وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦] (١٤٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ - عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِه، قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أنا، قَالَ: أَنْتَ للهِ أَبُوكَ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوب، كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبِ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْن، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ، مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ"، قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا لَا أَبَا لَكَ؟ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ، أَوْ يَمُوتُ، حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: مَنْكُوسًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ) الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٢ - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) أبو مالك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
[ ٤ / ١١٤ ]
٣ - (رِبْعِيّ) بن حِرَاش العَبْسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
وشيخ المصنّف، والصحابيّ تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى سعد بن طارق، فعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعني: سليمان بن حيّان"، وذلك أن شيخه ابن نمير لَمْ يذكر شيخه باسمه، وإنما ذكره بكنيته، فأراد المصنّف أن يبيّنه لمن يُحدِّثهم، فزاد كلمة "يعني"؛ فصلًا بين كلامه وكلام شيخه، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوغ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بِـ "أَنَّ" … أَوْ بِـ "هُو" أنها إِذَا أتَمَّهُ أَوَّلَه
أَجِزْهُ فِي البَاقِي لَدَى الجُمْهُورِ … وَالفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
وقد تقدمت إحالة هذا غير مرّة، وإنما أعدّته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم: سعد، عن رِبعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ رِبْعِيٍّ) - بكسر الراء، وسكون الموحدة - ابن حِرَاش - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة -.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه المصنّف هنا من طريق أبي خالد الأحمر، عن رِبْعيّ، وتابعه مروان بن معاوية، ونعيم بن أبي هند في الروايتين التاليتين، وأخرجه البخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وتابعه جامع بن شدّاد، عن أبي وائل.
[ ٤ / ١١٥ ]
[فإن قلت]: كيف اختار المصنّف - ﵀ - رواية أبي خالد الأحمر، وأحال غيرها عليها، مع أن غيره أحفظ منه؟.
[قلت]: لعله اختارها لكونها مسموعة له، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
(عَنْ حُذَيْفْةَ) بن اليمان - ﵄ -، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ -، وفي رواية مروان بن معاوية التالية: "لَمّا قَدِم حُذيفة من عند عمر، جلس، فحدّثنا، فقال: إن أمير المؤمنين أمسِ لَمّا جلس سأل أصحابه، أيّكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتن … "، وفي رواية نُعيم بن أبي هند، الآتية: "أن عمر قال: من يُحدّثنا؟ أو قال: أيّكم يحدّثنا؟ وفيهم حُذيفة … إلخ".
(فَقَالَ) أي: عمر - ﵁ - (أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)، وفي الرواية الآتية في "الفتن" من طريق الأعمش، عن شقيق، عن حُذيفة قال: "كنا عند عمر، فقال: أيّكم يحفظ حديث رسول الله - ﷺ - في الفتنة كما قال؟ " (يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟) - بكسر، ففتح -: جمع فتنة، قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء، والامتحان، والاختبار، قال القاضي عياض - ﵀ -: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كَشَفَه الاختبارُ عن سوء، قال أبو زيد: فُتِن الرجلُ يُفْتَن فُتُونًا: إذا وَقَع في الفتنة، وتَحَوّل من حال حسنة إلى سيئة.
(فَقَالَ قَوْمٌ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية في "الفتن" المذكورة: "قال: أنا، قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ … "، ولفظ البخاريّ: "أنا أحفظ كما قال، قال: هاتِ إنك لجريء".
ويمكن الجمع بأنه شارك بعض الناس حذيفة في كونه سمعه منه - ﷺ -، ولكن حذيفة - ﵁ - تولّى الجواب، والله تعالى أعلم.
(نَحْنُ سَمِعْنَاهُ) - ﷺ - يذكر الفتنة (فَقَالَ) عمر - ﵁ -، وظاهر هذه الرواية أن عمر - ﵁ - سمع هذا من النبيّ - ﷺ - "، كما سمعه حُذيفة - ﵁ - (لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ) أي: تقصدون بالفتنة التي سمعتموها منه - ﷺ - " (فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ) ولفظ رواية الأعمش المذكورة: "فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره، يكفّرها الصيام، والصلاة … ".
قال القرطبيّ - ﵀ -: الأهل، والمال، والولد أمورٌ يُمتَحَن الإنسان بها،
[ ٤ / ١١٦ ]
ويُخْتَبَر عندها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية [التغابن: ١٥]؛ أي: مِحنةٌ تُمتَحنون بها حتى يظهر منكم ما هو خفيّ عمن يُشكل عليه أمركم. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده ضُرُوب من فَرْط محبته لهم، وشُحّه عليهم، وشُغْله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقوله - ﷺ -: "الولدُ مَجْبَنةٌ مَبْخَلة" (^٢)، أو لتفريطه في القيام بما يَلزم من حقوقهم، وتأديبهم، وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسؤول عنهم، كما قال - ﷺ -: "كلّكم راع، ومسؤولٌ عن رعيّته"، متّفقٌ عليه، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا، فهذه كلُّها فِتَنٌ تقتضي المحاسبةَ، ومنها ذنوب يُرْجَى تكفيرها بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤]. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٣).
(قَالُوا: أَجَلْ) كنَعَم وزنًا ومعنًى، قال المجد - ﵀ -: أَجَلْ: جوابٌ كنَعَم، إلَّا أنه أحسن منه في التصديق، ونَعَم أحسن منه في الاستفهام. انتهى (^٤).
(قَالَ) عمر - ﵁ - (تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ) ولفظ الأعمش الآتية في "الفتن": "قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره، تكفّرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
قال في "الفتح": قال بعض الشرَّاح: يَحتَمِلُ أن يكون كلُّ واحدة من الصلاة وما معها مكفِّرةً للمذكورات كلِّها، لا لكل واحدة منها، وأن يكون من باب اللَّفّ والنشر بأن الصلاة مثلًا مكفِّرة للفتنة في الأهل، والصوم في الولد … إلخ.
قال: والمراد بالفتنة ما يَعْرِض للإنسان مع مَن ذُكِر من البشر، أو الالتهاء بهم، أو أن يأتي لأجلهم بما لا يَحِلّ له، أو يُخِلّ بما يجب عليه.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٢) حديث صحيح أخرجه ابن ماجة في "سننه" رقم (١٢٥٩).
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٥ - ٥٦٧.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٨٦٤.
[ ٤ / ١١٧ ]
واستَشْكَلَ ابنُ أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرمات، والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تُسقِط ذلك، فإن حُمِل على الوقوع في المكروه، والإخلال بالمستحبّ، لَمْ يناسب إطلاق التكفير.
والجواب التزام الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرةً، فهي التي فيها النزاع، وأما الصغائر فلا نزاع أنَّها تُكَفَّر؛ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١].
وقال الزين ابن المُنَيِّر - ﵀ -: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن أو عليهن في القسمة والإيثار، حتى في أولادهنّ، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهنّ، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو بحبسه عن إخراج حقّ الله، والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كلّ أحد، والفتنة بالجار تقع بالحسَد، والمفاخرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاقد.
ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذُكِر منحصرة فيما ذَكرتُ من الأمثلة.
وأما تخصيص الصلاة، وما ذُكر معها بالتكفير، دون سائر العبادات، ففيه إشارةٌ إلى تعظيم قدرها، لا نَفْيُ أنّ غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير.
ثم إن التكفير المذكور يَحْتَمِل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة، ويَحْتَمِل أن يقع بالموازنة، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن أبي جمرة - ﵀ -: خَصَّ الرجل بالذكر لأنه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نَبَّهَ بها على ما عداها، والضابط أن كُلَّ ما يَشْغَل صاحبه عن الله، فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تَخْتَصّ بما ذُكِر، بل نَبَّه به على ما عداها، فذَكَر من عبادة الأفعال الصلاةَ والصيامَ، ومن عبادة المال الصدقةَ، ومن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف. انتهى (^١).
قال عمر - ﵁ -: "ليس هذا أريد" (وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟) وفي رواية الأعمش: "إنما أريد التي تموج كموج
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٧٠٠ "كتاب المناقب" حديث رقم (٣٥٨٦).
[ ٤ / ١١٨ ]
البحر"، أي: تضطرب، وَيدْفَع بعضها بعضًا، وكلُّ شيء اضطرب، فقد ماج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية [الكهف: ٩٩]، وشبّهها بموج البحر؛ لشدة عظمها، وكثرة شيوعها (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "تموج كموج البحر": أي: تضطرب اضطرابَ البحر عند هَيَجَانه، وكَنَى بذلك: عن شِدّة المخاصمة، وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة. انتهى.
(قَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ - (فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ) بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور أهل اللغة: سَكَت، وأسكت لغتان، بمعنى صَمَتَ، وقال الأصمعيّ: سكت القوم: صَمَتُوا، وأسكتوا: أطرقوا، قال الهرويّ: ويكون سكت بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٤]، وبمعنى انقطع، تقول العرب: جرى الوادي ثلاثًا، ثم سكت؛ أي: انقطع، ويقال: هو السكوتُ، والسُّكَاتُ، وسَكَتَ يَسكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا.
وإنما سكت القوم؛ لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما حفظوا النوع الأول (^٢).
قال حذيفة - ﵁ - (فَقُلْتُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره لدلالة السؤال عليه، أي: أنا أحفظها (قَالَ: أَنْتَ) مبتدأ محذوف الخبر أيضًا مع أداة الاستفهام، أي: أأنت تحفظها، والاستفهام تعجّبيّ، وقوله: (لِلَّهِ أَبُوكَ؟) كلمةُ مَدْحٍ، تَعْتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بيتُ الله، وناقةُ الله، قال صاحب "التحرير": فإذا وُجِدَ من الولد ما يُحْمَد، قيل له: لله أبوك، حيث أتى بمثلك. انتهى.
وفي رواية الأعمش، عن شقيق الآتية في "الفتن": "قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا"، أي: لا يَخرُج منها شيء في حياتك.
قال ابن الْمُنَيِّر: آثر حذيفة - ﵁ - الحرصَ على حفظ السرّ، ولم يُصَرِّح
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٧ - ٥٦٨، و"المفهم" ١/ ٣٥٨، و"شرح النوويّ" ٢/ ١٧١.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٨، و"المفهم" ١/ ٣٥٨، و"شرح النوويّ" ٢/ ١٧١.
[ ٤ / ١١٩ ]
لعمر بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذونًا له في مثل ذلك.
وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون حذيفة عَلِم أن عمر يُقْتَل، ولكنَّه كَرِهَ أن يخاطبه بالقتل؛ لأن عمر كان يَعْلَم أنه الباب، فأَتَى بعبارة يَحصُل بها المقصود بغير تصريح بالقتل. انتهى.
قال الحافظ: وكأنهْ مَثَّلَ الفتن بدار، ومَثَّل حياةَ عمر بباب لها مُغْلَقٍ، ومَثَّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودةً فهي الباب المغلَقُ، لا يَخرُج مما هو داخل تلك الدار شيءٌ، فإذا مات فَقَد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار. انتهى (^١).
(قَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ - (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ) فعلٌ، ونائب فاعله (عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ) أي: تَلْصَقُ الفتن بعَرْض القلوب، أي: جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويؤثّر فيه شدّةُ التصاقه به.
وقال ابن الأثير ﵀: أي: توضع عليها، وتُبْسط كما يُبْسط الحصير، وقيل: هو من عَرْض الْجُنْد بين يدي السلطان لإظهارهم، واختيار أحوالهم. انتهى (^٢).
وقوله: (عُودًا عُودًا) قال ابن الأثير ﵀: هكذا الرواية بالفتح؛ أي: مرّةً بعد مرّة، ورُوي بالضمّ، وهو واحد العِيدان، يعني: ما يُنسج به الحَصِير من طاقاته، ورُوي بالفتح مع ذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن. انتهى (^٣).
وقال النوويّ ﵀: هذان الحرفان مما اختُلِف في ضبطه على ثلاثة أوجه:
[أظهرها وأشهرها]: عُودًا بضم العين، وبالدال المهملة.
[والثاني]: بفتح العين، وبالدال المهملة أيضًا.
[والثالث]: بفتح العين، وبالذال المعجمة، ولم يذكر صاحب "التحرير" غير الأول.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كالحصير عُودًا عُودًا" قُيِّد ثلاث تقييدات،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٧٠١ "كتاب المناقب" (٣٥٨٦).
(٢) "النهاية" ٣/ ٢١٥.
(٣) "النهاية" ٣/ ٣١٧ - ٣١٨.
[ ٤ / ١٢٠ ]
قيّده القاضي الشهيد (^١) بفتح العين المهملة، والذال المعجمة، وقيّده أبو بحر سفيان بن العاصي بضمّ العين، ودال مهملة، واختار أبو الحسين بن سراج فتح العين والدال المهملة.
فمعنى التقييد الأول: سؤال الإعاذة، كما يقال: غَفْرًا غَفْرًا، أي: اللهمّ اغفر، اللهمّ اغفر.
وأما التقييد الثاني: فمعناه أن الفِتَنَ تتوالى واحدةً بعد أخرى، كنسج الحصير عُودًا بإزاء عود، وشطبةً بإزاء شطبة (^٢)، أو كما يُناوِلُ مهيّئ القُضبان للناسج عُودًا بعد عُود.
وأما التقييد الثالث: فمعناه قريبٌ من هذا، يعني: أن الفتنة كلّما مضت عادت، كما يفعل ناسج الحصير، كلّما فَرَغَ من موضع شطبة، أو عُود عاد إلى مثله، والمعنى الثاني أمكن، وأليق بالتشبيه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٣).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: كذا روينا هذا الحرف عن القاضي الشهيد بفتح العين والذال المعجمة في الأمّ، وضبطناه على ابن العاصي وغيره "عُودًا عُودًا" بضمّ العين، ودال مهملة، ووقع عند بعضهم "عَوْدًا عَوْدًا" بفتح العين، وبالدال المهملة أيضًا، وهو اختيار شيخنا أبي الحسن بن سِرَاج من جميع وجوه رواياته، قال لي: ومعنى "تُعْرَضُ" أي: كأنها تَلْصَق بِعَرْض القلوب، أي: جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويُؤَثِّر فيه شدّةُ لَصْقها به، قال: ومعنى "عَوْدًا عَوْدًا": أي: تُعادُ وتُكَرَّر عليه شيئًا بعد شيء، قال: ومن رواه بالذال المعجمة، فمعناه سؤال الإعاذة منها، كما يقال: غَفْرًا غَفْرًا، وغُفْرَانَك، وبذلك انتصب، أي: نسألك أن تُعيذنا من ذلك، وأن تَغْفِر لنا.
قال القاضي: وأما غيره ممن باحثناه من شيوخنا، وكاشفناه عن هذا،
_________________
(١) هو أبو عليّ الحسين بن محمد الصدفيّ.
(٢) "الشَّطْبَة" بفتح، فسكون: سَعَفَةُ النخل الخضراء، وجمعها شَطْبٌ، مثل: تمرة وتمر. اهـ. "المصباح" ١/ ٣١٢.
(٣) "المفهم" ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩.
[ ٤ / ١٢١ ]
وهو الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان، فقال: معناه تُعْرَضُ على القلوب، أي: تُظْهَرُ لها فتنة بعد أخرى.
وقوله: "كالحصير": أي: كما يُنْسَج الحصير عُودًا عُودًا، وشَطْبَةً بعد أخرى.
قال القاضي: وعلى هذا تترجَّح روايةُ ضم العين، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب يَحتاج إلى مُنَقّ للقُضْبان لأخذ الشَّطْب، وهو قُشُورُها، ولِحَاؤُها التي تُصنع منه، ومُصْلِحٍ لها، ثم يمكنها الناسجُ الحصير، ويَعْرِضها واحدًا واحدًا، كلما صنع واحدةً، ونسجها ناوله أخرى، قال قيس بن الخطيم الأنصاريّ [من الطويل]:
تَرَى قِصَدَ المُرّان تُلْقِي كَأَنَّهَا … تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ (^١)
والخِرْصَانُ القُضْبان.
فشَبَّهَ عَرْضَ الفِتَن على القلوب واحدة بعد أخرى بِعَرْض شَطْب الحصير على صانعها قضيبًا قضيبًا، وشَطْبَةً شَطْبةً، وهو معنى قوله: "عُودًا عُودًا"، وهو معنى الحديث عندي، وهو الذي يدلّ عليه سياق لفظه، وصحة تشبيهه.
وقال الهَرَويّ: معناه أنها تُحيط بالقلوب، يُقال: حَصَرَ به القومُ، أي: أطافوا به، وقال الليث: حَصِير الجنب عِرْقٌ يَمتدّ مُعترضًا على جنب الدابّة إلى ناحية بطنها، شَبّهها به، قال: وقيل: إنه أراد عَرْضَ السَّجْن، والحَصِير السَّجْنُ، قال الله - ﷿ -: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، ومُراده عَرْضُ أهل السجن على قيّمه. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأقوال عندي وأوضحها ضبطًا ومعنًى هو الذي رجحه عياض، وأشار إليه القرطبيّ رحمهما الله تعالى، وهو أنه بضمّ العين، والمراد تشبيه عَرْضِ الفِتَن على القلوب واحدة بعد أخرى
_________________
(١) قِصَدُ المرّان: هي أغصان شجر الرماح، والشواطب جمع شاطبة، وهي المرأة التي تشطب الجريد؛ أي تشقّقه لتعمل منه الحُصُر، و"الخُرصان" جمع خرص: الجريد من النخل، انظر ما كتبه في هامش: "الإكمال" ١/ ٥٧١.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦٩ - ٥٧٢.
[ ٤ / ١٢٢ ]
بعَرْض عُود الحصير على صانعها قضيبًا قضيبًا، والله تعالى أعلم.
(فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا) أي: دخلت فيه دُخولًا تامًّا، وأُلزمها، وحَلَّت منه محلَّ الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٩٣]، أي: حبّ العجل وأشربوا في قلوبهم العجل، ومنه قولهم: ثوبٌ مُشْرَبٌ بحمرة، أي: خالطته الحمرة مخالطةً لا انفكاك لها (نُكِتَ) بالبناء للمفعول؛ أي: نُقِطَ فيه (فِيهِ نُكْتَةٌ) أي: نُقْطَةٌ (سَوْدَاءُ) قال في "القاموس": "النُّكتة بالضمّ: النُّقْطة، جمعه نِكَاتٌ، كبِرَامٍ، وشِبْهُ الوَسَخِ في المِرآة. انتهى (^١). وقال في "المصباح": النُّكْتةُ في الشيء؛ كالنقطة، والجمع نُكَتٌ ونِكَاتٌ، مثلُ بُرْمة وبُرَم وبِرَامٍ، ونُكَاتٌ. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى نُكِتَ نُكْتَةٌ: نُقِطَ نُقْطة، وهي بالتاء المثنّاة في آخره، قال ابن دُرَيد وغيره: كلُّ نُقْطَة في شيء بخلاف لونه، فهو نَكْتٌ. انتهى.
ومعنى أنكرها: ردها، والله اعلم.
(وَأَيُّ قَلْب أَنْكَرَهَا) أي: ردّ تلك الفتنة المعروضة عليه، ولم يَقبلها (نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ) الضمير للقلوب، أي: حتى تصير قلوب الناس في ذلك الوقت (عَلَى قَلْبَيْنِ) أي: منقسمةً على قسمين: قسم قلبٌ (عَلَى أَبْيَضَ) أي: قلب أبيض، فحَذَفَ الموصوف؛ للعلم به، وأقام الصفة مُقامه (مِثْلِ الصَّفَا) بالجرّ صفة لـ "أبيض"، وليس تشبيهه بالصَّفَا من جهة بياضه، ولكن من جهة صلابته وشدّته على عقد الإيمان، وسلامته من الخَلَل، وأن الفِتَن لم تَلْصَق به، ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يَعْلَق به شيء بخلاف الآخر الذي شبّهه بالْكُوز الخاوي؛ لأنه فارغٌ من الإيمان والأمانة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، قيل: لا تَعِي خيرًا. انتهى (^٣).
(فَلَا تَضُرُّهُ) أي: القلب الموصوف بما ذُكر (فِتْنَةٌ) وقوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) أراد به التأبيد، أي: إن ذلك القلب لا تصيبه فتنة، ولا
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١٤٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٤.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٧٣، و"المفهم" ١/ ٣٥٩.
[ ٤ / ١٢٣ ]
تضرّه أبد الآبدين (وَ) القلب (الْآخَرُ) قلبٌ (أَسْوَدُ، مُرْبَادًّا) منصوب على الحال، قال القرطبيّ ﵀: قُيِّد ثلاثَ تقييدات: "مُرْبَادّ" مُفْعَالٌّ، من اربادّ، مثلُ مُصْفَارّ، من اصفَارّ، وهو رواية الخُشنيّ، عن الطبريّ، و"مُرْبَدٌّ" مثلُ مُسْوَدّ، ومُحْمَرّ، من اربدّ، واسوَدّ، واحمَرّ، وهو تقييد أبي مَرْوان بن سراج، و"مُرْبَئِدّ" بالهمز، قيَّده العُذريّ، وكأنه من اربأَدّ لغة، وقال بعض اللغويين: احمرّ الشيءُ، فإذا قَوِيَ قيل: احْمَارّ، فإذا زاد قيل: احمأرّ بالهمز، فعلى هذا تكون تلك الروايات صوابًا كلُّها.
قال أبو عبيد، عن أبي عمرو، وغيره: الربدة: لونٌ بين السواد والغبرة، وقال ابن دُريد: الربدة: الكُدْرةُ، وقال الحربيّ: هي لون النَّعَام، بعضه أسود، وبعضه أبيض، ومنه اربدّ لونه: إذا تغيّر، ودخله سوادٌ، وإنما سُمّي النعام ربدًا؛ لأن أعالي ريشها إلى السواد، وقال نفطويه: المُرْبدّ الملمّع بسواد وبياض، ومنه تربّد لونه؛ أي: تلوّن، فصار كلون الرماد. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله: "مُرْبادًّا"، فكذا هو في روايتنا، وأصول بلادنا، وهو منصوب على الحال، وذكر القاضي عياض ﵀ خلافًا في ضبطه، وأن منهم مَن ضَبَطه كما ذكرناه، ومنهم مَن رواه "مُرْبَئِدّ" بهمزة مكسورة بعد الباء، قال القاضي: وهذه رواية أكثر شيوخنا، وأصله أن لا يُهْمَز، ويكون مُرْبَدّ مثل مُسْوَدّ، ومُحْمَرّ، وكذا ذكره أبو عبيد، والهرويّ، وصححه بعض شيوخنا، عن أبي مروان بن سراج؛ لأنه من ارْبَدّ إلا على لغة مَن قال: احْمَأَرّ بهمزة بعد الميم؛ لالتقاء الساكنين، فيقال: ارْبَأَدّ، ومُرْبَئِدّ، والدال مشدّدة على القولين، وسيأتي تفسيره. انتهى (^٢).
(كَالْكُوزِ) بضمّ الكاف: إناء بعروة يُشرب فيه الماء، جمعه كِيزَان (^٣) (مُجَخِّيًا) بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة، معناه: مائلًا، كذا قاله الهرويّ وغيره، وفسره الراوي في الكتاب بقوله: "منكوسًا"، وهو قريب من معنى المائل.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٣.
(٣) راجع: "المعجم الوسيط" ٢/ ٨٠٤.
[ ٤ / ١٢٤ ]
وقال ابن الأثير ﵀: "المُجَخّي": المائلُ عن الاستقامة والاعتدال، فشَبَّهَ القلب الذي لا يَعِي خيرًا بالكوز المائل الذي لا يَثْبُتُ فيه شيءٌ. انتهى (^١).
قال القاضي عياض ﵀: قال لي ابن سراج: ليس قوله: "كالكوز مُجَخِّيًا" تشبيهًا لما تقدم من سواده، بل هو وصف آخرُ من أوصافه، بأنه قُلِبَ ونُكِّس حتى لا يَعْلَق به خيرٌ، ولا حِكْمة، ومَثَّله بالكوز المُجَخِّي، وبَيَّنه بقوله: "لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ".
وقال أبو عبيد: "المُجخّي": المائل، ولا أحسبه أراد بميله إلا أنه مُنْخَرِقُ الأسفل، شبّه به القلب الذي لا يعي خيرًا، كما لا يثبتُ الماء في الكُوز المنخرق.
وتعقّب القاضي عياض كلام أبي عبيد هذا، فقال: إذا كان مقلوبًا منكوسًا لم يثبُت فيه شيء، وإن لم يكن منخرقًا. انتهى (^٢). وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم.
(لَا يَعْرِفُ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير القلب الموصوف بما ذُكر (مَعْرُوفًا) أي: أمرًا عُرِف بالشرع حسنُهُ وثوابه (وَلَا يُنْكِرُ) بالبناء للفاعل أيضًا (مُنْكَرًا) أي: ما أُنكر في الشرع، ونُهي عنه (إِلا مَا أُشْرِبَ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنْ هَوَاهُ") بيان لـ"ما"، أي: ما تهواه نفسه بغير إذن شرعيّ، كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
وقال صاحب "التحرير": معنى الحديث أن الرجل إذا تَبعَ هواه، وارتكَبَ المعاصي دَخَلَ قَلْبَهُ بكل معصية يتعاطاها ظلمةٌ، وإذا صار كذلك افْتُتِنَ، وزال عنه نور الإسلام، والقلبُ مثلُ الكوز، فإذا انكَبّ انصَبّ ما فيه، ولم يَدْخُله شيء بعد ذلك. انتهى (^٣).
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٢٤٢.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٥٧٥.
(٣) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٣.
[ ٤ / ١٢٥ ]
(قَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ - (وَحَدَّثْتُهُ) أي: عمرَ - ﵁ - (أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا) أي: الفنتة (بَابًا مُغْلَقًا) معناه أنّ تلك الفِتَن لا يَخرُج شيءٌ منها في حياتك.
وفي رواية للبخاريّ: "يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مُغْلقًا".
قال في "الفتح": وكأنه مثّل الفِتَنَ بدار، ومَثَّل حياةَ عمر - ﵁ - بباب لها مُغلَق، ومثّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودةً فهي الباب المُغلَق لا يخرُج مما هو داخل تلك الدار شيء، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار. انتهى (^١).
(يُوشِكُ) بضمّ الياء، وكسر الشين، أي: يَقرُبُ (أَنْ يُكْسَرَ) بالبناء للمفعول (قَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (أَكَسْرًا) مفعول مطلق لفعل مقدّر، أي: أيُكسَر كسرًا، فإن المكسور لا يُمكن إعادته، بخلاف المفتوح، ولأن الكسر لا يكون غالبًا إلا عن إكراه، وغَلَبةٍ، وخلاف عادة.
وفي رواية الأعمش المذكورة: "قال: يُفتح الباب، أو فَيُكسَرُ الباب أم يُفتح؟ قال: قلت: لا، بل يُكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يُغلق أبدًا"، ولفظ البخاريّ في "الصيام": "ذاك أجدر أن لا يُغلق إلى يوم القيامة".
قال ابن بطال ﵀: إنما قال ذلك؛ لأن العادة أن الغَلْق إنما يقع في الصحيح، فأما إذا انكسر فلا يُتَصَوَّر غلقه حتى يُجْبَر. انتهى.
قيل: "ويحتمل أن يكون كَنَى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر" (^٢).
(لَا أَبَا لَكَ؟) قال صاحب "التحرير": هذه كلمة تَذْكُرُها العرب للحثّ على الشيء، ومعناها أن الإنسان إذا كان له أبٌ، وحَزَبَهُ أَمْرٌ، ووَقَع في شدّة عاونه أبوه، ورفع عنه بعضَ الكَلّ، فلا يَحتاج من الجِدّ والاهتمام إلى ما يَحتاج إليه حالةَ الانفراد، وعدم الأب المعاون، فإذا قيل: لا أبا لك، فمعناه: جِدَّ في هذا الأمر، وشَمِّر، وتَأَهَّبْ تَأَهُّبَ مَن ليس له مُعاوِن. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٧٠١ "كتاب المناقب" (٣٥٨٦).
(٢) راجع: ٦/ ٧٠١ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٥٨٦).
(٣) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٣.
[ ٤ / ١٢٦ ]
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أكسرًا لا أبا لك" استعظامٌ من عمر - ﵁ -؛ لِكَسْر ذلك الباب، وخوفٌ منه ألا ينجبر؛ لأن الكسر لا يكون إلا عن إكراه وغَلَبة، فكأنّ الباب المغلق عن دخول الفتن على الإسلام عمر - ﵁ -، وكسرُهُ قتلُهُ.
واللامُ في "لا أبا لك" مُقحمة، وكذلك في قولهم: "لا يَدَيْ لفلان بهذا الأمر"، ولا تُريد العربُ بهذا الكلام نفيَ الأبوّة حقيقة، وإنما هو كلامٌ جرى على ألسنتهم كالمثل، ولقد أبدع البديعُ حيث قال في هذا المعنى:
وَقَدْ يُوحِشُ اللَّفْظُ وَكُلُّهُ وُدٌّ … وَيُكْرَهُ الشَّيءُ وَمَا مِنْ فِعْلِهِ بُدُّ
هذه العرب تقول: "لا أبا لك" للشيء إذا أهمّ، و"قاتله الله"، ولا يُريدون به الذمّ، و"ويلُ أمه" للأمر إذا تمّ، والإلباب (^١) في هذا الباب أن يُنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا، فهو الولاء، وإن خَشُنَ، وإن كان عدوًّا فهو البلاء، وإن حَسُن. انتهى (^٢).
(فَلَوْ أَنَّهُ) أي: ذلك الباب (فُتِحَ) بالبناء للمفعول (لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ) إنما قال عمر - ﵁ - ذلك اعتمادًا على ما عنده من النصوص الصريحة في وقوع الفتن في هذه الأمة، ووقوع البأس بينهم إلى يوم القيامة.
قال حذيفة - ﵁ - (قُلْتُ: لَا) أي: لا يُفتح (بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ) هو عمر بن الخطاب - ﵁ -، كما جاء مُبَيَّنًا في الصحيح (يُقْتَلُ) بالبناء للمفعول (أَوْ يَمُوتُ) قال ابن الْمُنيّر ﵀: آثر حذيفة - ﵁ - الحرص على حفظ السرّ، ولم يُصرّح لعمر - ﵁ - بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذونًا له في مثل ذلك.
وقال النوويّ ﵀: يحتمل أن يكون حذيفة - ﵁ - سمعه من النبيّ - ﷺ - هكذا على الشكّ، والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن يكون حذيفة - ﵁ - عَلِمَ أنه يُقْتَل، ولكنه كَرِه أن يخاطب عمر - ﵁ - بالقتل، فإن عمر - ﵁ - كان يَعْلَم أنه هو الباب كما جاء مُبَيَّنًا في "الصحيح" أن عمر كان يَعْلَم مَنِ الباب، كما يعلم أن قبل غد الليلةَ، فأتى حذيفةُ - ﵁ - بكلام يَحْصُل
_________________
(١) أي اللزوم والثبات.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٦١.
[ ٤ / ١٢٧ ]
منه الغرض، مع أنه ليس إخبارًا لعمر بأنه يُقْتَل. انتهى (^١).
(حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأغَالِيطِ) أي: حدّثته حديثًا، فهو مفعول مطلق لمقدّر، و"الأغاليط": بالفتح جمع أُغلُوطة، وهي التي يُغالَط بها، فمعناه حَدَّثته حديثًا صدقًا مُحَقَّقًا، ليس هو من صُحُف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبيّ - ﷺ -.
والحاصل أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر - ﵁ -، وهو الباب، فما دام حَيًّا لا تدخل الفِتَنُ، فإذا مات دخلت الفِتَن، وكذا كان، قاله النوويّ ﵀ (^٢).
وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: "ليس بالأغاليط" قال ابن دُريد: "المَغَاليط": الكَلِم التي يُغالط بها، واحدها مَغْلَطَةٌ، وأُغْلُوطةٌ، وجمعها أَغَاليطُ، ومعناه: حدّثته حديثًا صِدْقًا، ليس فيه غَلَطٌ لقائله، ولا سامعه، كما بيّنه بقوله: "إن عمر كان يعلم مَنِ الباب"، يعني: أنه كان عنده، وعند عمر من قِبَل النبيّ - ﷺ -، وليس من رأيه، وحديثه، ولا من صُحُف الكتابيين حيثُ تُتَصَوَّر الأغاليط.
وقال الداوديّ: معناه: ليس بالصغير الأمر، ولا اليسير الرزيّة، قال عياضٌ: والصواب الأول. انتهى (^٣).
[تنبيه]: قد وافق حذيفةَ - ﵁ - على معنى روايته هذه أبو ذرّ - ﵁ -، فروى الطبراني بإسناد رجاله ثقات، أنه لَقِي عمر - ﵁ -، فأخذ بيده، فغمزها، فقال له أبو ذر: أَرْسِل يدي يا قُفْل الفتنة … الحديث، وفيه أن أبا ذرّ قال: "لا يصيبكم فتنة ما دام فيكم"، وأشار إلى عمر - ﵁ -، ورَوَى البزار من حديث قُدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان، أنه قال لعمر: يا غَلَقَ الفتنة، فسأله عن ذلك، فقال: مررتَ، ونحن جلوس عند النبيّ - ﷺ -، فقال: "هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة بابٌ شديدُ الغلق ما عاش"، ذكره في "الفتح" (^٤).
[تنبيه آخر]: زاد في رواية الأعمش، عن شقيق الآتية في "الفتن" في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٥.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٧٩.
(٤) راجع: ٦/ ٧٠١ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٥٨٦).
[ ٤ / ١٢٨ ]
آخره: "قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يَعْلَمُ من الباب؟ قال: نعم، كما يَعلَم أنّ دون غدٍ الليلةَ (^١)، إني حدّثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهِبنا (^٢) أن نسأل حذيفة من الباب؟، فقلنا لمسروق (^٣): سَلْهُ، فسأله، فقال: عمر" (^٤). انتهى.
قال ابن بطَّال ﵀: إنما عَلِمَ عمر - ﵁ - أنه الباب؛ لأنه كان مع النبيّ - ﷺ - على حراء، وأبو بكر، وعثمان، فَرَجَفَ، فقال - ﷺ -: "اثْبُتْ، فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيقٌ، وشهيدان" (^٥)، أو فَهِمَ ذلك من قول حذيفة - ﵁ -: "بل يُكْسَر". انتهى.
قال الحافظ بعد كلام ابن بطّال هذا، ما نصّه: والذي يظهر أن عمر - ﵁ - عَلِمَ الباب بالنص، كما قدمت عن عثمان بن مظعون، وأبي ذرّ، فلعل حذيفة حَضَرَ ذلك، وقد أخرج البخاريّ في "كتاب بدء الخلق" حديث عمر - ﵁ - "أنه سمع خطبة النبيّ - ﷺ - يُحَدِّث عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم"، وأخرج في "كتاب المناقب" عن حُذيفة - ﵁ - أنه قال: أنا أعلم الناس بكل فتنة، هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وفيه أنه سمع ذلك معه من النبيّ جماعة ماتوا قبله.
[فإن قيل]: إذا كان عمر - ﵁ - عارفًا بذلك، فلمَ يَشُكّ فيه حتى سأل عنه؟.
_________________
(١) أي أن ليلة غد أقرب إلى اليوم من غد. اهـ. "فتح" ٦/ ٧٠٢.
(٢) بكسر الهاء: أي خِفْنا.
(٣) هو ابن الأجدع من كبار التابعين، وكان من أخصّاء أصحاب ابن مسعود، وحذيفة، وغيرهما من كبار الصحابة - ﵃ -، ودَلَّ ذلك على حسن تأدبهم مع كبارهم. انتهى. "فتح" ٦/ ٧٠٢.
(٤) قال الكرمانيّ - ﵁ -: تقدم قوله: "إن بين الفتنة وبين عمر بابًا"، فكيف يُفَسِّر الباب بعد ذلك أنه عمر؟. والجواب: إن في الأول تجوزًا، والمراد: بين الفتنة وبين حياة عمر، أو بين نفس عمر، وبين الفتنة بدنُهُ؛ لأن البدن غير النفس. انتهى.
(٥) أخرجه البخاريّ في "صحيحه" برقم (٣٦٧٨).
[ ٤ / ١٢٩ ]
[فالجواب]: أن ذلك يقع مثله عند شدّة الخوف، أو لعله خَشِيَ أن يكون نَسِيَ، فسأل من يُذَكِّره، وهذا هو المعتمد. انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيّان الأحمر ﵀ (فَقُلْتُ لِسَعْدٍ) أي: ابن طارق، شيخه في هذا الحديث (يَا أَبَا مَالِكٍ) كنية سعد بن طارق، كما يأتي في السند التالي (مَا) استفهاميّة، أي: أيُّ معنى لقوله: (أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟، قَالَ) سعد (شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ) خبر لمحذوف، أي: هو شدّةُ … إلخ.
قال القاضي عياض ﵀ كان بعض شيوخنا يقول: إنه تصحيفٌ، وهو قول القاضي أبي الوليد الكنانيّ، قال: أَرَى أن صوابه شِبْهُ البياض في سواد، وذلك أنّ شِدّة البياض في سواد لا يُسَمَّى رُبْدَةً (^٢)، وإنما يقال لها: بَلَقٌ إذا كان في الجسم، وحَوَرٌ إذا كان في العين، والرُّبْدة إنما هو شيءٌ من بياض يسير، كلون أكثر النَّعَام، ومنه قيل للنعامة: رَبْدَاء، فصوابه شِبْه البياض، لا شِدّةُ البياض.
قال أبو عبيد، عن أبي عمرو وغيره: "الرُّبْدَةُ": لونٌ بين السواد والغبرة، وقال ابن دُرَيد: "الرُّبْدة": لون أَكْدَرُ، وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة، وقال الحربيّ: لونُ النعام بعضه أسود، وبعضه أبيض، ومنه ارْبَدَّ لونه إذا تَغَيَّر، ودخله سواد، وإنما سُمّي النعام أربد؛ لأن أعالي ريشه إلى السواد، وقال نِفْطويه: المُرْبَدُّ: المُلَمَّعُ بسواد وبياض، ومنه تَرَبَّدَ لونه؛ أي: تَلَوَّن، فصار كلون الرماد. انتهى (^٣).
(قَالَ) أبو خالد (قُلْتُ) لسعد (فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟) أي: فما معنى قوله: "كالكُوز مجخّيًا؟ " (قَالَ) سعد (مَنْكُوسًا) أي: مقلوبًا، وقد تقدّم تفسير بعض أهل اللغة له بالمائل، ولا تنافي بينهما؛ لأن المنكوس مائل عن الاستقامة،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٧٠٢ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٥٨٦).
(٢) "الرُّبْدة" وِزانُ غُرْفة: لون يختلط سواده بكُدرة، قاله في "المصباح" ١/ ٢١٥.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٧٥ - ٥٧٦.
[ ٤ / ١٣٠ ]
فهو قريبٌ من معناه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٨/ ٣٧٦ و٣٧٧ و٣٧٨] (١٤٤)، وكرره في "الفتن"، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٥٢٥)، و"الزكاة" (١٤٣٥)، و"الصيام" (١٨٩٥)، و"علامات النبوّة" (٣٥٨٦)، و"الفِتَن" (٧٠٩٦)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٥٨)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٣٢٧)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٥٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٠٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٧٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ١٥ و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٤٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٦ - ٤٠١ - ٤٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٦٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٢٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢١٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣ و١٤٤ و١٤٥).
ثم قال: قال أبو عوانة: يقال: إن تفسير مربد: شدّة البياض في السواد، وتفسير الكوز مجخّيًا قال: منكوسًا. انتهى (^١).
و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٧ و٣٦٨ و٣٦٩).
ثم قال: "المائج": المضطرب، ويموج؛ أي: يضطرب، و"المجَخّي": المائل، يعني: لا يعي شيئًا، ولا يستقرّ فيه الخير، كما لا يستقرّ الماء في الكُوز المُجَخَّى، والمُرْبَدُّ: لون بين الغبرة والسواد، وهو لون النعام. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تعظيم أمر الفِتَن، وأنها تُعرض على القلوب، فتفسدها،
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ١/ ٥٧.
(٢) "مستخرج أبي نُعيم" ١/ ٢١١.
[ ٤ / ١٣١ ]
حتى يظلم، وإذا كان كذلك يكون مضادًّا للإيمان؛ لأنه نور، فلا يدخل في قلب لا يقبله، وهذا هو وجه المطابقة في ذكره في كتاب الإيمان؛ إذ معظم الفتن تنافي الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان انقسام القلب إلى قسمين:
قلبٌ يقبل الفتن، وتتمكّن منه، فتفسده، فلا يمكن أن يعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، بل هو متّبع لهواه والشيطان.
وقلب، لا مجال للفتن فيه أصلًا، بل يطردها، ولا يجعل لها مدخلًا فيه، فهذا قلب شرحه الله تعالى للإسلام، وأدخل فيه النور، وقد أشار الله تعالى إلى هذين القسمين في كتابه حيث قال ﷿: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢].
٣ - (ومنها): أن فيه علَمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً ظاهرةً للنبيّ - ﷺ - حيث أخبر عما يقع بعد موته من الفتن الكبرى، وأنها لا تكون ما دام عمر حيًّا، فكان كما قال.
٤ - (ومنها): بيان فضل عمر - ﵁ -، وأنه كان مِغلاقًا للفتن، فلم يرَ الناس الفتنة العمياء إلا بعد موته - ﵁ -.
٥ - (ومنها): بيان أن عمر - ﵁ - يموت مقتولًا ظلمًا، فكان كما أخبر به النبيّ - ﷺ - حيث مات شهيدًا، قتله أبو لؤلؤة المجوسيّ غلام المغيرة بن شعبة - ﵁ - يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وقيل: لثلاث سنة (٢٣ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل غير ذلك.
٦ - (ومنها): بيان فضل حُذيفة - ﵁ - حيث كان موضع سرّ رسول الله - ﷺ -، أعلمه بالفتن التي تأتي في أمته بعده، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عنه - ﵁ - أنه قال: "والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة " (^١)
_________________
(١) سيأتي في "الفتن" برقم (٢٨٩١).
[ ٤ / ١٣٢ ]
٧ - (ومنها): بيان أن القلب الذي تدخل فيه الفتن لا يمكن أن يقبل الحقّ؛ إذ هو ضدّه، وإنما يُطيع هواه.
٨ - (ومنها): بيان فضل إنكار الفتن، واجتنابها؛ لئلا تؤثّر في القلب، وتصدّه عن قبول الحقّ، واتباع السنّة.
٩ - (ومنها): جواز إطلاق العامّ، وإرادة الخاصّ، فإن عمر - ﵁ - سأل عن الفتن العامّة، وأراد الفتنة الخاصّة.
١٠ - (ومنها): أن الأهل، والأولاد، والنفس، والجار، فتنة؛ لأنها توقع في الذنوب، وارتكاب ما لا يحلّ للإنسان بسببهم.
١١ - (ومنها): أن هذه الفتن تكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة، ونحوها من الحسنات، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
١٢ - (ومنها): أن الفتنة الكبرى إذا وقعت ظلّ باب الشرّ مفتوحًا بين المسلمين، فلا يُغلَق أبدًا.
١٣ - (ومنها): تذاكر الولاة مع العلماء أمور دينهم للتبصّر بالعواقب، وأخذ الحَذَر والحِيطَة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ جَلَسَ، فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْس، لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْه، سَأَلَ أَصْحَابَهُ، أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الْفِتَنِ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ: "مُرْبَادًّا مُجَخَّيًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، ثقةٌ، كان يلازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
[ ٤ / ١٣٣ ]
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظٌ، كان يُدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو مالك الأشجعيّ": هو سعد بن طارق، المذكور في السند الماضي.
قَوله: (فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسِ) قال النوويّ ﵀: المراد بقوله: "أَمْسِ" الزمان الماضي، لا أمسِ يومه، وهو اليوم الذي يلي يوم تحديثه؛ لأن مراده لَمّا قَدِم حذيفة الكوفةَ في انصرافه من المدينة، من عند عمر - ﵄ -.
[تنبيه]: في "أَمْسِ" ثلاث لغات، قال الجوهريّ: "أَمْس" اسم حُرِّك آخره؛ لالتقاء الساكنين، واختلف العرب فيه، فأكثرهم يَبنيه على الكسر معرفةً، ومنهم من يُعربه معرفةً، وكلهم يُعربه إذا دخلت عليه الألف واللام، أو صَيَّره نكرةً، أو أضافهُ، تقول: مضى الأمسُ المباركُ، ومضى أمسُنَا، وكلُّ غَدٍ صائر أمسًا، وقال سيبويه: جاء في الشعر: "مذ أمسَ" بالفتح، هذا كلام الجوهريّ.
وقال الأزهريّ: قال الفراء: ومن العرب من يَخفِض الأمس، وإن أدخل عليه الألف واللام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في "أَمس" أنه يُبنى على الكسر، وشرط بنائه خلوّه من "أل"، والإضافة، والتصغير، والتكسير، وأن يُراد به معيَّنٌ، وهو اليوم الذي يليه يومك خاصّةً، أو اليوم المعهود، وإن بَعُدَ على ما استظهره الشنوانيّ، فيكون كالمُحلَّى بـ "أل"، أما المنوّن، فيعمّ كلَّ أمسٍ، فإذا اجتمعت هذه الشروط بُني على الكسر مطلقًا عند الحجازيين؛ لتضمّنه معنى "أل"؛ إذ هو معرفةٌ بغير أداةٍ ظاهرةٍ، بدليل وصفه بالمعرفة في قولهم: "أمسِ الدابرُ لا يعود"، وأما بنو تميم، فبعضهم يُعربه كما لا ينصرف مطلقًا؛ لشبه العلميّة والعدل عن "الأمس" بـ "أل"، وعليها قوله:
لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا
وأكثرهم يُعربه كذلك في الرفع فقط؛ لشرفه، ويبنيه على الكسر في غيره؛ عملًا بالموجِبين، وحُكي فيه أيضًا البناء على الكسر منوّنًا، وإعرابها منصرفًا مطلقًا، فهذه خمس لغات كلُّها في غير الظرف.
[ ٤ / ١٣٤ ]
فأما الظرف مع استيفاء الشروط، كـ"فعلته أمسِ"، فمبنيّ إجماعًا، نقله ابن هشام في "التوضيح"، وإن نوزع في حكاية الإجماع بنقل الزجّاج جواز كونه كـ"سَحَر" ظرفًا.
وإن فقد شرطًا منها أُعرب إجماعًا، ظرفًا كان، أو غيره؛ لفوات شِبْه الحرف في عدم الشرط الأخير، ولمعارضته بخواصّ الأسماء في غيره.
وأما قوله [من الطويل]:
وَإِنِّي وَقَفْتُ الْيَوْمَ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ … بِبَابِكَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ
على رواية كسره، فخُرّج على زيادة "أل"، أو أنه عطفٌ على توهُّم أنه قال: وقفتُ في اليوم، والأمس، فيكون معربًا.
والفرق بين العدل والتضمين أن الأول يجوز فيه ذكرُ "أل"، والثاني يؤدّي معناها مع طرحها، وامتناع ذكرها، ذكره الخضريّ ﵀ في "حاشيته" (^١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (سَأَل أَصْحَابَهُ) أي: جلساءه الذين أحاطوا به.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لمروان الفزاريّ، أي: ساق مروان الحديث.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ) هو: سليمان بن حيّان الأحمر.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: مروان (تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ) أي: سعد بن طارق (لِقَوْلِهِ: مُرْبَادًّا مُجَخِّيًا) يعني: أن مروان وإن شارك أبا خالد الأحمر في رواية هذا الحديث عن سعد بن طارق، لكنه خالفه بنقص بعضه، وهو التفسير المذكور.
[تنبيه]: رواية مروان الفزاريّ المذكورة لم أجد من أخرجها غير المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ١/ ٤٢.
[ ٤ / ١٣٥ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، قَالُوا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هَنْدٍ، عَنْ رِبْعِيَّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثُنَا، أَوْ قَالَ: أيُّكُمْ يُحَدَّثُنَا، وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ، مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيط، وَقَالَ: يَعْني: أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمِنُ، أبو موسى العنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيّ) بن بَحْر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ الباهليّ، أبو حفص البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٨.
٣ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم (^١) الْعَمِّيُّ) (^٢) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٥ - (سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) هو: سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٦ - (نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) واسمه: النعمان بن أشيم الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [٤].
رَوَى عن أبيه، وله صحبةٌ، ونُبَيط بن شَرِيط، ورِبْعيّ بن حِرَاش،
_________________
(١) بضم الميم، وفتح الراء، بصيغة اسم المفعول.
(٢) بفتح العين المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى عمّ، بطن من تميم، قاله في "لبّ اللباب" ٢/ ١٢٢.
[ ٤ / ١٣٦ ]
وسُوَيد بن غَفَلة، وأبي وائل، وأبي حازم الأشجعيّ، وابن سمرة بن جُنْدَب.
ورَوَى عنه ابن عمه، أبو مالك، سعد بن طارق الأشجيّ، وسَلَمة بن نُبَيط، وسليمان التيميّ، ومغيرة بن مِقْسَم، وزياد بن خَيْثَمة، والزُّبير ذبن الخِرِّيت، وشعبة، وشيبان النحويّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم الرازيّ: قيل لسفيان الثوريّ: ما لك لم تَسْمَع من نعيم بن أبي هند؟ قال: كان يتناول عليًّا - ﵁ -، وقال ابن سعد: تُوُفي في ولاية خالد الْقَسْريّ، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال عمرو بن عليّ: مات سنة عشر ومائة.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٤٤)، وحديث (١٥٦٠): "تجاوزوا عن عبدي … "، و(٢٧٩٧): "لو دنا منّي لاختطفته الملائكة … "، و(٢٩٣٥): "لأنا بما مع الدجّال أعلم منه … ".
والباقيان تقدّما في الماضي.
وقوله: (مَنْ يُحَدِّثُنَا) "من" استفهاميّة.
وقوله: (وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي: والحال أن حذيفة - ﵁ - كائنٌ مع القوم الذين سألهم عمر - ﵁ -.
وقوله: (قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره، أي: أنا أُحدّثكم، أو أنا أحفظه، كما تفيده الرواية التي قبلها.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لنعيم بن أبي هند.
وقوله: (كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ) أي: سعد بن طارق الأشجعيّ.
وقوله: (وَقَالَ) أي: نعيم (فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ) يعني: أن نُعيمًا زاد في روايته على رواية مروان الفزاريّ قوله: "قال حذيفة … إلخ"، وقد تقدّمت في رواية أبي خالد الأحمر.
[ ٤ / ١٣٧ ]
وقوله: (وَقَالَ: يَعْنِي: أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ضمير "قال" لنعيم أيضًا، والظاهر العناية منه، ويحتمل أن يكون من غيره.
[تنبيه]: رواية نُعيم بن أبي هند التي أشار إليها المصنّف، قد ساقها الحافظ أبو نُعيم، في "مستخرجه"، فقال ﵀ (١/ ٢١١):
(٣٦٩) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو حفص، وثنا ابن الطهرانيّ، ثنا يحيى بن حكيم، قالوا: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان التيميّ، عن نعيم بن أبي هند، عن رِبْعيّ، عن حذيفة، أن عمر قال: مَن يُحَدِّثنا، أو مَن أَمِينكم يحدثنا ما قال رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا، أيّ فتنة تَعني يا أمير المؤمنين؟ قال: فتنة الرجل في نفسه وأهله وماله، قال: لا، تكفّرها الصلاة والصدقة، ولكن الفتنة التي تموج، أو تمور كما يمور، أو كما يموج البحر، فقال: وما عليك يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، لا يُفْضِي إليك منها شيء، حتى يُدَقّ البابُ، فقال عمر: دَقًّا لا أبا لك؟ إنه لو كان إنما يُفتَح كان عسى أن يُغْلَق، فقال حذيفة: إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: يعني: فإنه عن رسول الله - ﷺ -، فقال في بعض ذلك: "يُعْرَضُ للناس فتنةٌ، فمن أُشْرِبها كانت في قلبه نكتةٌ سوداءُ، ومن أنكرها كانت في قلبه نكتةٌ بيضاءُ، حتى يكون الناس، أو تكون القلوب فيها قلبين: قلب أبيض كالصَّفَا، لا تَضُرُّه فتنة أبدًا، وقلبٌ أسودُ مُرْبَدٌّ، مثل الكُوز مُجَخِّيًا، لا يَعْرِف حَقًّا، أو قال: معروفًا، ولا ينكر منكرًا"، لفظ يحيى بن حكيم.
[تنبيه آخر]: وقع في سند أبي نُعيم المذكور زيادة شعبة بين ابن أبي عديّ، وبين سليمان التيميّ، وليس ذلك عند مسلم، ولم يتعرّض أحد للتنبيه على هذا، لا الحافظان: المزيّ، وابن حجر، في "تحفة الأشراف"، و"النكت الظراف"، ولا غيرهما، والظاهر أنه غلط، فليُحرّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
[ ٤ / ١٣٨ ]