[٣٧٤] (١٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، وَوَكِيعٌ، (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ زيدِ بْنِ
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ١٣٧.
(٢) "الفتح" ١٣/ ١٣٧.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ٤ / ٩٤ ]
وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَيْن، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظَرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَال، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّة، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَة، قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْت، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ حَصًى، فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ - فَيُصْبحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ"، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؟، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَى دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَى سَاعِيه، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا).
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، تقدم قبل باب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْرَان الإمام الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (زيدُ بْنُ وَهْبٍ) الجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ جليلٌ، لَمْ يُصِبْ من قال: في حَديثه خَلَلٌ [٢].
رَحَلَ إلى النبي - ﷺ -، فقُبِض وهو في الطريق، ورَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والحَكَم بن
[ ٤ / ٩٥ ]
عُتيبة، والأعمش، ومنصور، وحُصين، وعبد العزيز بن رُفيع، وسَلَمَة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وحبيب بن أبي ثابت، وحماد بن أبي سليمان، وعَدِيّ بن ثابت، وعبد الملك بن ميسرة، وجماعة.
قال زهير عن الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه. وقال ابن معين: ثقة: وقال ابن خَرَاش: كوفي ثقة، دخل الشام، وروايته عن أبي ذر صحيحة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وابن منده: أسلم في حياة النبي - ﷺ - وهاجر إليه، فلم يدركه. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير (^١). وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، تُوفي في ولاية الحجَّاج بعد الجماجم. وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى قول يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، فأجاد وأفاد، ونصّه في "ميزان الاعتدال":
زيد بن وهب من أجلة التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به، إلَّا ما كان من يعقوب الفسويّ، فإنه قال في "تاريخه": في حديثه خلل كثير، ولم يصب الفسويّ، ثم إنه ساق من روايته قول عمر: "يا حذيفة بالله أنا من المنافقين؟ "، قال: وهذا مُحال أخاف أن يكون كذبًا، قال: ومما يُستَدَلُّ به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة: "إن خَرَج الدجال تبعه من كان يحب عثمان"، ومن خلل روايته قوله: حدثنا والله أبو ذر بالرَّبَذَة قال: "كنت مع النبي - ﷺ -، فاستقبلنا أحد … "الحديث.
فهذا الذي استنكره الفسويّ من حديثه، ما سُبِق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا، لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفتح علينا في زيد بن وهب خاصّة باب الاعتزال، فردوا حديثه الثابت عن ابن مسعود، حديث الصادق المصدوق، وزيد سيد، جليل القَدْر. انتهى المقصود من كلام
_________________
(١) قد عرفت في أول الترجمة أن هذا غير صحيح.
[ ٤ / ٩٦ ]
الذهبيّ - ﵀ - لهُ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا (^١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل العَبْسيّ، حليف الأنصار، الصحابيّ الجليل، مات - ﵁ - في أول خلافة عليّ - ﵁ - سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٥٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان فرّق بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، في أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، وحذيفة - ﵁ - مدائنيّ كوفيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد المشايخ التسعة الذين اتّفق أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش بعد الثوريّ.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن زيد بن وهب.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ -، من السابقين الأولين، وقصّة إسلامه مشهورة في "الصحيح"، وهو صاحب سِرّ رسول الله - ﷺ -، أعلمه بأسماء المنافقين، وغيرها من المغيّبات، فقد أخرج المصنّف - ﵀ - أن رسول الله - ﷺ - أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعهّ، وأبوه صحابيّ أيضًا، استُشهد بأُحد - ﵄ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْمَشِ) هكذا عنعنعه الأعمش، وهو مدلّس، وقد تقدّم الجواب
_________________
(١) راجع: "ميزان الاعتدال" ٢/ ١٠٧.
[ ٤ / ٩٧ ]
عن هذا في "شرح المقدّمة"، فراجعه (عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) - ﵁ - - أنه (قَالَ: حَدَّثنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَيْنِ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه: حدثنا حديثين في الأمانة، وإلا فروايات حذيفة - ﵀ - كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، قال صاحب"التحرير" وعنى بأحد الحديثين قوله: "حَدَّثَنَا أن الأمانة نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال"، وبالاني قوله: "ثم حَدَّثنا عن رفع الأمانة … " إلى آخره. انتهى (^١).
(قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ) الظاهر أن المراد بها التكليف الذي كَلَّف الله تعالى به عباده، والعهدُ الذي أخذه عليهِم، قال الإمام أبو الحسن الواحديّ - ﵀ - في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]: قال ابن عباس - ﵄ -: هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على العباد، وقال الحسن: هو الدينُ والدين كلُّه أمانة، وقال أبو العالية: الأمانةُ ما أُمِروا به، وما نُهُوا عنه، وقال مقاتل: الأمانة الطاعة، قال الواحديّ: وهذا قول أكثر المفسرين، قال: فالأمانة في قول جميعهم: الطاعة، والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب، وبتضييعها العقاب، والله تعالى أعلم.
وقال صاحب "التحرير": الأمانة في الحديث: هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد، قام حينئذٍ بأداء التكاليف، واغتَنَمَ ما يَرِدُ عليه منها، وَجَدَّ في إقامتها، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: الأمانة: كلُّ ما يُوكَلُ إلى الإنسان حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، ومن هنا سُمّي التكليف أمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] في قول كثير من المفسّرين. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قال ابن التين: "الأمانة": كلّ ما يَخْفَى ولا يعلمه،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٨.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٥٦.
[ ٤ / ٩٨ ]
إلَّا الله من المكلَّف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أُمروا بها، ونُهُوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: التكاليف، وقيل: العهد الذي أَخَذه الله على العباد، وهذا الاختلاف وقع في تفسير الأمانة المذكورة في الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقال صاحب "التحرير": الأمانة المذكورة في الحديث، هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب، قام بأداء ما أُمر به، واجتَنَب ما نُهِي عنه. انتهى (^١).
(نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) الجِذْر - بفتح الجيم، وكسرها، لغتان، وبالذال المعجمة فيهما -، وهو الأصل. قال القاضي عياض - ﵀ -: مذهب الأصمعيّ في هذا الحرف فتح الجيم، وأبو عمرو يكسرها.
قال القرطبيّ - ﵀ -: معنى إنزال الأمانة في القلوب أن الله تعالى جَبَلَ القلوبَ الكاملة على القيام بحقّ الأمانة من حفظها، واحترامها، وأدائها لمستحقّها، وعلى النَّفْرة من الخِيَانة فيها؛ لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنَّها حسنةٌ في ذاتها كما يقوله المعتزلة، على ما يُعرف في موضعه.
(ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) ولفظ البخاريّ من طريق الثوريّ، عن الأعمش: "ثم علموا من القرآن، ثم عَلِموا من السنّة"، قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية بإعادة "ثُمّ"، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السُّنَن، والمراد بالسنن ما يَتَلَقَّونه عن النبيّ - ﷺ - واجبًا كان، أو مندوبًا. انتهى (^٢).
(ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ) هذا هو الحديث الثاني الذي ذَكَرَ حذيفة - ﵁ - أنه ينتظره، وهو رفع الأمانة أصلًا، حتى لا يبقى مَن يوصف بالأمانة إلَّا النادر.
ولا يَعْكِرُ (^٣) على هذا ما ذكره في آخر الحديث، مما يدُلّ على قلة مَن
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) "الفتح" ١٣/ ٤٣ "كتاب الفتن" رقم (٧٠٨٦).
(٣) من بابي ضرب، ونصر: أي لا يردّ عليه.
[ ٤ / ٩٩ ]
ينسب للأمانة، فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: "ما كنتُ أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا"، هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقلُّ، وأما الذي ينتظره، فإنه حيث تُفْقَدُ الأمانة من الجميع إلَّا النادر، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ) بفتح، فسكون: المرّة من النوم، كما قال في "الخلاصة":
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَـ "جَلْسَهْ" … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـ "جِلْسَهْ"
(فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) ببناء الفعل للمفعول، أي: تنزع منه، وقال في "المرقاة": أي: يُقبض بعضها، كما يدلّ عليه ما بعده، والمعنى: يُقبَضُ بعض ثمرات الإيمان. انتهى (^٢).
(فَيَظَلُّ) - بفتح أوله، وثانيه، وتشديد اللام -؛ أي: فيصير (أَثَرُهَا) أي: أثر الأمانة، وهو ثمرة الإيمان، والمعنى أن الأمانة تَذْهَب حتى لا يبقى منها إلَّا الأثر الموصوف في الحديث.
(مِثْلَ الْوَكْتِ) بفتح الواو، وسكون الكاف، آخره تاء مثنّاة فوقيّة: هو الأثر اليسير، كذا قاله الهَرَويّ، وقال غيره: هو سوادٌ يسير، وقيل: هو لونٌ مخالفٌ للّون الذي كان قبله، قاله النوويّ - ﵀ -.
وقال الهَرَويّ - ﵀ -: "الْوَكْتُ": الأثر اليسير، يقال للْبُسْر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب: قد وَكَّتَ، وقال صاحب "العين": الوَكْتُ بفتح الواو: نُكْتةٌ في العين، وعينٌ مُوَكوتةٌ، والوكتُ سواد اللون، قال أبو عبيدة: هو اليسير منه، ويقال: قد وَكَّتَ البُسْرُ والزَّهْوُ: إذا ظهرت فيه نُكتةٌ من الإرطاب من جانبها، وبُسْرَةٌ مُوَكَّتَةٌ، فإذا كان من طَرَفها، فهي مُذَنِّبَةٌ. انتهى (^٣).
(ثمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ) - بفتح الميم، وإسكان الجيم وفتحها -، لغتان حكاهما صاحب "التحرير"، والمشهور الإسكان، قاله النوويّ.
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٤٣.
(٢) "المرقاة" ٩/ ٢٥٤.
(٣) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٣ - ٥٦٤، و"المفهم" ١/ ٣٥٦.
[ ٤ / ١٠٠ ]
وقال المجد - ﵀ -: مَجَلَت يدُهُ، كنصَرَ، وفَرِحَ، مَجْلًا - بفتح الميم، وسكون الجيم -، ومَجَلًا بفتح الجيم، ومُجُولًا: نَفِطَت من العمل، فَمَرَنَتْ، كأَمْجَلَت. انتهى (^١).
وقال ابن بطّال - ﵀ -: المَجلُ: أثرُ العمل باليد، يعالج به الإنسان الشيءَ حتى تغلُظ جلودها، يقال منه: مَجِلت يدُهُ، ومَجَلت لغتان، وذكر الحربيّ عن ابن الأعرابيّ: المجلُ: النفط باليد ممتلئ ماءً، وقال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماءٌ قيل: مجلت يده تمجل، ونَفِطَت تَنْفَط نَفَطًا، ونَفِيطًا (^٢). انتهى (^٣).
قال النوويّ - ﵀ -: قال أهل اللغة والغريب: المَجَلُ: هو التَّنَفُّط الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة، فيه ماء قليل. انتهى (^٤).
(كَجَمْرٍ) بفتح الجيم، وسكون الميم: جمعُ جَمْرةِ النار، وهي القطعة المُلْتَهِبة، قاله في: "المصباح"، وقال في "القاموس": الجَمْرَةُ: النارُ المُتَّقِدَةُ: جمعها جَمْرٌ. انتهى (^٥).
وهو بدلٌ من "أثر المجل"، أي: يكون أثرها في القلب كأثر جمر، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هو - يعني: أثر المجل - كائن كجمر (دَحْرَجْتَهُ) أي: قلبتَ، ودوّرت ذلك الجمر (عَلَى رِجْلِكَ) بكسر الراء، وسكون الجيم: القدم، أو من أصل الفخذ إلى القدم، جمعه: أرجُلٌ، قاله في: "القاموس"، وقال في "المصباح": رِجْلُ الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخذ إلى القدم، وهي أنثى، وجمعها أرجُلٌ، ولا جمع لها غير ذلك. انتهى (^٦).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٩٥٢.
(٢) نَفِطَت، كفرِحَ نَفْطًا بفتح النون، وسكون الفاء، ونَفَطًا بفتحها، ونَفِيطًا: قَرِحت عَمَلًا. اهـ. "ق" ص ٦٢١.
(٣) "شرح البخاريّ" لابن بطَّال ١٠/ ٣٩.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٩.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ١٠٨، و"القاموس المحيط" ص ٣٣١.
(٦) "القاموس المحيط" ص ٩٠٣، و"المصباح المنير" ١/ ٢٢٠.
[ ٤ / ١٠١ ]
(فَنَفِطَ) بكسر الفاء، يقال: نَفِطَت يدُهُ نَفَطًا، من باب تَعِبَ، ونَفِيطًا: إذا صار بين الجِلْد واللحم ماءٌ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
وقال المجد - ﵀ -: نَفِطَت، كفرِحَ نَفْطًا، ونَفَطًا، ونَفِيطًا: قَرِحت عَمَلًا، أو مَجِلَت، وأنفطها العمل. انتهى (^٢).
[تنبيه]: إنما ذكّر الضمير فيه، وفي قوله: "فتراه منتبرًا"، وإن كانت الرّجْلُ مؤنّثة كما أسلفناه في عبارة "المصباح" بتأويله بالعضو، أو بالموضع المدَحْرَج عليه الجمرُ.
وقال النوويّ: وقوله: "نَفِطَ"، ولم يقل: نَفِطَت مع أن الرجل مؤنثةٌ، إما أن يكون ذَكَّرَ نَفِطَ اتباعًا للفظ الرِّجْل، وإما أن يكون اتباعًا لمعنى الرّجْل، وهو العضو. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "اتباعًا للفظ الرِّجْل" محلُّ نظر، فالوجه الثاني هو الأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَتَرَاهُ) أي: ترى الموضع المدحرج عليه الجمرُ (مُنْتَبِرًا) بكسر الموحدة: أي: مرتفعًا، قال عياضٌ - ﵀ -: أصل هذه اللفظة من الارتفاع، ومنه انتَبَرَ الأميرُ: إذا صَعِدَ على المِنْبَر، وبه سُمّي المِنبَر مِنْبَرًا؛ لارتفاعه، ونَبَرَ الجُرْحُ؛ أي: وَرِمَ، والنَّبْرُ: نوعٌ من الذباب يَلْسَع الإبل، فَيَرِمُ مكانُ لَسْعَته، ومنه سُمّي الهمز نَبْرًا؛ لكون الصوت على حال من الارتفاع، لا يوجد في غير هذا الحرف، وكلُّ شيء ارتفع فقد نَبَرَ، قال أبو عُبيد: "مُنْتَبِرًا: مُتَنَفّطًا". انتهى (^٤).
(وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) أي: ليس في ذلك المنتبر شيءٌ صالح، وإنما هو ماءٌ فاسد.
وحاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يُسْلَبها حتى يصير خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع على ما هو مُشاهَدٌ لمن خالط أهلَ الخيانة، فإنه يصير خائنًا لأن القرين يقتدي بقرينه (^٥).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٨.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٦٢١.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٩.
(٤) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٤ - ٥٦٥.
(٥) راجع: "الفتح" ١٣/ ٤٣.
[ ٤ / ١٠٢ ]
(ثُمَّ أَخَذَ) الظاهر أن الضمير للنبيّ - ﷺ -، ويحتمل أن يكون لِحُذيفة - ﵁ - (حَصًى) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطناه، وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول: "ثم أَخَذَ حصاةً، فدحرجه"، بإفراد لفظ "الحصاة"، وهو صحيح أيضًا، ويكون معناه: دَحْرَجَ ذلك المأخوذَ، أو الشيءَ، وهو الحصاة. انتهى (^١).
و"الحَصَى" - بفتحتين -: صغار الحجارة، والواحدة حَصَاةٌ، وجمعه: حَصَيات، وحِصيّ بضم الحاء، وكسرها، مع كسر الصاد، قاله المجد - ﵀ - (^٢).
(فَدَحْرَجَهُ) أي: قلبه (عَلَى رِجْلِهِ) قال صاحب "التحرير": معنى الحديث: أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أوَّل جزء منها زال نورها، وخَلَفته ظلمة، كالوكت، وهو اعتراضُ لون مخالفٍ للّون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر، صار كالمَجْل، وهو أَثَرٌ مُحْكَمٌ، لا يكاد يزول إلَّا بعد مدّة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شَبَّهَ زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله، حتى يُؤَثِّر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التنفيط، وأَخْذُه الحصاةَ، ودَحْرَجته إياها أراد بها زيادة البيان، وإيضاح المذكور، والله تعالى أعلم (^٣).
وقيل: المراد أن الأمانة تُرفع عن القلوب عقُوبةً لأصحابها على ما اجترحوا من الذنوب، حتى إذا استيقظوا من منامهم لَمْ يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه، ويبقى فيه أثرٌ تارةً مثلَ الوكت، وتارة مثلَ الْمَجْل، وهو انتفاط اليد من العمل، و"المَجْلُ" وإن كان مصدرًا إلَّا أن المراد به هنا نفس النفطة، وأراد به خلوّ القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها (^٤).
وقال ابن العربيّ - ﵀ -: المراد بالأمانة في حديث حُذيفة - ﵁ -: الإيمان، وتحقيقُ ذلك فيما ذَكَرَ من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تُضْعِف الإيمان، حتى إذا تناهى الضعف، لَمْ يبقَ إلَّا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان،
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ٢/ ١٦٩.
(٢) راجع: "القاموس" وهامشه ص ١١٤٧.
(٣) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٦٩.
(٤) راجع: "المرقاة" ٩/ ٢٥٥.
[ ٤ / ١٠٣ ]
والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبّهه بالأثر في ظاهر البدن، وكَنَى عن ضعف الإيمان بالنوم، وضَرَبَ مثلًا لزُهُوق الإيمان عن القلب حالًا بزهوق الحجر عن الرِّجْل حتى يقع بالأرض. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: "ثمّ " في قوله: "ثمّ ينام النومة" للتراخي في الرتبة، وهي نقيض (^٢) "ثمّ" في قوله: "ثمّ عَلِمُوا من القرآن، ثمَّ عَلِموا من السنّة"، كما أن علم القرآن والسنّة يزيد أصل الأمانة في القلوب، ويُربّيها، كذلك ينقص استمرار رفع الأمانة وقبضها من أثرها، فإن أثر المجل المشبَّهَ بالنفاطة التي ليس فيها شيء أبلغ في الخلوّ من أَثَر الوَكت، وفيه تشبيهان مفردان، شُبّهت حالهما مجموعةً بحالة جمرٍ أَثّرَ في عُضْوٍ، ثم نَفِطَ، وارتفع، وإنما شبّه أوّلًا أثر الأمانة بأثر الوَكْت، ثم ثانيًا بأثر المَجْل، ثمّ شبّههما بالجمرة المُدَحْرجة على الرِجْل تقبيحًا لحالهما، وتهجينًا؛ لتستنفر عنها النفس وتعافها، فإن الأمانةَ والخيانة ضدّان، فإذا ارتفعت إحداهما عاقبتها الأخرى. انتهى (^٣).
(فَيُصْبحُ النَّاسُ) أي: يدخلون في الصباح، أو المراد يصيرون (يَتَبَايَعُونَ) أي: يجري بينهم التبايع، ويقع عندهم التعاهد (لَا يَكَادُ) أي: لا يقرب (أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ) أي: بل يظهر من كلّ أحد منهم الخيانة في المبايعة، والمواعدة، والمعاهدة، ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثرُ كمال الإيمان، فإذا نقصت الأمانة نقص الإيمان، وبطل الإيقان، وزال الإحسان، وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده"، وصححه ابن حبّان عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: ما خطبنا نبي الله - ﷺ - إلَّا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دِينَ لمن لا عهد له" (^٤).
(حَتَّى يُقَالَ) أي: من غاية قلّة الأمانة في الناس (إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) وقع في النسخة: "وهي تقتضيه"، والظاهر أنه تصحيف، كما لا يخفي، والله تعالى أعلم.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ١١/ ٣٤٠٤ ببعض تغيير.
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" برقم (١١٩٣٥ و١٢١٠٨ و١٢٧٢٢ و١٣١٤٥)، وصححه ابن حبّان، وأورده الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" ٢/ ١٢٠٥ رقم (٧١٧٩).
[ ٤ / ١٠٤ ]
أَمِينًا) أي: كامل الأمانة (حَتَّى يُقَالَ) في ذلك الزمان (لِلرَّجُلِ) أي: من أرباب الدنيا، ممن له عقلٌ في تحصيل المال، والجاه، وطبعٌ في الشعر والنثر، وفصاحة، وبلاغةٌ، وصباحةٌ، وقوّة بدنيّة، وشجاعة، وشوكة (مَا أَجْلَدَهُ) "ما" تعجّبيةٌ، أي: يقال له هذا تعجّبًا من كمال جَلَده - بفتحتين - وهو القوّة والشدّة (^١). (مَا أَظْرَفَهُ) أي: ما أحسنه، قال القرطبيّ - ﵀ -: الظرف عند العرب في اللسان والجسم، وهو حُسنهما، وقال ابن الأعرابيّ: الظرف في اللسان، والحلاوة في العين، والملاحة في الفم، وقال المبرِّد: الظريف مأخوذ من الظَّرْف، وهو الوِعَاء، كأنه جُعِل وعاءً للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُف يَظْرُفُ ظَرْفًا، فهو ظَرِيفٌ، وهم ظُرَفاءُ، وإنما يقال في الفتيان والفَتَيات أهل الخِفّة. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الظَّرْفُ وزانُ فَلْسٍ: البَرَاعَةُ، وذَكَاءُ القلب، وظَرُفَ بالضمّ ظَرَافَةً، فهو ظَرِيفٌ، قال ابنُ القُوطيّة: ظَرُفَ الغلام والجارية، وهو وصفٌ لهما لا للشيوخ، وبعضهم يقول: المراد الوصفُ بالحُسْن والأدب، وبعضهم يقول: المراد الكَيْسُ، فيعمّ الشباب والشيوخ. انتهى (^٣).
(مَا أَعْقَلَهُ) أي: ما أحسن فهمه وتدبيره للشيء، يقال: عَقَلتُ الشيءَ عَقْلًا، من باب ضَرَبَ: تدبّرتُهُ، وعَقِلَ يَعْقَلُ، من باب تَعِبَ لغةٌ فيه، ثم أُطلق العقل الذي هو مصدر على الحِجَا واللُّبّ، ولهذا قال بعض الناس: العقلُ غَرِيزة يتهيّأُ بها الإنسان إلى فهم الخطاب، فالرجل عاقلٌ، والجمعُ عُقّالٌ، مثلُ: كافر وكُفّار، وربّما قيل: عُقَلاءُ، وامرأة عاقلٌ، وعاقلةٌ، كما يقال فيها: بالغٌ، وبالغةٌ، والجمعُ عَوَاقل، وعاقلات، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^٤).
وحاصله أنهم يمدحونه بكمال عقله، وظرافة حاله، وجَلَد بدنه، وقوّة بنيته، ولا يمدحونه بقوّة إيمانه، وغزارة علمه النافع، وعمله الصالح، كما أكّد ذلك بقوله:
(وَمَا فِي قَلْبِهِ) الواو للحال، و"ما" نافية، أي: والحال أنه ليس في قلبه
_________________
(١) "لسان العرب" ٣/ ١٢٥.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٥٧.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٣.
[ ٤ / ١٠٥ ]
(مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أي: مقدار شيء قليل (مِنْ خَرْدَلٍ) "من" بيانيّة لـ "حبّة"، أي: هي خردلٌ، وهو: حَبُّ شجر معروف، قاله المجد - ﵀ - (^١)، وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ") متعلِّق بحال من "مثقال"؛ لتخصّصه بالإضافة، وتقدّم النفي عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْى أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا … يَبْغِ امْرُؤ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلَا
أي: حال كونه كائنًا من إيمان، قال القاري - ﵀ -: يحتمل أن يكون المراد منه نفي أصل الإيمان، أو كماله. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "من إيمان" قد يُفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمان، وليس كذلك، بل ذَكَرَ ذلك لكونها لازمة الإيمان. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: لعلّه إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: "إن الأمانة نزلت … إلخ" بالإيمان؛ لقوله آخرًا: "وما في قلبه حبّة خردل من إيمان"، فهلّا حملوها على حقيقتها؛ لقوله: "ويُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحدٌ يؤدّي الأمانة"، فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها؛ تفخيمًا لشأنها، وحثًّا على أدائها، قال - ﷺ -: "لا دين لمن لا أمانة له" (^٣). انتهى (^٤).
قال القاريّ - ﵀ - بعد نقله كلام الطيبيّ: إنما حملهم عليه ما ذُكر آخرًا، وما صُدّر أَوّلًا من قوله: "نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال"، فإن نزول الأمانة بمعنى الإيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين، ثم يعلمون إيقانه بتتبّع الكتاب والسنّة، وأما الأمانة فهي جزئيّة من كلّيّة ما يَتعلّق بالإيمان والقرآن، والله - ﷾ - أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا اختلاف بين من
_________________
(١) "القاموس المحيط" ض ٨٩٣.
(٢) "الفتح" ١١/ ٣٤٢ "كتاب الرقاق" رقم الحديث (٦٤٩٧).
(٣) تقدّم أنه حديث صحيح بلفظ: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ١١/ ٣٤٠٣ - ٣٤٠٤.
[ ٤ / ١٠٦ ]
حمل الأمانة عل ظاهر معناها التي هي العهود، وبين مَن حملها على الإيمان؛ لأن الإيمان الحقيقيّ مستلزم للأمانة التي هي العهود، وكذلك الأمانة مستلزمة له؛ لأن العهود شامل لما بين العباد وبين ربّهم، ولما يجري بينهم، والحديث - وإن كان ظاهرًا في معنى الأمانة التي هي العهد، فإن حُذيفة - ﵁ - إنما ساقه لبيان فقد الأمانة من الأمة، ورفعها عنهم، فقوله: "وُيصبح الناس يتبايعون … إلخ"، وقوله: "وما أبالي أيّكم بايعت … إلخ"، وقوله: "في كنت لأبايع إلَّا فلانًا وفلانًا"، كلّ هذا ظاهر في معناها الحقيقيّ - لكنه لا ينفي شموله للعهد الذي بين العباد وبين ربهم، فيكون الخلاف في هذا لفظيًّا.
والحاصل أن الأمانة هي كلّ العهود التي بين العباد وبين ربهم، وفيما بينهم، فدخل فيها الإيمان دخولًا أوّليًّا، ولذلك قال في الأخير: "وما في قلبه مثال حبّة من خردل من إيمان"؛ إشارةً إلى فقدها كلّيّةً، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمَانٌ) يشير حُذيفة - ﵁ - بهذا إلى أن حال الأمانة أَخَذَ في النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاته - ﵁ - في أول سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان لمه بقليل، فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير، فأشار إليه، قاله في "الفتح" (^١).
(وَمَما) نافية (أُبَالِي) أي لا أهتمّ، قال الفيّومي - ﵀ -: قولهم: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أهتمّ به، ولا أكترث له، ولم أُبال، ولم أُبَلْ؛ للتخفيف، كما حَذَفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصل: باليةٌ، مثلُ عافاه مُعافاةً وعافية، قالوا: ولا تُستعمل إلَّا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقَوْا، فمعنى لا أبالي: لا أُبادرُ إهمالًا له، وقال أبو زيد: ما باليتُ به مُبالاةً، والاسم الْبِلاءُ، وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحدّث به نفسك. انتهى (^٢).
(أيَّكُمْ) "أيَّ" استفهاميّة مفعول مقدّم وجوبًا لـ (بَايَعْتُ؟) أي: أيَّ شخص بايعت، مسلمًا كان أو غير مسلم.
_________________
(١) ١٣/ ٤٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٦٢.
[ ٤ / ١٠٧ ]
وقوله: (بايعت) يعني: البيع والشراء، لا المبايعة؛ لأن اليهوديّ والنصرانيّ لا يُبايع بيعة الإسلام، ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني: أن الأمانة قد رُفعت من الناس، فقلّ من يُؤمن على البيع والشراء، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان، ومراده أني كنت أعلم أن الأمانة لَمْ ترتفع، وأن في الناس وفاءً بالعهود، فكنت أُقْدِم على مبايعة مَن اتَفَقَ، غيرَ باحث عن حاله؛ وُثوقًا بالناس وأمانتهم، فإنه إن كان مسلمًا فدِينه، وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا فساعيه، وهو الوالي عليه، كان أيضًا يقوم بالأمانة في ولايته، فَيَستخرج حقّي منه، وأما اليومَ فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وُثوقٌ بمن أبايعه، ولا بالساعي في أدائهما الأمانة، في أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا، يعني: أفرادًا من الناس أعرفهم، وأثق بهم.
قال صاحب "التحرير"، والقاضي عياض رحمهما الله تعالى: وحمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها، من المعاقدة، والتحالف في أمر الدين، قالا: وهذا خطأ ممن قاله، وفي هذا الحديث مواضع تبطل قولَهُ، منها: "قوله: ولئن كان نصرانيًّا، أو يهوديًّا"، ومعلوم أن النصرانيّ واليهوديّ لا يُعاقَد على شيء من أمور الدين. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": مراده المبايعة في السِّلَع ونحوها، لا المبايعة بالخلافة، ولا الإمارة.
وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على مَن حَمَل المبايعة هنا على الخلافة، وهو واضح، ووقع في عبارته أن حُذيفة - ﵁ - كان لا يَرْضَى بأحد بعد عمر - ﵁ -، يعني: في الخلافة، وهي مبالغة، وإلا فقد كان عثمان - ﵁ - ولَّاه على المدائن، وقد قُتِل عثمان، وهو عليها، وبايع لعليّ - ﵁ -، وحَرَّضَ على المبايعة له، والقيام في نصره، ومات في أوائل خلافته.
والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أَوّلًا، كان يُقْدِم على مبايعة
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٥٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٠.
[ ٤ / ١٠٨ ]
مَن اتَّفَقَ من غير بَحْث عن حاله، فلما بدأ التغير في الناس، وظهرت الخيانة، صار لا يبايع إلَّا مَنْ يَعْرِف حاله.
ثم أجاب عن إيرادٍ مُقَدَّر، كأنّ قائلًا قال له: لَمْ تزل الخيانة موجودةً؛ لأن الوقت الذي أشرتَ إليه، كان أهل الكفر فيه موجودين، وهم أهل الخيانة.
فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه كان يَثِقُ بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلّ عَمَلٍ قَلَّ أو جَلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه، وتخليص حقِّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه، فإنه صار لا يبايع إلَّا أفرادًا من الناس يَثِقُ بهم.
وقال ابن العربيّ - ﷾ -: قال حذيفة - ﵁ - هذا القول لَمّا تغيرت الأحوال التي كان يَعرفها على عهد النبوة والخليفتين، فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكَنَى عن الإيمان بالأمانة، وعَمّا يخالف أحكامه بالخيانة. انتهى، ذكره في "الفتح" (^١).
(لَئِنْ) اللام هي اللام الموطّئة للقسم، و"إن" شرطيّة، وجوابها محذوف؛ لتأخّرها، ودلالة جواب القسم عليه، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ … جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
(كَانَ) الذي أبايعه (مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَى دِينُهُ) إذ الإيمان يدعو إلى أداء الأمانة؛ امتثالًا لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٥٨] (وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) أي: الوالي عليه؛ لأنهم في ذلك الوقت لا يولّون إلَّا من كان مستقيمًا في دينه، قادرًا على إيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه، وردع أهل الفساد والبغي عن ظلمهم.
وقال في "الفتح": قوله: "ساعيه" أي: واليه الذي أُقيم عليه لِيُنصِف منه، وأكثر ما يُستعمل الساعي في وُلاة الصدقة، وَيحتمل أن يراد به الذي يتولّى قبض الجزية. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: ١٣/ ٤٤.
(٢) "الفتح" ١١/ ٣٤٢.
[ ٤ / ١٠٩ ]
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على متولّي قبض الجزية في هذا الحديث بعيدٌ، فالصواب المعنى الأول، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَّا الْيَوْمَ) أي: في الوقت الذي يتحدّث به بهذا الحديث (فَمَا كُنْتُ لِأُبايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أشخاصًا معيّنين يَثِق بهم وبدينهم وأماناتهم، وقال في "الفتح": يحتمل أن يكون ذَكَره بهذا اللفظ، ويَحتمل أن يكون سمَّى اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك، فأبهمهما الراوي، والمعنى: لستُ أَثِقُ بأحد أئتَمِنه على بيع، ولا شراء إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٧/ ٣٧٤ و٣٧٥] (١٤٣)، و(البخاريّ) في "الرّقَاق" (٦٤٩٧)، و"الفتن" (٧٠٨٩)، و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٧٦)، و(الترمذيّ) في "الفِتَن" (٢١٧٩)، و(ابن ماجة) في "الفتن" (٤٠٥٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٢٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤١ و١٤٢)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٦٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان رفع الأمانة عن القلوب، وهي التكاليف والعهود التي كلّف الله - ﷿ - عباده بها، فهي شاملة للإيمان، وهذا وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابة - ﵃ - حيث إنهم آمنوا، ثم تعلموا الكتاب والسنّة، ثم عملوا بهما؛ لأن هذا الإيمان يكون أرسخ، وأعمق،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٤٢ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٩٧).
[ ٤ / ١١٠ ]
وألزم للقلب، بخلاف العكس، ولذلك ذمّ الله تعالى الأعراب حيث قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، فالامتثال الظاهريّ إذا لَمْ يسبقه الاعتقاد الباطنيّ لَمْ يُعتبر.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - برفع الأمانة، فوقع كما أخبر به.
٤ - (ومنها): سرعة تقلّب القلوب بسبب كثرة وقوع الفتن، حيث إن الرجل ينام، فيقوم، فلا يجد قلبه على حاله قبل النوم، بل يتغيّر - سبحان من يقلّب القلوب والأبصار. ولهذا كان النبيّ - ﷺ - يُكثر من الدعاء بثبات قلبه على الإيمان، فقد أخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن أنس - ﵁ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - يُكثر أن يقول: "يا مقلّب القلوب، ثَبّتْ قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله، آمَنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يُقَلِّبها كيف يشاء".
٥ - (ومنها): بيان فضل قرن الصحابة - ﵃ - على من بعدهم، حيث كانت الأمانة كاملة فيهم.
٦ - (ومنها): استعمال التشبيه في التعليم؛ لزيادة الإيضاح.
٧ - (ومنها): بيان أن فضل الإنسان في كمال أمانته، لا في كمال قوّته، وشجاعته، وحسن تدبيره في الأمور الدنيويّة، فإن هذه لا اعتبار لها إلَّا مع قوّة الإيمان وكماله.
٨ - (ومنها): أن حسن الوفاء بالعهد، وحسن التعامل مع الناس يدلّ على كون الإنسان أمينًا، وأن الخيانة تنافي الإيمان؛ لأنَّها من صفات المنافق، كما سبق حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَلّةٌ منهن، كانت فيه خُلَّة من نفاق، حتى يَدَعَها، إذا حَدّث كَذَب، وإذا عاهد غدر، وإذا وَعَد أخلف، وإذا خاصم فجر"، متَّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٤ / ١١١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، (ع) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمون ٨١، (ت ١٨٧) وقيل: سنة (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وإسحاق: هو ابن راهويهْ تقدّم في الباب الماضي، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن الثلاثة، وهم: عبد الله بن نُمير، ووكيع، وعيسي، كلهم رووه عن الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حُذيفة - ﵁ -، ومتنه مثل متنه.
[تنبيه]: أما طريق وكيع، فقد ساقها المصنّف في الحديث الماضي، وأما طريق عبد الله بن نُمير، فساقها الحافظ أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" (١/ ٥٢)، فقال:
(١٤١) حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا عبد الله بن نُمير، قال: ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: حدّثنا رسول الله - ﷺ - حديثين، فرأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة تنزل في جِذْر قلوب الرجال، ونزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدَّثنا
[ ٤ / ١١٢ ]
عن رفعها - يعني: الأمانة - فينام الرجل النومة، فتُقبَض الأمانة من قلبه، فيَظَلّ أثرها كأثر الوَكْت، ثم ينام النومة، فتُنْزَع الأمانة من قلبه، فَيَظَلّ أثرها كأنها المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك، فَنَفِطَ، فتراه مُنتبِرًا، وليس فيه شيء، ولقد كنت وما أبالي أيَّكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا، لَيَرُدّنَه عليّ دينه، وإن كان نصرانيًّا ليردنه عليّ ساعيه، وأما اليوم فإني لَمْ أكن لأبايع منكم إلَّا فلانًا وفلانًا، فيصبح الناس يتبايعون، وما يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، وحتى يقال للرجل: ما أجلده، وما أظرفه، وأعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". انتهى.
وأما طريق عيسى بن يونس، فساقها الإمام ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه" (١٥/ ١٦٤)، فقال:
(٦٧٦٢) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حُذيفة، قال: حَدّثنا رسول الله - ﷺ - حديثين، فرأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أنّ الأمانة نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال، ونَزَل القرآن، فعلموا من القرآن، وعَلِمُوا من السنة، ثم حدّثنا عن رفعها، قال: ينام الرجال نومة، فتُقْبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرُها مثل أَثَر الوَكْت، ثم ينام الرجل نومةً، فتُقبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك، فتراه مُنتبرًا، وليس فيه شيء، فيُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحدٌ يُؤدّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، وحتى يقال للرجل: ما أجلده، وأطرفه (^١)، وأعقله، وليس في قلبه مثقال حبة خردل من خير، ولقد أتى عليّ زمان، وما أُبالي أيَّكم بايعته، لئن كان مؤمنًا ليردنَّه عليّ دينُه، ولئن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا ليردنَّه عليّ ساعيه، فأما اليوم في كنت أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا. انتهى، الله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) هكذا النسخة "أطرفه" بالطاء المهملة، خلافًا لبقيّة الروايات؛ فليُحرّر، والله أعلم.
[ ٤ / ١١٣ ]