قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق في شرح المقدّمة أن هذه التراجم غير تراجم الكتب ليست من وضع الإمام مسلم، وإنما هي لشرّاح كتابه، وهذه الترجمة قريبة من ترجمة القرطبيّ في "مختصره"، وذكر المازريّ أنه يوجد في
_________________
(١) ضعيف جدًّا، فيه الكلبيّ محمد بن السائب، متروك.
(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٠٢)، وأبو داود (٥٠٦٠)، والترمذيّ (٣٤١٠)، والنسائيّ (٣/ ٧٤)، وابن ماجه (٩٢٦)، وصححه ابن حبان (٢٠١٢ و٢٠١٨).
(٣) حديث ضعيف، في سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّانيّ، ضعيف، كما قال الهيثميّ في "المجمع" ١٠/ ١١٣.
(٤) "جامع العلوم والحكم" ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٣ / ٦١٦ ]
بعض نسخ مسلم تبويبٌ بلفظ: "بَاب الوسوسة محض الإيمان"، قال: أما قوله: "محض الإيمان"، فلا يصحّ أن يراد به أن الوسوسة هي الإيمان؛ لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوا من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في نفوسهم، فكأنه يقول: جَزَعكم من هذا هو محضُ الإيمان؛ إذ الخوف من الله - ﷾ - ينافي الشكّ فيه، فإذا تقرّر هذا تبيّنَ أن هذا التبويب المذكور غلطٌ على مقتضى ظاهره. انتهى كلام المازريّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ما قاله العلماء في معنى قوله - ﷺ -: "ذاك محض الإيمان" قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧] (١٣٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحًابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَألُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِه، قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "ذَاكَ صرِيحُ الإيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشي النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقة، تغيّر في آخره [٦] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المعلم" ١/ ٢١٠.
[ ٣ / ٦١٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سُهيل.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أيضًا أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ) أي جماعة، قال صاحب "التنبيه": لا أعلمهم (^١). (مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا) قال الطيبيّ: قوله: "إنا نجد … إلخ " واقعٌ موقع الحال: أي سألوه مخبرين إنا نجد، أو قائلين، على احتمال فتح الهمزة وكسرها، وقيل: على الفتح مفعول ثانٍ لـ"سألوه"، ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانًا للمسؤول، وهو مُجمَلٌ يُفسّره الأحاديث الآتية بعده، أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحةً، أي مَنْ خَلَقَ الله؟ وكيف هو؟، ومن أيّ شيء هو؟، وما أشبه ذلك مما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلمُ أنه تعالى قديمٌ، خالق الأشياء كلِّها، ليس بمخلوقٍ، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟. انتهى (^٢).
وقوله: (مَا يَتَعَاظَمُ) "ما" موصولة بمعنى "الذي" مفعول "نجد"، و"يتعاظم" بفتح أوله مضارع تعاظم، والتفاعل للمبالغة؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين تكون مزاولته أشقّ من مزاولته وحده، ولذا قيل: المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، أي نستعظم غاية الاستعظام.
وقوله: (أَحَدُنَا) روي بالرفع، ومعناه: يجد أحدنا التكلّم به عظيمًا؛
_________________
(١) "تنبيه المعلِم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٧٣.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٥١٨.
[ ٣ / ٦١٨ ]
لقبحه، ويجوز نصبه على نزع الخافض، أي يَعظم، ويشقّ التكلّم به على أحدنا (أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "يتعاظم"، أي يتعاظم التكلّمَ به.
(قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ ") قال القرطبيّ: كذا صحّت الرواية "وقد" بالواو، ومعنى الكلام: الاستفهام على جهة الإنكار والتعجّب، فيَحتمل أن تكون همزة الاستفهام محذوفةً، والواو للعطف، فيكون التقدير: "أوَ قد وجدتموه؟ "، ويَحْتَمِلُ أن تكون الواو عِوَض الهمزة، كما قرأ قُنبُل، عن ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾، قال أبو عمرو الدانيّ: هي عوضٌ من همزة الاستفهام، وهذه الواو مثلها، والضمير في "وجدتموه" عائد على التعاظم الذي دلّ عليه "يَتَعاظم". انتهى (^١).
ولفظ أحمد في "مسنده": "أوجدتم ذلك؟ "، ولفظ أبي داود: "أوَ قد وجدتموه"، قال القاري: والهمزة فيه للاستفهام التقريريّ، والواو المقرونة بها للعطف على مقدَّر: أي أحصلَ ذلك، وقد وجدتموه؟، والضمير لما يتعاظم، أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريرًا وتأكيدًا، فالوجدان المصادفة، أو المعنى: أحصلَ ذلك الخاطر القبيح، وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضيّ؟ فالوجدان بمعنى العلم. انتهى (^٢).
(قَالُوا) أي الصحابة السائلون (نَعَمْ) أي قد وجدناه (قَالَ: "ذَاكَ) إشارة إلى مصدر "وَجَد"، أي وجدانكم قبحَ ذلك الخاطر، أو إلى مصدر "يتعاظم"، أي علمكم بفساد تلك الوساوس، وامتناع نفوسكم، وتجافيها عن التفوّه بها (صَرِيحُ الإيمَانِ") أي خالصه، يعني: أن ذلك أمارته الدالّة صريحًا على رسوخه في قلوبكم، وخلوصها من التشبيه والتعطيل؛ لأن الكافر يُصرّ على ما في قلبه من تشبيه الله - ﷾ - بالمخلوقات، ويعتقده حسنًا، فمن استقبحها، وتعاظمها؛ لعلمه بقبحها، وأنها لا تليق به تعالى كان مؤمنًا صدقًا، فلا تُزعزعه شُبهةٌ، وإن قَوِيت، ولا تحُلّ عُقدة قلبه ريبةٌ، وإن مُوِّهت، وأما من كان إيمانه مشوبًا فيقبل الوسوسة، ولا يردّها.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٤٤.
(٢) "المرقاة" ١/ ٢٤١.
[ ٣ / ٦١٩ ]
وقيل: المعنى: أن الوسوسة أمارة وجود الإيمان الصادق في القلب؛ لأن اللصّ لا يدخل البيت الخالي، والشيطان لصّ القلب.
وقال النوويّ: قوله - ﷺ -: "ذلك صريح الإيمان"، و"محض الإيمان": معناه: استعظامكم الكلام به، هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا، وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك.
(واعلم): أن الرواية الثانية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد، وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم الرواية الأولى.
وقيل: معناه: أن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فَيُنَكِّد عليه بالوسوسة؛ لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامةُ محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض (^١).
وقال القرطبيّ: والصريح، والمحض: الخالص الصافي، وأصله في اللبن، ومعنى الحديث أن هذه الإلقاءات، والوساوس التي تُلقيها الشياطين في صدور المؤمنين تنفر منها قلوبهم، وَيعظُم عليهم وقوعها عندهم، وذلك دليل صحّة إيمانهم ويقينهم ومعرفتهم بأنها باطلة، ومن إلقاءات الشيطان، ولولا ذلك لركنوا إليها، ولقبلوها، ولم تَعظُم عندهم، ولا سمّوها وسوسةً.
ولَمّا كان ذلك التعاظم، وتلك النَّفْرة ناشئًا عن ذلك الإيمان، عبَّر عن ذلك بأنه خالص الإيمان، ومحض الإيمان، وذلك من باب تسمية الشيء باسم الشيء؛ لمجاورته، أو لكونه سببًا له. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلا المعنيين اللذين ذكرهما النوويّ صحيح موافق للحديث، إلا أن المعنى الثاني الذي اختاره عياض أنسب بظاهر الحديث، وقد أجاد في تقريره، وأفاد حيث قال ما خلاصته:
إن وسوسة الشيطان، وتحدّثه في نفس المؤمن إنما هو لإياسه من قبول
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٥٤.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
[ ٣ / ٦٢٠ ]
إغوائه، وتزيينه الكفر له، وعصمة المؤمن منه، فرجع إلى نوع من الكيد والمخاتلة بالإيذاء بحديث النفس بما يَكره المؤمن من خَفيّ الوساوس؛ إذ لا يطمع من موافقته له على كفر، وهذا لا يكون إلا من مؤمن صريح الإيمان، ثابت اليقين على محض الإخلاص، بخلاف غيره من كافر وشاكّ، وضعيف الإيمان، فإنه يأتيه من حيث شاء، ويتلاعب له كما أراد، والمؤمن معصوم منه، منافرٌ له، فلما لم يمكنه منه مراده رجع إلى شغل سرّه بتحديث نفسه، ودسّ كفره، بحيث يسمعه المؤمن، فيشوّش بذلك فكره، ويُكدِّر نفسه، ويؤذيه باستماعه له، كما قال - ﷺ -: "الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة" (^١)، إذ حقيقة هذه اللفظة: الصوت الخفيّ، ومنه وَسواس الْحُليّ لخفيّ صوته عند حركته، وبناء هذه الكلمة على التضعيف يدل على تكرار مُقتضاها، فإذن سبب الوسوسة محض الإيمان، وصريحه، والوسوسة لمن وَجَدها علامة على ذلك، كما قال - ﷺ -، وكأنه - ﷺ - لَمّا سئل عن الوسوسة، وما يوجد في النفس منها أخبر أن مُوجبها، وسببها محض الإيمان، أو أنها علامةٌ على ذلك.
ولا يبقى بعد هذا التقرير والتفسير إشكال في متون هذا الحديث على اختلاف ألفاظه، واطّردت على معنىً سَوِيٍّ قَوِيم، وعلى هذا يُحمل ما جاء في الأحاديث الأخر. انتهى كلام القاضي عياض (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) هو ما أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذرّ بن عبد الله الهمدانيّ، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني أُحَدِّث نفسي بالشيء، لأن أَخِرَّ من السماء أحب إليّ من أن أتكلم به، قال: فقال النبيّ - ﷺ -: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رَدَّ كيده إلى الوسوسة". وأخرجه أبو داود في "سننه" (٤٤٤٨) بلفظ: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه يَعْرِض بالشيء لأن يكون حُمَمَة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: "الله أكبر … " الحديث.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
[ ٣ / ٦٢١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانيه): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٤٧ و٣٤٨] (١٣٢)، و(أبو داود) في "كتاب الأدب" (٥١١١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٧ و٤٤١)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦٤)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١٢٨٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٧ و٢٢٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٤٠ و٣٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن استعظام الوسوسة، والنفرة منها من خالص الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
قال الإمام ابن حبّان: إذا وجد المسلم في قلبه، أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحلّ له النطق بها، من كيفيّة الباري جلّ وعلا، أو ما يُشبه هذه، فردّ ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان ردّه إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان، لا أن الخطرات مثلها من الإيمان. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة اهتمام في الحذر من قلوبهم ما ينقص إيمانهم.
٣ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله - ﷿ - عباده المؤمنين بتسليط الشيطان عليهم حتى يشكّكهم في ربّهم، إلا أنه تعالى يرحمهم برد كيده إلى الوسوسة التي لا تضرّ صاحبها.
٤ - (ومنها): الإعراض عن الوساوس، وعدم الالتفات إليها، والتوكّل على الله تعالى، والاستعاذة منها؛ لأنها من الشيطان؛ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].
٥ - (ومنها): مشروعيّة سؤال العالم في كلّ ما يُصيب الإنسان، وأنه لا
_________________
(١) "صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان" ١/ ٣٦٠.
[ ٣ / ٦٢٢ ]
ينبغي له أن يسكت، وإن كان مما يُستحيى منه عادة؛ لأنه لا حياء في الحقّ، كما قالت أم سُليم - ﵂ - للنبيّ - ﷺ -: "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غسل؟ … "، متّفق عليه، وأخرج المصنّف من حديث عائشة - ﵂ -، أنها قالت: "نِعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعنهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزيقٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدار تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد العتكيّ مولاهم، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن محمد بن أبي عديّ، وغندر، وأبي عامر العَقَديّ، وأبي أحمد الزبيريّ، وحَرَميّ بن عُمَارة، وأبي قتُيَبة، وأُمية بن خالد، وبشر بن عمر الزَّهْرانيّ، وأبي الْجَوَّاب، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، ورَوَى البخاري حديثًا عن محمد بن عمرو، عن مكيّ بن إبراهيم، فقيل: هو هذا، وقيل: الْبَلْخيّ، وأبو بكر
_________________
(١) سيأتي للمصنّف في "كتاب الحيض" برقم (٣٣٢).
[ ٣ / ٦٢٣ ]
الأثرم، وابن أبي عاصم، وأبو زرعة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبدان بن أحمد الأهوازيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال علي بن الحسين: ثنا محمد بن عمرو بن جَبَلَة، وكان صدوقًا، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِبُ، ويخالف، ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٦ - (أَبُو الْجَوَّابِ) - بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره باء موحّدة - هو: أحوص بن جَوَّاب الضبِيُّ الكوفيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩].
رَوَى عن سفيان الثوريّ، وسُعَير بن الْخِمْس، وعمار بن رُزيق الضبيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن عبد الله بن نُمَير، وعليّ ابن المدينى، وابن أبي شيبة، وعباس بن عبد العظيم، وأبو خيثمة، وأبو بكر الصغانيّ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال مَرَّةً: ليس بذاك القويّ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حبان في "الثقات"، كان مُتقنًا، رُبَّما وَهَم.
وقال مُطَيَّن: مات سنة (٢١١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (١٣٢)، وحديث (١٥٣٦): "من كانت له أرض، فليَهَبها، أو ليُعرها"، و(٢٠٣٦): "إن هذا اتبعنا، فإن شئت أن تأذن له … "، و(٢٦٤١): "المرء مع من أحبّ".
٧ - (عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ) - بتقديم الراء، مصغّرًا - الضَّبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ (^١) [٨].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، والأعمش، ومنصور، وعبد الله بن
_________________
(١) قال عنه في "التقريب": لا بأس به، والحقّ أنه ثقة، كما وصفه بذلك الأئمة، وليس فيه لأحد طعن، كما يظهر من ترجمته، فتبصّر.
[ ٣ / ٦٢٤ ]
عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمّه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن السائب، ومغيرة بن مِقْسَم، وفِطْر بن خليفة، وغيرهم.
وروى عنه أبو الجوَّاب الأحوص بن جَوّاب، وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وزيد بن الحباب، وعَبْثَر بن القاسم، ويحيى بن آدم، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الإمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن المدينيّ: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال لُوَين: هو ابن عم عبد الله بن شُبْرُمة من ولد ضِرَار الضبيّ، وكان أبو الأحوص يُعَظِّمه، قال لُوَين: قال أبو أحمد: لو كنتَ اختلفتَ إلى عمار بن رُزيق لكفاك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، هذا برقم (١٣٢)، وحديث (٧٤٠): "يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر"، و(٨٠٦): "بينما جبريل قاعد عند النبيّ - ﷺ - … "، و(١٤٨٠): "انتقلي إلى بيت ابن عمّك … "، وأعاده بعده، و(١٥٣٦): "من كانت له أرض فليهبها … "، و(١٦١٨): "إن آخر سورة أنزلت تامة سورة التوبة … "، و(٢٠٣٦): "إن هذا اتّبعنا، فإن شئت أن تأذن له … "، و(٢٨١٤): "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه … ".
٨ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا، والباقيان ذُكِرا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لشعبة، وعمّار بن رُزيق، فإن كلًّا منهما يروي هذا الحديث عن الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بالحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية الأعمش التي أشار إليها المصنّف ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٧٨)، فقال:
(٢٢٨) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة (ح)
[ ٣ / ٦٢٥ ]
وحدثنا محمد بن الخليل المخرمي، أبو جعفر، وأبو بكر محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، قالا: ثنا أبو الجوَّاب، قال: ثنا عمار بن رُزَيق، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني أُحَدِّث نفسي بالحديث، لأن أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أتكلم به، قال: "ذاك صريح الإيمان"، هذا لفظ عمّار.
ولفظ شعبة: أن النبيّ - ﷺ - سُئل عما يُحَدّث به الرجل نفسه، فقال رسول الله - ﷺ -: "ذاك مَحْضُ الإيمان". انتهى.
وساقها أيضًا أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٠٠) رقم (٣٤١) وقال: "الصريح": الخالص في كل شيء. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩] (١٣٣) - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْس، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْوَسْوَسَة، قَالَ: "تِلْكَ مَحْضُ الإيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَارُ) أبو يعقوب الكوفيّ، مولى بني هاشم، ويقال: مولى بني أمية، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن أبي بكر بن عَيّاش، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وعليّ بن عَثّام العامريّ، ومَعْن بن عيسى القَزّاز، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو الأحوص، ويعقوب بن سفيان، وابن أبي الدنيا، وابن أبي عاصم، والحسن بن سفيان، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقةٌ من أهل الخير، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ما سمعت إلا خيرًا، وقال ابن حبّان في "الثقات": كان يُغْرِب، وقال ابن قانع: صالح.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
قال موسى بن هارون: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكذا نَقَل أبو داود.
وليس له في البخاري سوى موضع واحد في الجهاد.
تفرّد به الشيخان، وله عند البخاريّ حديث واحد، في الجهاد، وعند المصنّف هذا الحديث فقط.
٢ - (عَلِيّ بْنُ عَثَّامٍ) - بفتح العين المهملة، وتشديد الثاء المثلّثة - بن عليّ العامريّ الكلابيّ، أبو الحسن الكوفيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ فاضلٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وسُعَير بن الْخِمْس، وفضيل بن عياض، ومالك، وحماد بن زيد، وداود الطائيّ، وابن المبارك، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وجماعة من أقرانه، وغيرهم.
وروى عنه إسحاق بن راهويه، ويوسف بن يعقوب الصفّار، والحسين بن جعفر بن منصور، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن عبد الوهاب الفَرّاء، وهو راويته، وأبو حاتم، والذهليّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وعلي بن الحسن الهلاليّ، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال الحاكم: أديبٌ، فقيهٌ، حافظٌ، زاهدٌ، واحد عصره، وكان لا يحدث إلا بعد الجهد، وأكثر ما حُمِل عنه الحكايات، وأقاويله في الرجال، وقال محمد بن عبد الوهاب الفَرّاء: ما رأيت مثله في العسر في الحديث، وكان يقول: يجيء الرجل، فيسأل، فإذا أَخَذ غَلِط، ويجيء الرجل، فيأخذ، ثم يُصَحِّف، ويجيء الرجل، فيأخذ ليُمَاري، ويجيء الرجل، فيأخذ ليباهي به، وليس عليّ أن أعلم هؤلاء إلا رجل يجيء فيَهْتَمّ لأمر دينه، فحينئذ لا يسعني أن أمنعه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحاكم: ورد نيسابور سنة (٢٠٥)، فسكنها، حتى خرج منه سنة (٢٥) إلى طَرَسُوس، فسكنها إلى أن مات بها سنة ثمان وعشرين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ) "سُعير" - آخره راء، مصغّرًا - بن الْخِمْس - بكسر الخاء المعجمة، وسكون الميم، آخره سين مهملة - التميميّ، أبو مالك، ويقال: أبو الأحوص، صدوقٌ [٧].
[ ٣ / ٦٢٧ ]
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وسليمان التيميّ، وزيد بن أسلم، والأعمش، ومغيرة، وهشام بن عروة، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
وروى عنه ابن عيينة، وأبو الْجَوّاب، وحسين الْجُعْفيّ، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وعليّ بن عَثّام العامريّ، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ: عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الفضل بن عَمّار الشهيد: أخطأ في غير ما حديث، مع قِلّة ما رَوَى، وقال الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الحديث، وقال ابن سعد: كان صاحب سنة، وعنده أحاديث، وقال الدارقطنيّ: ثقة.
وقال عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ: شهدت سُعَير بن الْخِمْس، وقُرِّب إلى قبره ليُدْفَن، فتحرك عضو من أعضائه، فكُشِف الثوب عن وجهه، فإذا نَفَسُهُ، فَرُدّ إلى منزله، فوُلِد له مالك بن سُعير بعد ذلك.
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، رفعه هو، وأرسله غيره، كما سيأتي بيانه، والجواب عنه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه كان يدلس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت بعد الستين، أو بعد السبعين)، (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فالرواة كلهم كوفيّون.
[ ٣ / ٦٢٨ ]
٣ - (ومنها): أن عثّامًا، والد عليّ، وسُعيرًا، وأباه الْخِمس لا يُعرف لهم نظير في الأسماء.
٤ - (ومنها): أن فيه - على ما قاله النوويّ - ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: مغيرة، وإبراهيم، وعلقمة، وفي كون مغيرة تابعيًّا نظر؛ لأنه لم يلق صحابيًّا، ولذا جعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت، وليس لها لقاء، إلا على قول من يكتفي بالمعاصرة، فتأمل، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - أنه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ -) لم يُعرف السائل، كما قاله صاحب "التنبيه" (عَنِ الْوَسْوَسَةِ) أي عن حكمها، فهل تضرّ بالإيمان أم لا؟ (قَالَ: "تِلْكَ) أي الوسوسة (مَحْضُ الايمَانِ") أي استعظامكم لها، وشدّة خوفكم منها، ومن التكلّم بها خالص الإيمان؛ فإن استعظام مثل هذا، وشِدّة الخوف منه، ومن النطق به، فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الرِّيبة والشكوك.
وهذه الرواية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد، وهي مختصرة من حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي، ولهذا قَدَّم المصنّف ذاك، قاله النوويّ.
وقال الخطابيّ: معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يُلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك أنها إنما تتولّد من فعل الشيطان، وتسويله، فكيف يكون إيمانًا صريحًا؟. انتهى.
وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فيُنَكِّد عليه بالوسوسة؛ لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر، فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سببُ الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسةُ علامةُ محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض، وقد تقدّم تحقيقه مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣ / ٦٢٩ ]
[تنبيه]: في هذا الحديث قصّة ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٧٩)، فقال:
(٢٢٩) حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال سمعت عليّ بن عَثّام يقول: أتيت سُعَير بن الْخِمْس، فسألته عن حديث الوسوسة، فلم يحدثني، فأدبرت أبكي، ثم لقيني، فقال لي: تَعَالَ، حدثنا مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد الشيءَ، لو خَرّ من السماء، فيخطفه الطير، كان أحب إليه من أن يتكلم به، قال: "ذاك محض، أو صريح الإيمان". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٤٩] (١٣٣)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٤٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٤٧)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٥١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان الانتقاد لهذا الحديث:
قد تقدّم في "مقدّمة شرح المقدّمة" أن هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧ هـ)، فقال في رسالته: وليس هذا الحديث عندنا بالصحيح؛ لأن جرير بن عبد الحميد، وسيلمان التيميّ روياه عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكرا علقمة، ولا ابن مسعود، وسُعَير ليس ممن يُحتَجّ به؛ لأنه أخطأ في غير حديث، مع قلّة ما أسنده من الأحاديث. انتهى (^١).
_________________
(١) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ١٤٣.
[ ٣ / ٦٣٠ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما انتقد به أبو الفضل على المصنّف أنه رجّح إرسال هذا الحديث على إسناده؛ لمخالفة سُعير للأكثر، والأوثق منه، لكن يُجاب عن المصنّف بأنه إنما أورد الحديث شاهدًّا لحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي أخرجه قبله، لا أصالةً، ومعلوم أن الشواهد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠] (١٣٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) أبو عليّ الْخَزّاز الضرير المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن الدَّرَاورديّ، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن عيينة، وابن وهب، وبِشْر بن السَّرِيّ، وحاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ومروان بن شُجَاع، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن محمد بن عبد الرحيم البزاز، ومحمد بن عبد الله المخرّميّ عنه، وحَدّث عنه أحمد بن حنبل، وهو حيّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذُّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وجماعة.
قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ.
وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي من حفظه ببغداد سنة خمس عشرة ومائتين بعدما عَمِي، وقال أبو داود: سمعت الثقة يقول: قال هارون بن
[ ٣ / ٦٣١ ]
معروف: رأيت في المنام قيل لي: من آثر الحديث على القرآن عُذِّب، قال: فظننت أن ذهاب بصري من ذلك، قال ابن أبي خيثمة: سمعته في شوال في سنة سبع وعشرين ومائتين يقول: أنا في سبعين سنة، ومات سنة إحدى وثلاثين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد أبو القاسم البغويّ: في رمضان.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
٤ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: هشام عن أبيه.
٤ - (منها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، وقد سبق الكلام عنه قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي يسأل بعضهم بعضًا عن العلوم والموجودات، والتساؤل جريان
[ ٣ / ٦٣٢ ]
السؤال بين اثنين فصاعدًا، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان، أو النفس، أو إنسان آخر: أي يجري بينهما السؤال في كلّ نوع، (حَتَّى) يبلغ السؤال إلى أن (يُقَالَ) بالبناء للمفعول، وقد بُيِّن الفاعل في الروايات الآتية بأنه الشيطان، أو أنهم القائلون، ففي الرواية الثانية، والثالثة، والرابعة: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول"، وفي الرواية الخامسة، والسادسة: "حتى يقولوا": أي في أنفسهم، أو لغيرهم، (هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) قال التوربشتيّ: لفظ "هذا" يحتمل وجهين:
[أحدهما]: أن يكون مفعولًا، والمعنى: حتى يقال هذا القول.
[والثاني]: أن يكون مبتدأ حُذف خبره: أي هذا القول، أو قولك هذا قد عُلم، أو عُرِف. قال: رواه مسلم في كتابه على هذا السياق عن أبي هريرة - ﵁ -، ورواه أيضًا عن أنس - ﵁ -، وفي روايته: "يقال: هذا الله خَلَقَ الخلقَ"، كذلك رواه البخاريّ في كتابه عن أبي هريرة - ﵁ -، والحديث على السياق محتمِلٌ لوجه آخر سوى الوجه الذي ذكرناه أوّلًا، وهو أن يكون "هذا الله" مبتدأ وخبرًا، أو "هذا" مبتدأ، و"الله" عطف بيان، و"خَلَقَ الله الخلقَ" خبره، وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على هذا السياق، وكلا السياقين صحيح.
قال الطيبيّ بعد ذكره كلام التوربشتيّ: قوله: "هذا" مبتدأ حُذف خبره، أولى الوجوه، لكن تقديره على ما ذكره، وذلك أن يقال: هذا مقرَّرٌ، أو مُسلَّمٌ، وهو أن الله تعالى "خَلَقَ الخلقَ"، فما تقول في "الله"؟، فإن الله تعالى شيء، لقوله ﷿: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٩]، وكلُّ شيء مخلوقٌ؛ لقوله ﷿: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] فمن خلقه؟ فعلى هذا، الفاء رتّبت ما بعدها على ما قبلها، وقوله: "خَلَقَ اللهُ الخلقَ" بيانٌ لقوله: هذا مسلّمٌ، وبهذا المعنى لا يستقيم أن يقال: إن هذا مقول، وما بعده بيان له؛ لأن الفاء تدفعه.
ووجه آخر، وهو أن يقدّر: هذا القول مقرَّرٌ، فوُضِعَ "خَلَقَ اللهُ الخلقَ" موضع القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١]، أي إذا قيل لهم هذا القول؛ لأن ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ فعل لا يقع مفعولًا إلا
[ ٣ / ٦٣٣ ]
على التأويل، وهذا القول كُفْرٌ، فمن تكلّم به، فليتداركه بكلمة الإيمان، وليقل: آمنت بالله خالق كلّ شيء، وليس بمخلوق، ولا يُتصوَّر كُنْهَه وَهْمٌ ولا خَيَال، ولا يحضره فهم ولا مثال. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف (^١).
(فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟) الفاء فصيحيّة؛ سميّت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدّر كما يأتي، و"من" استفهاميّة مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة جواب الشرط المقدّر، أي إذا ثبت أن الله تعالى خلق كلّ الخلق، فمن خلق … إلخ؟.
(فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) إشارة إلى القول المذكور، و"من ذلك" حالٌ من "شيئًا"، أي من صادف شيئًا من ذلك القول والسؤال، أو وجد في خاطره شيئًا من جنس ذلك المقال، قاله القاريّ (^٢). (فَلْيَقُلْ) أي فورًا من حينه (آمَنْتُ بِاللهِ) زاد في الرواية التالية: "ورُسُله"، ولأبي داود، والنسائيّ من الزيادة: "فقولوا: الله أحد، الله الصمد، السورةَ، ثم لْيَتْفُل عن يساره، ثم ليستعذ"، ولأحمد من حديث عائشة: "فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يَذْهَبُ عنه" (^٣).
قال القرطبيّ: قوله: "قل: آمنت بالله" أمرٌ بتذكّر الإيمان الشرعيّ، واشتغال القلب به؛ لتمحى تلك الشبهات، وتضمحلّ تلك التّرّهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تَعْرِضُ التّرّهاتُ لها، ولا تمكُثُ فيها، فإذا استُعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحّتها، وحُفِظت سلامتها.
فأما القلوب التي تمكّنت أمراض الشُّبَه فيها، ولم تقدِر على دفع ما حلّ بها بتلك الأدوية المذكورة، فلا بدّ من مشافهتها بالدليل العقليّ، والبرهان القطعيّ، كما فَعَل النبيّ - ﷺ - مع الذي خالطته شبهة الإبل الْجُرْبِ حين قال النبيّ - ﷺ -: "لا عَدْوَى"، فقال أعرابيّ: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٥١٩ - ٥٢٠.
(٢) "المرقاة" ١/ ٢٤٣.
(٣) راجع: "الفتح" ١٣/ ٢٨٧ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" رقم (٧٢٩٦).
[ ٣ / ٦٣٤ ]
الظباء، فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟، فقال النبيّ - ﷺ -: "فمن أعدى الأول؟ "، متّفقٌ عليه، فاستأصل الشبهة من أصلها.
وتحرير ذلك على طريق البرهان العقليّ أن يقال: إن كان الداخل أجربها، فمن أجربه، فإن كان أجربه بعيرٌ آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وكلاهما محال، فلا بدّ أن نقف عند بعير أجربه الله من غير عَدْوَى، وإذا كان كذلك، فالله تعالى هو الذي أجربها كلّها: أي خَلَقَ الْجَرَبَ فيها. انتهى (^١).
وفي الرواية التالية: "فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ": أي ليَكُفّ عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، وليَعْلَمْ أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها.
قال الخطابيّ: وجهُ هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك، فاستعاذ الشخص بالله منه، وكَفّ عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تَعَرَّض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يَقَع منه الكلام بالسؤال والجواب، والحالُ معه محصور، فإذا راعى الطريقة، وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلّما أُلزم حجة زاغ إلى غيرها، إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك.
قال: على أن قوله: "فمَن خَلَق الله" كلام متهافتٌ ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا، ثم لو كان السؤال مُتّجهًا لاستلزم التسلسل، وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى مُحْدِثٍ، فلو كان هو مفتقرًا إلى مُحْدِث لكان من المحدثات. انتهى.
قال الحافظ: والذي نحا إليه الخطابيّ من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر؛ لأن في رواية المصنّف الآتية: "لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وَجَدَ من ذلك
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ٣ / ٦٣٥ ]
شيئًا، فليقل: آمنت بالله"، فسَوَّى في الكفّ عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك، من بشر وغيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب الحافظ لكلام الخطابي في تفرقته المذكورة حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، بل سوّى بينهم، فلا ينبغي التفريق، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.
وقال ابن بطّال: إن هذا السؤال: "من خَلَقَ الله؟ " لا ينشأ إلا عن جهل مُفرِط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلُق الله تعالى نفسه؟، قيل له: هذا ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك أثبتّ خالقًا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلُقُ نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا معدومًا فاسد؛ لتناقضه؛ لأن الفاعل يتقدّم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلًا له. انتهى.
وقال ابن التين: لو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدّمه شيء، ولا يصحّ عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله ﵎. انتهى.
وقال النوويّ قوله: "فليستعذ بالله، ولينته": معناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه.
قال المازريّ: ظاهر الحديث أنه - ﷺ - أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرّة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفَع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحْمَل الحديث، وعلى مثلها يَنطلق اسم الوسوسة، فكأنه لَمّا كان أمرًا طارئًا بغير أصل، دُفِع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له يُنظَر فيه، وأما الخواطر المستقِرَّة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال، والنظر في إبطالها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فرّق المازريّ بين الخواطر المستقرّة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٥٥.
[ ٣ / ٦٣٦ ]
وغير المستقرّة، وحمل الحديث على غير المستقرّة، وأما المستقرّة، فلا ينفعها ما ذكره النبيّ - ﷺ - من الداء، وهكذا نقل النوويّ وصاحب "الفتح" عنه، وأقرّوه عليه، وهذا من الغريب، فإن الرسول الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وإزالة الشُّبَه بأنواعها يصف دواء لهذا الداء، هو من أدوى الأدواء حيث إنه يوسوس في الخالق ﷾، فيقول: "فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته"، وما فصّل وما فرّق بين ما استَحْكَم من هذا الداء، وبين ما لم يستحكم، بل أطلق إرشاده، وبيّن أن دواءه هو هذا، وهو في مقام البيان، يحتاج إلى أن يبيّن للأمة الأميّة أتمّ البيان، فلو كان الأمر يحتاج إلى ذلك، لما سكت عنه، فلا يسع العاقل إلا أن يستعمل النصّ العامّ على عمومه، ولا يحمله على الخصوص بدون حجة.
ثم إن هذا الذي ذكره المازريّ من أن الخواطر المستقرّة لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر هو الذي فتح باب الشُّبه والأفكار الخاطئة على المتكلّمين، وأذنابهم، فتاهوا في فيافي الحيرة، ووقعوا في جُحر الشكّ والارتياب لدى بحثهم عن حقيقة ربّ الأرباب، فصار النتيجة أن خرجوا من الدنيا مرتابين معرضين عن ربّهم، متحيّرين هائمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبالجملة، فهذا الباب مرجعه الصحيح، ودواؤه المريح هو الذي جاء في كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه - ﷺ -، كما أرشد إليه ربنا ﷾، حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤].
وهذا هو منهج السلف الأسلم الأعلم الأحكم، وقد تقدّم ذكر ما نُقل عن الأئمة المعتبرين الذي سلكوا مسلك المتكلّمين، ثم هداهم الله إلى طريقة السلف، وتابوا عن طريق المتكلّمين، فحذّروا الناس من اتباع طريقة المتكلّمين، كالجوينيّ، والغزاليّ، والرازيّ، والشهرستانيّ مستوفًى في المسائل
[ ٣ / ٦٣٧ ]
التي ذُكرت في شرح حديث جبريل؛ أولَ "كتاب الإيمان"، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح": أنه وقع نحوُ هذه المسألة في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وأنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثله؟ فسأل أهل العلم، فبَدَرَ شابّ، فقال: هذا السؤال مُحالٌ؛ لأن المخلوق مُحْدَث، والمحدَث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزًا جاهلًا. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٥٠ و٣٥١ و٣٥٢ و٣٥٣] (١٣٤) و[٦٣/ ٣٥٤ و٣٥٥ و٣٥٦ و٣٥٧] (١٣٥)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٧٦)، و(أبو داود) في "السنّة" (٤٧٢١)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦١ و٦٦٢ و٦٦٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٢ و٣١٧ و٣٣١ و٣٨٧ و٥٣٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٥٣)، و(الدارميّ) في "الردّ على الجهميّة" (ص ٩ و١٠)، و(الطبرانيّ) في "الدعاء" (١٢٥٦ و١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٢٦٨)، و(ابن السّنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٣ و٢٣٤ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٤٣ و٣٤٤ و٣٤٥ و٣٤٦ و٣٤٧ و٣٤٨ و٣٤٩ و٣٥٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٥٢ و٢٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٥٧ و٣٥٨ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦١ و٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٢٢)، و(اللالكائيّ) في "السنّة" (٩٢٥ و٩٢٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦١ و٦٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٢٨٨ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة" رقم (٧٢٩٦).
[ ٣ / ٦٣٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الوسوسة لا تضرّ بالإيمان؛ لأنها مجرّد تلبيس الشيطان، وهذا وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): وجوب الإعراض عن هذه الوساوس، وعدم الإصغاء إليها، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع شرّه عنه، وأن يعلم العبد أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.
٣ - (ومنها): وجوب تجديد الإيمان كلما وَجَد الإنسان في قلبه شيئًا من الوسواس، فيقول: آمنت بالله، ورسوله - ﷺ -.
٤ - (ومنها): وجوب الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه في دفع وساوس الشيطان؛ لأنه القادر عليه، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].
٥ - (ومنها): أن يجعل العبد عداوة الشيطان نُصبَ عينيه دائمًا، ويتذكّرَ بالاستمرار قوله ﷿: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]، وقوله ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
فإذا علم العبد ذلك، وأنه عدوّ لدود، لا يمكن التغلّب عليه، فإن العدوّ إذا كان يُرَى أمكن مدافعته، وأما العدوّ الذي لا يُرى، فلا يمكن الحذر منه، فما بقي للعبد إلا أن يلجأ إلى الذي يراه، ويقدر على دفعه، وهو الله ﷾، فقد أمر باتخاذه عدوًّا، مع إعلامه بأنه يرانا من حيث لا نراه، ثم أخبرنا بأنه ليس له سبيل إلى التسلّط وإلحاق الضرر بعباده، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، فبيّن أن الطريق الوحيد في دفعه الالتجاء إليه، والاستعاذة به، والتحصّن بالتوكّل عليه، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾
[ ٣ / ٦٣٩ ]
[الزمر: ٣٦]، فيا سعادة من توكّل عليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ويا فوز من اتقاه، والتجأ في أموره إليه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، اللهم اجعلنا ممن توكّل عليك، فكفيته، واتقاك، فأنلته بُغيته، آمين.
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ذَمّ كثرة السؤال عما لا يَعْنِي المرء، وعما هو مُسْتَغْنٍ عنه.
٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بوقوع ذلك، كما أخبر بذلك أبو هريرة - ﵁ - في حديثه الآتي، حيث قال: "قد سألني اثنان، وهذا الثالث"، أو: "سألني واحد، وهذا الثاني"، وذكر أيضًا أن ناسًا من الأعراب سألوه، ولذا قال: "صدق الله ورسوله - ﷺ -"، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
٨ - (ومنها): بيان وسوسة الشيطان، وعلاجها، وهو الاستعاذة، فإنه يندفع بذلك.
٩ - (ومنها): الأمر بالكفّ عن التفكير عند خوف الزلل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ: "وَرُسُلِهِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
[ ٣ / ٦٤٠ ]
٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ) محمد بن مسلم بن أبي الوضّاح، واسمه المثنّى الْقُضَاعيّ الْجَزَريّ، نزيل بغداد، مشهور بكنيته، ثقةٌ (^١) [٨].
رَوَى عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبد الكريم بن مالك الْجَزَريّ، وسليمان التيميّ، والأعمش، وثابت بن أبي سعيد، ومِسْعَر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو النضر، ويحيى بن حَسّان، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ومنصور بن أبي مُزاحِم، وداود بن عمرو، ومحمد بن بَكَار بن الرّيّان.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: جَزَريّ ثقة، مُعَلِّم موسى الخليفة، وقال يعقوب بن سفيان: كان مُؤَدِّب موسى قبل أن يُسْتَخْلَف، وهو ثقة، وقال البخاريّ: فيه نظر، وقال يعقوب بن عُقْدة، عن عبد الله بن إبراهيم بن قُتيبة: سئل ابن نُمير عن أبي سعيد، فقال: صالحٌ لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، وقال ابن سعد: مات في خلافة موسى الهادي، وكان ثقة، وقال أبو زرعة: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: ثقة ثقة، قالها مرتين.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والأربعة.
٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام المذكور قبله.
وقوله: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ) أي إبليس، أو أحد أعوانه (أَحَدَكُمْ) تقدّم أن مثل هذا ليس المقصود به الرجال فقط، فإن النساء في هذا مثلهم، وإنما وجّه الخطاب إليهم، وخصّهم به؛ لكونهم الذين حضروا مجلس تحديثه - ﷺ -، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، وعندي أنه ثقة، كما يظهر من توثيق الجمهور له، وأما قول البخاريّ: "فيه نظر" مجملًا، في مقابلة توثيق هؤلاء الأئمة المفصّل، فمحلّ نظر، ولعله في حديث خاصّ أخطأ فيه، فاقرأ أقوال الأئمة في ترجمته بتأمل، يظهر لك ما قلته، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٦٤١ ]
وقوله: (فَيَقُولُ: اللهُ) أي يقول المسلم الذي سأله الشيطان السؤال المذكور جوابًا عنه: الله هو الذي خلق السماء والأرض.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ: "وَرُسُلِهِ") الضمير لأبي سعيد المؤدّب: أي ذكر أبو سعيد في روايته عن هشام بن عروة بمثل رواية سفيان بن عيينة عنه، وزاد في آخر الحديث قوله: "ورُسُله".
[تنبيه]: رواية أبي سعيد المؤدّب التي أحالها المصنّف على رواية سفيان بن عيينة ساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٤٧٨)، فقال:
(٣٥٣) أنبأ حَسّان بن محمد، أبو الوليد، ثنا جعفر بن أحمد بن نصر وغيره، قال: ثنا محمود بن غَيْلان، ثنا أبو النَّضْر، هاشم بن القاسم، ثنا أبو سعيد المؤدِّب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال: "يأتي الشيطان أحدَكم، فيقول: مَنْ خَلَقَ السماء؟، ومن خَلَق الأرض؟، فيقول: الله، فيقول: مَن خَلَق الله؟ فمَن وَجَدَ من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله ورُسُلِه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِالله، وَلْيَنْتَهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
[ ٣ / ٦٤٢ ]
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الزهريّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعمّه، وصالح بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، وعِدَّةٍ.
ورَوَى عنه محمد بن إسحاق، وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن إسحاق المدنيّ، ومات قبله، وإبراهيم بن سعد، وأمية بن خالد الأزديّ، وأبو أويس المدني، وعبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، والقعنبيّ، وغيرهم.
قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، وقال مرَّةً: صالح الحديث، وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى: ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال مرّةً: صالح، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ابن أخي الزهريّ أحب إليّ من ابن إسحاق في الزهريّ، وقال العقيليّ، عن ابن معين: ضعيف، لا يُحْتَجّ بحديثه، قال: وأما محمد بن يحيى، فجعله من الطبقة الثانية، من أصحاب الزهريّ، مع أسامة بن زيد، وابن إسحاق، وأبي أويس، وفُلَيح، قال: وهؤلاء كلهم في حال الضعف والاضطراب، قال: وقال محمد بن يحيى: إذا اختَلَفَ أصحاب الطبقة الثانية، كان الْمَفْزَع إلى أصحاب الطبقة الأولى، قال: وقد رَوَى ابن أخي الزهري ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلًا، فذكر حديثه عن عمه، عن سالم، عن أبي هريرة، رفعه: "كُلُّ أمتي مُعَافًى إلا المجاهرون"، وبه عن أبي هريرة، قوله إذا خطب: "كلُّ ما هو آتٍ قريب … " الحديث، والثالث حديثه عن امرأته، أم الحجاج بنت الزهريّ، قالت: كان أبي: يأكل بكفّه، فقلت: لو أكلتَ بثلاث أصابع، قال: إن النبيّ - ﷺ - كان يأكل بكفّه كلِّها، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَبُ حديثه، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عن ابن أخي الزهريّ، فقال: لم أسمع أحدًا يقول فيه بشيء، إلا أن أحمد بن صالح، حَكَى عن ابن أبي أُويس، قال أبو داود: طوبى لابن أبي أويس، أن يقاربه، وقال مرة أخرى: سألت أبا داود
[ ٣ / ٦٤٣ ]
عنه، فقال: ثقةٌ، سمعت أحمد يُثْنِي عليه، وأخبرني عباس، عن يحيى بالثناء عليه، وقال ابن عديّ: لم أر بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثًا منكرًا، فأذكره، إذا روى عنه ثقةٌ.
وقال الواقديّ: قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله بناحية شغب وبَدا، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا، قتله للميراث، وذلك في آخر خلافة أبي جعفر سنة (١٥٢)، وليس له عقب، وكان كثير الحديث، صالحًا.
وقال ابن حبان: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وكان رديء الحفظ، وكثير الْوَهَم، وقال الساجيّ: صدوقٌ، تفرَّد عن عمه بأحاديث، لم يتابع عليها، وقال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد. انتهى.
قال في "تهذيب التهذيب" (^١): ولم أَرَ له في البخاريّ غير حديثين، وقال ابن معين: هو أمثل من أبي أويس، ويقال: إنه انفرد عن عمه بحديث: "كُلُّ أمتي مُعافًى إلا المجاهرون" (^٢)، و"كان - ﷺ - يأكل بكفه كلها"، وقولِ أبي هريرة في خطبته: "كلُّ ما هو آتٍ قريب"، ورَوَى الواقديّ عنه، عن عمه حديثًا آخر، والواقديّ غير حجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: ("مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟) أي من خلق السماء، ومن خلق الأرض، كما سبق في الرواية الماضية.
وقوله: (فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ) أي قوله: "من خَلَقَ ربك؟ " (فَلْيَسْتَعِذْ بِالله، وَلْيَنْتَهِ") قال الطيبي: أي وليترك التفكّر في هذا الخاطر، وليستعذ منه، وإن لم يزل التفكّر بالاستعاذة، فليقُم، وليشتغل بأمر آخر، وإنما أَمره بالاستعاذة، والانتهاء عنه، والإعراض عن مقابلته، لا بالتأمّل، والاحتجاج لوجهين:
[الأول]: أن العلم باستغنائه ﷾ عن المؤثّر والموجد أمر ضروريّ، لا يقبل الاحتجاج والمناظرة له وعليه، فإن وقع من ذلك شيء كان من وسوسة الشيطان؛ لأنه مسلَّطٌ في باب الوسوسة، ووساوسه غير متناهية، فمهما عارضته
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦١٦ - ٦١٧.
(٢) متفقٌ عليه.
[ ٣ / ٦٤٤ ]
فيما يوسوس بحجة يجد مسلكًا آخر إلى ما ينفيه من المغالطة والتشكيك، وأدنى ما يُفيده من الاسترسال في ذلك إضاعة الوقت، فلا تدبير في دفع ذلك أقوى، وأحسن من الاستعاذة بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٠].
[وثانيهما]: أن السبب في اعتوار أمثال ذلك احتباس المرء في عالم الحسّ، وما دام كذلك لا يزيده فكره إلا انهماكًا في الباطل، وزَيْغًا عن الحقّ، ومن كان هذا حاله فلا علاج له إلا الالتجاء إلى الله تعالى؛ للاعتصام بحوله وقوّته بالمجاهدة والرياضة، فإنهما مما يُزيل البلادة، ويُصفّي الذهن، ويزكّي النفس (^١). انتهى كلام الطيبيّ، وهو كلام حسنٌ. وقال النوويّ: قوله - ﷺ -: "فليستعذ بالله، ولينته": معناه: إذا عَرَض له هذا الوسواس، فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه، ولْيُعْرِض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فلْيُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَأْتِي الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ "، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٥١٨ - ٥١٩.
[ ٣ / ٦٤٥ ]
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نَبِيلٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) هو: عُقيل - بالضمّ مصغّرًا - بن خالد بن عَقِيل - بالفتح مكبّرًا - الأيليّ - بالفتح - أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ سكن المدينة، ثمّ الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) بنصب مثل على أنه مفعول مطلق لـ"حدّثني عُقيل"، أو على الحال، ويجوز رفعه على أنه خبر لمحذوف، أي هو مثل حديث … إلخ، يعني: أن حديث عقيل مثل حديث ابن شهاب.
[تنبيه]: رواية عُقيل التي أحالها المصنّف هنا ساقها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٠١)، فقال:
(٣٤٦) حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثني يحيى بن بكير، حدثني الليث بن سعد، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أبا هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي العبدَ الشيطانُ، فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤] (١٣٥) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْم، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " قَالَ: وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَأَلَنِي اثْنَان، وَهَذَا الثَّالِثُ، أَوْ قَالَ: سَأَلَنِي وَاحِدٌ، وَهَذَا الثَّانِي).
[ ٣ / ٦٤٦ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَنبريّ، أبو عبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سَهْل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تيمية كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) أبو بكر بن أبي عَمْرة الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ عابد، كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
وقوله: (لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ) أي المعلومات، ففيه إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، ويحتمل أن يكون العلم مصدرًا، و"أل" عوض المضاف إليه المحذوف، وأصله عن علم الأشياء.
وقوله: (هَذَا اللهُ خَلَقَنَا) اسم الإشارة مبتدأ، ولفظ الجلالة بدل، أو عطف بيان، وجملة "خلقنا" خبر المبتدأ.
وقوله: (قَالَ: وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ) فاعل "قال" ضمير أبي هريرة - ﵁ -، وجملة "وهو آخذٌ … إلخ" في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه آخذًا بيد رجل.
وقوله: (فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ) أي فيما أوحاه إلى رسوله - ﷺ - بما سيكون في أمته بعده من هذه التساؤلات.
وقوله: (وَرَسُولُهُ) أي وصدق رسوله - ﷺ - فيما أخبر به من المغيّبات، فوقع كما أخبر به؛ لأنه وحي من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
وقوله: (قَدْ سَأَلَنِي اثْنَان، وَهَذَا الثَّالِثُ) يعني أن رجلين سألا أبا
[ ٣ / ٦٤٧ ]
هريرة - ﵁ - عن المسألة، وهذا الرجل الذي أخذ بيده ثالثهما في السؤال عنها.
وقوله: (أَوْ قَالَ: سَأَلَنِي وَاحِدٌ، وَهَذَا الثَّانِي) "أو" للشكّ من الراوي، أي أو قال أبو هريرة - ﵁ -: سأل رجل واحد قبل هذا، وهذا الرجل هو الثاني في السؤال.
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قبل ثلاثة أحاديث، فراجعهما تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِث، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَبِيَّ - ﷺ - فِي الْإِسْنَاد، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرَقيّ البغداديّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون تقدّموا قريبًا، و"أيوب" هو السختيانيّ، و"محمد" هو ابن سيرين.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد، والد عبد الصمد، وجدّ عبد الوارث شيخ المصنّف، يعني: أن إسماعيل ابن عليّة حدثّ عن أيوب السختيانيّ بمثل حديث عبد الوارث عنه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الْإِسْنَادِ) يعني: أن إسماعيل لم يذكر النبيّ - ﷺ - في إسناده، بل جعله موقوفًا على أبي هريرة - ﵁ -، فقال: قال أبو هريرة: لا يزال … إلخ.
[ ٣ / ٦٤٨ ]
وقوله: (وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) أراد المصنّف أن إسماعيل وإن رواه موقوفًا ظاهرًا، إلا أنه ذكر في آخر الحديث ما يدلّ على رفعه، وأن أبا هريرة - ﵁ - أخذه عن النبيّ - ﷺ -؛ لأن قوله: "صدق الله ورسوله" معناه أن الله ﷾ أوحى به إلى رسوله - ﷺ -، وأخبر به رسوله - ﷺ -، ووقع كما أخبر به، فدلّ على أن أبا هريرة سمعه منه - ﷺ -.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب التي أحالها المصنّف على رواية عبد الوارث، ساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٤٨٠) فقال:
(٣٦٠) أنبأ حسان بن محمد، ثنا جعفر بن أحمد بن نصر، ثنا عمرو بن زُرَارة (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطيّ، ثنا يعقوب، قالا: ثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: قال أبو هريرة: "لا يزال الناس يسألون عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خَلَقَنا، فمن خَلَقَ الله؟ وإذا هو آخذٌ بيد رجل، فقال: صدق الله ورسوله، قد سألني عنها رجلٌ، وهذا الثاني، أو رجلان، وهذا الثالث". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ "، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِد، إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ، مِنَ الْأَعْرَاب، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصًى بِكَفِّه، فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيِّ) هو: عبد الله بن محمد اليماميّ، نزيل بغداد المعروف بابن الرّوميّ، ويقال: اسم أبيه: عُمَر، صدوقٌ [١٠].
[ ٣ / ٦٤٩ ]
رَوَى عن ابن عيينة، والدّرَاورديّ، ووكيع، والنضر بن محمد الْجُرَشيّ، وأبي أسامة، وعبد الرزاق، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وإبراهيم الحربيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، وأبو حاتم، والصغانيّ، ويعقوب بن شيبة، وعثمان بن خُرّزاد، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، ومحمد بن إسحاق السّرّاج، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين عنه، فقال: مثل أبي محمد لا يسأل عنه، إنه مرضيّ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: ثقة.
قال الحارث بن أبي أسامة وغيره: مات سنة ست وثلاثين ومائتين، وكذا قال الحسن بن سفيان.
انفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث: هذا برقم (١٣٥)، وحديث (١١٥٩): "فإن لزوجك عليك حقًّا … "، و(٢٣٦٢): "ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه … "، و(٢٤٢٣): "لقد قُدتُ بنبيّ الله - ﷺ -، والحسن والحسين بغلته … ".
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ، أبو محمد اليماميّ، مولى بني أميّة، ثقةٌ له أفرادٌ [٩]، (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقة، إلا أن في روايته عن يحيى بن أبي كثير ضعفٌ؛ لاضطرابه [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف لعكرمة مع ضعفه في روايته عن يحيى؟.
[قلت]: إنما أخرج له متابعةً، فقد أخرج الحديث بطرق متعدّدة قبل هذا، ويأتي له طريق جعفر عن يزيد الأصمّ، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، ويرسلُ [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
[ ٣ / ٦٥٠ ]
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة فقيةٌ، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
وقوله: (قَالَ) الضمير لأبي هريرة - ﵁ -.
وقوله: (فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِد، إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ) "بينا" هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وتتضمن معنى الشرط، ولذا تُجاب، وجوابها أحيانًا يُقرن بـ "إذ"، كما هنا، وأحيانًا بـ "إذا"، وكثيرًا ما يتجرّد منهما، وقد تقدّم تمام البحث في هذا غير مرّة.
وقوله: (مِنَ الْأَعْرَابِ) بفتح الهمزة: هم سُكّان البادية.
وقوله: (قَالَ) الضمير لأبي سلمة (فَأَخَذَ) الضمير لأبي هريرة - ﵁ - (حَصًى بِكَفِّه، فَرَمَاهُمْ) أي كراهيةً لسؤالهم هذا؛ لأنه سؤال نشأ عن شدّة الجهل، وفيه الإنكار على من يسأل عن مثل هذه الأسئلة، وزجره.
وقوله: (صَدَقَ خَلِيلِي) يعني: النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٧] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَيَسْأَلَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون المروزيّ، نزيل بغداد المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وهم، وكان فَاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ) الكلابيّ، أبو سهل الرّقّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن جعفر بن بُرْقان، وهشام الدستوائيّ، والمسعوديّ، وعمر بن سُليم الباهليّ، وشعبة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وإبراهيم بن موسى، وأبو
[ ٣ / ٦٥١ ]
خيثمة، وخليفة بن خياط، وإسحاق بن منصور، وأبو بكر وعثمان بنا أبي شيبة، وأبو موسى، وبندار، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأحمد بن منيع، وغيرهم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، صدوقٌ يَتَوَكَّل للتُّجّار، ويَحْتَرِف، من أروى الناس لجعفر بن بُرْقان، وقال ابن عمار الموصليّ: كان يُجَهِّزُ إلى دمشق، وإلى الرَّقَّة، وهو ثقة، وسمعت منه ببغداد، وهشيم حيّ، وقال عباس الدُّوريّ: ثنا كثير بن هشام، وكان من خيار المسلمين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال ابن قانع: كان صالحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، خرج إلى الحسن بن سهل، وهو بفم الصلح، فمات هناك في شعبان سنة سبع ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، وقال الحارث بن أبي أسامة: مات سنة (٢٠٨).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط: هذا (١٣٥)، وحديث (٥٦٤): "من أكل من هذه الشجرة المنتنة … "، و(١٠٣٧): "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين … "، و(٢٥٦٤): "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم … "، و(٢٦٣٨): "الناس معادن كمعادن الفضّة والذهب … ".
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف - الكلابيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ الرّقّيّ، قَدِمَ الكوفةَ، صدوقٌ، يَهِمُ في حديث الزهريّ [٧].
رَوَى عن يزيد بن الأصمّ، والزهريّ، وعطاء، وميمون بن مِهْران، وحبيب بن أبي مرزوق، وعبد الله بن بِشر الرقي، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وأبو خيثمة الجعفيّ، وابن عيينة، ووكيع، وكثير بن هشام، وعمر بن أيوب الموصليّ، ومعمر بن راشد، وزيد بن أبي الزَّرْقاء، وأبو نعيم، وعدة.
[ ٣ / ٦٥٢ ]
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: إذا حَدَّث عن غير الزهري فلا بأس به، وفي حديث الزهري يخطئ، وقال الميمونيّ، عن أحمد: أبو الْمَلِيح أضبط من جعفر بن بُرْقان، وجعفر ثقة ضابط لحديث ميمون بن مِهران، وحديث يزيد بن الأصمّ، وهو في حديث الزهريّ يَضْطَرِب، ويختلف فيه، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: كان أميًّا، وهو ثقة، وقال في موضع آخر: ثقة، ويُضَعَّف في روايته عن الزهريّ، وقال في موضع آخر: ليس بذاك في الزهريّ، وقال يعقوب بن شيبة، عن ابن معين: كان أميًّا، وكان ثقةً صدوقًا، وما أصحّ روايته عن ميمون بن مِهْران وأصحابه، وقال ابن الجنيد، والدُّوريّ عنه نحو ذلك، وقيل: إنه مُجاب الدعوة، وقال عثمان الدارميّ وغيره، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن نُمير: ثقة، أحاديثه عن الزهريّ مضطربةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، ثنا جعفر بن برقان، وهو جَزَريّ ثقةٌ، وبلغني أنه كان أميًّا، لا يقرأ ولا يكتب، وكان من الخيار، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، له روايةٌ وفقهٌ، وفتوى في دهره، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ في الزهريّ، وفي غيره لا بأس به، وقال ابن خزيمة لَمّا سئل عنه، وعن أبي بكر الْهُذَليّ: لا يُحْتَجّ بواحد منهما إذا انفرد، حكاه الحاكم، وقال حامد بن يحيى الْبَلْخيّ عن ابن عيينة: حدثنا جعفر بن برقان، وكان ثقةً من ثقات المسلمين، وكان مروان بن محمد يقول: ثنا جعفر بن برقان الثقة العدل، وقال أبو بكر بن صدقة، عن الثوريّ: ما رأيت أفضل من جعفر بن برقان، وقال ابن عديّ: وجعفر بن برقان مشهورٌ، معروف في الثقات، قد رَوَى عنه الناس، وهو ضعيف في الزهريّ خاصة، وقال البرقانيّ، عن الدارقطنيّ: ربما حَدَّث الثقة عن ابن بُرقان، عن الزهريّ، ويحدث الآخر بذلك الحديث عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهريّ، أو يقول: بلغني عن الزهريّ، فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصمّ، فثابت صحيح، وقال الساجيّ: عنده مناكير، وذكره ابن المديني في الطبقة الثامنة من أصحاب نافع.
قال هلال بن العلاء: مات سنة (١٥٠) أو (١٥١)، وقال خليفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما: مات سنة (١٥٤)، وقال أبو عروبة: ثنا أبو موسى، قال: سألت كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان: ممن؟ قال: الكلابي
[ ٣ / ٦٥٣ ]
من مواليهم، وهلك جعفر لَمّا قَدِم أبو جعفر - يعني المنصور - الرقة، وهو ذاهب إلى بيت المقدس، وهذا من نحو (٤٤) سنة، قال أبو موسى: سنة (١٥٤)، وقال ابن منجويه: مات وهو ابن (٤٤) سنة، وهو وَهَمٌ، وتصحيف من قول كثير بن هشام الذي سبق، وقد سبقه لهذا الوهم بعينه ابن حبان في "الثقات"، وإياه يتبع ابن منجويه.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط: هذا (١٣٥)، وحديث (٤٩٧): "إذا سجد جافى حتى يرى … "، و(٦٥١): "لقد هَمَمت أن آمر فتياني … "، و(١٠٣٧): "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين … "، و(٢٥٤٦): "لو كان الدين عند الثريّا … "، و(٢٥٦٤): "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم … "، و(٢٦٣٨): "الناس معادن كمعادن الفضّة والذهب … "، و(٢٦٧٥): "أنا عند ظنّ عبدي بي … "، و(٢٧٤٩): "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم .. ".
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) بن عبيد بن معاوية بن عُبادة بن الْبَكّاء - بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف - بن عامر بن رَبِيعة بن عامر بن صَعْصَعة، واسم الأصمّ عمرو، ويقال: عبد عمرو بن عُبيد، وقيل في نسبه غير ذلك، أبو عوف الْبَكّائيّ الكوفيّ نَزِيل الرَّقّة، أمه برزة بنت الحارث، أخت ميمونة، أم المؤمنين - ﵁ -، يقال: له رؤية، ولا يثبتُ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن خالته ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وابن خالته ابن عباس، وغيرهم.
وروى عنه ابنا أخيه: عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن الأصمّ، والأجلح الكِنديّ، وأبو فَزَارة راشد بن كَيْسان، ومحمد بن مسلم الزهريّ، وميمون بن مِهْران، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وكان ثقةً، قال: وقال هشام بن محمد: سَمَّى النبيّ - ﷺ - الأصمّ عبد الرحمن، وقال العجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عَمّار: رَبَّته ميمونة بنت الحارث، يقال: مات سنة إحدى ومائة، وقال أبو عبيد القاسم: مات سنة
[ ٣ / ٦٥٤ ]
ثلاث، وقال خليفة: مات سنة ثلاث، أو أربع ومائة، زاد الواقديّ: وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
قال الحافط: فهذا قاطع على أنه وُلِد بعد النبيّ - ﷺ - بدهر، وكذا نَصّ عليه ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في "الصحابة"، وقال أبو نعيم: لا يصح له صحبة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
وقوله: (حَتَّى يَقُولُوا: اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) قال النوويّ: هكذا هو في بعض الأصول: "يقولوا" بغير نون، وفي بعضها: "يقولون" بالنون، وكلاهما صحيح، وإثبات النون مع الناصب لغة قليلةٌ، ذكرها جماعة من محققي النحويين، وجاءت متكررةً في الأحاديث الصحيحة، كما ستراها في مواضعها - إن شاء الله تعالى - انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٨] (١٣٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "قَالَ اللهُ ﷿: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ، يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟، مَا كَذَا؟، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ) مولاهم، أبو محمد الكوفي، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وعن أبي بكر بن عياش، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الرحيم بن سليمان، ومُعَلَّى بن هلال، ومحمد بن فضيل، وعَبِيدة بن حُمَيد، وشَريك بن عبد الله، وغيرهم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٥٧.
[ ٣ / ٦٥٥ ]
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن صالح بن ذَرِيح، وأبو بكر بن أبي عاصم، والحسن بن علي الْمَعْمَريّ، وعبدان الأهوازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا (١٣٦)، و(٢٤٥٩): "قيل لي: أنت منهم" (^١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان - بفتح المعجمة، وسكون الزاي - ابن جرير الضّبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، والمختار بن فلفل، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي مالك الأشجعي، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق كثير.
وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن إشكاب الصفار، وأحمد بن عمر الوكيعي، وأبو خيثمة، وقتيبة، وعبد الله بن عمر بن أبان، وعلي بن المنذر الطريقي، وغيرهم.
قال حرب عن أحمد: كان يتشيع، وكان حسن الحديث. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعيًّا محترقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"؛ وقال: كان يغلو في التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقة، صدوقًا، كثير الحديث، متشيعًا، وبعضهم لا يحتج به، وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقة، وكان عثمانيًا، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال علي ابن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال الدارقطني:
_________________
(١) وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم حديثين، أو ثلاثة. انتهى.
[ ٣ / ٦٥٦ ]
كان ثبتًا في الحديث، إلا أنه كان منحرفًا عن عثمان، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي، وقال أبو هشام الرِّفَاعي: سمعت ابن فُضيل يقول: رَحِمَ الله عثمان، ولا رَحِمَ من لا يترحم عليه. قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنّة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا يحصى، فلم أسمعه يجهر، يعني: بالبسملة. وقال الحافظ: صَنّفَ مصنفات في العلم، وقرأ القراءات على حمزة الزيات.
قال ابن سعد، وأبو داود: توفي سنة أربع وتسعين، زاد أبو داود: في أولها. وقال البخاري، وغير واحد: مات سنة خمس وتسعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٠) حديثًا.
٣ - (مُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) - بفاءين مضمومتين، ولامين: الأولى ساكنة - المخزوميّ، مولى عمرو بن حُريث، ثقةٌ (^١) [٥].
رَوَى عن أنس، وإبراهيم التيميّ، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصريَ وطَلْق بن حبيب.
وروى عنه ابنه بكر، وزائدة، والثوري، ومنصور بن أبي الأسود، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وجرير، وعليّ بن مُسْهِر، ومحمد بن فضيل، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ما أعلم إلا خيرًا، وقال غيره عن أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجليّ، ومحمد بن عبد الله بن عَمّار، والنسائيّ، وقال أبو حاتم أيضًا: شيخ كوفيّ، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن مختار بن فلفل، وهو كوفيّ ثقة، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال داود بن عمرو، عن ابن إدريس: كان يُحَدِّث وعيناه تدمعان، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا، وقال أبو بكر البزّار: صالح الحديث، وقد احتملوا حديثه، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة.
_________________
(١) قال في "التقريب": صدوقٌ له أوهام. انتهى، وفيه نظر لا يخفى، فقد وثّقه الأئمة المشهورون، ولم يتكلموا فيه، وأما تضعيف السليمانيّ له، فمما لا يخفى ضعفه على بصير، وكذا قول ابن حبّان: يخطئ كثيرًا، فمما لا يُلتفت إليه، فتبصّر.
[ ٣ / ٦٥٧ ]
ووقع ذكره في أثر علّقه البخاريّ في "الشهادات" عن أنس، ووصله ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عنه: سألت أنسًا عن شهادة العبيد، فقال: جائزةٌ.
وتكلم فيه السليمانيّ، فعَدّه في رواة المناكير عن أنس، مع أبان بن أبي عَيّاش وغيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تضعيف السليمانيّ هذا فيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له المصنّف نحو سبعة أحاديث، كلها عن أنس، ووثقة الأئمة الكبار، كأحمد، وابن معين، وأبي حاتم، والنسائيّ، فأين يقع السليمانيّ من هؤلاء الجهابذة؟ وكذا قول ابن حبّان: يخطئ كثيرًا، فالحقّ أنه ثقةٌ، فتبصّر، والله الهادي إلى سواء السبيل.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، هذا (١٣٦)، و(١٩٦): "أنا أول الناس يشفع في الجنّة … "، كرّره ثلاث مرّات، و(٤٠٠): "أُنزلت عليّ آنفًا سورة … "، و(٤٢٦): "إني إمامكم، فلا تسبقوني … "، و(٨٣٦): "كان يرانا نصليها … "، و(٢٣٠٤): "لَيَرِدنّ عليّ الحوض رجال … "، و(٢٣٦٩): "ذاك إبراهيم".
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الصحابيّ الشهير - ﵁ - مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد في هذا الكتاب، كما مرّ تحقيقه في "المقدّمة"، وهو (١١) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول كوفيّ، والثاني بصريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، وهو من المعمّرين، وممن لازم النبيّ - ﷺ -، وخَدَمه عشر سنين، ودعا له بكثرة المال والأولاد، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٦٥٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "قَالَ اللهُ ﷿) تقدّم أن هذا من الأحاديث القدسيّة (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟، مَا كَذَا؟) ولفظ البخاريّ: "لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله … "، وللبزار من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "لا يزال الناس يقولون: كان الله قبل كل شيء، فمن كان قبله" (حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ) "هذا الله" مبتدأ وخبر، أو "هذا" مبتدأ و"الله" عطف بيان، و"خلق الخلق" خبره، وقال الطيبيّ: والأول أولى، ولكن تقديره هذا مُقَرَّر معلومٌ، وهو أن الله خلق الخلق، وهو شيءٌ، وكل شيء مخلوقٌ، فمن خلقه؟ فيظهر ترتيب ما بعد الفاء على ما قبلها. انتهى. (فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ ") وتقدّم في رواية لأبي هريرة - ﵁ -: "مَن خلق ربك"، وزاد: "فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته"، ولأبي داود، والنسائيّ من الزيادة: "فقولوا: الله أحد، الله الصمد، السورةَ، ثم ليتفُل عن يساره، ثم ليستعذ" ولأحمد من حديث عائشة: "فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يَذهَبُ عنه".
قال ابن بطال: في حديث أنس - ﵁ - الإشارة إلى ذَمّ كثرة السؤال؛ لأنها تُفْضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور، فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مُفْرِط، وقد ورد بزيادة من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "لا يزال الشيطان يأتي أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟، من خلق كذا؟، حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم، فليقل: آمنت بالله"، وفي رواية: "ذاك صريح الإيمان"، ولعل هذا هو الذي أراد الصحابيّ فيما أخرجه أبو داود، من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء ناس إلى النبيّ - ﷺ - من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا الشيء يَعظُمُ أن نتكلم به، ما نُحِبّ أن لنا الدنيا، وإنا تكلمنا به، فقال: "أَوَ قد وجدتموه؟ ذلك صريح الإيمان"، ولابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: إني أُحَدِّث نفسي بالأمر، لأن أكون حُمَمَةً أحب إليّ من أن أتكلَّم به، قال: "الحمد لله الذي رَدّ أمره إلى الوسوسة" (^١)، والله
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٢٨٦ - ٢٨٨ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" رقم (٧٢٩٦).
[ ٣ / ٦٥٩ ]
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٥٨ و٣٥٩] (١٣٦)، و(البخاريّ) في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٩٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٥١ و٣٥٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣٦٦ و٣٦٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٩] (…) - (حَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُخْتَار، عَنْ أنَسٍ، عَن النَّبيِّ - ﷺ - بهَذَا الْحَدِيث، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: "قَالَ: قَالَ اللهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور أول الباب.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب.
٤ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) الجعفيّ العابد، المذكور قبل بابين.
٥ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة المذكور قبل بابين أيضًا، والباقيان تقدما في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١٢) من رباعيات الكتاب.
[ ٣ / ٦٦٠ ]
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) الإشارة إلى سند مختار بن فُلفُل عن أنس - ﵁ - الذي قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: "قَالَ: قَالَ اللهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ") يعني: أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة هو ذكر قوله: "قال: قال الله: إن أمتك"، وأما إسحاق، فلم يذكره.
[تنبيه]: رواية جرير، وزائدة التي أشار إليها المصنّف هنا، ساق متنها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٠٣) فقال:
(٣٥٢) حدثنا عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غَنّام، ثنا أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، نا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن المختار بن فلفل، عن أنس (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا جرير، عن المختار، عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الله تعالى قال: إن أمتك لا يزالون يسألون، ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا اللهُ خَلَقَ كلَّ شيء، فمن خلق الله؟ "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث من "شرح صحيح الإمام مسلم"، المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى، ليلة الخميس ١٧/ ٣/ ١٤٢٥ هـ الموافق ٦/ مايو/ ٢٠٠٤ م.
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
[ ٣ / ٦٦١ ]
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الرابع مفتتحًا بـ (٦٤) - (بَابُ إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ) رقم الحديث [٣٦٠] (١٣٧).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
[ ٣ / ٦٦٢ ]