وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٠] (١٤٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَب، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ، مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ
[ ٤ / ٧٧ ]
فِيه، قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِه، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأبُليّ (^١)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السّعْديّ العُطارديّ البصريّ الخَزّاز الأعمي، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبي رجاء العُطارديّ، وأبي الجوزاء الرَّبَعيّ، والحسن البصريّ، وأبي نَضْرة، وخُليد العصريّ، وجماعة.
وروى عنه ابن المبارك، والقطان، ويزيد بن هارون، وابن عُلية، وأبو نعيم، وأبو الوليد، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فَرُّوخ، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صدوق، وقال أبو حاتم، عن أحمد: من الثقات، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المدينيّ: ثقة ثبتٌ، وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من سلام بن مسكين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: كان حماد بن زيد يقول: لَمْ يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله حماد بن زيد: من أن أبا الأشهب لَمْ يسمع من أبي الجوزاء يُشكل عليه ما وقع في "صحيح البخاري" في "تفسير سورة النجم" من التصريح بسماعه منه، ونصّه: حدثنا مسلم، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو الجوزاء …، فذَكَرَ حديثًا.
ويحتمل أن يكون نفي حماد سماع أحاديث معيّنة، فلا ينافي سماعه لغيرها، فالله تعالى أعلم.
_________________
(١) نسبة إلى موضع بالبصرة.
[ ٤ / ٧٨ ]
وذكر أبو عمرو الدانيّ في "طبقات القراء" أنه قرأ على أبي رجاء العُطارديّ. قال الأصمعيّ، عن أبي الأشهب: وُلدتُ عام الجُفْرَة سنة (٧٠)، أو (٧١)، وقال البخاريّ، عن محمد بن محبوب: مات في آخر يوم من شعبان سنة (١٦٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا (١٤٢) وأعاده في "كتاب الإمارة"، و(٤٣٨): "تقدّموا، فأتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم … "، و(٩٩٢): "بشّر الكانزين بكيّ في ظهورهم … "، و(١٧٢٨): "من كان معه فضل ظهر، فليعد به … "، و(٢٧٣٧): "اطّلعتُ في الجنّة، فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء … ".
[تنبيه]: "الجُفْرَة" بضمّ الجيم، وسكون الفاء، قال في "القاموس": موضع بالبصرة، كان بها حَرْبٌ شديدٌ عامَ سبعين، وقيل لجعفر بن حيّان العُطَارديّ: الجُفْريّ؛ لأنه وُلد عام الجُفْرة. انتهى (^١).
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيرًا، ويدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٦.
٤ - (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزنِيُّ) هو: معقل بن يسار بن عبد الله بن مُعَبّر، ويقال: ابن مِعْيَر، ويقال: ابن مُغيرة بن حُرّاق بن لاي بن كعب بن عبد بن ثَوْر بن هُذْمة بن لاطم بن عثمان بن عَمْرو بن أُد بن طابخة، واسمه عَمْرو بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار، المزنيّ، أبو عليّ، ويقال: أبو يسار، ويقال: أبو عبد الله البصريّ، ومُزَينة هي والدة عثمان بن عمرو، ونُسِبُوا إليها، وهي مُزَينة بنت كلب بن وَبْرَة بن تَغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة (^٢).
أسلم قبل الحُديبية، وكان ممن بايع تحت الشجرة.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن النعمان بن مُقَرِّن المزنيّ، ورَوَى عنه عمران بن حصين، ومعاوية بن قُرّة، وعلقمة بن عبد الله، والحكم بن الأعرج، وعمرو بن ميمون، والحسن البصريّ، ونافع بن أبي نافع، وأبو
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٣٣١.
(٢) "الإصابة" ٦/ ١٤٦، و"تهذيب الكمال" ٢٨/ ٢٧٩ - ٢٨١.
[ ٤ / ٧٩ ]
المليح بن أسامة، ومسلم بن مِخْرَاق، وعِيَاض أبو خالد، وغيرهم.
قال البغويّ: هو الذي حفَر نهر معقِل بالبصرة بأمر عمر - ﵁ -، فنُسب إليه، ونزل البصرة، وبنى بها دارًا، ومات بها في خلافة معاوية - ﵁ -، وأسند من طريق يونس بن عُبيد قال: ما كان ها هنا - يعني: بالبصرة - أحدٌ من أصحاب النبيّ - ﷺ - أهنأ من معقل بن يسار، وأخرج أحمد من طريق معاوية بن قُرّة، عن معقل بن يسار: حُرِّمت الخمر، ونحن نشرب الفَضِيخ، فجعلتُ أشرب، وأقول: هذا آخر العهد بالخمر.
قال العجلي: يُكنى أبا عليّ، ولا نَعْلَم في الصحابة مَن يُكنى أبا عليّ غيره.
قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال العجليُّ: "ولا نعلم … إلخ"، وتُعُقّب بأن قيس بن عاصم المِنْقريّ، وطلق بن عليّ الحنفيّ كلاهما من الصحابة، وكلاهما يُكنى أبا عليّ (^١).
قيل: إنه مات بالبصرة في آخر خلافة معاوية - ﵁ -، وقيل: في ولاية يزيد، وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات ما بين الستين إلى السبعين، وهو الذي فَجَّرَ نَهْرَ مَعْقِل بالبصرة (^٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٤٢) وكرّره خمس مرّات، و(١٨٥٨): "يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها … "، و(٢٩٤٨): "العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ" (^٣)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٣) من رباعيات الكتاب، والإسناد التالي خماسيّ، أنزل منه بدرجة، والذي يليه سُداسيّ، أنزل منه بدرجة، وكذا الأخير.
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٦/ ١٤٧، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٢١.
(٢) "الإصابة" ٦/ ١٤٦ - ١٤٧، و"تهذيب الكمال" ٢٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٢١.
(٣) وفي "قرّة العين" ص ٤٤٠: له (٣٤) حديثًا، اتّفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين.
[ ٤ / ٨٠ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وشيخه أُبُلِّيّ، وهي محلة بالبصرة.
٤ - (ومنها): أن "أبا الأشهب" مشهور بهذه الكنية، ولا يوجد في الكتب الستّة من يُكنى بها غيره.
٤ - (ومنها): أن أبا الأشهب، والصحابيّ هذا أول محلّ ذكرهما في الكتاب، وقد عرفتَ ما لكلّ منهما عند المصنّف من الحديث آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ - ﵀ - أنه (قَالَ: عَادَ) أي: زار، يقال: عاد المريضَ يعود، من باب قال، عِيَادةً: إذا زاره، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد بألف، وعُوَّدٌ بدونها، والمرأةُ عائدة، وجمعها عُوَّد بغير ألف (^١)، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثْلُهُ الفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي المُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ) هو: عبيد الله بن زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، وابن سُميّة، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له: عبيد الله بن مرجانة، وهي أمه، وقال غيره: وكانت مجوسيّة، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند الديماس تُعرف بدار ابن عجلان، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين، فيما حكاه ابن عساكر، عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبيّ، قال ابن عساكر: وروى الحديث عن معاوية، وسعد بن أبي وقّاص، ومعقِل بن سنان، وحدّث عنه الحسن البصريّ، وأبو المليح بن أسامة، وقال أبو نعيم الفضل بن دُكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قُتل الحسين كان عمره ثمانيًا وعشرين
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٢٧٤، و"المصباح المنير" ٢/ ٤٣٦.
[ ٤ / ٨١ ]
سنة، قال الحافظ ابن كثير: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين، فالله أعلم.
وكانت فيه جرأة، وإقدام على سفك الدماء، قَتَل خلقًا كثيرًا صبرًا، وكان سفيهًا شديدًا، وكان أميرَ البصرة في زمن معاوية، وولده يزيد، وقُتل سنة ست وستين، وقيل: سنة سبع وستين، ويقال: في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن عليّ - ﵄ - (^١).
(مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ) بالنصب على المفعوليّة لـ "عاد" (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وكانت وفاة معقل - ﵁ - بالبصرة، فيما ذكره البخاريّ في "الأوسط" ما بين الستين إلى السبعين، وذلك في خلافة يزيدَ بنِ معاوية، وتقدّم الخلاف في وقت وفاته في ترجمته (قَالَ مَعْقِلٌ) - ﵁ - (إِنِّي مُحَدِّثُكَ) وفي الرواية الآتية: "فقال له معقل: إني سأحدّثك" (حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً) أي: بقاء بعد هذا اليوم (مَا حَدَّثْتُكَ) أي: بهذا الحديث.
قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: إنما قال له معقل - ﵁ - هذا إما لأنه عَلِمَ قبل ذلك أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خرج آخرًا من كتمه الحديث، ورأى تبليغه لأمر النبيّ - ﷺ - أصحابه بالتبليغ، أو لأنه خافه من ذكره مدّة حياته؛ لِمَا يُهيج عليه ذكرُ هذا الحديث، ويُثبته في قلوب الناس من سوء حاله. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر القاضي الاحتمالين، والاحتمال الثاني - كما قال النووي - هو الظاهر، والأول ضعيفٌ؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يسقط باحتمال عدم قبوله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وزاد في رواية يونس، عن الحسن التالية: "قال: ألَّا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: لَمْ أكن لأحدثك".
قال في "الفتح": قيل: سبب عدم تحديثه قبله هو ما وصفه به الحسن البصريّ من سفك الدماء، ووقع في رواية الإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه
_________________
(١) راجع: "البداية والنهاية" لابن كثير ٦/ ٣٩ - ٤١، بزيادة يسيرة من "الفتح" ١٣/ ١٣٦.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦١ - ٥٦٢.
[ ٤ / ٨٢ ]
مسلم: "لولا أني ميتٌ ما حدثتك"، فكأنه كان يَخْشَى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يَكُفّ بذلك بعض شره عن المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة في الرواية الآتية من طريق أبي المليح: أن عبيد الله بن زياد عاد مَعْقِل بن يسار، فقال له معقل: "لولا أني في الموت ما حدثتك".
وقد أخرج الطبراني في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن، قال: لَمّا قَدِمَ علينا عبيد الله بن زياد أميرًا - أَمَّرَه علينا معاويةُ - غلامًا سفيهًا، يَسْفِك الدماء سَفْكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفل المزنيّ، فدَخَل عليه ذات يوم، فقال له: انْتَهِ عما أراك تصنعُ، فقال له: وما أنت وذاك؟، قال: ثم خَرَجَ إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟، فقال: إنه كان عندي علمٌ، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم قام، في لَبِثَ أن مَرِضَ مرضه الذي تُوُفِّي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو حديث الباب، فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين، قاله في "الفتح" (^١).
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتأكيد، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
(عَبْدٍ) مبتدأٍ خبره قوله: "إلَّا حرّم الله … إلخ" (يَسْتَرْعِيهِ اللهُ) أي: يستحفظه، ويجعله راعيًا لهم، قيل: السين والتاء للصيرورة، أي: صيّره الله راعيًا لهم، والجملة صفة لـ "عبد"، ووقع في بعض نسخ البخاريّ: "استرعاه الله" (رَعِيَّةً) بفتح، فكسر: فَعِلية بمعنى مفعولة، أي: مَرْعيّةً محفوظة، قال ابن الأثير: الرَّعِيّةُ: كلُّ من شَمِله حفظ الراعي ونظره (^٢).
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "ما من عبد … إلخ" هو لفظ عامّ في كلّ من كُلّف حفظَ غيره، كما قال - ﷺ -: "كلُّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته، فالإمام راعٍ، ومسؤول عن رعيّته … " (^٣)، وهكذًا الرجل على أهل بيته، والولد، والعبد، والرعاية: الحفظ والصيانة، والغشّ: ضدّ النصيحة، وحاصله راجع
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ١٣٧ "كتاب الأحكام" رقم (٧١٥٠ و٧١٥١).
(٢) "النهاية" ٢/ ٢٣٦.
(٣) متّفقٌ عليه.
[ ٤ / ٨٣ ]
إلى الزجر عن أن يضيّع ما أُمر بحفظه، وأن يقصّر في ذلك، مع التمكّن من فعل ما يتعيّن عليه. انتهى (^١).
وقوله: (يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ) جملة في محلّ رفع صفة ثانية لـ "عبد" (وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيتِهِ) أي: غير ناصح لهم، والجملة في محلّ نصب على الحال، والغاشّ: اسم فاعل من الغَشّ، يقال: غَشّه غَشًّا، من باب نصر، والاسم الغِشّ بالكسر: إذا لَمْ ينصحه، وزَيَّنَ له غير المصلحة، ولَبَنٌ مغشوشٌ؛ أي: مخلوط بالماء (^٢).
(إِلَّا) أداة استثناء مُلْغاة، وجملة: (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ") خبر في محل رفع خبر لـ "عبد".
وفي رواية أبي المَليح الآتية: "ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وَينْصح إلَّا لَمْ يدخل معهم الجنّة"، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي نعيم، عن أبي الأشهب: "ما من عبد يسترعيه الله رَعِيّةً، فلم يَحطُها بنصحه، لَمْ يجد رائحة الجنّة".
وزاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ -: "وعَرْفُها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا".
وقوله: "فلم يَحُطْها" - بفتح أوله، وضمّ الحاء، وسكون الطاء المهملتين -: أي يَكْلَؤهَا، أو يَصُنْها، والاسم: الحِيَاطة، يقال: حاطه: إذا استولى عليه، وأحاط به مثله.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: الفاء في قوله: "فلم يَحُطْها"، وفي قوله: "فيموت" (^٣)، مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وقوله: "وهو غاشّ" حالٌ (^٤) قيدٌ للفعل، ومقصودٌ بالذكر؛ لأن المعتبر من الفعل، والحال هو الحال، يعني: أن الله تعالى إنما وَلّاه واسترعاه على عباده؛ لِيُدِيم لهم النصيحة، لا لِيَغُشَّهم، حتى
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٧.
(٣) أي في رواية البخاريّ، فإنها بلفظ: "فيموت، وهو غاشّ … " إلخ.
(٤) أي جملة في محلّ نصب على الحال، كما أسلفناه.
[ ٤ / ٨٤ ]
يموت على ذلك، فلما قَلَبَ القضيةَ، استَحَقَّ أن لا يجد رائحة الجَنَّة. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: "حرم الله عليه الجَنَّة" فيه التأويلان المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أنه محمول على المستحلّ.
[والثاني]: حَرَّم عليه دخولَها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا: المنع. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: هذا الحديث، وما في معناه قد تقدّم معنى تحريم الجنّة، والتأويل في مثله، ومعناه بَيّن في التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤتُمِن عليه، فلم يَنصَح فيما قَلَّده إما بتضييعه تعريفهم ما يَلْزَمهم من دينهم، وأَخْذهم به، في ما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذّبّ عنها كلَّ مُتَصَدٍّ لإدخال داخلة فيها، أو تحريفٍ لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حَوْزَتهم، ومجاهدة عدُوّهم، أو تَرْكِ سِيرةِ العدل فيهم، فقد غَشَّهم.
قال: وقد نبّه - ﷺ - على أن ذلك من كبائر الذنوب المُوبِقَة المبعدة عن الجَنَّة إذا دخلها السابقون، والمقرَّبون، إن أنفذ الله عليه وعيده الموجِبَ لعذابه بالنار، أو نحو ذلك، أو يُحْرَمُ الجنّةَ رأسًا، إن فَعَلَ ذلك مُستحِلًّا. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٣).
وقال ابن بطّال - ﵀ -: معنى "حَرَّم الله عليه الجَنَّة"؛ أي: أنفذ الله عليه الوعيد، ولم يُرْضِ عنه المظلومين، ونقل ابن التين عن الداوديّ نحوَه، قال: ويحتمل أن يكون هذا في حقّ الكافر؛ لأن المؤمن لا بُدّ له من نصيحة.
وتعقّبه الحافظ: فقال: هو احتمال بعيد جدًّا، والتعليل مردود، فالكافر أيضًا قد يكون ناصحًا فيما تولاه، ولا يمنعه ذلك الكفر، وقال غيره: يُحْمَل على المستحلّ، والأولى أنه محمول على غير المستحلّ، فَإنما أريد به الزجر
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٦.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٠ - ٥٦١.
[ ٤ / ٨٥ ]
والتغليظ، وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: "لَمْ يدخل معهم الجَنَّة"، وهو يؤيِّد أن المراد أنه لا يدخل الجَنَّة في وقت دون وقت. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مَعْقِل بن يسار المزنيّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٦/ ٣٧٠ و٣٧١ و٣٧٢ و٣٧٣] (١٤٢)، وفي "الإمارة" (٣/ ١٤٦٠)، و(البخاريّ) في "الإحكام" (٧١٥٠ و٧١٥١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٢٨ و٩٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٥ و٢٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩ و٧٠٤٣ و٧٠٤٨)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤ و٣٦٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٤٤٩ و٤٥٥ و٤٥٦ و٤٥٧ و٤٥٨ و٤٥٩ و٤٦٩ و٤٧٢ و٤٧٣ و٤٧٦ و٤٧٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤٩٥)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٢٤٧٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الغشّ، وأنه ينافي الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): بيان استحقاق الوالي الغاشّ لرعيّته، النار بغشّه.
٣ - (ومنها): ما قاله أبو عوانة - ﵀ - بعد تخريجه الحديث: في هذا الحديث دليلٌ على أن العاصي يستوجب بعصيانه النار، إلَّا أن يلقى الله، وهو تائبٌ، فإن لَمْ يفعل فهو في مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه. انتهى (^١).
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ١/ ٤٠.
[ ٤ / ٨٦ ]
٤ - (ومنها): بيان التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم.
٥ - (ومنها): بيان أن هذا الغشّ من الكبائر الموبِقَة المُبْعِدة عن الجَنَّة.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجور، فمَن ضَيَّعَ مَن استرعاه الله، أو خاف دم، أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يَقْدِر على التحلل من ظلم أمّة عظيمة.
٧ - (ومنها): أن في قوله: "يموت يوم يموت، وهو غاشّ" إشارة إلى أنه لو تاب قبل الموت قُبِلت توبته.
وقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لَمْ يُغَرْغِرْ" (^١).
٨ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل - ﵁ -، حيث قام بتبرئة ذمّته، عن آفة كتمان العلم، مع علمه بقساوة هذا الوالي، وعدم انتفاعه بالموعظة، لكنه أراد أن يبلغ هذا اوحديث العظيم إلى الأمة حتى تكون على بيّنة من أمرها؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧١] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: دَخَلَ عُبيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَسْتَرْعِيِ اللهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"، قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لَأُحَدِّثَكَ).
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه الترمذيّ في "كتاب الدعوات" من "جامعه" برقم (٣٤٦٠).
[ ٤ / ٨٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالفقهاء الزهاد العبّاد، فكلّهم فقهاء زُهّاد عبّاد، ومما قيل في رواية يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، ما ذكره الحسن بن سفيان، قال: كنّا إذا رأينا روايةً ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، قلنا: رَيْحانة أهل خُرَاسان عن رَيْحانة أهل العراق (^١).
وقوله: (وَهُوَ وَجِعٌ) بفتح الواو، وكسر الجيم؛ أي: مريضٌ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وَجِعَ فلانًا رأسُهُ، أو بَطْنُهُ، يُجعَل الإنسان مفعولًا، والعضوُ فاعلًا، وقد يجوز العكسُ، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريضٌ، مُتَأَلِّمٌ، ويقع الوجعُ على كلّ مرضٍ، وجمعه: أَوْجَاعٌ، مثل سَبَبٍ وأَسباب، ووِجَاعٌ أيضًا بالكسر، مثل: جَبَلٍ وجِبَالٍ، وقومٌ وَجِعُونَ، ووَجْعَي، مثلُ: مَرْضَي، ونساءٌ وَجِعَات، ووَجَاعَي، وربما قيل: أوجعه رأسُهُ بالألف، والأصل: وَجِعَهُ أَلَمُ رأسه، وأوجعه أَلَمُ رأسه، لكنه حُذِفَ؛ للعلم به، وعلى هذا فيقال: فلان مَوْجُوعٌ، والأجود مَوْجُوعُ الرأس، وإذا قيل: زيد يَوْجَعُ رَأْسَهُ بحذف المفعول، انتصب الرأسُ وفي نصبه قولان: قال الفراء: وَجِعْتَ بَطْنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أَمْرَكَ، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفراء: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصلُ: وَجِعْتَ مِنْ بطنك، ورَشِدتَ في أمرك؛ لأن المُفَسِّرات عند البصريين لا تكون إلَّا نكراتٍ، وهذا على القول بجعل الشخصِ مفعولًا واضحٌ، أما إذا جُعِل
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٣٩٧.
[ ٤ / ٨٨ ]
الشخصُ فاعلًا، والعضوُ مفعولًا، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، وتَوَجَّعَ: تَشَكَّي، وتَوَجَّعتُ له من كذا: رَثَيتُ له. انتهى كلام الفيّومي - ﵀ - (^١).
وقوله: (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عبيد الله بن زياد معقلَ بن يسار - ﵁ - عن مرضه، وعما يَحتاج إليه من العلاج، أو غيره.
ويحتمل أن يكون معناه أنه سأله أن يُحدّثه بما سمعه من النبيّ - ﷺ -، ويؤيّد هذا ما في رواية أبي نعيم قال: دخل عبيد الله على معقل بن يسار، فقال: حدّثني بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ -، فقال معقلٌ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من استُرعي رعيّةً، فمات، وهو لها غاشّ، حَرَّمَ الله عليه الجنّة".
وقال بعضهم: معنى سأله: طلب أن يدعو له معقل؛ أي: لكونه من أهل الفضل والصلاح؛ لأنه صحابيّ، وفيه بعدٌ؛ لما سبق من حال عبيد الله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير عبيد الله (أَلَّا) بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهي في الأصل للتحضيض، ولكنها هنا للتوبيخ، ويحتمل أن تكون بتخفيف اللام، وهي أيضًا تأتي للتوبيخ والإنكار، كقوله [من الطويل]:
أَلَا ارْعِوَاءَ لِمَنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ … وَآذَنَتْ بِمَشِيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ (^٢)
وقوله: (مَا حَدَّثْتُكَ) "ما" نافية.
وقوله: (أَوْ لَمْ كُنْ) "أو" للشكّ من الراويّ.
وقوله: (لَأُحَدِّثَكَ) في محلّ نصب على أنه خبر "أكن"، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، واللام المكسورة التي في أوله تُسمّى لام الجحود، وتُضْمَرُ بعدها "أن" وُجوبًا.
وقد تقدّم سبب عدم تحديثه له إلى أن جاء موته، من كونه لا ينفعه الوعظ، بل يزيده عتوًّا، ويبطش به، فخاف على نفسه، ثم لما خشي عند موته من آفة كتمان العلم حدّثه؛ - قيامًا بما وجب عليه من التبليغ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩.
(٢) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٦٨ - ٧٤.
[ ٤ / ٨٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي: الْجُعْفِيَّ - عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرَشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقة [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (حُسَيْن الْجُعْفيُّ) هو: الحُسين بن عليّ بن الوليد الكوفيّ المقريّ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (٣) أو (٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (هِشَامٌ) بن حسّان الأزديّ القُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (ت ١٤٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف هذا الحديث من رواية هشام بن حسّان عن الحسن، وقد عرفت أن فيه مقالًا؟.
[قلتُ]: إنما أخرج له متابعةً لا أصالةً، فقد رواه قبل هذا من رواية أبي الأشهب، ويونس بن عبيد، وهما ثبتان، على أن يونس من أثبت الناس في الحسن، فلا يضرّ الكلام في هشام، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ) الفاعل ضمير هشام بن حسّان.
وقوله: (قَالَ الْحَسَنُ) أي: البصريّ.
وقوله: (كُئا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) هذا فيه تصريح من الحسن بأنه حضر القصّة، وسمع محاورة معقل - ﵁ -، مع عبيد الله.
[ ٤ / ٩٠ ]
وقوله: (نَعُودُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم "كان".
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) الضمير لهشام بن حسّان (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا) أي: بمعنى حديث أبي الأشهب، ويونس بن عُبيد.
[تنبيه]: رواية هشام عن الحسن التي أحالها المصنّف - ﵁ -، أخرجها الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٢٠٧) (٤٧٢) فقال:
حدّثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا أبي، (ح) وحدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهانيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، قالا: ثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمِيِّ، قالا: ثنا وهب بن جرير، (ح) وحدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحُباب، ثنا أبو موسى محمد بن المثنّى، قالا: ثنا عبد القدّوس بن الجواري، أبو الحواري (^١)، قالا: ثنا هشام بن حسّان، عن الحسن، عن معقل بن يسار، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من استرعاه الله رَعِيّةً، فمات، وهو غاشّ لها، إلَّا حَرّم الله عليه الجنّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيح، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زَيادٍ، عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِه، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت، لَمْ أُحَدِّثْكَ بِه، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، يَقُولُ: "مَا مِنْ أَمِيرٍ، يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ، وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ").
_________________
(١) هكذا النسخة، ولم يتبيّن لي من هو عبد القدّوس بن الجواري أبو الحواري، اللهم إلَّا أن يكون فيه تصحيف، فليُحرّر، لكن السند صحيح من طريق: وهب بن جرير، عن هشام، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٩١ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
[تنبيه]: "الْمِسْمَعِيُّ" - بكسر الميم الأولي، وفتح الثانية -: نسبة إلى مِسْمَع بن ربيعة (^١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّسْتَوَائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدودقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر الدَّسْتَوَائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأسُ الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٧ - (أَبُو الْمَلِيحِ) بْنُ أُسَامَةَ الْهُذَليّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عُمير، وقيل: ابن عامر بن عُمَير بن حُنَيف بن ناجية بن عَمْرو بن الحارث بن كَثير بن هند بن طابِخَة بن لِحْيَان بن هُذيل، وقيل: ابن عُمير بن عامر بن أُقَيْش، اسمه عُمَير بن حُنَيف، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، ومَعْقِل بن يسار، ونُبَيشة الهُذَليّ، وعوف بن مالك، وعائشة، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع، وأبي عَزّة الهُذَليّ، وابن عُمر، وابن العاص، وبُريدة بن الحُصَيب، وجابر، وأنس، وعبد الله بن عُتبة بن أبي سفيان، وعبد الله بن سَلِيط، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده: عبد الرَّحمن، ومحمد، ومُبَشِّر، وزياد، وأيوب،
_________________
(١) راجع: "الديباج على صحيح مسلم بن الحجَّاج" للسيوطيّ - ﵀ - ١/ ١٥٧.
[ ٤ / ٩٢ ]
وخالد الحذّاء، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وسالم بن أبي الجعد، وعبد الله بن أبي حُمَيد الهُذَليّ، وأبو قِلابة الجَرْميّ، وقتادة بن دِعامة، وأبو تميمة الهُجَيميّ، ويزيد الرِّشْك، وأبو عبد الدائم الهَداديُّ، ومَطَر الوَرَّاق، والحَكَم بن فَرُّوخ، وعلي بن زَيد بن جُدْعان، وآخرون.
قال أبو زرعة، وابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال ابن سعد: توُفّي سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال ابن حبّان: ومنهم من زعم أنه مات سنة ثمان ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٤٢) وأعاده في "كتاب الإمارة"، و(١١٤١): "أيامُ التشريق أيام أكل وشرب"، و(١١٥٩): "أما يَكفيك من كلّ شهر ثلاثةُ أيّام … ".
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه إسحاق، فإنه مروزيّ، وفيه أبو المَلِيح مشهور بكنيته، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد أسلفت آنفًا عدّة ما رواه له المصنّف - ﵀ - فيه، وليس في "صحيح مسلم" من يُكنى بهذه الكنية غيره، ويوجد في غيره ممن يُكنى بها اثنان:
[أحدهما]: أبو المَلِيح الرَّقِّيّ، واسمه الحسن بن عمر، أو عَمْرو بن يحيى الفزاريّ مولاهم، ثقة [٨] أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة.
[والثاني]: أبو المَلِيْح الفارسيّ المدنيّ الخَرّاط، واسمه: صَبِيح، وقيل: حُميد، ثقةٌ [٧]، أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد" والترمذيّ، وابن ماجة.
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا … إلخ) قد سبق الكلام على هذا قريبًا، فلا تغفل.
وقوله: (لَوْلَا أَنِّي في الْمَوْتِ) أي: في سياق الموت، وفي حضوره.
وقوله: (لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ) أي: خوفًا من جراءتك، وظلمك لمن عاديته.
وقوله: (يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ) مضارع وَلي من باب ورث يرث، يقال: وَليتُ الأمرَ أَلِيه بكسرتين، وِلايةً بالكسر: تولّيتُهُ، والوَلايةُ بالفتح، والكسر: النُّصرة (^١).
_________________
(١) راجع: "المصباح" ٢/ ٦٧٢.
[ ٤ / ٩٣ ]
وقوله: (ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ) بفتح أوله وثالله، وسكون ثانيه؛ أي: يجتهد، وفي "القاموس": جَهَدَ، كمَنَعَ: جَدَّ، واجتهدَ.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" أنه وقع في رواية أبي المليح بلفظ: "ثم لا يَجِدّ لهم" بجيم، ودال مشدّدة، من الجدّ بالكسر: ضدّ الهزل. انتهى (^١).
قال الجامع: لَمْ أجد هذا اللفظ في النسخ التي بين يديّ من "صحيح مسلم"، بل كلّها بلفظ: "ثم لا يَجْهَد لهم"، ولعل صاحب "الفتح" - وهو إمام في النقل - وجد نسخة كما ذكره، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَيَنْصَحُ) تقدّم في الرواية السابقة إثبات الغشّ، وفي هذه الرواية نفي النصيحة، ومعنى الروايتين واحد؛ لأن الغشّ ضدّ النصيحة.
قال في "الفتح": ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، وحبس حقوقهم، وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم، وبإهمال إقامة الحدود فيهم، ورَدْع المفسدين منهم، وترك حمايتهم، ونحو ذلك. انتهى (^٢).
وقوله: (إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ) وللطبراني في "الأوسط": "إلَّا كَبَّه الله على وجهه في النار".
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لَمْ يدخل معهم الجنّة" يُشير إلى صحّة ما ذكرناه، من أنه لا يدخل الجنّة في وقت دون وقت، وهو تقييد للرواية الأخرى المطلقة التي لَمْ يُذكر فيها "مَعَهم". انتهى (^٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.