كُتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبع مائة ضعف". وعمّ الركين اسمه يُسير بن عميلة، وهو ثقةٌ.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
بنحو الهمّ والغمّ. وقالت طائفة: بل يُعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب.
وهذا قول ابن جُريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونُسب ذلك إلى ابن عبّاس أيضًا. واستدلّوا بحديث النجوى (^١)، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكيّ، ولو لم يُصمّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ذكره السدّيّ في "تفسيره" عن مرّة، عن ابن مسعود - ﷺ -، وأخرجه أحمد من طريقه، مرفوعًا، ومنهم من رجّحه موقوفًا.
ويؤيّد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه، خالف الواجب بانتهاك حرمته.
وتُعُقّب هذا البحثُ بأن تعظيم الله اَكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه؟.
ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشدّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى.
نعم، من همّ بالمعصية، قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية الله، قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفوّ عنه من همّ بمعصية، ذاهلًا عن قصد الاستخفاف.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا تفصيلٌ جيدٌ جدًّا، ينبغي أن يُستحضر عند شرح حديث: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن … ".
_________________
(١) هو ما أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب الأدب" من "صحيحه"، ولفظه: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، أن رجلًا سأل ابن عمر: كيف سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول في النجوى؟ قال: "يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا؟، فيقول: نعم، فيُقَرِّره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم".
[ ٣ / ٥٦٨ ]
وقال السبكيّ الكبير رحمه الله تعالى: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس، وحديمث النفس لا يؤاخذ بهما؛ للحديث المشار إليه، والهمّ، وهو قصد فعل المعصية مع التردّد لا يؤاخذ به؛ لحديث الباب، والعزم، وهو قوّة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردّد، قال المحقّقون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجّ بقول أهل اللغة: همّ بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلّة الأول حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما … " وفيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فعلّل بالحرص.
واحتجّ بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين:
[أحدهما]: لا يتعلّق بفعل خارجيّ، وليس البحث فيه.
[والثاني]: يتعلّق بالمقتتلين، عزم كلّ منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل، أم لا. انتهى.
قال الحافظ: ولا يلزم من قوله: "فالقاتل والمقتول في النار" أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق (^١).
وقال القرطبيّ ما حاصله: إن الذي لا يؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة التي لا ثبات لها، ولا استقرار في النفس، ولا ركون إليها، ثم نقل عن القاضي أبي بكر (^٢) أن الهمّ ها هنا ما يمرّ بالفكر من غير استقرار، ولا توطين، فلو استمرّ، ووطّن نفسه عليه لكان ذلك هو العزم المؤاخَذَ به، أو المثابَ عليه، بدليل قوله - ﷺ -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، متّفقٌ عليه، لا يقال: هذه المؤاخذة إنما كانت لأنه قد عَمِل بما استقرّ في قلبه من حمله السلاح عليه، لا بمجرّد حرص القلب؛ لأنا نقول: هذا فاسدٌ؛ لأنه - ﷺ - قد نصّ على ما وقعت المؤاخذة به، وأعرض عن غيره، فقال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه، فلو كان حملُ السلاح هو العلّة
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ١٢٤ - ١٢٧.
(٢) أراد به القاضي أبا بكر الباقلّانيّ.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
للمؤاخذة، أو جزأها لما سكت عنه، وعلَّق المؤاخذة على غيره؛ لأن ذلك خلاف البيان الواجب عند الحاجة إليه.
وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف، وأهل العلم من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ولا يُلتَفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطّن نفسه عليه لا يؤاخذ به، متمسّكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله - ﷺ -: "ما لم يعمل، أو يتكلّم به"، ومن لم يعمل بما عَزَم عليه، ولا نَطَقَ به، فلا يؤاخذ به، وهو متجاوَزٌ عنه.
والجواب عن الآية: أن من الهمّ ما يؤاخذ به، وهو ما استقرّ، واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقرّ، فلا يؤاخذ بها، كما شهد به الحديث، وما في الآية من القسم الثاني، لا الأول، وفي الآية تأويلات، هذا أحدها، وبه يحصل الانفصال.
وعن قوله: "ما لم يَعمل" أن توطين النفس عليه عملٌ يؤاخذ به، والذي يرفع الإشكال، ويُبيّن المراد بهذا الحديث حديث أبي كبشة الأنماريّ (^١) أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إنما الدنيا لأربعة نفر … " الحديث (^٢).
_________________
(١) اختُلف في اسمه قيل: هو سعد بن عمرو، وقيل: عمرو بن سعد، وقيل: عُمَر، أو عامر بن سعد، صحابيّ نزل الشام، وجزم الترمذيّ في "الجامع" بأن اسمه عُمَر بن سَعْد، قاله في "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٧٦.
(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (١٧٥٧٠)، والترمذيّ في "جامعه" (٢٢٤٧)، عن سعيد أبي الْبَخْتريّ الطائيّ، عن أبي كبشة الأنماريّ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ثلاث أُقسم عليهنّ، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، قال: فأما الثلاث الذي أُقسم عليهنّ، فإنه ما نَقَصَ مال عبد صدقةٌ، ولا ظُلِم عبد بمظلمة، فيصبر عليها إلا زاده الله ﷿ بها عزًّا، ولا يفتح عبد باب مسألة، إلا فَتَحَ الله له باب فقر"، وأما الذي أحدثكم حديثًا، فاحفظوه، فإنه قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله ﷿ مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويَصِلُ فيه رَحِمه، ويعلم لله ﷿ فيه حقّه، قال: فهذا بأفضل المنازل، قال: وعبد رزقه الله ﷿ علمًا، ولم يرزقه مالًا، قال: فهو يقول: لو كان لي مالٌ عملت =
[ ٣ / ٥٧٠ ]
انتهى كلام القرطبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم أن الأرجح في هذه المسألة أن ما يخطر في القلب على قسمين:
[أحدهما]: الهواجس التي لا تستقرّ، فهي التي لا مؤاخذة بها، وهي المرادة بحديث الباب: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت بة أنفسها"، وعليه محمل آية قصّة يوسف، فإنه من هذا القبيل.
[والثاني]: ما يستقرّ في النفس، ويعزم به الإنسان، ويوطّن عليه نفسه، فهذا القسم يؤاخذ به؛ لأنه عمل القلب، فيشمله قوله - ﷺ -: "ما لم تعمل"، فإنه إذا عزم، ووطّن نفسه عليه، فهذا عمل القلب، ومنه حديث: "فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فهذا التفصيل هو الذي به تجتمع الأدلّة المختلفة في هذا الباب.
وحاصله أن مجرّد الهواجس لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بالعزم، والهمّ القويّ، والحرص على تنفيذ ما همّ به، وكذلك أفعال القلوب التي لا خارج لها، مثل الحسد، وسوء الظنّ، والحقد، ونحو ذلك، فإنه يؤاخذ بها أيضًا؛ فقد تظاهرت نصوص الشرع الكثيرة على المؤاخذة بعزم القلب المستقرّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وتظاهرت نصوص الشرع، وإجماع العلماء على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بهم، وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) = بعمل فلان، قال: فأجرهما سواء، قال: وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يَخبِط في ماله، بغير علم، لا يتقي فيه ربه ﷿، ولا يَصِل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، قال: وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مال لعملت بعمل فلان، قال: هي نيته فوزرهما فيه سواء".
(٢) "المفهم" ١/ ٣٤٠ - ٣٤١.
[ ٣ / ٥٧١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٩] (…) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (ح) وَحَذَثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ ﷿ تَجَاوَزَ لِأمّتي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (عبدة بن سليمان) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زُرَارة بن عبد الرحمن بن صُرَد بن سُمَير بن مليل بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، أدرك صُرَد الإسلامَ، وأسلم، ثقةٌ ثبت [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وأبي إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، والثوري، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى الرازي، وعمرو الناقد، وأبو الشعثاء علي بن الحسن، ومحمد بن سلام البيكندي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وهناد بن السري، وأبو سعيد الأشج، وإبراهيم بن مُجَشّر، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وزيادة، مع صلاح في بدنه، وكان
[ ٣ / ٥٧٢ ]
شديد الفقر. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو عبدة بن سليمان؟ قال: ما منهما إلا ثقةٌ. وقال العجلي: ثقةٌ رجل صالح، صاحب قرآن يُقْرِئ. وقال الميموني عن أحمد: قدمت الكوفة سنة (١٨٨) وقد مات عبدة سنة سبع وثمانين ومائة قبل قدومي بسنة. وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، مات في رجب سنة (١٨٨)، وكذا أرخه ابن نمير، لكنه قال: في جمادى الثانية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث جدًّا، مات في رجب سنة (١٨٧). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي وأبو زرعة، عن عبدة، ويونس بن بكير، وسلمة بن الفضل، أيهم أحب إليكم في ابن إسحاق؟ فقالا: عبدة بن سليمان. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ، مسلم صدوق. وقال الدارقطني: ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، يدلّس، وتغير بآخره [٦] (ت ١٥٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٦ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار، بُندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٧ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله "تتكلّم"، فحُذفت منه إحدى التاءين، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَهِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
[ ٣ / ٥٧٣ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (مِسْعَرٌ) بن كِدَام بن ظُهَير بن عُبَيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة الهلاليّ العامريّ الرَّوّاسيّ، أبو سلمة الكوفيّ، أحد الأعلام، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (هِشَامٌ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٥ - (زَائِدَة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْتِ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٦ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني أن جميع الثلاثة، وهم: مِسْعرٌ، وهشام الدستوائيّ، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي رووا هذا الحديث عن قتادة بسنده الماضي، وهو عن زرارة، عن أبي هريرة، مثل المتن السابق.
[تنبيه]: رواية مسعر، وهشام ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٩٨٧٨) حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام ومسعر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال هشام: قال رسول الله - ﷺ -، ووقفه مسعر، قال: "إن الله ﷿ تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تَعْمَل به، أو تكلم".
وأما رواية شيبان النحويّ، فقد ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٣٣٨١) أخبرني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حسين الجعفيّ، عن زائدة، عن شيبان، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم، أو تعمل به"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٣ / ٥٧٤ ]