وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤١] (١٢٨) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَالَ اللهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْه، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتبوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتبوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتبوهَا عَشْرًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه المذكور قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظ فقيه إمام حجة، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبت فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -، على ما روي عن الإمام البخاريّ (^١).
٦ - (ومنها): أن أبا الزناد لقب بصورة الكنية، غلب عليه، وكان يغضب منه (^٢)، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما سبق آنفًا.
٧ - (ومنها): أن فيه قولَه: "واللفظ لأبي بكر" يعني: أن لفظ متن الحديث الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما الشيخان الآخران فرولاه بمعناه.
٨ - (ومنها): أن فيه قولَه: "قال إسحاق: أخبرنا سفيان، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة"، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في صيغ الأداء؛ لاختلاف أخذهم، فإسحاق بن راهويه قال: "أخبرنا سفيان"، فعبّر بالإخبار بصيغة الجمع؛ لأنه سمع الحديث، عن سفيان بقراءة غيره عليه، وسمّى شيخه باسمه، وأما أبو بكر، وزهير، فقالا: "حدّثنا ابن عيينة"، فعبّرا بالتحديث بصيغة الجمع؛ لأنهما سمعاه من لفظ سفيان مع جماعة، وكنيا شيخهما ابن عيينة، وقد سبق غير مرّة أن هذا من تدقيقات المصنّف، واحتياطه، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَالَ اللهُ ﷿) هذا هو الذي يقال له الحديث القدسيّ (إِذَا هَمَّ) أي قصد، قال الفيّوميّ: الْهَمّ بالفتح: أول العَزيمة، قال ابن فارس: الهَمّ: ما هَمَمتَ به، وهَمَمتُ بالشيء هَمًّا، من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله. انتهى (^٣). (عَبْدِي) وكذا أمته، فليس التنصيص على العبد للتخصيص، فالحكم للذكر والأنثى (بِسَيئَةٍ، فَلَا تَكْتبوهَا عَلَيْهِ) زاد في رواية البخاريّ: "حتى يعملها"، قال في "الفتح": استَدَلّ بمفهوم الغاية في قوله: "فلا تكتبوها حتى يعملها"، وبمفهوم الشرط في قوله: "فإذا عملها، فاكتبوها له بمثلها" من قال: إن العزم على فعل المعصية لا يُكتب سيئة حتى يقع العمل، ولو بالشروع. انتهى (^٤).
_________________
(١) راجع: "شرحي على ألفية السيوطيّ" في الحديث ١/ ٤١ - ٤٢.
(٢) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٤٧.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤١.
(٤) "الفتح" ١٣/ ٤٧٨ "كتاب التوحيد" رقم الحديث (٧٥٠١).
[ ٣ / ٥٧٦ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الراجح أن العزم على فعل المعصية، والتصميم عليه يُكتب إثمًا، وأما الهمّ الذي ذكر في هذا الحديث، فهو حديث النفس الذي لا يستقرّ، فإنه مغفور، فراجع ما سبق، تستفد علمًا، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً) أي واحدةً، وفي رواية البخاريّ: "فاكتبوها بمثلها" (وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً) أي واحدةً (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي الحسنة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا) هذا أقل التضعيف، وسيأتي في الروايات الآتية: "تُكتب بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضِعف"، وفي حديث ابن عبّاس - ﵁ -: "كتبها الله ﷿ عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤١ و٣٤٢] (١٢٨) و[٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩) و[٦٢/ ٣٤٤] (١٣٠)، و(البخاريّ) في "التوحيد" (٧٥٠١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٧٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢ و٣١٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢ و٣٨٣ و٣٨٤)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٧٥ و٣٦٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥ و٣٣٦ و٣٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤١٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كرم الله ﷾ على عباده، وذلك بأنه يعفو عنهم ما همّوا به من السيّئات، فلا يُكتب شيءٌ منها، فإن تجرّؤوا على عملها عفا عنهم أيضًا عن مضاعفة العقاب عليهم، فلا يُجازيهم إن جازاهم إلا على سيئة واحدة.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله ﷾ على عباده أيضًا، حيث يكتب لهم ما
[ ٣ / ٥٧٧ ]
همّوا به من الحسنات، وإن لم يعملوها، فإن وفّقهم لعملها، فعملوها، فإنه يتفضّل عليهم بمضاعفتها إلى عشر أمثالها، ثم إلى أضعاف كثيرة، كما قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
٣ - (ومنها): إثبات أن الملائكة يعلمون ما يُضمره العبد من الحسنات والسيّئات، وينويه، فلذلك قال في الرواية الآتية: "قالت الملائكة: ربّ ذاك عبد يُريد أن يعمل سيّئة … " الحديث، فقد أخبروا ربهم بما علموه من نيّة العبد السيّئة.
٤ - (ومنها): إثبات أنهم يكتبون أعمال العباد كلها، عملوها، أو لم يعملوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٢] (…) -) حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقتيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ العَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: "قَالَ اللهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ أكتبهَا عَلَيْه، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٥.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنيّ الْحُرقيّ مولاهم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
وشرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٣] (١٢٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَالَ اللهُ ﷿: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنا أَكْتبهَا بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِاَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَاِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، وَهُوَ أَبْصَرُ بِه، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتموهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتموهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا، تُكتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى يَلْقَى الله").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بن أبي زيد، واسمه سابور الْقُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت هـ ٢٤) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، تغير في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُقبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن قوله: "هذا ما حدَّثنا أبو هريرة … إلخ" إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وفيه إشارة إلى القاعدة المشهورة عند المحدّثين، وهو أن النُّسَخَ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، كنسخة همام بن منبّه، عن أبي هريرة المذكورة، منهم من يجدد الإسناد، فيذكره أوّلَ كل حديث منها، وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم، ومنهم من يَكتفي به في أول حديث منها، أو أول كلِّ مجلس من سماعها، ويُدرج الباقي عليه قائلًا في كل حديث بعد الحديث الأول: "وبالإسناد"، أو "وبه"، وهو الأغلب الأكثر.
فمن سَمِع هكذا، فأراد رواية غير الأول مُفْرَدًا عنه بإسناده كما فعل المصنّف في هذا الحديث جاز له ذلك، عند الأكثرين، منهم وكيع، وابن معين، والإسماعيليّ؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله.
ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ وغيره، كبعض أهل الحديث، ورأوا ذلك تدليسًا.
فعلى هذا، فالأولى له أن يُبَيِّن كما يفعله المصنّف في كتابه هذا، فيقول: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن هَمّام بن منبّه، قال:
[ ٣ / ٥٨٠ ]
هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله - ﷺ -، وذكر أحاديث، منها:
وقال رسول الله - ﷺ -: "إن أدنى مقعد أحدكم … "، وذكر الحديث، وهكذا اطّرد له هذ الأسلوب في كتابه كلّه، وكذا فعله كثير من المؤلفين.
وأما البخاريّ، فإنه لم يسلك قاعدة مُطَّردةً، فتارةً يذكر أول حديث في النسخة، وَيعْطِف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله، كقوله في "كتاب الطهارة": حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "نحن الآخرون السابقون"، وقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم … " الحديث، فأشكل على قوم ذكره: "نحن الآخرون السابقون" في هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه، وتارة يَقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كِلا الأمرين جائز.
واما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب أو الجزء، فلا يرفع هذا الخلاف الذي يَمنَع إفراد كل حديث بذلك الإسناد، ثم روايتها؛ لكونه لا يقع متصلًا بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطًا، وإجازةً بالغة من أعلى أنواعها، قاله في "التدريب" (^١).
وقال في "الفتح" عند شرح هذا الحديث، ما نصّه: وهذا الحديث من نسخة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد عن عبد الرزّاق، عن معمر، عنه، وقد اختَلَف العلماء في إفراد حديث من نسخة، هل يُساق بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأ به، أو لا؟ فالجمهور على الجواز، ومنهم البخاريّ، وقيل: يمتنع، وقيل: يَبدأ أبدًا بأول حديث، ويذكر بعده ما أراد، وتوسّط مسلم، فأتى بلفظ يُشعر بأن المفرد من جملة النسخة، فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: "فذَكَرَ أحاديث، منها كذا"، ثم يذكر أيَّ حديث أراد منها. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تدريب الراوي على تقريب النواوي" ٢/ ١١٦ - ١١٨.
(٢) "الفتح" ١/ ١٢٤ "كتاب الإيمان" رقم الحديث (٤٢).
[ ٣ / ٥٨١ ]
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّام) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المشدد، أنه (قَالَ: هَذَا) أي الحديث الآتي، فاسم الإشارة مبتدأ، وقوله: (مَا) موصولة بمعنى "الذي" خبر المبتدأ (حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) صلة "ما"، وحُذِف العائدُ جوازًا، كما قال في "الخلاصة":
… وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كـ"مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
(عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ - ﷺ -) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) الضمير لهمّام بن منبّه (مِنْهَا) الضمير للأحاديث، وسقط من بعض النسخ قوله: "فذكر أحاديث منها"، فقوله: "منها" جار ومجرور خبر مقدّم لقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فـ "قال … إلخ" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه.
والمعنى أن من جملة تلك الأحاديث قوله: قال رسول الله - ﷺ - … إلخ.
("قَالَ اللهُ - ﷿ -: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي) هو بمعنى ما سبق: "إذا همّ عبدي" (بِأنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأنا كتُبُهَا لَهُ) أي آمر الملائكة بكتابتها، كما بيّنه فيما يأتي بلفظ: "فاكتبوها له" (حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ) تلك الحسنة التي تحدّث بها (فَإِذَا عَمِلَهَا فَأنا كتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إذ الحسنة بعشر أمثالها (وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأنا أغْفِرُهَا لَهُ) أي أسترها عن أعين الملائكة، فلا يكتبونها (مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإذَا عَمِلَهَا فَأنا أكتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا") أي سيّئة واحدةً، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ) منادى بحذف حرف النداء، جوازًا، قال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
وقال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
(ذَاكَ) إشارة إلى من حدّث نفسه بسيّئة (عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً) أي يُحدّث نفسه بذلك (وَهُوَ) أي الله - ﷾ - (أَبْصَرُ بِهِ) أي هو أشدّ بصرًا من هؤلاء
[ ٣ / ٥٨٢ ]
الملائكة بهذا العبد الذي حدّث نفسه بالسيّئة، وهذه الجملة اعتراضيّة، لا محلّ لها من الإعراب، جيء بها لرفع إيهام أن إخبارهم له لإفادة العلم (فَقَالَ: ارْقُبُوهُ) أي انظروا ماذا يفعل بعده؟، انتظروا أمره، يقال: رَقَبتُهُ أرقُبه، من باب نصر: حفِظته، فأنا رقيبٌ، ورقَبتُهُ، وترقّبته، وارتقبته: انتظرته (^١). (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا) أي سيّئةً واحدةً (وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) أي واحدةً (إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ) أي من أجلي، يقال: فعلتُهُ من جَرَاكَ، ومن جَرَائِكَ - بفتح الجيم، وتخفيف الراء، مقصورةً، وتُمَدُّ -: أي من أجلك، كجَرّاك، بتشديد الراء، ومنه قول أبي النجم [من الرجز]:
فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاهَا (^٢)
قال القرطبيّ: قوله: "من جرّاي" فيه لغتان: المدّ والقصر، ومنه الحديث: "دخلت امرأة النار من جرّاء هرّة" (^٣) أي من أجل، وهي مشدّدة الراء في اللغتين، وقد تخفّف معهما.
ومقصود هذا الحديث أن الترك للستئة لا يُكتب حسنةً إلا إذا كان خوفًا من الله تعالى، أو حياءً من الله تعالى، وأيُّهما كان، فذلك الترك هو التوبة من ذلك الذنب، وإذا كان كذلك فالتوبة عبادة من العبادات، إذا حَصَلت بشروطها أذهبت السيّئات، وأعقبت الحسنات. انتهى كلام القرطبيّ (^٤).
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وإنما ذكره بلفظ المذكّر تغليبًا، وكذا الخطاب ليس مقصودًا، بل يعمّ الغائبين، ولذا جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند البخاريّ معلّقًا بلفظ: "إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه … " الحديث (إِسْلَامَهُ) أي إذا صار إسلامه إسلامًا حقيقيًّا، وليس كإسلام المنافقين، وذلك أن يكون حسنًا باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربّه
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٣٤.
(٢) راجع: "الصحاح" ٥/ ١٨٣٨، و"لسان العرب" ١٤/ ١٤٢، و"تاج العروس" ١٠/ ٧٢.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" في "كتاب البرّ والصلة" برقم (٢٦١٩).
(٤) "المفهم" ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
منه، واطّلاعه عليه، كما دَلَّ عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل؛ المتقدّم.
وقال في "الفتح": قوله: "إذا أحسن أحدكم إسلامه"، كذا للبخاريّ ومسلم وغيرهما، ولإسحاق بن راهويه في "مسنده" عن عبد الرزاق: "إذا حَسُنَ إسلام أحدكم"، وكأنه رواه بالمعنى؛ لأنه من لوازمه، ورواه الإسماعيليّ من طريق ابن المبارك، عن معمر كالأول، والخطاب "بأحدكم" بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عامّ لهم، ولغيرهم باتّفاق، وإن حصل التنازع في كيفيّة التناول، أهي بالحقيقة اللغويّة، أو الشرعيّة، أو بالمجاز؟. انتهى (^١). (فَكُلُّ حَسَنَةٍ) هذه العبارة تشعر بأن اللام في رواية أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند البخاريّ معلّقًا: "الحسنة بعشر أمثالها" للاستغراق (يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهية إلى سبعمائة ضعف، وحكى الماورديّ: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، ورُدّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وأصرح منه حديث ابن عبّاس - ﵁ - الآتي بلفظ: "كَتَبَهَا اللهُ - ﷿ - عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ" (وَكُلُّ سيِّئةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتى يَلْقَى اللهَ) زاد في حديث أبي سعيد - ﵁ - المذكور: "إلا أن يتجاوز الله عنها"، وفي "فوائد سمويه": "إلا أن يغفر الله، وهو الغفور"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا ثلاثة أجزاء، ساقه المصنف مساقًا واحدًا، فأما الجزء الأول، وهو قوله: "قال الله - ﷿ -: إن تحدّث عبدي … "، فقد تقدّم قبل حديث أنه متّفق عليه، وأما الجزء الثاني، وهو قوله: "وقال الله - ﷺ -: قالت الملائكة"، فإنه من أفراد المصنّف، وأما
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٢٤ "كتاب الإيمان" رقم (٤٢).
[ ٣ / ٥٨٤ ]
الجزء الأخير، وهو قوله: "وقال رسول الله - ﷺ -: إذا أحسن أحدكم إسلامه … "، الحديث، فهو متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أما الجزء الأول، فقد سبق تخريجه قبل حديث، وأما الجزء الثاني، فأخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٧، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٣٥)، وهو في "صحيفة همّام بن منبّه" (١٠٦).
وأما الجزء الأخير، فمتّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٤٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٠)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٣٥)، وهو في "صحيفة همام" (١٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه قولَه: "قال الله - ﷿ -"، وهذا هو النوع المسمّى بالحديث القدسيّ، وقد قيل في الفرق بينه وبين الحديث النبويّ: إن الحديث القدسيّ لفظه ومعناه من عند الله تعالى، والحديث النبويّ لفظه من عند الرسول - ﷺ -، ومعناه من عند الله تعالى، وإن الحديث القدسيّ يُسند إلى الله تعالى، فيقال عنه: قال الله تعالى، والحديث النبويّ يُسند إلى النبيّ - ﷺ -، والفرق بين القرآن الكريم، والحديث القدسيّ بناء على هذا أن القرآن متواترٌ، يكفر من جحد شيئًا منه، بخلاف الحديث القدسيّ، وأن القرآن قُصِد بلفظه التحدّي، والإعجاز، بخلاف الحديث القدسيّ، وإن كان في أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يُتَعَبَّدُ بتلاوته في الصلاة وغيرها، بخلاف الحديث القدسيّ، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله - ﷾ - على عبده المؤمن، حيث يكتب له ما حدّث به نفسه من الحسنة، ويعفو عنه نظيرها من السيّئة.
٣ - (ومنها): بيان تضعيف الحسنة بعشر أمثالها.
٤ - (ومنها): إثبات حفظ الملائكة لبني آدم، ومراقبتهم لأعمالهم كلّها، قال في "الفتح": فيه دليلٌ على أن الملك يَطَّلع على ما في قلب الآدميّ، إما
[ ٣ / ٥٨٥ ]
بإطلاع الله تعالى إياه، أو بأن يخلُق له علمًا يُدْرِك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا، عن أبي عِمران الْجَوْنيّ، قال: "يُنادَى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه"، وقيل: بل يجد الملك للهَمّ بالسيئة رائحةً خبيثةً، وبالحسنة رائحةً طيبةً، وأخرج ذلك الطبريّ، عن أبي معشر المدنيّ، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، قال الحافظ: ورأيت في شرح مغلطاي أنه وَرَدَ مرفوعًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في صحة هذه الروايات نظر، فليتأمل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله الإمام أبو جعفر الطبريّ (^٢): في هذه الأحاديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، وعقدها، خلافًا لمن قال: إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (^٣).
وقال القرطبيّ عند قوله: "إنما تركها من جرّاي": فيه إخبار منه تعالى للملائكة بما لم يعلموا من إخلاص العبد في الترك، ومن هنا قيل: إن الملائكة لا تطّلع على إخلاص العبد، وقد دلّ عليه قوله - ﷺ - في حديث حُذيفة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: "قال الله - ﷿ -: هو سرّ من سرّي، استودعته قلب من أحببتُ من عبادي"، والحديث الآخر الذي يقول الله فيه للملائكة التي تكتب الأعمال حين تَعرِضها عليه: "أَلْقُوا هذا، واقبَلوا هذا"، فتقول الملائكة: وعزّتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله: "إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتُغي به وجهي". انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث الأول، فضعيف جدًّا، قال الحافظ العراقيّ: رويناه من مسلسلات القزوينيّ، وفيه: أحمد بن عطاء،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٣٢ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٩١).
(٢) هكذا في "الفتح"، و"إكمال المعلم"، وغيرهما، ووقع في "شرح النووي: "أبو جعفر الطحاويّ"، فليُحرّر.
(٣) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٥٢.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٤٣.
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وعبد الواحد بن زيد، كلاهما متروك، ورواه أبو القاسم القشيريّ في "الرسالة" من حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - بسند ضعيف. انتهى (^١).
وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" بإسنادين، قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ (^٢): ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزّار، والبيهقيّ في "الشعب" (٦٨٣٦)، وضعّفه الشيخ الألبانيّ من رواية السِّلَفيّ في "معجم السفر" (٢/ ٥٠)، وقال في إسناده: الحارث بن غسّان مجهول، وعمر بن يحيى اتّهمه ابن عديّ بسرقة الحديث عن يحيى بن بسطام، وهو ضعيف جدًّا. انتهى (^٣).
لكن رواية الطبرانيّ في "الأوسط" إسنادها - كما قال الهيثميّ -: رجال الصحيح، فالظاهر أنها صحيحة، والله تعالى أعلم.
والظاهر أن الحديث يدلّ على أن الإخلاص والرياء مما لا تطّلع عليه الحفظة، فيستثنى مما يطّلعون عليه من أعمال قلوب بني آدم، فتدبّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة إذا كان الهَمُّ سرًّا بين العبد وبين ربّه، فكيف تطّلع الملائكة عليه؟.
فأجاب قائلًا: الحمد لله، قد رُوي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة، قال: إنه إذا همّ بحسنة شمّ الملك رائحة طيّبةً، وإذا همّ بسيّئة شمّ رائحةً خبيثةً.
والتحقيق: أن الله تعالى قادر على أن يُعلم الملائكة بما في نفس العبد،
_________________
(١) راجع: "إتحاف السادة المتّقين" ١٠/ ٤٣.
(٢) قال الطبرانيّ في "الأوسط": حدثنا أبو مسلم، ثنا عبد الله بن عبد الوهّاب الْحَجَبيّ، ثنا الحارث بن عُبيد أبو قُدامة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يؤتى يوم القيامة بصُحُف مختمة، فتُنصب … " الحديث، وأبو مسلم شيخه اسمه إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصريّ، صاحب "كتاب السنن" ثقة، توفي سنة (٢٩٢ هـ). راجع: "تذكرة الحفاظ" ٢/ ٦٢٠، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) "السلسلة الضعيفة" ٦/ ١٩٤ رقم (٢٦٧٢).
[ ٣ / ٥٨٧ ]
كيف شاء، كما هو قادر على أن يُطلِع بعض البشر على ما في الإنسان، فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يَعلم به أحيانًا ما في الإنسان، فالملك الموكّل بالعبد أولى بأن يعرّفه الله ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]: إن المراد به الملائكة، والله قد جعل الملائكة تُلقي في نفس العبد الخواطر، كما قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "إن للملك لِمّةً، وللشيطان لِمّة، فلِمّة الملك تصديق بالحقّ، ووعد بالخير، ولمّةُ الشيطان تكذيب بالحقّ، وإيعاد بالشرّ"، وقد ثبت عنه - ﷺ - في "الصحيح" أنه قال: "ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجنّ"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وأنا، إلا أن الله قد أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير".
فالسيّئة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطان علم بها الشيطان، والحسنة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك علم بها الملك أيضًا بطريق الأولى، وإذا علم بها هذا الملك، أمكن علم الملائكة الحفظة لأعمال بني آدم. انتهى كلامه (^١).
٦ - (ومنها): بيان أدب الملائكة مع ربّهم - ﷾ -، حيث إنهم مع أنه أمرهم بكتابة أعمال العباد لا يكتبون إلا بعد استئذانهم، وانتظارهم أمره لهم بالكتابة.
٧ - (ومنها): بيان حكمة أمر الله - ﷾ - بكتابة أعمال العباد ونيّاتهم مع أنه أبصر بذلك وأعلم من الملائكة، وذلك ليكون حجة عليهم بما كُتب حالَ عملهم، كما قال الله - ﷿ -: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤].
٨ - (ومنها): بيان فضل مراقبة الله تعالى، والخوف منه؛ لأن كتابة ما همّ به من السيّئة حسنةً إنما هو لأجل أنه تركها خوفًا من الله تعالى؛ لقوله: "إنما تركها من جراي".
٩ - (ومنها): بيان فضل إحسان الإسلام، وذلك بأن يدخل فيه دخولًا كاملًا، كما أمر الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ٣ / ٥٨٨ ]
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٤] (١٣٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَئةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء المذكور قبل باب.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو: سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (مات ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
وشرح الحديث وبيان مسائله تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥] (١٣١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، عَنِ الْجَعْد، أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎، قَالَ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ
[ ٣ / ٥٨٩ ]
بِهَا، فَعَمِلَهَا، كتبهَا اللهُ ﷿ - عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كتبهَا اللهُ سَيَئّةً وَاحِدَةً").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ (^١)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ١٣٥) وله بضع و٩٠ سنة (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوَان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (الْجَعْدُ أَبو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار الْيَشْكُرى، أبو عثمان الصيرفيّ البصريّ، يقال له: صاحب الْحُلي - بضمّ المهملة - ثقة [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي رجاء العُطَارديّ، والحسن، وسليمان بن قيس.
وروى عنه الحمادان، ووهب، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو عوانة، وابن عُلَيّة، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، ووثّقَهُ أبو داود في سؤالات الآجريّ، والترمذيّ في "جامعه".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٣١)، وحديث (١٣٦٥): "أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، و(١٤٢٨): "ضعه، ثم قال: اذهب، فادع لي فلانًا وفلانا … "، وأعاده بعده، و(١٨٤٩): "من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه … "، وأعاده بعده، و(٢١٥١): "قال لي رسول الله - ﷺ -: يا بُنيّ"، و(٢٤٨١): "فدعا لي رسول الله - ﷺ - ثلاث دعوات … ".
_________________
(١) بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام: نسبة إلى أُبُلّةَ موضع بالبصرة.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
٤ - (أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ) عِمران بن مِلْحَان، ويقال: ابن تيم، ويقال: ابن عبد الله البصريّ، مشهور بكنيته، مخضرمٌ، ثقةٌ مُعمَّرٌ [٢].
أدرك زمن النبيّ - ﷺ -، ولم يره، ورَوَى عن عمر، وعليّ، وعمران بن حُصين، وابن عباس، وسمرة بن جندب، وعائشة.
وروى عنه أيوب، وجرير بن حازم، وعوف الأعرابيّ، وعمران القصير، ومهدي بن ميمون، وأبو الأشهب، وحماد بن نَجِيح، وسَلْم بن زَرِير، وسعيد بن أبي ربيعة، والجعد أبو عثمان، والحسن بن ذكوان، وأبو الحارث الكرمانيّ، وصخر بن جُويرية، وآخرون.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة في الحديث، وله روايةٌ وعِلْمٌ بالقرآن، وأَمَّ قومه أربعين سنة، وتُوُفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، قال: وقال الواقديّ: تُوفي سنة سبع عشرة ومائة، قال: وهذا عندي وَهَلٌ، وقال الذُّهْليُّ: مات قبل الحسن لا أدري في أيّ سنة، غير أني أتوهمه سنة (١٠٧)، وقال أبو حاتم: جاهليٌّ فَرَّ من النبيّ - ﷺ -، ثم أسلم بعد الفتح، وأَتَى عليه مائة وعشرون سنة، وقال البخاريّ: قال أشعث بن سَوّار: بلغ سبعًا وعشرين ومائة سنة، وقال البخاريّ: يقال: مات قبل الفرزدق والحسن، ومات الحسن سنة عشر ومائة، وقال ابن عبد البرّ: كان ثقةً، وكانت فيه غفلةٌ، وكانت له عبادةٌ، وعُمِّرَ عمرًا طويلًا أزيد من مائة وعشرين سنة، مات سنة (١٠٩) في أول خلافة هشام، وحكى ابن سعد أن اسمه عُطَارد بن برو، وتبعه ابن حبان، فذكره كذلك في "الثقات" فيمن اسمه عُطارد، وقال ابن أبي حاتم: عمران بن مِلْحان، ويقال: عمران بن تَيْم، وهو أصحّ، وقال البخاريّ في "الأوسط": مِلْحان ما أراه يَصِحّ، وقال في "الكبير": قال أحمد: هو عمران بن عبد الله.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٣١)، وحديث (٦٨٢): "ما منعك أن تصلي معنا … "، و(١٢٢٦): "نزلت آية المتعة في كتاب الله … "، و(١٨٤٩): "من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه … "، وأعاده بعده، و(٢٢٧٥): "هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ "، و(٢٧٣٧): "اطّلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء … ".
[ ٣ / ٥٩١ ]
٥ - (ابْنُ عَبّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب الصحابيّ ابن الصحابيّ، حبر الأمة وبحرها، مات - ﵁ - (٦٨)، وتقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وغير الجعد، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵁ -، ومناقبه جمّة، وقد تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، وعند أحمد في "مسنده" من طريق الحسن بن ذَكْوان عن أبي رجاء: "حدثني ابنُ عباس" (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية مسدد عند الإسماعيليّ: "عن رسول الله - ﷺ -"، قال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرُق التصريح بسماع ابن عباس له من النبيّ - ﷺ - (^١).
(فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎) أي في الحديث الذي ينقله النبيّ - ﷺ - عن الله - ﷿ - (^٢)، وقال في "الفتح": هذا من الأحاديث الإلهية، ثم هو محتمل أن يكون مما تلقاه - ﷺ - عن ربه بلا واسطة، ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك، وهو الراجح.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٣١ "كتاب الرقاق" رقم الحديث (٦٤٩١).
(٢) تقدّم بيان الفرق بين الحديث القدسيّ، والحديث النبويّ، وبينه وبين القرآن الكريم في المسألة الثالثة من شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، ويحتمل أن يكون للبيان لما فيه من الإسناد الصريح إلى الله تعالى، حيث قال: إن الله كَتَب، ويحتمل أن يكون لبيان الواقع، وليس فيه أن غيره ليس كذلك؛ لأنه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، بل فيه أن غيره كذلك؛ إذ قال: "فيما يرويه": أي في جملة ما يَرْوِي. انتهى ملخصًا.
قال الحافظ: والثاني لا ينافي الأول، وهو المعتمد، فقد أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان، عن الجعد، ولم يسق لفظه، وأخرجه أبو عوانة من طريق عفّان، وأبو نعيم من طريق قتيبة، كلاهما عن جعفر بلفظ: "فيما يَروي عن ربه، قال: إن ربكم رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بحسنة"، وأخرجه البخاريّ في "كتاب التوحيد" من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: "عن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله - ﷺ -: إذا أراد عبدي أن يعمل"، وأخرجه مسلم بنحوه من هذا الوجه، ومن طُرُق أخرى منها: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "قال الله - ﷿ -: إذا هَمَّ عبدي" (^١).
(قَالَ: "إِنَّ اللهَ) ﷿ (كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، يَحْتَمِلُ أن يكون هذا من قول الله تعالى، فيكون التقدير: قال الله: إن الله كَتَبَ، وَيحْتَمِلُ أن يكون من كلام النبيّ - ﷺ - يحكيه عن فعل الله تعالى، وفاعل: "ثُمّ بَيَّنَ ذلك" هو الله تعالى، وقوله: "فمَنَ هَمَّ" شرحٌ لذلك، قاله في "الفتح".
(ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ) أي فَضله بقوله: "فَمَنْ هَمَّ"، والمجمل قوله: "كَتَب الحسنات والسيئات".
وقوله: "كَتَبَ"، قال الطوفيّ: أي أمر الحفَظَة أن تكتب، أو المراد: قَدَّر ذلك في علمه، على وفق الواقع منها، وقال غيره: المراد: قَدَّر ذلك، وعَرَّفَ الْكَتَبَةَ من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاج إلى الاستفسار في كل وقت عن كيفية الكتابة؛ لكونه أمرًا مفروغًا منه. انتهى.
قال الحافظ: وقد يَعْكُرُ على ذلك ما أخرجه مسلم من طريق هَمّام، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه، قال: "قالت الملائكة: رَبِّ ذاك عبدك، يريد أن يَعمَل
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
سيئةً، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عَمِلها فاكتبوها"، فهذا ظاهره وقوع المراجعة، لكن ذلك مخصوص بإرادة عمل السيئة.
ويحتمل أن يكون ذلك وقع في ابتداء الأمر، فلما حَصَلَ الجواب استقر ذلك، فلا يحتاج إلى المراجعة بعده.
قال: وقد وَجَدت عن الشافعيّ ما يوافق ظاهر الخبر، وأن المؤاخذة إنما تقع لمن هَمَّ على الشيء، فَشَرَع فيه، لا مَن هَمَّ به، ولم يتصل به العمل، فقال في "صلاة الخوف" لَمّا ذَكَر العمل الذي يُبطلها ما حاصله: إن مَن أَحْرَم بالصلاة، وقَصَدَ القتال، فشَرَعَ فيه، بَطَلَت صلاته، ومن تَحَرَّم، وقَصَد إلى العدو لو دَهَمَه دفعه بالقتال لم تبطل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن معنى "كتب": أمر الملائكة بالكتابة؛ لدلالة قوله: "قالت الملائكة … إلخ"، وأما ما نقله عن الإمام الشافعيّ في تفريقه بين القصدين، فمحلّ نظر، سيأتي تحقيقه في محلّه، حيث يذكر المصنّف أحاديث صلاة الخوف - إن شاء الله تعالى -.
(فَمَنْ هَمَّ) الفاء فيه تفصيليّة؛ لأن قوله: "كتب الحسنات والسيّئات" مُجمَلٌ، لم يُفهم منه كيفيّة الكتابة، ففصّله بقوله: "فمن هَمَّ … إلخ"، قاله الطيبيّ (^١).
وقوله: (فَمَنْ هَمَّ) وكذا في رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة الماضية، وفي رواية الأعرج عند البخاريّ في "كتاب التوحيد": "إذا أراد"، وهما بمعنى واحد، وقد مضى من رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا تَحَدَّثَ"، وهو محمول على حديث النفس؛ لتوافق الروايات الأخرى.
ويحتمل أن يكون على ظاهره، ولكن ليس قيدًا في كتابة الحسنة، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة.
نعم، ورد ما يدُلُّ على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث خُرَيم بن فاتك، رفعه: "ومن هَمّ بحسنةٍ، يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحَرَصَ عليها" (^٢).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٦/ ١٨٦٧.
(٢) هو: ما أخرجه أحمد في "مسنده" رقم (١٨٢٦٠)، فقال: =
[ ٣ / ٥٩٤ ]
وقد تمسك به الإمام ابن حبان، فقال بعد إيراد حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي في "صحيحه": قوله جلّ وعلا: "إذا همّ عبدي" أراد به إذا عزم، فسمّى العزم همًّا؛ لأن العزم نهاية الهمّ، والعرب في لغتها تُطلق اسم البداءة على النهاية، واسم النهاية على البداءة؛ لأن الهمّ لا يُكتب على المرء؛ لأنه خاطرٌ، لا حُكْمَ له.
قال: ويحتمل أن يكون الله يكتب لمن همّ بالحسنة الحسنةَ، وإن لم يَعْزِم عليها، ولا عملها؛ لفضل الإسلام، فتوفيق الله تعالى العبدَ للإسلام فضلٌ تفضّل به عليه، وكتابته ما همّ به من الحسنات، ولَمّا يعملها فضل، وكتابته ما همّ به من السيّئات، ولَمّا يعملها أو كتبها لكان عدلًا، وفضله قد سَبَقَ عدلَهُ، كما أن رحمته سبقت غضبه، فمن فضله، ورحمته ما لم يُكتب على صبيان المسلمين ما يعملون من سيئّة قبل البلوغ، وكتب لهم ما يعملونه من حسنة، كذلك هذا ولا فرق. انتهى كلام ابن حبّان (^١).
(بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا) يتناول نفي عمل الجوارح، وأما عَمَلُ القلب،
_________________
(١) = حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن الرَّبِيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خُرَيم بن فاتك الأسديّ، أن النبيّ - ﷺ - قال: "الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس: مُوَسَّعٌ عليه في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا، مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا، موسع عليه في الآخرة، وشَقِيٌّ في الدنيا والآخرة، والأعمال: موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلمًا مؤمنًا، لا يشرك بالله شيئًا، فوجبت له الجنة، ومن مات كافرًا، وجبت له النار، ومن همّ بحسنة، فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها، كُتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبعمائة ضعف". وهو حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، وفلان بن عَمِيلة، هو يُسير بن عَمِيلة، كما صرّح به ابن حبّان في "صحيحه" ١٠/ ٥٠٤ رقم (٤٦٤٧)، وهو ثقة من الطبقة الثالثة، كما في "التقريب" ص ٣٨٦.
(٢) راجع: "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان" ٢/ ١٠٧.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
فيحتمل نفيه أيضًا، إن كانت الحسنة تكتب بمجرد الهمّ، كما في معظم الأحاديث، لا إن قُيِّدت بالتصميم، كما في حديث خُرَيم - ﵁ -، ويؤيد الأول حديث أبي ذرّ - ﵁ - عند المصنّف أنّ الكفّ عن الشر صدقة (^١).
(كَتَبَهَا اللهُ) زاد في رواية البخاري: "له" أي للذي هَمّ بالحسنة، ومعنى: "كتبها الله": أي أمر الْحَفَظَةَ بكتابتها، بدليل ما سبق في حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "إذا هَمَّ عبدي بسيئة، فلا تكتبوها عليه".
(عِنْدَهُ) أي عند الله تعالى (حَسَنَةً) مفعول ثان لـ"كتبها"، بمعنى صيّرها (^٢) (كَامِلَةً) كذا ثبت في حديث ابن عباس - ﵁ - دون حديث أبي هريرة - ﵁ - وغيره وَصْفُ الحسنة بكونها كاملةً، وكذا قوله: "عنده"، وفيهما نوعان من التأكيد، فأما العندية فإشارة إلى الشرف، وأما الكمال فإشارة إلى رفع توهم نقصها؛ لكونها نشأت عن الهمّ المجرد، فكأنه قيل: بل هي كاملةٌ، لا نقص فيها.
وقال النووي في "أربعينه": فانظر يا أخي - وفّقني الله وإياك - إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ،، وقوله: "عنده" إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: "كاملةً" للتأكيد، وشدّة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي هَمّ بها، ثم تركها: "كتبها الله عنده حسنةً كاملةً"، فأكّدها بـ "كاملةً"، وإن عملها كتبها سيئة واحدةً"، فأكَّد تقليلها بـ "واحدةً"، ولم يؤكّدها بـ "كاملةً"، فلله الحمد والمنّة، لا نُحصي ثناءً عليه، وبالله التوفيق (^٣).
وقال الطيبيّ: إنما جوزي من هَمّ بسيّئة، ولم يعملها بحسنة كاملة؛ لأنه خاف مقام ربّه، ونَهَى النفس عن الهوى. انتهى (^٤).
_________________
(١) هو ما تقدّم للمصنف برقم (٨٤) من حديث أبي ذرّ - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله"، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا"، قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق"، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: "تَكُفُّ شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك".
(٢) "الكاشف" ٦/ ١٨٦٧.
(٣) "الأربعين" للنوويّ ص ٧٨.
(٤) "الكاشف" ٦/ ١٨٦٧.
[ ٣ / ٥٩٦ ]
وقال الطوفيّ: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب.
واستُشكِل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تضاعف؟ لعموم قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟.
وأُجيب بحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على الهمّ المجرد.
واستُشكِل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتُبِرَ في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة؟.
وأجِيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهمّ بها يُكَفِّرها؛ لأنه قد نَسَخَ قصدَهُ السيئة، وخالف هواه.
ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواءٌ كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًّا مع بقاء قصد الذي هَمَّ بفعل الحسنة، فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها نَدَم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هَمَّ مِن قِبَل نفسه، فهي دون ذلك، إلا إن قارنها قصدُ الإعراض عنها جملةً، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وَقَعَ العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا، فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تُكْتَب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال.
(وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالحسنة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ - عزَّوجلْ -) زاد البخاريّ: "له" (عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ) قال الحافظ: يؤخذ منه رفعُ توهم أن حسنةَ الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف، فتكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم، ولفظه: "فإن عملها، كُتبت له عشر أمثالها"، وكذا في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي بعض طرقه احتمال، ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلته، وهو المعتمد. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا الحافظ في "الفتح" رواية جعفر بن سليمان إلى مسلم، وأنه ساق بلفظ: "فإن عملها كتبت له عشر أمثالها"، وليس كذلك، فإن مسلمًا إنما أخرج سند جعفر بن سليمان، وأحال متنه على متن عبد الوارث، فقال: "بمعنى حديث عبد الوارث، وزاد:
[ ٣ / ٥٩٧ ]
ومحاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك"، وإنما الذي ساق لفظ جعفر هو الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (^١)، كما سيأتي قريبًا، وفيه: "فإن عملها كتبت له عشر أمثالها"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال ابن عبد السلام في "أماليه": معنى الحديث: إذا هَمّ بحسنة، كُتبت له حسنة، فإن عملها كُمّلت له عشرةً؛ لأنا نأخذ بقيد كونها قد هَمّ بها، وكذا السيئة إذا عملها لا تكتب واحدةً للهمّ، وأخرى للعمل، بل تكتب واحدة فقط.
قال الحافظ: الثاني صريح في حديث هذا الباب، وهو مقتضى كونها في جميع الطرُق لا تُكْتب بمجرد الهمّ، وأما حسنةُ الهمّ بالحسنة فالاحتمال قائم.
وقوله: "بقيد كونها قد هَمَّ بها" يَعكُر عليه مَن عَمِلَ حسنة بغتة، من غير أن يَسْبِق له أنه هَمَّ بها، فإن قضية كلامه أنه يُكتب له تسعةً، وهو خلاف ظاهر الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فإنه يتناول مَن هَمَّ بها، ومن لم يَهُمَّ.
والتحقيق أن حسنةَ مَن هَمّ بها تَندَرج في العمل في عشرة العمل، لكن تكون حسنةُ مَن هَمَّ بها أعظم قدرًا ممن لم يَهُمَّ بها، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
(إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ) "الضِّعْفُ" في اللغة: الْمِثْلُ، والتحقيق: أنه اسم يقع على العدد، بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة، فُهِمَ أنّ المراد عشرون، ومن ذلك لو أَقَرَّ بأن له عندي ضعف درهم، لزمه درهمان، أو ضعفي درهم لزمه ثلاثة.
(إِلَى أَضْعَافٍ كثِيرةٍ) قال في "الفتح": لم يقع في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة - ﵁ -: "إلى أضعاف كثيرة" إلا في حديثه في "الصيام"، فإن في بعض طرقه عند مسلم: "إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا الحافظ إلى المصنّف بزيادة لفظ: "إلى ما شاء الله"، ولم أر هذه الزيادة في حديث أبي هريرة - ﵁ - عنده
_________________
(١) راجع: "مستخرج أبي نُعيم" ١/ ١٩٩ رقم (٣٣٨).
[ ٣ / ٥٩٨ ]
في "كتاب الصيام"، ولا في "مستخرج أبي نعيم"، ولا في "مسند أبي عوانة" الذي هو مستخرج على "صحيح مسلم"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
قال: وله من حديث أبي ذرّ - ﵁ - رفعه: "يقول الله: مَن عَمِل حسنة، فله عشر أمثالها، وأزيد" (^١)، - وهو بفتح الهمزة، وكسر الزاي - وهذا يدل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه، بحسب الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدِّي النفع، كالصدقة الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشَرَف العمل، ونحو ذلك.
وقد قيل: إن العمل الذي يُضاعَف إلى سبعمائة خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسّك قائله بما في حديث خُرَيم بن فاتك - ﵁ - عند أحمد، وغيره، رفعه: "مَن هَمّ بحسنة، فلم يعملها … "، فذكر الحديث، وفيه: "ومَن عَمِل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبعمائة ضعف".
وتُعُقِّب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف الى سبعمائة، وليس فيه نَفْيُ ذلك عن غيرها صريحًا.
ويدلُّ على التعميم حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي في "كتاب الصيام": "كلُّ عَمَل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف … " الحديث.
واختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هل المراد المضاعفة إلى سبعمائة فقط، أو زيادة على ذلك؟، فالأول هو المحقَّق من سياق الآية، والثاني مُحْتَمِلٌ، ويؤيد الجوازَ سعةُ الفضل، قاله في "الفتح" (^٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) هو ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الذكر والدعاء"، برقم (٢٦٨٧) من حديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يقول الله - ﷿ -: من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها، وأَزِيدُ، ومن جاء بالسيئة، فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولةً، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئةً، لا يشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة".
(٢) "الفتح" ١١/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
[ ٣ / ٥٩٩ ]
(وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) المراد بالكمال عِظَم القدر، كما تقدم، لا التضعيف إلى العشرة، ولم يقع التقييد بـ "كاملةً" في طرق حديث أبي هريرة - ﵁ -، وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، لكنه قيّده في حديث الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - كما سبق في حديثه الماضي: "وإن تركها، فاكتبوها له حسنةً؛ إنما تركها من جَرّاي"، ولفظ البخاريّ في "التوحيد": "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي، فاكتبوها له حسنة".
ونَقَلَ القاضي عياض عن بعض العلماء أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه، ثم صَوّب حملَ مطلقه على ما قُيّد في حديث أبي هريرة - ﵁ -.
قال الحافظ: ويحتمل أن تكون حسنةُ مَن ترك بغير استحضار ما قُيِّد به دون حسنة الآخر؛ لما تقدم أن ترك المعصية كَفّ عن الشرّ، والكفّ عن الشرّ خير، ويحتمل أيضًا أن يُكْتَب لمن هَمّ بالمعصية، ثم تركها حسنةٌ مجردةٌ، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه، كتبت حسنةً مضاعفةً.
وقال الخطابيّ: محلُّ كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قَدَرَ على الفعل، ثم تركه؛ لأن الإنسان لا يُسَمَّى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه مَن حال بينه وبين حرصه على الفعل مانعٌ، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا، فيجد الباب مغلقًا، ويتعسر فتحه، ومثله من تَمَكّن من الزنا مثلًا، فلم ينتشر ذكره، أو طَرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا.
ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري - ﵁ - ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وصححه، بلفظ: "إنما الدنيا لأربعة … "، فذكر الحديث، وفيه: "وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يَرَى لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالًا، ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء".
فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فَيُحمل حديث الباب على مَنْ هَمّ بالمعصية هَمًّا مُجَرَّدًا من غير تصميم، وحديث أبي كبشة - ﵁ - على مَن صمم على ذلك، وأصَرَّ عليه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة
[ ٣ / ٦٠٠ ]
الرابعة في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور قبل باب، فراجعه تزدد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
(وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالسيّئة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ) زاد البخاريّ: "له " (سَيِّئَةً وَاحِدَةً") وفي حديث أبي هريرة زجه المتقدّم: "فاكتبوها له بمثلها"، وفي رواية أبي ذرّ - ﵁ -: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر".
ويستفاد من التأكيد بقوله: "واحدةً" أنّ السيئة لا تُضاعَف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال الشيخ ابن عبد السلام في "أماليه": فائدة التأكيد دَفْعُ توهم مَن يَظُنّ أنه إذا عَمِل السيئة، كُتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهمّ، وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئةٌ واحدةٌ.
وقد استَثْنَى بعض العلماء وقوعَ المعصية في الحرم المكيّ، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل وَرَد في شيء من الحديث أن السيئة تُكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا، ما سمعت إلا بمكة؛ لتعظيم البلد، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يتفاوت بالعِظَم، ولا يَرِد على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأن ذلك وَرَدَ تعظيمًا لحقّ النبيّ - ﷺ -؛ لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤٥ و٣٤٦] (١٣١)، و(البخاريّ) في "الرِّقَاق" (٦٤٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٧ و٢٧٩ و٣١٠ و٣٦٠)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (٧١٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٧٨٩)، و(النسائيّ) في "النعوت" من "الكبرى" (٧٦٧٠)، و(أبو عوانة) في
[ ٣ / ٦٠١ ]
"مسنده" (٢٤٢)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٣٨ و٣٣٩)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات كتابة الله تعالى الحسنات والسيئات، ثم بيانه ذلك لعباده حتى يعلموا ذلك، ويكونوا على بصيرة من أمرهم، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه على هدى من ربّهم.
٢ - (ومنها): بيانُ فضل الله تعالى العظيم على هذه الأمة؛ لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة؛ لأن عمل العباد للسيئات أكثر. من عملهم للحسنات، كما دلّ عليه حديث الباب، من الإثابة على الهمّ بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهمّ بالسيئة، ودلّ عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ إذ ذَكَرَ في السوء الافتعال الذي يَدُلّ على المعالجة، والتكلف فيه، بخلاف الحسنة.
٣ - (ومنها): بيان الفضل الذي يترتب للعبد على هِجران لذته، وترك شهوته من أجل ربه - ﷿ - رغبةً في ثوابه، ورهبةً من عقابه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الحفظة لا تكتب المباح للتقييد بالحسنات والسيئات.
وأجاب بعضهم بأن بعض الأئمة عَدّ المباح من الحسن.
وتُعُقِّب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنة، وليس المباحُ، ولو سُمّي حسنًا كذلك.
نعم قد يُكتَب حسنةً بالنية، وليس البحث فيه.
٥ - (ومنها): بيان أن الله - ﷾ - بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة، والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضلَ، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله: "كُتِبت له واحدةً، أو يمحوها"، وبقوله في حديث أبي ذرّ - ﵁ -: "فجزاؤه بمثلها، أو أَغْفِر".
٦ - (ومنها): أن في هذا الحديث الردَّ على الكعبيّ في زعمه أن ليس في الشرع مباح، بل الفاعل إما عاصٍ، وإما مُثَابٌ، فمن اشتغل عن المعصية بشيء، فهو مثاب.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
وتعقبوه بأن الذي يثاب على ترك المعصية، هو الذي يَقْصِد بتركها رضا الله، كما تقدم في قوله: "إنما تركها من جرّاي".
وحَكَى ابنُ التين أنه يلزمه أن الزاني مثلًا مثاب، لاشتغاله بالزنا عن معصية أخرى، ولا يخفى ما فيه، ذكره في "الفتح" (^١).
٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بقوله: "حسنة كاملة" على أنها تُكْتَب حسنةً مضاعفةً، لأن ذلك هو الكمال، لكنه مشكلٌ يلزم منه مساواة مَن نَوَى الخير بمن فعله في أن كلًّا منهما يُكتب له حسنةً.
وأُجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، والمجيء بها هو العمل، وأما الناوي، فإنما ورد أنه يُكتب له حسنة، ومعناه: يُكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة، والعلم عند الله تعالى، قاله في "الفتح" أيضًا (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث، وأفاد، أحببت إيراده، وإن كان تقدّم فيما ذكرته في شرح الحديث، إلا أنه يكون فذلكةً وتلخيصًا لما مضى، قال بعد أن أورد أحاديث الباب وغيرها مما في معناها، ما حاصله:
فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئات، والهم بالحسنة والسيئة، فهذه أربعة أنواع:
[النوع الأول]: عمل الحسنات، فتضاعَفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٣٦ - ٣٣٧ "كتاب الرقاق" رقم الحديث (٦٤٩١).
(٢) المصدر السابق.
[ ٣ / ٦٠٣ ]
فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف، وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود - ﵁ - قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة" (^١).
وفي "المسند" بإسناد فيه نظر، عن أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله وعياله، أو عاد مريضًا، أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها".
وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الصلاة والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" (^٢).
ورَوَى ابن أبي حاتم بسنده، عن الحسن، عن عمران بن الحصين - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "من أرسل نفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل درهم سبعمائة الف درهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] (^٣).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ - قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] قال رسول الله - ﷺ -: "رَبِّ زِدْ أمتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "رب زد أمتي" فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وأخرج الإمام أحمد، من حديث علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الله ليضاعف الحسنة ألفي حسنة" ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ
_________________
(١) أخرجه برقم (١٨٩٢)، وأخرجه النسائيّ (٦/ ٤٩)، وأحمد (٤/ ١٢١).
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٢٤٩٨)، والبيهقيّ ٩/ ١٧٢، وفيه زبّان بن فائد، وهو ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم ٢/ ٧٨، ووافقه الذهبيّ.
(٣) وفيه سنده الخليل بن عبد الله، مجهول، كما في "التقريب"، وفي سماع الحسن عن عمران خلاف، ولذا قال ابن كثير: حديث غريب.
[ ٣ / ٦٠٤ ]
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: "إذا قال الله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فمن يقدر قدره"، ورُوي عن أبي هريرة موقوفًا (^١).
وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عمر - ﵁ - موقوفًا: "من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة" (^٢).
ومن حديث تميم الداريّ - ﵁ - مرفوعًا: "من قال: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، عشر مرات، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة" (^٣)، وفي كلا الإسنادين ضعف.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد ضعيف أيضًا، عن ابن عمر مرفوعًا: "من قال: سبحان الله، كتب الله له مائة ألف حسنة" (^٤).
وقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به"، يدلّ على أن الصيام لا يَعلَم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله تعالى؛ لأنه أفضل أنواع الصبر، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقد رُوِي هذا المعنى عن طائفة من السلف، منهم كعب وغيره.
ثم ذكر أن مضاعفة الحسنات زيادةً على العشر تكون بحسب حسن الإسلام، كما جاء ذلك مُصَرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره، ويكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٩٦، وفي سنده علي بن زيد بن جُدعان، ضعيف.
(٢) أخرجه الترمذيّ برقم (٣٤٢٨)، وفي سنده أزهر بن سنان، ضعيف، وبرقم (٣٤٢٩)، وفي سنده عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، ضعيف أيضًا.
(٣) أخرجه الترمذيّ برقم (٣٤٧٣)، وفيه خليل بن مرّة، ضعيف.
(٤) أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" (١٣٥٩٧)، وفي سنده النضر بن عُبيد، قال الهيثميّ في "المجمع" ١٠/ ٧٨: لم أعرفه.
[ ٣ / ٦٠٥ ]
[النوع الثاني]: عملُ السيئات، فتُكتب السيئة بمثلها، من غير مضاعفةٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقوله: "كُتِبت له سيئةً واحدةً" إشارةٌ إلى أنها غير مضاعفة، كما صَرّح به في حديث آخر، لكن السيئة تَعْظُم أحيانًا بشرف الزمان، أو المكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [التوبة: ٣٦]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵁ - في هذه الآية: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: في كلهنّ، ثم اختصّ من ذلك أربعة أشهر، فجعلهنّ حُرُمًا، وعَظَّم حرمتهنّ، وجَعَل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرُم أعظم خطيئة ووزرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حالٍ غيرَ طائل، ولكن الله تعالى يُعَظِّم من أمره ما يشاء، تعالى ربنا.
وقد رُوي في حديثين مرفوعين: أن السيئات تضاعف في رمضان، ولكن إسنادهما لا يصح.
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال ابن عمر: الفسوق ما أُصيب من معاصي الله صيدًا كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وكان جماعة من الصحابة يتقون سُكْنَى الحرم خشيةَ ارتكاب الذنوب فيه، منهم ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم، ورُوي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة - يعني بغير مكة - أحب إليّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات، وقال ابن جريح: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا ما سمعنا إلا بمكة؛ لتعظيم البلد، وقال إسحاق بن راهويه، كما قال أحمد.
وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله، وقربه منه، فإن من عَصَى السطان على بساطه أعظم جُرْمًا ممن عصاه على بُعْدٍ، ولهذا توعد الله خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء، وإن كان قد عصمهم منها؛ ليبيّن لهم فضله عليهم بعصمتهم من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٥]، وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبيّ - ﷺ - من بني هاشم مثل ذلك؛ لقربهم من النبيّ - ﷺ -.
[النوع الثالث]: الهمُّ بالحسنات، فتُكتب حسنةً كاملةً، وإن لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم كما تقدم: "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنةً، فأنا أكتبها له حسنةً"، والظاهر أن المراد بالتحدُّث: حديث النفس، وهو الهمّ، وفي حديث خُرَيم بن فاتك: "مَنْ هَمّ بحسنة، فلم يعملها، فعلم الله منه أنه قد أشعر قلبه، وحَرَصَ عليها، كتبت له حسنة"، وهذا يدلّ على أن المراد بالهمّ هنا هو العزم المصمّم الذي يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد الْخَطْرة التي تخطُر، ثم تنفسخ من غير عزم، ولا تصميم.
قال أبو الدرداء - ﵁ -: "من أتَى فراشه، وهو ينوي أن يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى يصبح، كُتِب له ما نوى"، ورُوي عنه مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه مرفوعًا، قال الدارقطنيّ: المحفوظ الموقوف، ورُوي معناه من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، ولا سيّما وهو صحيح، مرفوعًا من حديث عائشة - ﵂ -، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٦٠٧ ]
ورُوي عن سعيد بن المسيب قال: مَن همّ بصلاة، أو صيام، أو حج، أو عمرة، أو غزوة، فحيل بينه وبين ذلك، بَلَّغه الله تعالى ما نَوَى.
وقال أبو عمران الجونيّ: "يُنَادَى الملك، اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله، فيقول الله: إنه نواه".
وقال زيد بن أسلم: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: مَنْ يَدُلُّني على عمل لا أزال منه لله عاملًا، فإني لا أحب أن يأتي عليّ ساعة من الليل والنهار، إلا وإني عامل لله تعالى؟، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فَتَرْتَ، أو تركت فَهُمَّ بعمله، فإن الهامَّ بفعل الخير كفاعله.
ومتى اقتَرَن بالنية قولٌ أو سعيٌ تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل، كما رَوَى أبو كبشة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، فيقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يتخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه لله حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، وهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فوزرهما سواء"، وأخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وهذا لفظ ابن ماجه.
وقد حُمِل قوله: "وهما في الأجر سواء" على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها مَن عَمِل العمل دون من نواه ولم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، لكُتِب لِمَنْ هَمّ بحسنة، ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]، قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجةً هم القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار.
[ ٣ / ٦٠٨ ]
[النوع الرابع]: الهمُّ بالسيئات، من غير عَمَلٍ لها، ففي حديث ابن عباس - ﵁ - أنها تُكتَب حسنةً كاملةً، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما أنها تكتب حسنةً كاملةً، وفي حديث أبي هريرة: "إنما تركها من جرائي" - يعني من أجلي - وهذا يدلّ على أن المراد مَنْ قَدَرَ على ما هَمّ به من المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يُكتب له بذلك حسنةٌ؛ لأن تركه المعصية بهذا المقصد عَمَلٌ صالح، فأما إن هَمّ بمعصية، ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاة لهم، فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرَّم، وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرَّم، فإذا اقترن به ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك.
وقد أخرج أبو نعيم بسند ضعيف (^١)، عن ابن عباس - ﵁ - قال: "يا صاحب الذنب، لا تأمنَنّ سوءَ عاقبته، ولَمَا يَتْبَعُ الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملته" وذكر كلامًا، وقال: خوفك من الريح إذا حَرَّكت سِتْرَ بابك، وأنت على الذنب، ولا يَضطربُ فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا فعلته.
وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون: تركُ العمل للناس رياء، والعملُ لهم شرك.
وأما إن سَعَى في حصولها بما أمكنه، ثم حال بينه وبينها القَدَرُ، فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ؛ لقوله النبيّ - ﷺ -: "إن الله يتجاوز لأمتي عما حَدَّثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل"، ومن سَعَى في حصل المعصية بجهده، ثم عجز عنها، فقد عَمِلَ بها، وكذلك قول النبيّ - ﷺ -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
وقوله: "ما لم تتكلم به، أو تعمل " يدلّ على أن الهامّ بالمعصية إذا تكلم بما هَمَّ به بلسانه، فإنه يعاقب على الهمّ حينئذ؛ لأنه قد عَمِلَ بجوارحه معصيةً، وهو التكلم باللسان، ودلّ على ذلك حديث الذي قال: "لو أن لي مالًا لعملت فيه ما عَمِل فلان" يعني الذي يَعْصِي الله في ماله، قال: "فهما في الوزر سواء".
_________________
(١) "الحلية" ١/ ٣٢٤.
[ ٣ / ٦٠٩ ]
ومن المتأخرين مَن قال: لا يعاقب على التكلم بما هَمَّ به، ما لم تكن المعصية التي هَمَّ بها قولًا مُحَرَّمًا، كالقذف، والغيبة، والكذب، فأما ما كان مُتعلَّقها العمل بالجوارح، فلا يأثم بمجرد تكلم بما هَمّ به، وهذا قد يُستَدَلُّ به على حديث أبي هريرة المتقدم: "وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيّئةً، فأنا أغفرها له ما لم يعملها"، ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس؛ جمعًا بينه وبين قوله: "ما لم تتكلم به"، وحديث أبي كبشة - ﵁ - يَدُلُّ على ذلك صريحًا، فإن قول القائل بلسانه: لو أن لي مالًا لعملت فيه بالمعاصي، كما عَمِلَ فلان، ليس هو العمل بالمعصية التي هَمَّ بها، وإنما أخبر عما هَمَّ به فقط، مما متعلقه إنفاق المال في المعاصي، وليس له مال بالكلية، وأيضًا فالكلام بذلك مُحَرَّمٌ، فكيف يكون مَعْفُوًّا عنه، غير مُعاقَب عليه؟.
وأما إن انفسخت نيته، وفَتَرت عزيمته من غير سبب منه، فهل يعاقب على ما هَمَّ به من المعصية أم لا؟ هذا على قسمين:
[أحدهما]: أن يكون الهمّ بالمعصية خاطرًا، ولم يساكنه صاحبه، ولم يَعْقِد قلبه عليه، بل كرهه، ونفر منه، فهو معفوّ عنه، وهو الوساوس الرديئة التي سئل النبيّ - ﷺ - عنها، فقال: "ذلك صريح الإيمان" (^١).
ولَمّا نَزَل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] شَقَّ ذلك على المسلمين، وظَنّوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية بعدها، وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَبَيَّنَت أن ما لا طاقة لهم به غير مؤاخذ به، ولا يُكَلَّف به، وقد سَمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك نسخًا، ومرادهم أن هذه الآية أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبَيَّنَت أن المراد بالآية الأولى العزائم المصمَّمُ عليها، ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الأرجح فيها النسخ المتعارف عند المتأخّرين، وسبق بيان وجه ذلك عند شرح حديث ابن عبّاس - ﵁ - هذا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) يأتي للمصنّف قريبًا برقم (١٣٢).
[ ٣ / ٦١٠ ]
[القسم الثاني]: العزائم المصمَّمة التي تقع في النفوس، وتدوم، ويساكنها صاحبها، فهذا أيضًا نوعان:
(أحدهما): ما كان عَمَلًا مستقلًا بنفسه، من أعمال القلوب، كالشكّ في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو غير ذلك من الكفر والنفاق، أو اعتقاد تكذيب ذلك، فهذا كله يعاقب عليه العبد، ويصير بذلك كافرًا أو منافقًا، وقد رُوِيَ عن ابن عباس - ﵁ - أنه حَمَل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] على مثل هذا، ورُوِي عنه حملها على كتمان الشهادة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويُلْحَق بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب، كمحبة ما يبغضه الله، وبغض ما يحب الله، والكبر، والعجب، والحسد، وسوء الظن بالمسلم، من غير موجب، مع أنه قد رُوِي عن سفيان أنه قال في سوء الظن: إذا لم يترتب عليه قول أو فعل: فهو معفو عنه، وكذلك رُوِي عن الحسن أنه قال في الحسد، ولعل هذا محمولٌ من قولهما على ما يجده الإنسان، ولا يمكنه دفعه، فهو يَكرهه، ويدفعه عن نفسه، فلا يندفع إلا على ما يساكنه، ويستروح إليه، ويعيد حديث نفسه به ويبديه.
(والنوع الثاني): ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك، إذا أصرّ العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يَظهَر له أثرٌ في الخارج أصلًا، فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء:
(أحدهما): الأخذ به، قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمّ؟ فقال: إذا كانت عزمًا أُوخذ، ورَجَّح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، من أصحابنا وغيرهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم ترجيح هذا المذهب، فلا تغفل.
قال: واستدلوا له بنحو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبنحو قول النبيّ - ﷺ -: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وحملوا قوله - ﷺ -: "إن الله تجاوز لأمتي عما حَدَّثت به
[ ٣ / ٦١١ ]
أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل"، على الخطرات، وقالوا: ما ساكنه العبد، وعَقَد عليه قلبَه فهو من كسبه وعمله، فلا يكون مَعْفُوًّا عنه، ومن هؤلاء من قال: إنه يعاقب عليه في الدنيا بالهموم والغموم، رُوي ذلك عن عائشة - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا، وفي صحته نظر، وقيل: بل يحاسب العبد به يوم القيامة، فيقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا يعاقبه، فتكون عقوبته المحاسبة، وهذا مرويّ عن ابن عباس، والربيع بن أنس، وهو اختيار ابن جرير، واحتجّ له بحديث ابن عمر في النجوى، وذلك ليس فيه عمومٌ، وأيضًا فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا، لا في وساوس الصدور.
(والقول الثاني): لا يؤاخذ بمجرد النية مطلقًا، ونُسِب ذلك إلى نصّ الشافعيّ، وهو قول ابن حامد من أصحابنا؛ عملًا بالعمومات، ورَوَى العوفيّ عن ابن عباس - ﵁ - ما يدلّ على مثل هذا القول.
وفيه قول ثالث: إنه لا يؤاخذ بالهم بالمعصية، إلا بأن يَهُمّ بارتكابها في الحرم، كما رَوَى السُّدّيّ عن مرة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: ما من عبد يَهُمّ بخطيئة، فلم يعملها، فتكتب عليه، ولو هَمّ بقتل الإنسان عند البيت، وهو بِعَدَن أَبْيَن أذاقه الله من عذاب أليم، وقرأ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أخرجه الإمام أحمد وغيره، وقد رواه عن السديّ شعبة، وسفيان، فرفعه شعبة، ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في وقفه.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة، وهو بأرض أخرى، ولم يعملها، فتكتب عليه، وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدلّ على مثل هذا القول، وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد.
وقد رَدَّ بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب، وقال: الحرم يجب احترامه، وتحريمه، وتعظيمه بالقلوب، فالعقوبة على ترك هذا الواجب، وهذا لا يصح، فإن حرمة الحرم ليست بأعظم من حرمة مُحَرِّمه سبحانه، والعزم على معصية الله عزم على انتهاك محارمه، ولكن لو عَزَم على ذلك قصدًا لانتهاك حرمة الحرم، واستخفافًا بحرمته، فهذا كما لو عَزَم على فعل معصية بقصد الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى، فيكفر بذلك، وإنما ينتفي
[ ٣ / ٦١٢ ]
الكفر عنه إذا كان همه بالمعصية بمجرد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله عن قصد مخالفة الله، والاستخفاف بهيبته وبنظره.
ومتى اقترن العملُ بالهمّ، فإنه يعاقب عليه، سواء كان الفعل متأخرًا أو متقدمًا، فمن فعل محرمًا مرة، ثم عزم على فعله متى قدر عليه، فهو مُصِرٌّ على المعصية، ومعاقب على هذه النية، وإدن لم يَعُدْ إلى عمله إلا بعد سنين عديدة، وبذلك فسَّر ابن المبارك وغيره الإصرار على المعصية.
وبكل حال، فالمعصية إنما تُكْتب بمثلها من غير مضاعفة، فتكون العقوبة على المعصية، ولا ينضمّ إليها الهمّ بها؛ إذ لو ضُمّ إلى المعصية الهم بها لعوقب على عمل المعصية عقوبتين.
ولا يقال: فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة، فمانها إذا عملها بعد الهمّ بها أثيب على الحسنة دون الهم بها؛ لأنا نقول: هذا ممنوع، فإن مَن عَمِلَ حسنة كتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهمّ بالحسنة، والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب (^١)، وهو تحقيق حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْد، أَبِي عُثْمَانَ، فِي هَذَا الإسْنَاد، بمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِث، وَزَادَ: "أَوْ مَحَاهَا اللهُ (^٢)، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ٢/ ٣١١ - ٣٢٩.
(٢) هكذا في نسخة "شرح الأبيّ"، بـ "أو"، وهو الأولى، ووقع في معظم النسخ: "ومحاها الله" بالواو.
[ ٣ / ٦١٣ ]
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهد، كان يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢، والجعد تقدّم في الإسناد السابق.
وقوله: (فِي هَذَا الإسْنَادِ) أي بإلإسناد الماضي، وهو عن أبي رجاء العُطارديّ، عن ابن عبّاس - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) يعني أن حديث جعفر بن سليمان بمعنى حديث عبد الوارث بن سعيد، عن الجعد، وليس بلفظه.
[تنبيه]: رواية جعفر بن سليمان التي أشار إليها المصنّف هنا ساقها الإمام أبو محمد الدارميّ في "سننه" في "الرقاق" (٢/ ٣١٣ - ٣١٤)، فقال:
(٢٦٦٧) حدثنا عفّان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد، أبو عثمان، قال: سمعت أبا رجاء العطارديّ، قال: سمعت ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ -.
قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن ربكم رحيمٌ، مَن هَمّ بحسنة، فلم يعملها كُتِبت له حسنةً، فإن عملها كُتبت له عشرًا، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، ومَن هَمّ بسيئة، فلم يعملها، كُتبت له حسنةَّ، فإن عملها كتبت واحدة، أو يمحوها، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك". وكذا ساقه أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ١٩٩) (٣٣٨) إلا أن في لفظة "أو يمحوها" تصحيفًا، فتنبّه.
وقوله: (وَزَادَ: "أَوْ مَحَاهَا اللهُ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلأ هَالِكٌ") يعني أن جعفر بن سليمان زاد في روايته على رواية عبد الوارث قوله: "أو محاها الله … إلخ"، فليس هذا في رواية عبد الوارث.
فقوله: "أَوْ مَحَاهَا اللهُ" هكذا وقع في نسخة شرح الأبيّ بـ "أو"، وهو الذي في "مستخرج أبي نعيم" (^١)، و"سنن الدارميّ" (^٢)، ووقع في معظم النسخ المطبوعة بالواو، فتكون الواو بمعنى "أو"، فتنبّه.
والمعنى: أن الله - ﷾ - يمحوها بالفضل، أو بالتوبة، أو بالاستغفار، أو
_________________
(١) إلا أنه صُحّف إلى "أو محوها"، فتنبّه.
(٢) لكن عبّر بلفظ المضارع، فقال: "أو يمحوها".
[ ٣ / ٦١٤ ]
بعمل الحسنة التي تُكَفّر السيئة، والأول أشبه؛ لظاهر حديث أبي ذر - ﵁ -، كما سيأتي للمصنّف بلفظ: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر له"، وفيه ردّ لقول مَن ادّعَى أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، أفاده في "الفتح" (^١).
وقال ابن رجب: قوله: "أو يمحوها الله " يعني أن عمل السيئة إما أن تُكْتَب لعاملها سيئةً واحدةً، أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب، كالتوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات. انتهى كلامه (^٢).
قال الجامع: سيأتي ذكر ما تُمحْى به السيئات من الحسنات في "أبواب الوضوء" - إن شاء الله تعالى -.
ومعنى قوله: (وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ) أي من أصرّ على التحرِّي على السيئة عَزْمًا، وقولًا، وفعلًا، وأعرض عن الحسنات هَمًّا، وقولًا وفعلًا، قاله في "الفتح".
وقال القاضي عياضّ: قوله: "وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ": أي من حُتِّم عليه الهلاك، وسُدّ عليه أبواب الهدى؛ لسعة رحمة الله تعالى وكرمه؛ إذ جَعَل السيّئة حسنة، ولم يكتبها حتى يُعمَل بها، فإذا عُملت كُتبت واحدةً، وكَتَب الهمَّ بالحسنة حسنةً، وكَتبها إذا عملها عشرًا إلى سبعمائة ضعف، وأضعافًا كثيرةً، وكلُّ هذا من فضل الله - ﷾ -؛ إذ ضاعف الحسنات، حتى تكثر، وتزيد على السيّئات؛ لكثرة سيّئات بني آدم، فمن حُرِم هذه السعة، وضُيِّق عليه رَحْبُها حتى غلبت سيئاته مع إفرادها حسناته مع تضعيفها، فهو الهالك الذي سبق عليه ذلك في أمّ الكتاب. انتهى كلامه (^٣).
وقال ابن رجب: قوله: "ولا يهلك على الله إلا هالك" يعني: بعد هذا الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه، بمضاعفة الحسنات، والتجاوز عن السيئات، لا يهلك على الله إلا مَنْ هَلَك، وألقى بيده إلى التهلكة، وتجرّأ على السيئات، ورَغِبَ عن الحسنات، وأعرض عنها، ولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: ويلٌ لمن غَلَبت وُحْدانُهُ عشراتِه، وروى الكلبيّ، عن أبي صالح،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٣٦ "كتاب الرقاق".
(٢) "جامع العلوم والحكم" ٢/ ٣٢٨.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٢٥.
[ ٣ / ٦١٥ ]
عن ابن عباس - ﵁ -، مرفوعًا: "هَلَك مَن غَلَبَ واحده عشرًا" (^١).
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خَلَّتان لا يُحصيهما رجل مسلمٌ، إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يَعْمَل بهما قليل، تسبّح الله دُبُرَ كل صلاة عشرًا، وتحمده عشرًا، وتكبره عشرًا، قال: فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، فإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده مائة، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيُّكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ " (^٢).
وفي "المسند" عن أبي الدرداء - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يَدَع أحدُكم أن يعمل لله ألف حسنة حين يصبح، يقول: سبحان الله وبحمده مائة مرةٍ، فإنها ألف حسنة، فإنه لن يعمل - إن شاء الله تعالى - مثل ذلك في يومه من الذنوب، ويكون ما عَمِلَ من خير سوى ذلك وافرًا" (^٣). انتهى كلام ابن رجب (^٤)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.