[٣٦٧] (١٤٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا خَالِدٌ؛ يَعْني: ابْنَ مَخْلَدٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ
_________________
(١) "الإصابة" ٢/ ٣٩٢.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٥٤٨ - ٥٤٩.
[ ٤ / ٥٧ ]
إِنْ جَاءَ رَجُلٌ، يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟، قَالَ: "فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "قَاتِلْهُ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: "هُوَ فِي النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو كُرَيْب، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (خالد بن مَخْلد) القَطَوَانيّ - بفبح القاف والطاء - أبو الهَيْثَم البجليّ مولاهم الكوفيّ، وقَطَوَان موضع بالكوفة، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠].
رَوَى عن سليمان بن بلال، وعبد الله بن عُمر العُمَريّ، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومالك، وعبد الرَّحمن بن أبي الموال، وإسحاق بن حازم المدني، وغيرهم.
ورَوَى عنهْ البخاري، وروى له مسلم، وأبو داود في "مسند مالك"، والباقون بواسطة محمد بن عثمان بن كَرَامة، وأبي كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا، وعبد بن حميد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: صدوقٌ، ولكنه يَتَشَيَّع. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ما به بأس. وقال ابن عديّ: هو من المكثرين، وهو عندي - إن شاء الله - لا بأس به. وقال أيضًا بعد أن ساق له أحاديث: لَمْ أجد في حديثه أنكر مما ذكرته، ولعلها تَوَهُّمًا منه، أو حملًا على حفظه. وقال ابن سعد: كان متشيعًا منكر الحديث مُفْرِطًا في التشيع، وكتبوا عنه للضرورة. وقال العجلي: ثقة، فيه قليل تشيع، وكان كثير الحديث. وقال صالح بن محمد جَزَرَة: ثقة في الحديث، إلَّا أنه كان مُتَّهَمًا بالغلوّ. وقال الجوزجاني: كان شَتّامًا مُعْلِنًا لسوء مذهبه. وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل: في المثالب، أو المثاقب - يعني: بالمثلثة، لا بالنون -. وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري، عن أبي حاتم أنه قال: لخالد بن
[ ٤ / ٥٨ ]
مَخْلَد أحاديث مناكير، ويكتب حديثه. وفي "الميزان" للذهبي: قال أبو أحمد: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الأزديّ: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق. وذكره الساجي والعقيلي في "الضعفاء".
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يكره أن يقال له: القَطَوَانيّ. وقال البخاري في "تاريخه": كان يغضب من القَطَوَاني، ويقال: إنما قَطَوَان بَقّال. وزعم الباجي أن قَطَوان قرية بالقرب من الكوفة، وبه جزم ابن السمعاني.
قال مطيّن: مات سنة (٢١٣)، وكذا أرَّخه ابن سعد، وقال ابن قانع: سنة (١٤)، وذكره البخاري في "الأوسط" فيمن مات فيما بين سنة (١١) إلى (١٥).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "مسند مالك"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، أكبر منه، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحُرَقيّ، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرَّحمن بن يعقوب الجُهنيّ الحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى العلاء، فأخرج له البخاريّ في "جزء القراءة".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وخالد، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة، كما تقدّم بيان ذلك غير مرّة.
[ ٤ / ٥٩ ]
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه. انتهى (^١).
[تنبيه]: ذكر الشيخ مشهور في تعليقه على "تنبيه المعلم" (ص ٧٦ - ٧٧) نقلًا عن الديوبندي أن الرجل المبهم هو مخارق بن سُليم، ولم يتعقّبه، بل ذكر أنه وقع ذلك في رواية النسائيّ في "المجتبى" (٧/ ١١٣ - ١١٤) رقم (٤٠٨١)، وانظر: "تحفة الأشراف" (٨/ ٣٦٦ - ٣٦٧) رقم (١١٢٤٢). انتهى.
وهذا وَهَمٌ، فإن مخارق بن سُليم ليس هو الرجل المبهم، وإنما هو روى الحديث بالإبهام كرواية أبي هريرة زحنه هذه، فقال: "جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - … " إلخ، فليس عند النسائيّ، ولا في "تحفة الأشراف" ما يدلّ على أن الرجل هو مخارق، فتنبّه لهذا الوهم، والله تعالى أعلم.
(إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عما ينبغي أن أفعله (إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟) أي: غصبًا، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ "رجل"، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فماذا أفعل؟ أعطيه، أم أمنعه؟ (قَالَ) - ﷺ - ("فَلَا ثُعْطِهِ مَالَكَ") ناهية، ولذا جُزم بها "تُعطه"، والهاء ضمير الرجل، وذكر القاري أنه وقع في بعض نسخ "المشكاة" بسكون الهاء، وعليه فتكون هاء سكت، جيء بها للوقف، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
والفاء في جواب شرط محذوف، أي إن جاءك فلا تعطه مالك، معناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء.
_________________
(١) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٧٦.
[ ٤ / ٦٠ ]
قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "فلا تُعطه" جواب للسؤال، وجزاء الشرط محذوفٌ، يدلّ عليه السؤال، كما أن السؤال شرط جزائه محذوف، يعني: إن جاء رجلٌ بهذه الصفة، فأعطيه أم لا؟، قال: "فلا تعطه"، يعني: إن كان كما وصفته، وعلى هذا قوله: "فأنت شهيد"، وأما ما جاء بلا فاء من قوله: "قاتله"، "هو في النار"، فعلى الاستئناف، بعد تقدير جواب الشرط، كأن قائلًا سأل، قال: فماذا قال رسول الله - ﷺ - في جوابه؟ فأجيب: قال: كذا. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - (^١).
قال النوويّ - ﵀ -: "قوله؟ - ﷺ -: "فلا تُعْطه"، فمعناه ة لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء". انتهى (^٢).
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟) أي: فماذا أفعل؟ (قَالَ) - ﷺ - ("قَاتِلْهُ") هذا دليل جواب الشرط المقدّر، وليس جوابًا، وإلا لاقترن بالفاء؛ أي: إن قاتلك، فقاتله.
ثم إن هذه المقاتلة تكون بعد المناشدة بالله، والاستعانة بالمسلمين، وولاة الأمور، فقد أخرج النسائيّ هذا الحديث في "المجتبى" (٤٠١٤) من طريق عمرو بن قُهَيد الغفاريّ، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن عُدِي على مالي؟ قال: "فانشُدْ بالله!، قال: فإن أَبَوا عليّ، قال: "فانشد بالله"، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: "فانشد بالله!، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: "فقاتل، فإن قُتلتَ ففي الجَنَّة، كان قَتَلْتَ ففي النار"؛ أي: إن قتلتَ هؤلاء المعتدين، فهم في النار.
وأخرج (٤٠١٣) من طريق سماك بن حرب، عن قابوس بن مخارق، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - و، فقال: الرجلُ يأتيني، فيريد مالي؟ قال: "ذَكِّره بالله!، قال: فإن لَمْ يَذَّكَّرْ؟ قال: "فاستعن عليه مَنْ حَوْلَك من المسلمين"، قال: فإن لَمْ يكن حولي أحدٌ من المسلمين؟ قال: "فاستعن عليه
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٤٨٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٥.
[ ٤ / ٦١ ]
بالسلطان"، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: "قاتل دون مالك، حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك" (^١).
فقد دلّ هذان الحديثان على أن القتال يكون بعد الدفع بالأسهل فالأسهل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟) أي: فماذا حكم الله تعالى في أمري؟ (قَالَ) - ﷺ - ("فَأَنْتَ شَهِيدٌ) قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨]؛ أي: بيّن، وسُمّي الشاهد؛ لأن بشهادته تبيينَ الحكم. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: "الشهيد" في الأصل: من قُتل مجاهدًا في سبيل الله، ويُجمع على شُهداء، وسُمي شهيدًا؛ لأن الله تعالى وملائكته شهودٌ له بالجنّة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهد غسله، أو تشهد نقل روحه إلى الجنّة، أو لأن الله تعالى شهد له بالجنّة، وقيل: لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله تعالى حتى قُتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة بالقتل، وقيل غير ذلك، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل، أو مفعول على حسب اختلاف التأويل. انتهى (^٣).
وقال النضر بن شُميل: سُمِّي الشهيد شهيدًا؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم شَهِدَت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلَّا يوم القيامة، وهو مأخوذ من قوله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وقال ابن الأنباريّ؛ لأن الله تعالى، وملائكته يشهدون له بالجنة، فمعنى شَهِيد مشهود له.
وقيل: سُمّي شهيدًا؛ لأنه شَهِدَ عند خروج روحه ما له من عند الله تعالى
_________________
(١) حديث في سنده انقطاع، لكنه صحيح بشواهده، كما حقّقته في "شرح النسائيّ" ٣٢/ ٦١.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٥٥٦.
(٣) "النهاية" ٣/ ٥١٣، و"المصباح المنير" ١/ ٣٢٤.
[ ٤ / ٦٢ ]
من النجاة، والثواب والبشرى، والكرامة، وحَقَّقَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٧٠].
وقيل: لأن ملائكة الرحمة يَشْهَدون، فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل: لأن عليه شاهدًا يَشْهَد بكونه شهيدًا، وهو دَمُهُ، فإنه يُبْدَثُ، وجُرْحُهُ يَثْعَب (^١) دَمًا.
وحَكَى الأزهريّ وغيره قولًا آخر، أنه سُمّي شَهِيدًا؛ لكونه ممن يَشْهَد يوم القيامة على الأمم (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول فيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا لا يخصّ الشهيد، بل يَعُمّ جميع المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟) أي: فماذا عليّ؟ (قَالَ) - ﷺ - ("هُوَ فِي النَّارِ") أي: لكونه قُتل ظالِمًا، ولا شيء عليك؛ لكونك مظلومًا مدافِعًا عن حقّك.
والمراد أنه يَستحقّ النار، وقد يُجَازَي، وقد يُعْفَى عنه، إلَّا أن يكون مستحلًّا لذلك بغير تأويل، فإنه يَكْفُر، ولا يُعْفَى عنه (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة المانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٥/ ٣٦٧] (١٤٠)، و(النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٤٠٨٤ و٤٠٨٥)، وفي "الكبرى" (٣٥٤٥ و٣٥٤٦)،
_________________
(١) "يَثْعَبُ" من باب منع: أي يسيل، ويتفجّر.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٥٥٦ - ٥٥٨، و"شرح النوويّ" ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٥.
[ ٤ / ٦٣ ]
و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦ و١٢٧)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم مال المسلم بغير رضاه، وأنه ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): أن من قصد مال مسلم بغير حقّ يكون هَدَر الدم، وإن قُتل بذلك كان من أهل النار.
٣ - (ومنها): أن من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله له منعه، ومدافعته، ولو أدّى إلى قتله.
٤ - (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل؛ لِمَا سبق من قوله - ﷺ -: "فانشده بالله"، وفي رواية: "ذكّره بالله"، ثم أمر بالاستعانة بالمسلمين، ثم برفع أمره إلى ولاة الأمور، فإن لَمْ يتمكنّ من ذلك كلّه جاز له قتله.
٥ - (ومنها): أن فيه بيان انقسام الشهداء إلى شُهداء الدنيا، وشُهداء الآخرة. قال النوويّ - ﵀ -: (واعلم): أن الشهيد ثلاثة أقسام:
[أحدها]: المقتول في حرب الكفار بسببٍ من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يُغْسَلُ، ولا يُصَلى عليه.
[والثاني]: شَهِيدٌ في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون، وصاحب الهَدْم، ومن قُتِل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يُغْسَلُ ويُصَلَّى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
[والثالث]: مَنْ غَلَّ في الغنيمة، وشِبْهُهُ، ممن وَرَدَت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قُتِلَ في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يُغْسَلُ، ولا يُصَلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٤.
[ ٤ / ٦٤ ]
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنه لا دية في قتل المحاربين، ولا قَوَدَ؛ لأنه إذا كان مقتوله شهيدًا، وأُمر بقتاله، وأَخبر النبيّ - ﷺ - أنه إن قُتل في النار، في يأمر الشرع به لا تَعَقّبَ على فاعله، ولا تَبِعَةَ عليه في الدنيا والآخرة، قاله القاضي عياض - ﵀ - (^١).
٦ - (ومنها): جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حَقّ، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا؛ لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير من العلماء، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا، كالثوب، والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير.
وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف بين العلماء، والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة، قاله النوويّ - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: "والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة" هذا مذهبه، والأرجح أنه واجب؛ لظاهر قوله - ﷺ -: "لا تعطه"، وقوله: "قاتله".
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا تعطه"، و"قاتله" دليلٌ على أن المحارب لا يجوز أن يُعطَى شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبه على وجه الحرابة ما أمكن، لا قليلًا، ولا كثيرًا، وأن المحارب يجب قتاله، ولذلك قال مالك - ﵀ -: قتال المحاربين جهاد، وقال ابن المنذر - ﵀ -: عوامّ العلماء على قتال المحارب على كلّ وجه، ومدافعته عن المال، والأهل، والنفس.
قال القاضي عياض - ﵀ -: اختلف المذهب - يعني: مذهب المالكية - إذا طلب الشيء الخفيف، كالثوب، والطعام، هل يُعطاه، أو يقاتل دونه؟ وهو مبنيّ على الخلاف في أصل المسألة، هل قتالهم مأمور به؛ لأنه تغيير منكر؛ لقوله - ﷺ -: "قاتله"، أو هو مباحٌ، غير مأمور به.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أنه من باب تغيير المنكر، فيجب قتالهم؛ لظاهر قوله - ﷺ -: "لا تعطه"، وقوله: "قاتله"، من دون أن يستفصل بين القليل والكثير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٥.
[ ٤ / ٦٥ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دعوة المحاربين قبل القتال:
اختلفوا، هل يُدعون قبل القتال، أم لا؟، والمراد بالدعوة دعوة الإمام، أو نائبه قبل مقاتلتهم، وهذا في حال اعتصامهم، وتعذّر إقامة الحقّ عليهم دون قتال، فهم حينئذ كالبغاة الذين يجب على الإمام أن يُبيّن لهم، ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه قبل مباشرة قتالهم، وهو رأي الجمهور، وذهب بعض أهل العلم من الحنفيّة وغيرهم إلى أنه يبدأ بقتالهم؛ لعلمهم بما سيدعوهم إليه.
وقد فصّل ابن رُشد - ﵀ - القول في هذه المسألة لدى المالكيّة، فنقل عن مالك - ﵀ - أنهم يُدْعَون، وعن سَحْنُون - ﵀ - أنهم لا يُدعون، ثم قال: تكلّم سحنون على ما يُعْرَف من غالب أمرهم، وتكلّم مالك على قدر ما يُرجَى في النادر منهم، وذلك يَرْجِع إلى أنه إن رُجي إن دُعُوا، أو نُشِدوا أن يَكُفُّوا استُحِبَّ دعاؤهم، وترك معاجلتهم بالقتال، وإن تُيُقِّنَ ذلك وجب أن يُدْعَوا، وإن خيف إن دُعُوا أن يستأسِدُوا، ويعاجلوا المسلمين وجب أن لا يُدْعَوا، كما قال سحنون - ﵀ -. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن رُشد - ﵁ - من التفصيل حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن دعوتهم يُنظر فيها إلى ما يترتّب من المصالح، فإن يُرجى رجوعهم عن غيّهم تُستحبّ دعوتهم، وإن غلب ذلك تجب، وإن كان يُخشى إلحاق الضرر بالمسلمين بتأخيرهم لأجل الدعوة وجب تركها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٨] (١٤١) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
_________________
(١) راجع: "البيان والتحصيل" ٣/ ٨٣ - ٨٤، و١٦/ ٣٧٦ - ٣٨٥ - ٤١٧، انظر ما كتبه محقّق: "إكمال المعلم" ١/ ٥٥٩.
[ ٤ / ٦٦ ]
الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ، تَيَسَّرُوا لِلْقِتَال، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدُ"؟).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام - أبو عليّ الخَلّال، نزيل مكة، ثقة حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د، ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنَّفٌ مشهور، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، منسوب إلى جدّه، الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقة فقيه فاضلٌ، يُدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٦ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ الأحول، خالُ ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقةٌ [٥] (ع).
رَوَى عن طارق بن شهاب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وطاووس، وغيرهم.
وروى عنه ابن جُريج، وحُسين المعلِّم، وشعبة، وابن عيينة، وإبراهيم بن نافع المكيّ، وغيرهم.
قال الحميديّ، عن سفيان: ثنا سليمان الأحول، وكان ثقةً، وقال
[ ٤ / ٦٧ ]
أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد: هو ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، ونَقَلَ ابن خَلْفُون، عن ابن وَضّاح توثيقه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و(٧٦٩): "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض … "، و(١٣٢٧): "لا يَنْفِرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، و(١٦٣٧): "ائتوني أَكْتُبْ لكم كتابًا … "، و(٢٠٠٠): "نهى رسول الله - ﷺ - عن النبيذ في الأوعية … "، و(٢٠٧٧): "أأمُّك أمرتك بهذا؟ … ".
٧ - (ثَابِتٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: ثابت بن عياض، الأحنف الأعرج العَدَويّ مولاهم، وهو مولى عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطاب، وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عُمَر، وابن عَمْرٍو، وابن الزبير، وأنس، وأبي هريرة - ﵃ -.
وروى عنه زياد بن سعد، وسليمان الأحول، وعمرو بن دينار، وفُليح بن سليمان، ومالك بن أنس، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال زياد بن سعد: قيل لثابت الأعرج: أين سمعت من أبي هريرة؟ فقال: كان مواليَّ يبعثوني يوم الجمعة، آخذُ مكانًا، فكان أبو هريرة يجيء يحدث الناس قبل الصلاة، وقال ابن المدينيّ: معروف، ووثقه أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات" في موضعين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و(٢٧٨): "إذا استيقظ أحدكم، فليُفرِغ على يده … "، و(١٤٣٢): "شرّ الطعام طعام الوليمة … "، و(٢١٦٠): "يسلّم الراكب على الماشي … ".
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرَّحمن، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٦٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، وثابت، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سليمان الأحول، عن ثابت.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) أي: ألفاظ حديث الشيوخ الثلاثة متقاربة، وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) أي: ابن منصور (أَخْبَرَنَا) مقول "قال"، وقوله: (وَقَالَ الآخَرَانِ) أي: قال الحسن الحُلْوانيّ، ومحمد بن رافع، وقوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ) مقول "قال"، يعني: أنهم اختلفوا في صيغ الأداء عن شيخهم عبد الرزاق، فقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزّاق؛ لكونه أخذه عنه سماعًا بقراءة غيره عليه، وقال الحسن، ومحمد بن رافع: حدّثنا عبد الرزّاق؛ لكونهما سمعاه من لفظه، فقوله: "عبد الرزاق" تنازعه الفعلان قبله، أي: "أخبرنا"، و"حدّثنا"، وإعمال الثاني أولى عند البصريين؛ لقربه، والأول أولى عند الكوفيين؛ لسبقه، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في "الخلاصة" حيث قال:
إِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا العَمَلْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد فقهاء الصحابة، والمشهورين بالفتوي، والرواية - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ثَابِتٍ (مَوْلَى عُمَرَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن زيد بن الخطّاب أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر سليمانَ الأحولَ (أَنَّهُ) الضمير للشأن، والضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (لَمَّا كَانَ … إلخ) "لَمَّا" بفتح اللام، وتشديد الميم: حرف وجود لوجود، وسيبويه يقول: حرف وجوب لوجوب، تدخل على الماضي،
[ ٤ / ٦٩ ]
فتقتضي جملتين، وُجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، نحو لَمّا جاءني أكرمته، وزعم ابن السرّاج، وتبعه الفارسيّ، وابن جني، وجماعة أنَّها ظرف بمعنى "حين"، وابن مالك يقول: بمعنى "إذ" (^١).
وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط المناسيّ - ﵀ - في "نظم المغني":
وَالثَّانِ مِنْ أَوْجُهِهَا أَنْ تَلْزَمَا … لِمَاضِيَيْنِ رَبَطَتْ بَيْنَهُمَا
حَرْفُ وَجُودٍ لِوُجُودٍ أَوْ فَقُلْ … حَرْفُ وَجُوبٍ لِوُجُوبِ فَكَمُلْ
وَالفَارِسِيُّ كَوْنَهَا ظَرْفًا زَعَمْ كَذَا … ابْنُ جِنِّي مِثْلُ "حِينٍ" قَدْ حَكَمْ
وَمِثْلَ "إِذْ" جَعَلَهَا ابْنُ مَالِكِ … وَابْنُ خَرُوفٍ سَدَّ كُلَّ مَسْلَكِ (^٢)
و"كان" هنا تامّة، أي: حصل ووقع، "وما" فاعلها، و"كان" الثانية أيضًا تامّة، وفاعلها ضمير يعود على"ما"، أي: لما وقع بينهما ما وقع من المعاداة.
(بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص - ﷺ - (وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح الموحدة (ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ) هو: عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو عامر المدنيّ.
رَوَى عن أخته أم حبيبة، وشداد بن أوس، وغيرهما، وروى عنه أبو أمامة الباهليّ، ويعلى بن أمية التميميّ، وعمرو بن أوس الثقفيّ، والقاسم أبو عبد الرَّحمن، والمسيب بن رافع، ومكحول الشاميّ، وعطاء بن أبي رَبَاح، وحسان بن عطية، وغيرهم.
قال أبو نعيم الأصبهانيّ: أدرك النبيّ - ﷺ -، ولا تصح له صحبة، ولا رؤية، واتفق متقدمو أئمتنا على أنه من التابعين، وذكره أبو زرعة الدمسقيّ في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في "ثقات التابعين"، وذكر الليث وغيره أنه حَجَّ بالناس سنة (٤٦) وسنة (٤٧)، وكذا ذكر خليفة، وزاد أن معاوية ولَّاه مكة، فكان إذا شَخَصَ إلى الطائف استَخْلَف طارق بن المُرَقّع، وقال الواقديّ: استعمله أخوه على الصائفة سنة (٤٢).
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٢٨٠.
(٢) يعني: أنه أنكر كونها اسمًا أصلًا، لا بمعنى "حين"، ولا بمعنى "إذ".
[ ٤ / ٧٠ ]
أخرج له المصنّف في هذا الكتاب حديثًا واحدًا فقط، عن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان - ﵄ - (^١)، والأربعة.
(مَا كَانَ) أي: الذي حصل، ووقع من العداوة.
وسبب ذلك أن عنبسة بن أبي سفيان كان عاملًا على الطائف من قِبَل أخيه معاوية بن أبي سفيان، وكان لآل عمرو بن العاص بستان، وحائط في الطائف، فأجرى عنبسة عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط آل عمرو، فأراد أن يَخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، يُدافعون عن مالهم، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منّا أحدٌ، وتأهبّ الفريقان للقتال (^٢)، وهذا معنى قوله: (تَيَسَّرُوا) أي تهيّأ كلّ من عنبسة، وأتباعه، وعبد الله بن عمرو ومواليه، وتأهبوا، واستعدّوا (لِلْقِتَالِ) أي: لمقاتلة بعضهم بعضًا (فَرَكِبَ) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه "فركب" بالفاء، وفي بعض الأصول: "وركب بالواو"، وفي بعضها "رَكِبَ" من غير فاء، ولا واو، وكلّه صحيح. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: وجه صحة الأوجه، أنه إذا كان بالفاء، والواو فإنه معطوف على "تيسّروا"، وأما بدونهما، فيكون بدلًا من "تيسّروا" بدلَ فِعْلٍ من فعلٍ، كما قال في "الخلاصة":
وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ "مَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ"
(خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ) بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، قُتل أبوه يوم بدر، قال ابن سعد، وابن حبّان: أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، قال في "الإصابة": يقال: إن عمر - ﵁ - استعمل خالد بن العاص هذا على مكة بعد نافع بن عبد الحارث الخُزاعيّ، وكذلك استعمله عليها عثمان بن عفّان - ﵁ -، ثم أورد
_________________
(١) سيأتي للمصنّف في "كتاب الصلاة" (٧٢٨) عن أم حبيبة - ﵄ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجَنَّة … " الحديث.
(٢) راجع: "الفتح" ٥/ ١٤٧ "كتاب المظالم" رقم (٢٤٨٠).
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٤.
[ ٤ / ٧١ ]
حديث مسلم هذا، ثم قال: وهذا يدلّ على أن خالد بن العاص تأخّر إلى خلافة معاوية - ﵁ -. انتهى (^١).
[تنبيه]: خالد بن العاص هذا ليس عمًّا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا من نسبه؛ لئلا يقع الاشتباه بسبب اتفاق اسم الأب على من غَفَلَ عن الجدّ، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قد سبق أن الأفصح في "العاصي" إثبات الياء كتابةً، ويوقف عليها، ويجوز حذفها على قلّة، وهو الذي يستعمله معظم المحدّثين، أو كلّهم، قال ابن مالك - ﵀ - في "باب الوقف" من "الخلاصة" مشيرًا إلى هذه القاعدة:
وَحَذْفُ يَا المَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
(إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - (فَوَعَظَهُ خَالِدٌ) أي: وَعَظ خالدُ بن العاص عبدَ الله بن عمرو - ﵃ -، يقال: وَعَظَه يعِظه وَعْظًا، وعِظَةً، من باب وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً ووَعْدًا: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]: أي أوصيكم، وآمركم، فاتَّعَظ؛ أي: ائتمر، وكفَّ نفسه، قاله الفيّوميّ (^٢).
والمعنى هنا: أمر خالد بن العاص عبدَ الله بنَ عمرو بأن يُطيع الأمير، ولا يخالفه فيما طلب منه (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) - ﵄ - (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح للتنبيه على الاهتمام بما بعدها، كـ "إلا" (عَلِمْتَ) بفتح التاء للمخاطب (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ" شرطيّة (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (دُونَ مَالِهِ) أي: عنده، أو من أجله، وقال القرطبيّ - ﵀ -: "دُون" في أصلها ظرف مكان بمعنى أسفل وتحتُ، وهو نقيض "فوق"، وقد استُعْمِلَت في هذا الحديث لأجل السببيّة، وهو مجاز، وتوسّعٌ، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه، أو تحته، ثم يقاتل عليه. انتهى (^٣). (فَهُوَ شَهِيدٌ") جواب الشرط.
قال في "الفتح": قوله: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد"، قال الإسماعيليّ:
_________________
(١) "الإصابة" ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٥.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٥٢.
[ ٤ / ٧٢ ]
وكذا أخرجه البخاريّ، وكأنه كتبه من حفظه، أو حدث به المقرئ من حفظه، فجاء به على اللفظ المشهور، وإلا فقد رواه الجماعة عن المقرئ بلفظ: "مَن قُتِلَ دون ماله مظلومًا، فله الجَنَّة"، قال: ومن أتى به على غير اللفظ الذي اعتيد فهو أولى بالحفظ، ولا سيما وفيهم مثل دُحَيم، وكذلك ما زادوه من قوله: "مظلومًا"، فإنه لا بُدّ من هذا القيد، وساقه من طريق دُحَيم، وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام.
قال الحافظ: وكذلك أخرجه النسائيّ، عن عبيد الله بن فَضَالة، عن المقريّ، وكذلك رواه حَيْوَة بن شُرَيح، عن أبي الأسود بهذا اللفظ، أخرجه الطبريّ.
نعم للحديث طريق أُخرى عن عكرمة، أخرجها النسائيّ باللفظ المشهور، وأخرجه مسلم كذلك، من طريق ثابت بن عياض، عن عبد الله بن عمرو، وفي روايته قِصّةٌ، قال: لَمّا كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان … إلخ.
قال: وأشار بقوله: "ما كان" إلى ما بَيَّنه حيوة في روايته المشار إليها، فإن أولها أن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء؛ ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه؛ ليجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا، حتى لا يبقى منّا أحد … فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لَأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف.
قال: وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك؛ لِمَا يدخل عليه من الضرر، فلا حجة فيه لمن عارض به حديث أبي هريرة - ﵁ - فيمن أراد أن يَضَعَ جِذْعَه على جدار جاره، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أن ظاهر هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يَمْنَعْ جارٌ جارَه أن يَغْرِز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضين؟ والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم. لفظ البخاريّ.
فهذا يوجب أن يأذن الجار لجاره في وضع الخشبة، وحديث ابن عمرو - ﵄ - يبيح المنع، بل القتال عليه.
[ ٤ / ٧٣ ]
والجواب أن حديث أبي هريرة - ﵁ - مشروط بعدم تضرّر صاحب الجدار، فأما إذا تضرّر، فلا يجب عليه؛ لحديث: "لا ضرر، ولا ضِرَار" (^١)، والضرر منا موجود؛ لأنه إذا ثُقب الجدار لمرور الماء لا يسذ ذلك الثقب شيء، فيتضرّر صاحبه بدخول الحيوانات، ونحوها فيه، بخلاف وضع الخشبة؛ لأنه لو ثُقب شيء منه لسدّته الخشبة.
وأيضًا حديث أبي هريرة - ﷺ - خاصّ بالجار، وليس عنبسة جارًا لعبد الله بن عمرو - ﵄ -، والله تعالى أعلم.
وأخرجه النسائيّ من وجهين آخرين، وأبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر كلهم عن عبد الله بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود، والترمذيّ: "من أربد ماله بغير حقّ، فقاتل، فقُتِل فهو شهيد"، ولابن ماجة من حديث ابن عمر نحوه، ورَوَى الترمذيّ وبقية أصحاب السنن، من حديث سعيد بن زيد نحوه، وفيه ذكر الأهل، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجة: "من أريد ماله ظلمًا، فقُتِل فهو شهيد".
قال النوويّ - ﵀ -: فيه جواز قتل من قَصَدَ أخذ المال بغير حقّ، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا، وهو قول الجمهور، وشَذّ من أوجبه.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالشذوذ فيه نظر، كيف وظاهر النصّ يدلّ له، حيث قال - ﷺ -: "لا تُعطه"، وقال أيضًا: "قاتله"، فإذا لَمْ يدلّ هذا النصّ على الوجوب، في الذي يدلُّ عليه؟ إن هذا لشيء عجيب!!!.
وَحَكى ابن المنذر - ﵀ - عن الشافعيّ - ﵀ - قال: من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه، فله الاختيار أن يكلمه، أو يستغيث، فإن مُنِعَ، أو امتَنَعَ لَمْ يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقلٌ، ولا ديةٌ، ولا كفارةٌ، لكن ليس له تعَمُّد قتله.
قال ابن المنذر - ﵀ -: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكِر، إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلَّا أنّ كلَّ من يُحفَظُ عنه من علماء الحديث، كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جَوْره، وترك القيام عليه.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجة في "سننه" برقم (٢٣٣١ و٢٣٣٢).
[ ٤ / ٧٤ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر - ﵀ - تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وفَرّقَ الأوزاعي - ﵀ - بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام، فحَمَلَ الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفُرْقة، فليستسلم، ولا يقاتل أحدًا.
قال الجامع عفا الله عنه: ويرد على ما قاله الأوزاعيّ - ﵀ - كما قال الحافظ - حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي تقدّم قبل هذا بلفظ: "أرأيت إن جاء رجل، يريد أخذ مالي" قال: "فلا تعطه"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "فاقتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار".
فإنه - ﷺ - في نصّه هذا لَمْ يخصّ حالةً دون حالة، بل أطلق المقاتلة، وأمره أن يقاتل كلَّ من بغى عليه، فلو كانت الحال التي فيها الجماعة والإمام لا يحل المقاتلة فيها، لبيّنها - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٥/ ٣٦٨] (١٤١)، و(البخاريّ) في "المظالم والغصب" (٢٤٨٥)، و(أبو داود) في "السنّة" (٤٧٧١)، و(الترمذيّ) في "الديات" (١٤١٩)، و(النسائيّ) في "المحاربة" (٤٠٨٦ و٤٠٨٧ و٤٠٨٨ و٤٩٨٩ و٤٠٩٠ و٤٠٩١)، وفي "الكبرى" (٣٥٤٧ و٣٥٤٨ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ و٣٥٥١ و٣٥٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٣ - ٢٠٦ - ٢١٧٩٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٨ و١٢٩)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٥).
وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[ ٤ / ٧٥ ]
[٣٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيّ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِم، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَاد، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون المروزيّ، بغداديّ الأصل تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانِيُّ - بضم الموحدة، وسكون الراء، ثم مهملة - أبو عبد الله، ويقال: أبو عثمان البصريّ، صدوق [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، وهشام بن حسان، وابن جريجٍ، وشعبة، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن زياد، وابن أبي عروبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهارون الحمّال، وإسحاق الكَوْسَجُ وغيرهم.
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود، والعجليّ: ثقة، وقال ابن عمار الْمَوْصِلِيُّ: لَمْ يكن صاحب حديث، تركناه ولم نسمع منه، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق، وقال النسائي في "كتاب المحاربة" من "سننه": ليس بالقويّ، وقال ابن قانع: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وابن سعد وآخرون: مات سنة (٢٠٣)، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة، وكان ثقة، وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة (٢٠٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٦) حديثًا.
٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) هو: أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن عبد الله بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ المعروف بأبي الجوزاء، ثقةٌ [١١].
رَوَى عن أبي داود الطيالسيّ، وأبي عاصم، وأزهر بن سَعْد، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقةٌ رَضِيّ، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وابن أبي عاصم، وابن جرير، وغيرهم.
[ ٤ / ٧٦ ]
قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦)، قال: وكان من نُسّاك أهل البصرة، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال البزار: بصريّ ثقةٌ مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
وابن جريج تقدّم في السند الماضي.
قوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بسند ابن جريجٍ الماضي، وهو: عن سليمان الأحول، عن ثابت، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل المتن الماضي، وقد سبق ما قيل في الفرق بينه وبين "نحوه"، وما فيه من الاعتراض، فلا تنسَ.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريجٍ التي أحالها المصنّف - ﵀ - أخرجها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٦٦٢٨) حدثنا محمد بن بكر، وعبد الرزاق، قالا: أخبرنا ابن جريجٍ، أخبرني سليمان الأحول، أن ثابتًا، مولى عمر بن عبد الرَّحمن، أخبره أنه لَمّا كان بين عبد الله بن عمرو، وعنبسة بن أبي سفيان ما كان، وتيسروا للقتال، فركب خالد بن العاصي إلى عبد الله بن عمرو، فوعظه، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد"؟.
وقال عبد الرزاق: "مَن قُتِل على ماله فهو شهيد".
وأما رواية أبي عاصم، فلم أجدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].